تسجيل الدخول

المحاضرة 12 - شرح حديث: (إن أحدكم يُجمعُ خَلقُه ...) (2)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد.

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله في أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث، ومع الحديث التاسع واللقاء الثاني في هذا الحديث، وحديث ابن مسعود العظيم. ونكمل اليوم أيضاً ما بدأناه في اللقاء الماضي، حديث: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» متفق عليه.

طبعا أيها الأحبة، ذكرنا سابقا أن ابن مسعود قال وهو الصادق المصدوق. ترى هذه الكلمة لم تأت من فراغ، كما قلت أيها الأحبة، بعض الناس قد يكون عنده ضيق في الأفق، عنده فكرة، ليس الفكر ذاك المستنير الذي يفهم الأمور على مكانها. لكن بعض الناس عنده ضيق في الأفق وفي فهم، إيش عرفه؟ طب لا يا اخي، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثاني أيها الأحبة، اسمحوا لي أن أتكلم عن كتب السنة. الله سبحانه وتعالى لما تكفل بحفظ القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. فالله سبحانه وتعالى جزم وكتب على نفسه أنه سيحفظ القرآن، لماذا؟ لأن القرآن حفظه حفظ للدين. إذا حفظ القرآن حفظ الدين أيها الأحبة، ولذلك الحمد لله، الآن شوف لنا أكثر من ألف وأربعمائة سنة من العصر النبوي الشريف ومع ذلك ديننا هو هو، ما تغير، عقيدتنا واحدة، كل ما نحتاجه كمسلمين موجود عندنا.

إن من حفظ القرآن حفظ السنة، وهذا انتبهوا أيها الأحبة، القرآن الكريم حينما حفظ، هناك كثير من العبادات لا تفهم إلا بالسنة. لما أمر الله بالصلاة، طيب صفة الصلاة وأنواع الصلاة وصلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، طيب كيف ناخذها من السنة؟ طيب هل يمكن أن الله عز وجل يحفظ القرآن ولا يحفظ السنة التي هي شارحه للقرآن؟ ما يمكن، ما يمكن. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». طيب نحن ما رأيناه، لكن السنة حملت إلينا صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحج: «خذوا عني مناسككم».

لذلك أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم حذر: «يوشك أن ياتي رجل متكئ على أريكته، يقول بيني وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه». انتبه، فلا يجوز، لا يجوز أن نفرق بين القرآن والسنة في العمل والاتباع.

ثم احبتي في الله، الله سبحانه وتعالى قيض لهذه الأمة من يحفظ لها هذه السنة. نحن أمة الدليل وامة السند، ولذلك تجد كل راوي للحديث يعرف متى ولد، وأين مات، وكيف حياته، وكيف أكله، وكيف شربه، وكيف معاملته، وكيف أخلاقه، هل يقبل ولا ما يقبل؟ فنجد سبحان الله أن الله سبحانه وتعالى قيض لامة الإسلام، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، رجال يحفظون له السنة، يحفظون لنا سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، فيخرجون الغث من السمين. وأقصد بالغث أيها الأحبة، الكذب، الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين وضعوا الحديث.

لذلك أتي برجل إلى هارون الرشيد ليقتله، لأنه كان وضاعا للحديث، قال: والله لقد وضعت مئة ألف حديث كلها مكذوبة، كيف ستخرجونها؟ فهارون الرشيد رحمه الله قال أمثال هؤلاء العلماء الكبار الذين كانوا في عهده ينخلون نخلا، وسفيان الثوري وغيرهم، يخرجون هذه الأحاديث المكذوبة المغلوطة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتون بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، الحسنة، الثابتة.

من فضل الله أيها الأحبة حفظ السنة علينا، وهذه الصحاح وهذه المسانيد وهذه السنن، ولذلك أيها الأحبة لا يطعن في السنة أحد إلا يتهم في دينه. خاصة أيها الأحبة الكتب التي أجمعت عليها الأمة كالبخاري ومسلم. مع الأسف، هناك من يطعن في بعض كتب السنة وخاصة الصحاح منها كالبخاري ومسلم، وهو لا يسوى قرشاً واحداً، لا يسوى الملابس التي هو يلبسها مع الأسف. وبعض الناس قد تسمع، ماذا يا اخي؟ الأمة تلقت هذه الكتب بالقبول، تلقت البخاري بالقبول، تلقت مسلم بالقبول، تلقت السنن بالقبول، مسند الإام أحمد، الدارمي، ابن ماجه، غيرهم، كلهم أيها الأحبة، المسانيد، المجاميع.

إذا شوفوا الحديث الضعيف ضعيف، حتى الضعيف أيها الأحبة لنا معه تعامل، ليس معنى أنه ضعيف نضرب به عرض الحائط، لا، قد يكون ضعفه ليس شديداً. وفرق بين الضعيف والموضوع أيها الأحبة، هذا فن عند اهل المصطلح أتمنى أن ندرسه، أن نفقه، أن نفهمه، وأن نعرف أن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ القرآن وحفظ السنة. من حفظ القرآن، لا يجوز لأحد أن يطعن في كتب الصحاح إلا أن كان صاحب دليل، صاحب تخصص.

لذلك أيها الأحبة نحذر، نحذر أن نتكلم في كتب الاحاديث إلا بعلم، إلا بعلم. والحمد لله قد كفانا العلماء المؤونة، وعلى آخرهم الشيخ الألباني رحمه الله عليه، يعني صاحب هذا الجهد العظيم والمكانة العظيمة في التصحيح والتضعيف.

إذاً أحبتي في الله، هذه مقدمة مهمة جداً حتى نعرف كيف نتعامل مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع كتب الصحاح والسنن. لا نترك كائناً من كان يتكلم فيها إلا وعنده علم، أما بدون علم فنضرب به عرض الحائط. يعني أنا أذكر قبل فترة سمعت رجل من المتشدقين يطعن في البخاري، ثم من المضحك المخجل أنه ما يعرف ينطق اسم البخاري، يقول هذا كتاب قام بتاليف رجل اسمه جمعة علي إسماعيل البخاري! لا إله إلا الله، يعني حتى الكذب ما يعرف يكذب! وفي وسائل الإعلام والحديث، يعني محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: جمعة محمد إسماعيل البخاري! اتق الله، حتى اسم، إذا اردت أن تكذب فاحتطب، لكن حتى ما تعرف تقرا! جمعة محمد إسماعيل البخاري رحمه الله رحمة واسعة.

لكن ترى مع الأسف الانفتاح المعلوماتي والقنوات الفضائية الآن واليوتيوب، دخل فيها كل ناعق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نعود إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أحبتي في الله، تكلمنا في اللقاء الماضي عن قضية أيش؟ يكتب أربع كلمات برزقه، وأجله، وعمله، وسعيد أو شقي. طيب، تعال نكمل الحديث.

قال: «هو الذي لا إله غيره». انظر كيف يقسم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، ترى ما يحتاج أن يقسم لنا، لكن بعض اصحاب القلوب الضعيفة، اليمين فيها تأكيد للمعلومة. أتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث أقسم عليهن». طيب هل نحتاج من رسول الله أن يقسم؟ والله ما نحتاج، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن هناك من عنده ضعف في اليقين: «ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة بل يزيد بل يزيد بل يزيد، وما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، وما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا». الشاهد: «ثلاث أقسم عليهن»، فيقول صلى الله عليه وسلم: «فهو الذي لا إله غيره» سبحانه جل في علاه، «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل»

الجنة في رواية ليست هنا في الصحيحين، لكنها في كثير من كتب السنن فيما يبدو للناس فيما يظهر للناس. قال: فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.

طيب، تعالوا بنا نقف وقفة مع هذا النص. هناك بعض النص؛ يعني بعض الناس أيها الأحبه قد يستشكل؛ يعني أنا الحين ثلاثين أربعين خمسين سنة ستين سنة، وأنا أعمل عمل أهل الجنة فيمكن أن يأتي الكتاب علي فأعمل بعمل أهل النار فأدخل! طب أين العدل؟ أين العدل؟ لا أجيك واحد أيضاً يعمل بعمل أهل النار ستين سبعين سنة، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها! طيب، عاث في الأرض فساداً، أين العدل؟

طبعا إذا وضعنا قضية إذا وضعنا قضية فيما يظهر للناس، فيما يبدو للناس، زال اللبس، يزوال الالتباس على طول، يزول الالتباس. ولذلك أنا أيها الأحبة لما قدمت بمقدمة عن السنة وعن كتب السنة، يعني نحن إذا أخذنا أخذنا لفظا أن ناخذ كل الروايات، قد يسقط لفظ هنا أو هنا، كلمة هناك، فلما نجمع الروايات تتضح الصورة تتضح الصورة.

ولذلك لو قلنا بعدم وجود اللفظ، لو قلنا بعدم وجود اللفظ، لو قلنا فيما يبدو للناس فيما يظهر للناس، هل يبقى الإشكال موجود؟ أقول: لا يبقى الإشكال موجود. كيف لا يبقى الإشكال موجود؟ أنا أقول لا يبقى الإشكال موجود. الآن دورك أنت كفقيه، دورك أنت تبحث في كتب الشراح، شراح السنة ماذا قالوا في هذا الحديث؟ وإذا كنت من أهل الفن والتخصص يمكن أن يستنبط بعض الفوائد التي يمكن أن تؤخذ من ظاهر النص من لوازم النص.

طيب، كيف نزيل الالتباس؟ إن شاء الله بعد الفاصل إن شاء الله. وصلى الله على محمد والحمد لله رب.

جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال، هكذا كان الحال، فيأذ الله بإشراق فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات. محمد رسول الله، وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فجمع له من خصال كمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر، فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجوده نفساً، أرحب صدراً، أشدهم حياءً، كان أشجع الناس وأزهى في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله، ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين، ويعود مرضاهم، ويدعوهم إلى الخير.

كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفق بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان. أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين، فيقول الألماني يوهان جوتا: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد. ويقول الإنجليزي جورج ناتشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.

ولنعرف قدره ومكانته ولننظر في فضائله ومكارمه، ولنقتصر، فلو لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلًا لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته. يبلغ الخير لأمته ولم يكتفي بهذا، بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة. وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، ما زلنا مع هذا اللبس الذي يزعم كيف نحله؟ هل يمكن أن ينضبط النص؟ هل يمكن أن ينضبط النص بدون أن نورد الألفاظ التي في في الروايات الثانية؟ يمكن. كيف ذلك؟

قال: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». طيب، لما قال يدخلها، هل يمكن أن نفهم من هذا أن يخلد فيها؟ هل يمكن؟ لا، قد يدخلها لينقي منها، قد يدخلها لينقي منها، فيدخل النار لتنقيته. وقد وردت آثار أحاديث في هذا أن هناك من أمة محمد من يدخل النار ليس مخلداً، وإنما لينقى فيها بحسب ما عنده من سيئات وذنوب ثم يعود إلى الجنة.

إذاً هذا ممكن إيراد، ممكن هذا لو قلنا لو قلنا ليس هناك يعني اللفظة التي ذكرناها لكم فيما يظهر للناس فيما يبدو للناس. حتى الرواية أو اللفظ الذي بعد ذلك: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». نعم، ممكن الأعمال بخواتيمها لطف الله عز وجل رحمة الله عز وجل تداركته إما بتوبة وإما بدعوة، فيظهر الغيب، وإما وإما في أشياء كثيرة رحمة الله أيها الأحبة بيد الله سبحانه وتعالى.

إذاً، اللبس يزول بدون اللفظ، فكيف إذا جاء اللفظ كانت الصورة أوضح وأجلى أيها الأحبة؟ طيب، دعونا الآن ناخذ ناخذ اللفظ فيما يبدو للناس، وهذا أيها الأحبة يعني يعطينا تحذير: احذر، احذر أن يخالف ظاهرك باطنك! «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس فيما يظهر للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار». انتبه! الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية.

ولذلك بعض الناس أيها الأحبة في السر عدو لله، وفي الظاهر ولي من أولياء الله؛ يعني جعلت الله أهون الناظرين إليك! إذاً ستنال عقابك، سيظهر الله عز وجل على حقيقتك، فاحذر يا عبد الله، احذر، احذر من الرياء، احذر من السمعة، احذر من حب الإطراء، احذر من حب الثناء، عامل الله قبل أن تعامل الناس، راقب الله قبل أن تراقب الناس، اتق الله قبل أن تتقي الناس، لأن الله سبحانه وتعالى لك بالمرصاد.

الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد. هذه قرى فكيف بالفرد؟ هذا يدعونا الحديث إلى ماذا؟ هذا يدعونا الحديث أيها الأحبة إلى أن نصلح البواطن، إلى أن نركز جهودنا في اصلاح القلب، اصلاح النفس. حينما تخلو لا يراك أحد لا يراك أحد إلا الله، حينئذ لابد أن تكون من أتقى الناس، لابد أن تكون من أخشى الناس، لا تكن زنديقاً في السر ولياً في العلَن، انتبه! تضحك على من؟ تكذب على من؟ تدلس على من؟ على رب العالمين؟ خُبث وخسرنا إذا كنا بهذه القضية وبهذا الوصف، سيفتضح أمرنا آجلاً أم عاجلاً.

لذلك أحبتي في الله لابد من تحقيق التقوى، الخوف. يقول الله سبحانه وتعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع عليه أمنين، إن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة وإن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة. ولذلك عبادات السر ما أعظمها عند الله، ما أعظمها! ومنكرات السر كذلك ما أعظمها عند الله، لا تجعل الله أهون الناظرين إليك، انتبه! احذر، الله يمهل يمهل لكنه لا يهمل سبحانه.

ولذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من قضية ايش؟ من قضية ذنوب الخلوات. احذر يا عبد الله، قال صلى الله عليه وسلم: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات كجبال تهامة بيضاء جبال تهامة، فيجعلها الله هباء منثوراً». جبال تهامة يا إخواني ممتده من الأردن إلى اليمن، سلسلة جبال السروات، فيجعلها الله هباء منثوراً! تخيلوا حسنات كالجبال بطول أكثر من من ألفين كيلومتر، مساحة هائلة جداً، فيجعلها الله هباء منثوراً!

ع رضي الله عنه وأرضاه فزع، قال: يا قال يا رسول الله صفهم لنا جلهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم، صفهم لنا؟ قال: «أما إنهم منكم ومن بني جلدتكم، وياخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». سمعت يا رعاك الله؟ سمعت يا أمة الله؟ أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها! منا ومن بني جلدتنا، لا أسماءهم مثل أسماءنا، من بني جلدتنا، يأخذون من الليل كما نأخذ، القضية والكارثه ايش؟ إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها!

كارثه ستأتي الفضيحة عاجلاً أم آجلاً، يقول الفضيل بن الفضيل بن عياض يقول، أو الحسن البصري يقول: ولو هملجت بهم البراذين وطقطقت البغال، أبى الله إلا أن

يذل من عصاه، إن ذل المعصية ليظهر على محياهم. إذاً، لا نجعل الله أهون الناظرين إلينا! وحاش لله -حاش لله أيها الأحبة- أن رجلاً، أن عبداً، أن أمة تتعامل مع الله، أو يتعامل مع الله بالحسنى والمجاهدة والصبر والاستعانة بالله عز وجل ثم يسلمه أبداً! والله ما نفعله نحن كبشر، والله ما نفعله نحن كبشر ولله المثل الأعلى، فكيف برب العالمين؟ كيف برب العالمين؟

إذاً، الإنسان يثق بالله سبحانه وتعالى؛ لو أحسنت سنين طويلة وحدثت منك هَنَة أو هفوة أو تقصير، ثق تماماً أن رحمة الله بانتظارك. قل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِذُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

جاء في بعض الآثار أن رجلاً من بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة، ثم عصى الله أربعين سنة. يوم جلس طلع في المرآة فرأى مظهره، بدا الشيب فبدا يعاتب نفسه: كيف إن عدت إلى الله هل سيقبلني؟ فسمع هاتفا يهتف: أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فامهلناك، وإن عدت قبلناك! لا إله إلا الله؛ أطعتنا فقربناك، عصيتنا فامهلناك، وإن عدت إلينا قبلناك.

إذاً، نتعامل مع الله عز وجل بمبدأ الرحمة وسعة الرحمة، لا بمبدأ القنوط واليأس من روح الله. لا لا لا لا، هذا رب العالمين! هذا الذي يقول: «إن رحمتي سبقت غضبي». لكن نحذر، نحذر، لا نهون من أمر الله، لا نجعل الله أهون الناظرين إلينا! لا يا اخي، اتق الله في نفسك، قد تخطي، الله عز وجل يقول: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم.

لكن لا تمكر، لا تحاول أن تظهر نفسك بصوره غير الصورة الحقيقية. لا يا اخي، يمكن أن تذنب، يمكن أن أذنب، يمكن أن تقصر، يمكن أن أقصر، يمكن أن تخطيء، يمكن أن أخطئ، لكن لا تتعمد، لا تتعمد! إذا أخطأت تب إلى الله سبحانه وتعالى، واسأل الله حسن الخاتمة، واسأل الله التوفيق والتسديد.

لكن ترى أننا نهون من أمر الله، أننا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- نتجرأ على الله ولا نتجرأ على الناس! يعني أنت ما عظمت رب العالمين يا أخي؟ عظم الله عز وجل يا أخي، عظم الله! حتى لو وقعت في ذنب أو في معصية عظم ربك، لا تتقصد أن تظهر للناس الوجه الحسن وتظهر لله الوجه السيء! لا يا أخي، أنت أمام رب العالمين.

ولذلك أسال الله عز وجل التوفيق والتسديد: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار». كارثة! كارثة! نار! طيب الدنيا كم سنعيش؟ ستين، سبعين، مئة سنة، طيب مخلد في النار أبد الآبدين؟ وين عقولنا إذاً؟

حاسب نفسك، استعن بالله ولا تعجز، استعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. لذلك أحبتي في الله، الله الله في صدق التعامل مع رب العالمين. يقول أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه: ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر. قالوا: كيف ذلك؟ قال: يخلو بمحارم الله فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين. هذا في الدنيا فكيف في الآخرة؟ كيف في الآخرة أيها الأحبة؟

لذلك أحبتي في الله، الإنسان ينتبه ينتبه ينتبه، عامل الله بصدق، عامل الله بصدق، لا تعامل الله بكذب! ما نستطيع يا إخواني أن نواجه رب العالمين، ما نستطيع أن نقف أمام أقدار رب العالمين، يعني ماذا نملك من قوة؟ ماذا نملك من مكر؟ ماذا نملك من قدرة عقلية؟ ما نملك شيئاً!

شوفوا من الاحاديث التي أيضاً تجعل الإنسان يخاف؛ حديث أبو هريرة كان إذا ذكره يغمى عليه مرة واثنتين وثلاث: اول من تسعر بهم النار، اول من تسعر بهم النار! حديث في الصحيح: رجل قتل في سبيل الله، ورجل حفظ القرآن وأخذ العلم وعلمه، ورجل أنفق ماله في سبيل الله. اول من سعر بهم النار! لكن امام الناس ما شاء الله.

ياتي الله بالأول: ماذا فعلت؟ قال: قتلت في سبيلك يا رب جاهدت حتى قتلت. قال: كذبت! عند الناس مات في ساحة المعركة يقاتل في سبيل الله، لكن عند رب العالمين لا، إنما فعلت ذلك ليقال جريء، فقد قيل. خلاص على النار!

الثاني: ماذا فعلت؟ قال: يا ربي حفظت فيك القرآن وعلمته للناس. قال: كذبت! إنما فعلت ذلك ليقال عالم، فقد قيل. اذهب به إلى النار!

الثالث: ماذا فعلت؟ قال: يا ربي ما تركت في سبيلك طريق يبتغى به وجهك إلا أنفقت فيه. قال: كذبت! إنما فعلت ذلك ليقال جواد، فقد قيل.

إذاً الخاتمة في الدنيا تختلف عن الخاتمة في الآخرة. فاصل أيها الأحبة ثم نواصل، وصلى الله على محمد.

مليار و300 مليون طن من الأطعمة تتحول إلى صناديق القمامة سنوياً، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بـ 750 مليار دولار في كل عام. هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة. يحدث كل هذا في ظل وجود 780 مليوناً من الجائعين يومياً. وصدق من قال: ما رايت إسرافاً إلا وبجانه حق مضيع.

ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعاً بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها 19 ملياراً من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر 100 طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم. وفي دراسة لإحدى الشركات المتخصصة وجد أن 80% من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام.

قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فلنتدارك الأمر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثمة دول معاصرة اشتهرت بشدة النعمة والإسراف ثم دارت الأيام واشتهرت بالمجاعة!

فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبه التالية أو لنعطيه محتاجاً بعد أن نغلفه. وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجعله في صندوق ولنجعله غذاء للطيور والحيوان؛ ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوماً قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].

قناة زاد العلمية.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً اما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

أحبتي في الله، ما زلنا مع هذا الحديث وحقيقه فيه دروس عظيمة جداً، لكن نخلص من الكلام السابق قضية أن نعامل الله بصدق، عامل ربك بصدق يا عبد الله، صدق الله فصدقه الله كما جاء في الحديث: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

يعني إذا ضحكنا على أنفسنا وضحكنا على الناس كذبنا على الناس سنكذب على رب العالمين! سيرضى الله عز وجل هذا الكذب؟ يا أخي كما تدين تدان، كما تدين تدان: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

ولذلك أيها الأحبة، الحديث السابق أو هذا أو الحديث، لا يزعل الإنسان، يامن من مكر الله ولا يياس من روح الله، وأن يجتهد وأن يعمل صالحاً، وأن يسابق في الطاعات، وأن يتابع نفسه وأن يحاسب نفسه، ولا يأمن من مكر الله بل الإنسان يعمل ويجد ويجتهد.

طيب، هنا وقفه مهمه جداً جداً جداً، ألا وهي حسن الخاتمة! حسن الخاتمة، الإنسان يدعو الله بحسن الخاتمة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله حسن الخاتمة، والإنسان إذا سال الله حسن الخاتمة فهي من فقهه، لأن بخواتيمها أيها الأحبة، الأعمال بخواتيمها.

ولذلك أحبتي في الله، حسن الخاتمة مطلب وسوء الخاتمة مهرب، ولذلك لا بد أيها الأحبة أن نسعى دائماً وأبداً إلى الخاتمة الحسنة. طيب، كيف الخاتمة الحسنة يا أخي؟ هي قضية أعمال مبكرة؛ أنت قدمت قدمت قدمت، ستحصد باذن الله سبحانه وتعالى الخير باذنه.

لا تظن أنك إذا سارعت في الأعمال وسابقت الأعمال وجاهدت نفسك وجاهدت شيطانك وجاهدت الدنيا وجاهدت الهوى أن هذا لن يحسب عند رب العالمين. يا أخي هذا أرحم الراحمين، يا أخي هذا الملك سبحانه الغني، سبحانه العزيز الحكيم، سبحانه السميع البصير الخبير.

انتبه، ولذلك أحبتي في الله، حسن الخاتمة مطلب، والأعمال بخواتيمها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من مات على شيء بعث عليه». كم نسمع من قصص عجيبة في حسن الخاتمة! كم نسمع بعض الناس يموت وهو ساجد، بعض الناس يموت وهو في طاعة، في قرآن، في صدقة، في صلة رحم!

كان بعض السلف يسأل الله الميتة الطيبة، الخاتمة الطيبة. قالوا: كيف الخاتمة الطيبة؟ قال: أن أموت وأنا ساجد. وسبحان الله في مرض موته، سمع مؤذن المغرب يؤذن، قال يا أبنائي احملوني إلى المسجد. قالوا: قد عذرك الله. قال: ألا أسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، وأمكث في البيت؟ فحملوه لصلاة المغرب، فلما سجد خلف الإمام وإذا بروحه تقبض. الميتة الحسنة، الخاتمة الحسنة.

ايها الأحبه، كم مر علينا من القصص الجميلة؟ اسمحوا لي أذكر لكم قصة لواحد من جيراني توفي قبل عدة سنوات. هذا الرجل في رمضان، توفي في رمضان، وهو محرم بالعمرة، وهو مصلي، وهو في ساحة الحرم أمام الكعبة المشرفة في صلاة العشاء، وهو ساجد. شوف الخاتمة العجيبة! في رمضان، محرم بالعمرة، كان يصلي صلاة العشاء في صحن الكعبة مستقبل الكعبة في صلاة العشاء، مات ساجدا.

يحدثني ابنه يقول: لما قام الإمام من التشهد الأول، يقول أبي سجد، فأخذنا الركعة الثالثة والرابعة، فلما سلمنا أخذت أرفع أبي وإذا به قد لحق بالرفيق الأعلى. كيف جاءت هذه الخاتمة صدفة؟ ماتت صدفة؟ هذه الخواتيم ما تأتي صدفة يا إخواني. يعني نقول: إذا أراد الله بشيء فعل، لكن الأصل أنها ما تأتي صدفة، هذه الخاتمة لها مسبقات.

لما سألنا عن سيرة الرجل، وعن سريرته، وعن أعماله، وعن تقواه، وعن علاقته بالقرآن، وعن الصدقة، وعن قيام الليل، وعن أشياء كثيرة. يعني بعض الناس يكون مسرفا على نفسه بالذنوب والمعاصي وكذا وكذا، يقول: اللهم إني أسألك حسن الخاتمة. لا شك دعوة طيبة، لكن تريد النجاة؟ خذ الاسباب. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها؟ إن السفينة لا تمشي على اليبس يا إخواني!

لما نقرا في التاريخ حسن الخاتمة، شيء عجيب. ابن تيمية رحمه الله في سكرات الموت، كان يرتل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54-55]، ففاضت روحه. عمر بن عبد العزيز رحمه الله مع فاطمة زوجته بنت عبد الملك، يقول: يا فاطمة اخرجي، فو الله اني أرى خلقا ليس بالبشر ولا بالجن. فدخلت، قالت: وإذا ببصر قد شخص إلى السماء، فاضت روحه رحمه الله.

هارون الرشيد رحمه الله الذي كان يغزو عاما ويجاهد عاما ويحج عاما، كان مع الجيش فرأى بحيرة فدخل يغتسل فيها، فرأى سمكة كالحية فلما أمسكها وإذا بها سامة، فسقط فحملوه فكان يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم اليوم من قد زال ملكه، ومات.

بعض الخلفاء كان يبكي ويقول -يعني في سكرات الموت- أحدهم كان الوليد بن عبد الملك، يعني كان صغيرا، فكان ينظر إلى أبنائه الصغار وهو متألم أن بني فتية صغار، أفلح من كان له كبار. فيرد عليه عمر بن عبد العزيز يقول: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى، هذا الفلاح الحقيقي.

أحد الحكام أيضا من بني أمية جاءته سكرات الموت لعله سليمان بن عبد الملك، يقول فسمع رجلا يغني، قال: من هذا؟ قالوا: هذا غسال يغسل الملابس على نهر دجله وهو يغني وهو يعني مبسوط. فقال: يا ليتني ما عرفت الخلافة، يا ليتني كنت غسالا. يقول ابن تيمية معلقا يقول: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون ما نحن فيه ولا نتمنى ما هم فيه.

نعم ايها الاحبه، حسن الخاتمة مطلب، مطلب عظيم جدا، لكن كيف يأتي هذا؟ كيف يأتي هذا الفضل وهذا الخير؟ تأتي بما، أولا يعني من أسباب حسن الخاتمة الدعاء. أن ندعو الله عز وجل دائما وأبدا بحسن الخاتمة: اللهم حسن خواتمنا، اللهم اجعل عاقبتنا إلى خير. أكثر من الدعاء بحسن الخاتمة.

كذلك أيها الأحبة، الزهد في الدنيا. الزهد في الدنيا لأن الدنيا الإنسان إذا شرق بحبها كارثة. ولذلك احذر من الدنيا، يقول صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما». من كانت الدنيا همه فرغ الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم ياته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة همه ونيته، جعل الله غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، جمع الله عليه شمله.

إذا فعلا حب الدنيا رأس كل خطيئة. ازهد في الدنيا يا أقى، اقرأ سيرة السلف الصالح، كيف كانت الخواتيم؟ كيف كانوا يعيشون؟ هذا يعطيك دافع.

كذلك اطمع في الجنة، دائما حدث نفسك بالجنة، بالفردوس، بمرافقة الأنبياء والصالحين.

كذلك يا عبد الله، دائما أكثر من ذكر الموت، لا تنسى الموت، يقول صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من ذكر هادم اللذات». الإنسان لما يكثر من الموت، خلاص ما يلتفت للدنيا، يعرف أنها دار ممر وليس دار مقر، دائما يتطلع إلى ما عند الله سبحانه وتعالى، يشتاق إلى لقاء الله كما قال الله سبحانه وتعالى، أو كما قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». هل نحب لقاء الله أيها الأحبة؟ اسأل نفسك، أسيلي نفسك يا أمة الله.

لذلك حسن الخاتمة كما قلت مطلب مهم جدا والأعمال بخواتيمها، ولذلك من مات على شيء يبعث عليه، وسوء الخاتمة كارثة، التعلق بالدنيا، حب الدنيا، حب المال، نسيان الآخرة، الهوى، يعني كل هذه أشياء، كثرة الذنوب والمعاصي أيها الأحبة، لذلك الإنسان بصير على نفسه.

نريد حسن الخاتمة؟ الأعمال الصالحة، الدعاء، الزهد في الدنيا، التعلق بالله، بالآخرة، الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى، أخذ العبرة والعظة من أصحاب الخواتيم الحسنة. والله التاريخ مليء! التاريخ مليء، يعني قبل أيام، قبل أيام، يعني في أحد المساجد في بعد صلاة العصر يوم الجمعة، واحد يعني من رجل من حمائم المسجد، ما أن انتهى الأذان إلا ويسقط في مصلاه في المسجد ميتا! أي خاتمة هذه؟ أي خاتمة هذه؟

لذلك أنا أقول أيها الأحبة: حسن الخاتمة لا يمكن أن تشترى بالمال. يعني واحد يحط مثلا في البنك مثلا عشرة مليون قال: هذه أنا أعددتها لشراء حسن الخاتمة. ما تجي، مئة مليون، مئة مليار ما تجي. حسن الخاتمة لابد له من عمل، وعمل دائم، مسابقة دائمة، محاسبة دائمة، تعلق بالله دائم، دعاء دائم، هكذا أيها الأحبة، هكذا.

ولذلك أحبتي في الله نحتاج، نحتاج فعلا أن نسال الله حسن الخاتمة، كما سمعنا في الحديث: «يععمل بعمل أهل الجنة، ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». من يقوى؟ من يقوى؟

يقول صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم رجل من أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيغمس غمسة في نار جهنم غمسة، فيساله الله: عبدي، هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: وعزتك وجلالي، ما مر بي نعيم قط». يعني لا أنه شرب من زق من مائها وحميم، ولا لاقى أغلال، ولا اصطلى بنارها، ولا بحياتها، ولا بعقاربها، بس غمسه أنسته كل لذائذ الدنيا.

ويؤتى بأبأس رجل من أهل الدنيا، لكنه من أهل الجنة، فيغمس غمسة في الجنة، فيسأله الله: عبدي، هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: وعزتك وجلالي، ما مر بي بؤس قط! تخيلوا، لم يعانق حورها، ولم يأكل من ثمارها، ولم يشرب من خمرها، ولم يشرب من مائها ولا من ألبانها، ولم يستظل بظلالها، ولم ير الأنبياء ولم ير الله سبحانه وتعالى ولم ولم، أشياء كثيرة، غمسة! أين العقول أيها الأحبة؟

لذلك دعوة لي ولكم جميعا أن نهتم بأعمال القلوب، أن نراقب الله في السر والعلن، أن نتقي الله في السر والعلن، أن نحب لقاء الله.

اللَّهَ، فإذا أحبَبْنا لقاءَ اللَّه قادنا هذا إلى الأعمال الصالحة الكثيرة، أن نأخذ أسباب حُسْنِ الخاتمة. أيُّها الأحبة، مع الأسف انتهى الوقت، أسأل اللَّه سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يُحسِنَ خواتيمنا في الدنيا والآخرة، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا وإيَّاكم مفاتيح للخير مغاليق للشر. أسأل اللَّه أن يرزقنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء، وأن يغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. وصلَّى اللَّه على محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد للَّه رب العالمين.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتُريد سهلاً النوم مُيَسَّراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد، زاد أكاديمية، ينبوعها صافٍ صافٍ ليروي غُلَّة الظمآن. والسُّنَّة الغرَّاء شارحة له فهماً لنا من ربِّنا وأحياني. بشري لنا، زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.