بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ونحن مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، اليوم نتكلم عن حديث جمع ثلاثة من الخصال العظيمة التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستحضرها في حياته؛ حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه فقد وجد بهن حلاوة الإيمان: ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ الأولى: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والثانية: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، والثالثة: أن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». متفق عليه.
طبعا الحديث له ألفاظ متعددة، لكن هذا هو أساس الحديث، حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه. ومر معنا أنس بن مالك بن النضر رضي الله عنه وأرضاه، صحابي جليل خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة. ماذا نقول عن أنس رضي الله عنه وأرضاه إلا أن نقول: هنيئاً لك هذه الصحبة! يقول: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ توفي في عام ثلاثة وتسعين من الهجرة في البصرة رضي الله عنه وأرضاه.
الآن أيها الأحبة الأفاضل، دعونا نعيش مع الحديث: «ثلاث من كن فيه» أو «من وجدت فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان». نحن عندنا الإيمان وعندنا حلاوة الإيمان، فما هي حلاوة الإيمان؟ حلاوة الإيمان أن الإنسان يشعر بحلاوة الدين، حلاوة الطاعة، حلاوة السنة، حلاوة الحسنة، حلاوة القربة إلى الله سبحانه وتعالى؛ يصوم فيشعر بلذه الصيام، يقرأ القرآن فيشعر بجمال القرآن، يقوم الليل فيشعر براحة جميلة جداً ويشعر بسعادة ليس لها مثيل، ربما يقرأ أو يسمع شيئاً من الذكر فيخشع قلبه وتبكي عينه، هذه حلاوة الإيمان.
فعندنا الإيمان، الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، أو كما قال صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة؛ بين النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هذه أصول الدين، أصول الإيمان، أركان الإيمان. الإيمان يقول صلى الله عليه وسلم: «بضع وست أو بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها لا إه إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». أنا حينما أقول هذا أقول: الإيمان هو تلك العبادات التي نعملها نتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى؛ عبادات علمنا اياها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
هنا فرق كبير بين من يؤدي عبادة لا يعرف قيمتها ولا حلاوتها ولا أثرها، وبين من يعمل العبادة فيجد لها أثراً، ويجد لها خشوعاً ويجد لها رقة ويجد لها جمالاً في نفسه. هناك من يعمل العبادة ليتخلص من الواجب الذي عليه، وهناك من يعمل العبادة ليانس وليسعد ويلهج بهذه العباده. فلذلك العبادة حينما تكون مستقرة في القلب، الإيمان حينما يكون في القلب، الطاعة حينما تكون مسيطرة على الجوارح الظاهرة والباطنة؛ هنا يشعر الإنسان بحلاوة الإيمان.
قيل لبلال رضي الله عنه وأرضاه: كيف كنت تتحمل ذاك العذاب الشديد الذي كان ينزل عليك من التجويع ومن الجلد والضرب والسحل والتعرض لرمض مكة والصخور التي على جسده؟ فيقال إنه قال كلمة جميلة: مزجت حلاوة الإيمان بمراره العذاب، فطغت حلاوة الإيمان على مرارة العذاب فما أصبحت أعر بشيء. نعم، حلاوة الطاعة حينما تتحقق في الفرد المسلم، والله النهار لو بلغ عشرين ساعة أنها على قلبه برداً وسلاماً. أي عبادة لا يجد لها مشقة ولا نصباً ولا تعباً ولا سامة، لماذا؟ لأن القلب تعلق بالحي القيوم، هذا هو الإيمان الذي نريده؛ أن تعيش في الدنيا كأنك تعيش في الجنة. يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قالوا: وما هي؟ قال: جنة الإيمان.
نعم، الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عاشوا مرارة الكفر، عاشوا نصب الجاهلية وتعب الجاهلية ومرارة الجاهلية، فلما شعروا بحلاوة الإيمان ولذة الإيمان وحلاوة الطاعة ولذة الطاعة، أصبح الواحد فيهم لا يفكر في شيء من الماضي. يعني حرام بن ملحان رضي الله عنه وأرضاه يصاب برمح فيدخل من ظهره ويخرج من صدره، فيصيح بأعلى صوته: فزت ورب الكعبة! هذا الإيمان؛ كان الإنسان منهم يحمل روحه رخيصة في سبيل الله، لماذا؟ لأن الإيمان قد استقر في قلبه، وبالتالي كل ما ياتيه من الدنيا لا قيمة له، إنما يريد الذي آمن به سبحانه جل في علاه.
هنا النبي صلى الله عليه وسلم يحفز الأمة إلى هذه الخصال العظيمة الثلاث وهي باب عظيم في كل باب من أبواب الدين. أول قضية معنا، أول خصله معنا، قال: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، أن يكون الله سبحانه جل في علاه ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما سواهما. وهذه قضية مهمة أيها المشاهد الكريم؛ أن يكون الله عز وجل أول محبوب في قلبك، لا يتقدمه أحد، حتى رسول الله! حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون الله عز وجل أول محبوب في قلوبنا، ما يتقدمه أي شيء، لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابه ولا الوالد ولا الوالدة ولا الزوجة ولا الأولاد ولا البنات ولا الدنيا ولا المتاع ولا المناصب ولا الكراسي، لا لا، أول محبوب في قلوبنا الله جل في علاه.
ولذلك حينما تتحقق هذه المحبة في قلوبنا هنا نجد حلاوة الإيمان، هنا نجد لذة الطاعة والقربة. خلاص، هذا الحب لله عز وجل يدفعني إلى الاتيان بالواجبات كامله، ويدفعني كذلك إلى الاتيان بالسنن والمستحبات. وفي الحديث يقول الله سبحانه وتعالى: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». إذاً، أعظم ما نتقرب إلى الله عز وجل إذا أحببناه، الواجبات والفرائض. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. ولحظة، هل تظنون أن الله عز وجل حينما أوجب علينا هذه الواجبات وفرض علينا هذه الفرائض هو في حاجة لها؟ والله ما هو في حاجة لشيء منها، إنما فرضها لنا نحن، لمصلحتنا، حتى نسعد ونهنى ونعيش الحياة الطيبة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
فإذاً، اعظم ما نتقرب به إلى الله الواجبات والفرائض، أركان الدين، واجبات الدين، ما فيها تفريط، وهذه من أعظم القربات والأعمال الصالحة إلى رب العالمين. ثم بعد ذلك تاتي المحبة التي تدفعنا إلى التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، النوافل والمستحبات، وما يزال استمرار: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». الله أكبر! الله أكبر! إذاً، هذه هي لوازم محبة الله سبحانه وتعالى.
طيب، كيف نحب الله سبحانه وتعالى؟ كيف نحب الله؟ وسائل المحبة كثيرة، لكن أعظم وسيلة في نظري أن نتعرف على الله بأسمائه وصفاته، أن نتعرف على الله؛ من عرف الله أحبه، ولذلك كلما زادت المحبة أو المعرفة زادت المحبة، من كان بالله أعرف كان له أخوف. ولذلك أدعوكم أيها الأحبة أن نتعرف على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وعظمته وجلاله وقدسيته ومجده، ولا نحصل على هذه المعرفة إلا من خلال كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فاذا كلما زادت المعرفة زادت المحبة، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أصل التفاضل بين الناس في معرفة الله ومحبته؛ معرفة الله ومحبته، تعرف الله تحبه، تزداد المعرفة تزداد المحبة، وهكذا وهكذا حتى تصل إلى درجة الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك.
تأتي بعد ذلك محبة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يجوز تقديم أي مخلوق على محبة النبي صلى الله عليه وسلم أبدا. عمر يقول: يا رسول الله، والله انك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. قال: لا يا عمر. قال: يا رسول الله، والله انك الآن أحب إلي من نفسي. قال: يا عمر، فانتبهوا أحبة الله أولا، محبة النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا. وهذه المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم من لوازمها أن تاتي بكل ما علمك إياه وارشدك إياه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتاتي بعد ذلك بالنوافل والسنن، أن تتأسى بسلوكه وسنته وهديه صلى الله عليه وسلم. صلوا كما رأيتموني أصلي، خذوا عني مناسككم، من رغب عن سنتي فليس مني. دائما نحن مع رسولنا صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، هكذا كان الصحابة والسلف الصالح، ما ناخذ الذي يعجبنا واللي ما يعجبنا ما ناخذه، لا لا.
أن تأتي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، كل ما فعله تفعله قدر ما تستطيع، تستعين بالله تدعو الله سبحانه وتعالى. هذه المحبة، صدق المحبة، تعصيلها وأنت تزعم حبه، هذا العمر في القياس شنيع؛ لو كان حبك صادقا لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع. فاذا أنت تحب رسول الله لابد أن تتأسى به، ما يعني تأخذ الذي تريد وتترك الذي تريد، لا لا لا.
لذلك يوم القيامة، كل في عرصات يوم القيامة كل نبي له حوض، وأعظمها حوض رسولنا صلى الله عليه وسلم، فكل أمة تأتي إلى نبيها، والرسول يعرفهم غر محجلين من آثار الوضوء، فيأتي قوم على الحوض فيستقبلهم صلى الله عليه وسلم، فتأتي الملائكة فتطردهم. فيقول: أمتي أمتي، يعرفهم غر محجلين، فيقولون: انك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك. فيقول: سحقا سحقا سحقا سحقا. فلذلك أيها الأحبة، محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست وشاح يلبس أو رداء يلبس، لا، محبة النبي اتباعه. أعظم دليل على صدق المحبة أن نتبعه، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]. هذه الخصلة الأولى، ولا أخفيكم تحتاج إلى كلام طويل لكن حاولت ايش أن ألخص هذا الموضوع. هذه الخصلة: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
طيب، الخصلة الثانية: قال: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. والله ما أجملها وما أعظمها وما أفضلها من كرامة، هذه التي وحدت المجتمع جعلته كالبناء المرصوص يشد بعضه بعضا. هذه البشرية ما سمعت بمثل ما وقع للصحابه من حب ومؤاخاة أبدا، ما سمعت والله ولن تسمع مثل ما حدث بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهذه قضية مهمة يعني أنا لو أسألك سؤال اخي المشاهد أو اختي المشاهده، متى قال الواحد فينا لأخيه أو قالت الاخت لأختها أو صديقتها: يا فلان أو يا فلانة إني أحبك في الله؟ متى قلنا هذا؟ هذه عبادة سهلة في النطق سهلة في العمل سهلة، لكنه يمر علينا شهور ربما سنين ما قال الواحد منا لأخيه: إني أحبك في الله، أو الاخت تقول لأختها: إني أحبك في الله.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن للمتحابين في الله منابر من نور يغبطهم عليها الأنبياء والصديقون والشهداء، وعليه على يمين الرحمن. بل ربنا سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ اسمعوا إلى هذا الحديث العجيب: «وجبت محبتي» وفي رواية: «حقت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتناصحين فيّ، والمتباذلين فيّ».
يا الله، حقت وجبت! لماذا؟ رأيت انسان صالح من أهل المسجد ومن أهل القرآن ومن أهل السنة، دخل قلبي، فلان إني أحبك في الله، بس. الرسول صلى الله عليه وسلم كان عنده أحد الصحابة فمر آخر فقال: يا رسول الله إني أحب فلانا في الله. قال: أخابرته؟ قال: لا. قال: قم فأخبره. هذا المجتمع المسلم مجتمع ترابط، أنا قد أحبك، أنت تحبني، لكن ما في تفعيل للمشاعر. فذهب قال: يا فلان إني أحبك في الله. قال: أحبك الله الذي أحببتني فيه.
إذا هذا المجتمع الصح، أنني أحب صاحب الطاعة، صاحب السنة، صاحب المسجد، صاحب القربة، أحبه لأنه عبد لله سبحانه وتعالى وحد الله وعبد الله، وأكره الآخر ليس لذاته، إنما العاصي أكرهه لمعصيته لتقصيره لذنبه لمجاهرته، فأنا لا أكرهه، هو ما يزال رابط الإسلام بيننا، لكن أكره المعصية التي هو عليها. إذا الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان. «وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتواصلين فيّ، والمتناصحين فيّ».
إخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي، عبادة عظيمة جدا جدا، ما تكلفنا شيء، لكن تكلفنا أن القلب ينفتح على إخوانه المسلمين، وهي أيضا قضية الولاء والبراء، أن نوالي أهل الإيمان وأن نتبرأ من أهل العصيان. فلذلك هذه قضية مهمة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ايش: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». ترى يعني بعض الناس يحب إخوانه ليس لله؛ مشهور من المشاهير، صاحب منصب، صاحب مال، صاحب جمال، صاحب شيء دنيوي، صاحب دنيا، هذه لا يثاب عليها، لا يثاب عليها، إنما تحبه لله «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله»، هنا القضية هنا الضابط.
ولذلك يعني كثير من الناس يحب كثيرا من الناس لكن بغير ضابط شرعي ولا رباط شرعي، انتبهوا القضية هنا تكون مرتبطة بالله سبحانه وتعالى. وكما قلت، كما أنني أحب أهل الطاعة، وأؤكد أنني حينما أرى أهل المعصية من المسلمين فأنا أكره فيه معصيته لكن يظل الولاء موجود بيننا، أما الكافر فقول واحد لا نحبه لا من قريب ولا من بعيد ولا يعني ذلك أن نظلمه، لا، لكن لا. الحب هنا، الحب ميزة عظيمة وشرف عظيم لا يناله إلا أهل الإيمان.
ولذلك كثير من العلماء تكلموا عن هذه الصفة وهذه الميزة بين المسلمين: الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان. طيب، هذا الضابط الثاني والخصلة الثانية، وأقول: احرصوا عليها بارك الله فيكم، انشروها، علموا الناس كيف يتحابون في الله، علموا الناس كيف يظهرون مشاعرهم، يعني بعض الناس عنده مشاعر جياشة لكنها مكتومة، لا يا أخي اظهرها أظهرها، لماذا؟ لأنه هذا يؤدي إلى تماسك المجتمع ونشر هذه الثقافة؛ ثقافة الحب في الله والبغض في الله، فلذلك يصبح المسلم قريب من أخيه المسلم.
كما قلت يعني احنا نجتمع في المسجد يمكن خمس صلوات أربع صلوات أكثر أقل، طيب نحن نرى كثير من المصلين كل يوم كذا مرة، وبيننا وبينهم مودة ومحبه، لكن بعض الناس كما قلت ما يفعلها ما يظهرها، لا أظهرها بارك الله فيك.
إذا هذه الخصلة الثانية، الخصلة الثالثة كلها مرتبطة ببعضها، الإيمان وحلاوته ثم الحب في الله، ثم بعد ذلك الفرح بدين الله، السعادة بالتوحيد، السعادة بأنك عبد لله سبحانه وتعالى، انك تشعر بالفخر مو على في الدنيا، لا تشعر بالفخر لأن الله جعلك عبدا له، من عبد البقر وهناك من عبد الحجر وهناك من عبد الفأر وهناك من عبد الصرصار وهناك من عبد الشجرة وهناك من عبد الكواكب والنجوم وهناك من عبد النساء نعم مع الأسف، أنت جعلك الله عبدا له، هذه نعمة عظيمة، ومما زادني شرفا وفخرا وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا.
الذي يستمع إلي الآن وينظر إلي، لابد أن تفتخر، ترفع راسك شامخا انك عبدا لله، إذا كان هناك مليارات يعبدون أحجارا وأصناما وبقرا وغير ذلك، أنت اختصك الله مع المؤمنين انك تعبده سبحانه. هل في مقارنة؟ ما في مقارنة. ربك سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحسنى والصفات العلى، صفاته الكمال المطلق.
في كل صفة كمال مطلق، ولذلك الإنسان يحمد الله أنه عبد لله سبحانه وتعالى. نعم إن الإنسان يرفع راسه عالياً: أنا مسلم، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أنا أمشي على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأفاخر بذلك وأجاهر بذلك، ولا أشاعر بالحياد والخجل. بعض الناس إذا ذهب إلى مجتمع كافر ولا مجتمع منحل كذا لا يحاول أن يظهر دينه؛ لا يا أخي، لا يذهب.
ربعي رضي الله عنه وأرضاه الصحابي الجليل لمقابلة رستم في القتال مع الروم، فيدخل ربعي رضي الله عنه وأرضاه وقد رفع رأسه، نعم ثيابه ممزقة ورمحه مثلث، لكن كلما دخل على أريكة خرقها حتى يبين عزة المسلم. فيستهزئ رستم: يعني جئتم تقاتلون بهذا الفرس العقور وبهذا الرمح المقتل، ما الذي أتى بكم؟ قال: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. هذا هو الدين، يدخل وهو منتشٍ، وهو فخور بهذا الدين العظيم.
بعض الناس إذا سافر إلى مجتمع كافر، مجتمع أجنبي، مجتمع كذا يحاول أن يكون مثلهم؛ لا لا، اعتز بشخصيتك، اعتز بسنتك، اعتز بصلاتك، اعتز بعقيدتك، اعتز بأخلاقك، اعتز حتى بكلماتك. نحن مسلمون قد ضبطنا بالكتاب والسنة. لذلك الخصلة الثالثة: أن يحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة أنه عبد لله سبحانه وتعالى.
ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». هل يرضى واحد منا أن يقذف في النار؟ لا والله ما نرضى، ولو عرضنا على النار لحاولنا بكل استماته أن ننجو من النار. كذلك ينبغي علينا أن نحاول بكل استماته أن نثبت على ديننا، ولو جاءتنا الفتن من كل مكان، ولو احتوتنا الشهوات والشياطين والشبهات، لا أنا أثبت على هذا الدين، أعيش عليه وأموت عليه وأبعث عليه إن شاء الله، أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه.
لذلك عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه وأرضاه قبض عليه في إحدى المعارك مع الروم فجيء به. جاء به ملك الروم، قال: أتوني بأحد أصحاب محمد. جاؤوا به، عبد الله بن حذافة. قال: تترك دينك وأزوجك ابنتي وأجعلك ولي العهد وأعطيك نصف ملكي؟ قال: ولا ملكك كله. انظر كيف عرضت عليه الدنيا. فأجاعوه ثلاثة أيام، وضعوا أمامه الخمر والخنزير فما أكل ولا نظر، ثم جعلوه في زنزانة وادخلوا عليه امرأة غانية، الغانية الجميلة التي استغنت عن أي محسنات وتعرّت أمامه وتمايلت وتكسرت فما نظر إليها. فقالت: أخرجوني أخرجوني، أهذا حجر أم بشر؟
ثم في النهاية رفض أنه يستجيب لهم، فقال: القوه في... أتى بقدر كبير فيه زيت مغلي ورمى فيه أحد المسلمين. ما وصل هذا المسلم إلى الزيت المغلي حتى خارّت العظام عن اللحم. تعود عن دينك؟ قال: ما أعود. قال: اقذفوا به. ومضى الملك. بكى عبد الله، فقال للملك: الأسير المسلم بكى؟ فجاء، قال: تعود عن دينك؟ قال: ما أعود. قال: لما بكيت؟ قال: إن لي نفساً واحدة تموت في سبيل الله، وكنت أتمنى أن لي بعدد شعر راسي أنفساً، كلما ذهبت واحدة لحقتها الثانية في سبيل الله. الله أكبر، الله أكبر! أي قوة، أي عزيمة، أي عظمة؟
ولذلك عرف الملك أنه أمام شخصية، قال: إذا ما رأيك تققبل رأسي وأطلق سراحك؟ فكر عبد الله، قال: أقبل رأسك وتطلق سراحي مع جميع الأسرى المسلمين؟ قال: نعم. فقبل رأسه وأخرجه مع بقية الأسرى. لما راه عمر قبل رأسه، قال: حق لكل مسلم أن يقبل رأسك. شاهدي من هذا: انظر إلى اعتزاز المسلم، اعتزاز المسلم بدينه، بشريعته، بقرآنه، بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. أنا ديني ما هو ضعيف أبيعه لأي شهوة أو أي شبهة، لا؛ ديني ثباتي عليه يوصلني إلى الجنة بإذن الله سبحانه وتعالى، فما هو من السهل أن أفرط في ديني، لا أبدا ولو ذهبت روحي، ولو ذهبت روحي.
إذا ثلاث من كن فيه فقد وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار. أحبتي في الله، الحديث فيه فوائد عظيمة جداً كثيرة جداً، لكن أحببت أن أشير فقط إلى بعض الإشارات التي مع منهجنا الذي أمامنا. فاقول: الله الله في الثبات، أسأل الله أن يرزقكم حلاوة الإيمان. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان ليخلق في جوف الثوب كما يخلق...» وفي رواية: «ليبلى كما يبلى الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم».
أسأل الله أن يجدد الإيمان في قلوبنا جميعاً. حفظكم الله ورعاكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. استودعكم الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي