تسجيل الدخول

المحاضرة 22 - شَرحُ حديث (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم في روضة من رياض الجنة، تحفنا الملائكة وتغشينا الرحمة في درس من دروس العلم والمعرفة.

مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومع الحديث التاسع عشر. هذا الحديث رقم تسعة عشر، حديث أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه، يقول: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

هذا الحديث من الأحاديث العظيمة، وكل أحاديث رسولنا صلى الله عليه وسلم عظيمة، وفيه من الدروس أيها الأحبة الشيء الكثير. أما راوي الحديث فهو العرباظ بن سارية السلمي رضي الله عنه وأرضاه، من أعيان أهل الصفة، سكن حمص، وهو أحد البكائين الذين نزل فيهم القرآن. مات في فتنة ابن الزبير وقيل بعد ذلك سنة خمس وسبعين من الهجرة، رضي الله عنه وأرضاه وعن جميع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبة، قبل أن نشرع في بيان بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث الكريم، دعونا نمر سريعا على معاني الكلمات والمفردات. شرح المفردات: قال وعظنا، والموعظة هي التذكير بما يلين القلب. وكلمة وجلت أي خافت منها القلوب من جراء هذه الموعظة، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]. وهذه دلالة على قوة الإيمان وصحة الإيمان. ذرفت، يقال ذرفت العين أي إذا جرى دمعها. وكأنها، أي كانت هذه الموعظة موعظة مودع، وذلك لتأثيرها في إلقائها وفي موضوعها وفي هيئة الواعظ، لأن كل هذا مؤثر، فتأثير المواعظ له أسباب منها موضوع حال الواعظ وانفعاله، سنتكلم عن هذه بإذن الله سبحانه وتعالى.

كذلك أوصيكم بتقوى الله عز وجل، هذه الوصية مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. فتقوى الله أيها الأحبة، كما يقول المصنف، رأس كل شيء، ومعناها طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه على علم وبصيرة. قوله والسمع والطاعة، أي لولاة الأمر، وخصهم بالذكر بعد ذكر التقوى، مع أنه من تقوى الله، لأهميتهما ولخطر التمرد على ولاة الأمر، فإن السمع والطاعة لولي الأمر دلالة على استتباب الأمن بإذنه تعالى للمجتمع كاملا.

قال وإن تأمر عليكم عبد، أي صار عبد أمير عليكم يحكمكم. فانه من يعش منكم، أي تطول به الحياة، فسيرى اختلافا كثيرا، أي في العقيدة وفي العمل وفي المنهج. قال فعليكم بسنتي، أي الزموها، والمراد بالسنة هنا الطريقة التي هو عليها صلى الله عليه وسلم، فلا تبتدعوا في دين الله عز وجل ما ليس منه ولا تخرجوا عن شريعته. وسنة الخلفاء الراشدين، الذين يخلفون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته وعلى رأسهم أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم اجمعين. المهديين، وهي صفة لهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، صفة مؤكدة لما سبق، لأنه يلزم من كونهم راشدين أن يكونوا مهديين، إذ لا يمكن رشد إلا بهداية. عضوا عليها بالنواجذ، أي على سنتي وسنة الخلفاء، والنواجذ أقسى الأضراس.

ثم لما حث صلى الله عليه وسلم على التمسك بالسنة حذر من البدعة، فقال وإياكم ومحدثات الأمور، أي اجتنبوها، والمراد الأمور شؤون الدين ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. وليس المحدثات في أمور الدين، طبعا سنتكلم عن هذا وسنفيض فيه إن شاء الله، أن المحدثات التي حذر منها صلى الله عليه وسلم هي المحدثات في دين الله عز وجل، أما المحدثات الدنيوية الأمر فيها سعة بفضل الله ما لم يكن فيه ضرر أو فيه شر. قال فان كل محدثة بدعة، لأنها ابتدعت وشيء جديد، وكل بدعة ضلالة، أي كل بدعة في دين الله عز وجل فهي ضلالة. وفي رواية في غير حديث: وكل ضلالة في النار.

أحبتي في الله، هذا الحديث يحتاج إلى مصنف كامل نتكلم فيه، أنا لا أبالغ، أنا لا أبالغ أن هذا الحديث يحتاج إلى مصنف كامل. عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. لحظة أحبتي في الله، ونتكلم للجميع وأركز في كلامي أيها الأحبة على معشر الدعاة، معشر الوعاظ، معشر العلماء، معشر الذين يتعرضون لدعوة الناس، لأئمة المساجد، الخطباء: أين أنتم من تأثير المواعظ؟

أحبتي في الله، المواعظ سياط القلوب، المواعظ حياة القلوب، المواعظ تزكية للنفوس. أحبتي في الله، لقد ألمني كثيرا لما أسمع في بعض المساجد بعضهم يشتكي يقول والله يا شيخ لنا سنة أو أكثر وقل ما جاءنا من ذكرنا بالله من وعظنا. نقول يا إخواني أئمة المساجد، الخطباء، الدعاة، الأئمة، يا دعاة الأمة، أين أنتم من المواعظ؟ لماذا تقاعستم فيها؟ المواعظ مهمة جدا، وانظر إلى هدي الرسول صلى الله عليه وسلم كيف كان يتخول الصحابة بالموعظة.

ثم هذه الموعظة ما تكون جافة، لا تكون جافة أيها الأحبة، هذه الموعظة تكون من القلب. بعض السلف، أو أحد السلف كان يتكلم فيتأثر الناس، فيقول ابنه له: يا أبتي، لماذا إذا تكلمت تأثر الناس وإذا تكلم غيرك لم يتأثروا؟ يا بني، النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة، الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة. الذي يتكلم من قلبه وبحرقة وبصدق، ليس مثل ذلك الذي يحفظ ثم يأتي يرددها أمام الناس.

لا، نحن ما نريد مسجلا أيها الأحبة، لا نريد جهاز تسجيل يتكلم، لا، نريد مؤمنا يبلغ ويعظ ويتكلم، أذكر، وتخرج الكلمات من قلبه ومن فؤاده ومن صميم نفسه حتى يكون هناك التقبل في الطرف الآخر. ولذلك يقولون: إذا كان الكلام من اللسان لم يجاوز الأذان، وإذا كان من القلب وصل إلى القلب. بعض الناس قد يقول كلمتين ثلاث لكنها مؤثرة، وقد يأتي بخطبة طويلة وموعظة طويلة لكنه ما له تأثير، القضية الصدق مع الله سبحانه وتعالى.

أقول أيها الأحبة، المواعظ باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، باب عظيم جدا. وكلما أحسن الداعية والعالم والشيخ والامام والخطيب في موعظة في التحضير وفي الإلقاء وفي أن يعيش هذه الموعظة، أن يعيش هذه الموعظة يعني بقلبه، مشاعره، وأحاسيسه، يصدق مع الله ويخلص أولا لله سبحانه وتعالى ويستعين بالله قبل ذلك، سيجد لهذه الموعظة أثرا عظيما في قلوب الناس.

أحبتي في الله، المواعظ مهمة، المواعظ مهمة، وهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم ظاهر في هذا، موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. إذا الواعظ لما يكون صادقا في موعظته مخلصا، عنده علم شرعي، عنده أيضا أسلوب في إلقاء هذه الموعظة، سيكون التأثير كبير. النبي صلى الله عليه وسلم يوم من الأيام وعظ الصحابة فقال: والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم من الصعدات تجأرون إلى الله. غطى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم رؤوسهم ولهم خنين من شدة البكاء، خنين من شدة البكاء.

أيها الأحبة، الصدق في الموعظة مهم جدا. ولذلك أيها الأحبة، كثير من طلاب العلم عندنا، كثير من طلبة العلم الذين حفظوا المتون والآيات والنصوص والأحاديث، لكن أين التفعيل؟ أين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟ أين تذكير الناس؟ أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أين وعظ الناس يا إخواني؟

النفوس أيها الأحبة قد مع كثرة مجريات الحياة وشهوات الحياة ومشاغل الحياة الإيمان يضعف، القلب يقسى، العين تجمد، نحتاج الوعظ أيها الأحبة، نحتاج الوعظ التذكير التذكير، الناس بححالهم وأحوالهم ودينهم ودنياهم وأخراهم.

باب عظيم من أبواب الدعوة أيها الأحبة، مع الأسف من هذا الذي قد أوقف نفسه لهذه القضية يا إخواني؟ هذه من زكاة العلم، ولذلك كما قال الأول عن العلم: يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إقذاف شددتا. فكلما الإنسان تعلم العلم أيها الأحبة وأخرجه للناس وتنقل في المساجد وذهب يمنة ويسرة وعظ الناس وذكر الناس، كان هناك أثر عظيم جدا للواعظ على نفسه وفي أجوره وفي قربه من الله، وللموعوظ في تلقي هذه الأخبار وهذه المعلومات وهذا الخير العظيم.

أين نحن من الوعظ أيها الأحبة؟ لنا في ذلك أسوة؛ ألا وهو رسولنا صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم. ولذلك أنا ساتوقف وقفة مهمة جدا مع هذا الموضوع؛ لأنه حقيقة من أساسيات الدين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى قضية تذكير الناس، يعني سأقول كلمة لبعض خطبائنا وفقهم الله وهداهم وأصلح بهم، يعني الخطيب الآن عهده بالخطبة إذا انتهى من الخطبة نزل ووضع على الرف. لا يا أخي، خطبة الجمعة هذه التي اتعبت نفسك في تحضيرها، يا أخي حاول مثلا يوم الجمعة في الليل، يوم السبت، يوم الاثنين، يوم الثلاثاء، يوم الأربعاء، يوم الخميس، يوم الجمعة أو يوم الخميس يبقى عندك ما شاء الله يعني موضوع ملقى عدة مرات، تحضير جيد يصبح عندك تأثير كبير فيه، ثم تأتي الجمعة التي بعد ذلك وهكذا، والتي بعد ذلك وهكذا، فيصبح عندك بعد فترة من الزمن أرشيف كبير من المعلومات.

لكن القضية قضية هم، هل هذا الهم عندك ولا لا؟ ﴿وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا﴾، الله الله يا دعاة الإسلام. باب المواعظ أيها الأحبة نتوقف مع هذا الفاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.

عماد الدين ثاني أركان الإسلام ومبانيه العظام، أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، صلة بين العبد وربه، فضائل سامية واختصار عالية اجتمعت في عبادة واحدة؛ إنها الصلاة، كما أنها تمحو الخطايا. قال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا»، وتبعد الانسان عن الوقوع في المعاصي والمنكرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].

فكيف لعاقل أن يرد كل هذه الهدايا والعطايا ويعرض نفسه لسخط الله وعذابه؟ فقد توعد الله المتهاون في أدائها فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]. وحين يسأل أهل النار عن سبب دخولهم فيها، يكون أول جوابهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 42-43]. لذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة.

قال الإام ابن القيم رحمه الله: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من أكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة. فدين بلا صلاة كبيت بلا عماد، فإنها ميزان النجاة وسبيل الفلاح؛ فاحرص على إقامتها وسلامتها، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد.

أيها الأحبة، تكلمنا عن قضية الموعظة والمواعظ وأهميتها ومكانتها، ولذلك هذا التأثير: وجلت منها القلوب، ذرفت منها العيون، قلنا يا رسول الله، الآن انظروا الآن ثمرة الموعظة، إقامة الموعظة الصادقة يا أحبابي: فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع. صدق الواعظ، صدق الداعية، صدق المعلم، صدق الشيخ، سيرتبط به أثر على المدعو، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول حتى لما يصلي بالناس ها صلوا صلاة مودع، أقبلوا على الله بقلوبكم، صلوا صلاة مودع، أن هذه الدنيا ما هي استقرار يا أحبابي، هذه الدنيا مرحلة ثم نودعها، فنلقى الله سبحانه جل في علاه، كأنها موعظة مودع يا رسول الله فأوصينا.

والإنسان أيها الأحبة دائما يأخذ يستوصي العلماء والمعلمون وأهل الفضل وأهل الخبرة وأهل العلم، يستزيد من الخير، وهكذا الصحابة: أوصنا يا رسول الله من اعظم الوصايا بل أعظم وصية يا إخواني على الإطلاق. أعظم وصية على الإطلاق تقوى الله، أول ما بدأ بها وفي نصوص كثيرة أيها الأحبة: أوصيكم بتقوى الله، أوصيكم بتقوى الله تعالى، ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله. هي وصية الله يا أحبابي للأولين والآخرين، لكل الذين خلقهم الله للمكلفين: اتقوا الله، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بامتثال أمره واجتناب نهيه.

هذه التقوى أيها الأحبة، التقوى تكلم فيها العلماء كثيرا وصنفوا فيها كثيرا، ونجد أن القرآن الكريم أيها الأحبة ذكر التقوى وأهل التقوى ودار المتقين في آيات كثيرة جدا. التقوى مفتاح لكل خير، مفتاح لكل خير في الدنيا ومفتاح لكل خير في الآخرة، وعكس التقوى أيها الأحبة الذنوب والمعاصي، الذنوب والمعاصي هذه هي عدوة التقوى، فالإنسان الذي يتقي الله عز وجل يترك الذنوب، يترك المعاصي، يترك ما حرم الله عز وجل. التقوى في جهة وما حرم الله في جهة، وصاحب الذنب والمعصية وصاحب الموبقة وصاحب الكبائر وصاحب المعاصي هو من أبعد الناس عن تقوى الله سبحانه وتعالى.

فاتقوا الله أيها الأحبة هي وصية الله الأولين والآخرين لجميع المكلفين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، رضي الله عن أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه حينما سئل، قام مرة يخطب في الكوفة فسئل عن التقوى، فقال: التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. هذه الأمور الأربعة هي أبرز معالم التقوى، قال التلميذ مدرسة النبوة رضي الله عنه وأرضاه: الخوف من الجليل؛ الخوف من الله سبحانه وتعالى، طبعا الخوف الذي لا يؤدي إلى قنوط، يؤدي إلى عمل، يؤدي إلى حب، يؤدي إلى تعلق بالله سبحانه وتعالى، يؤدي إلى مسارعة في الأعمال الصالحة، يؤدي إلى مراقبة الله عز وجل.

الخوف من العمل بالتنزيل بالكتاب والسنة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. انتبه، عمل بالكتاب والسنة.

القناعة بالقليل، لماذا؟ لأن الدنيا أيها الأحبة كارثة دنيا، الدنيا أيها الأحبة إذا حبها وسكرنا بحبها ضيعت الآخرة. يقول عبد الله بن عمر: إن مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له زوجتان إن أرضى واحدة أسخط الأخرى. ويقول أيضا أحد الصحابة -ظنوا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه-: إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي ميزان؛ إذا رجحت واحدة طافت الثانية. ولذلك الإنسان خير له أن يجد في الدنيا وما فيها، طبعا لا يعني كلامي هذا أن الإنسان ينقطع في المسجد وفي الخلوات، لا لا لا، تسكن الدنيا قلبك لا تسكن الدنيا، اجعلها في يدك، نعمل المال الصالح للرجل الصالح.

لكن احذر، يقول صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالما أو متعلما». انتبه، لكن إذا انساق خلف الدنيا كارثة، يقول صلى الله عليه وسلم وهو يبين خطورة الدنيا: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه ونيته جعل الله غناه في قلبه، واتته الدنيا وهي وجمع الله عليه شمله وجعل غناه في قلبه وفاتته الدنيا وهي راغمة». ولذلك الدنيا إن سعينا خلفها فرت منا، وإن فررنا منها سعت خلفنا، احرص على الموت توهب لك الدنيا؛ هذه قاعدة.

ولذلك تقوى الله سبحانه وتعالى فعلا القناعة بالقليل، اقنع بالقليل بالبلغة، كان يقول صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا ما أنا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم ذهب وتركها».

وكان علي رضي الله عنه وأرضاه يقول: يا دنيا يا غرورة غري غيري، قد طلقتك ثلاثا زادك وسفرك طويل، يا دنيا يا غرورة غري غيري، فقد طلقتك ثلاثا ما في رجعة خلاص. وهذا المؤمن أيها الأحبة لا يركن للدنيا إلا للعمل والتقوى وخوف الله ومحبة الله وإقامة دين الله، هذه الدنيا ترى أيها الأحبة ما هي مقر، هذه ممر يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل، الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.

قناعة بالقليل؛ لأن هذه الدنيا أيها الأحبة متاعها زائل وسيسألنا الله عز وجل عن كل صغيرة وكبيرة، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «فقراء أمتي يدخلون قبل أغنيائهم بخمسمائة عام». احذر الدنيا، احذر الدنيا، كما قلت هي ليست رهبانية لا، لكن إياك أن تجعل الدنيا تسكن في قلبك، قناعة بالقليل، الاستعداد ليوم الرحيل.

دائماً المؤمن أيها الأحبة يفكر، متى سأموت؟ متى سألقى الله؟ يبدأ في العمل ويبدأ يسابق في العمل فيما يقربه من الله سبحانه وتعالى: إذا أصبت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك.

إذاً نحتاج أن نتعامل مع هذه الدنيا التعامل الصح، أعظم تعامل أن نتقي الله عز وجل: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

ولذلك تقوى الله كانت وصية الله للأولين والآخرين، وكذلك رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم هي وصيته لأصحابه وأمته، وكان الصحابة يتواصون بتقوى الله، كان بعضهم إذا قيل له: اتق الله بكى. الآن الواحد: اتق الله؟ ليش شايفني أنا كافر، شايفني أنا مجرم؟ يا أخي هذه وصية عظيمة، ما أحرانا أن نتقبلها أو أن نفرح بها، إذا قال لك إنسان: اتق الله، قل: يا أخي جزاك الله خيراً، الله يجعلني من المتقين، الله يغفر لي تقصيري.

قال: «أوصيكم بتقوى الله عز وجل». قال: «والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد». طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم تكلم مع عرب والعرب كانوا يعني عندهم أنفة وكانوا يحتقرون العبيد، يعني هذا كان السائد عند العرب في الجاهلية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لخطورة هذا الأمر خطورة السمع والطاعة وأهميته وخطورة تركه قال: «والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد»، وفي رواية: «عبد حبشي». العرب عندهم استنكاف عن غير العربي وأنا كذا، لكن لا، جاء الإسلام: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. لكن النبي صلى الله عليه وسلم يهذب النفوس، يهذب النفوس، سمع وطاعة خلاص انتهينا، ولي أمرك خلاص تسمع وتطيع.

لذلك أيها الأحبة جاءت نصوص كثيرة في القرآن والسنة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. مهمة أيها الأحبة، لو كان لي دعوة مستجابة لدعوت بها لإمام المسلمين لولي الأمر؛ لأن صلاح ولي الأمر صلاح المسلمين عامة، وفساد ولي الأمر فساد المسلمين. لذلك أيها الأحبة أهمية الارتباط بالعلم والعلماء وطلبة العلم المشايخ الفضلاء الكرام الذين لهم صدق وسبق في العلم.

يا إاخواني العلماء، العلماء مهم جداً، العلماء ورثة الأنبياء، ولذلك هذه دعوة أن نلتف حول العلماء الربانيين الصادقين، لا أتكلم عن كل من زعم أنه شيخ أو عالم، لا، أتكلم عن العلماء الذين الأمة تلقتهم بالقبول. لذلك يقول الحسن البصري رحمه الله: إن الفتنة إذا أقبلت لم يعرفها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل أحد. العلماء أيها الأحبة يرون بنور الله سبحانه وجل في علاه.

قال: «أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فانه من يعش منكم اختلافا كثيرا». أه، إذا هذه سنة كونية أيها الأحبة، وجود الاختلافات سنة كونية، أن الاختلافات لازمة، أن الناس يتفاوتون في عقولهم. ولذلك أيها الأحبة الذي يقرأ سيرة الإسلام، سيرة الدولة الإسلامية منذ عهد الصحابة أو النبي صلى الله عليه وسلم، كيف استمر الحكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبي بكر، عمر، عثمان، علي، تتابعت الفتن والمشاكل في التاريخ الإسلامي.

طبعاً أيها الأحبة الالتفاف حول كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك من دلائل النبوة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ستحدث فتن ومشاكل كثيرة، ولذلك على الإنسان فعلا أن يتمسك بوصية النبي صلى الله عليه وسلم. الاختلاف سنة كونية ماضية، سيحدث الاختلاف، لكن عندنا نحن من الله فيه برهان، ما هو دواء الاختلاف؟ الاعتصام بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما سيأتي من كلام بعد هذا الفاصل إن شاء الله.

أيها الأحبة نتوقف مع هذا الفاصل إن شاء الله، ثم نعود إليكم لنكمل حديثنا في هذا الموضوع، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.

لم يكن العرب أهل علم بالحساب، ففي التقويم الشهري كانوا يعتمدون سير القمر ومنازله لحساب الأشهر، فجاء الإسلام وأقره لوضوحه وسهولة الأخذ به، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]. فهو المعتبر في توقيت الفرائض من صيام وزكاة وحج، وبه تحسب الأعياد، وهو المعتمد في عدد النساء كثلثة أشهر وأربعة أشهر وعشرة أيام، والكفارات كشهرين متتابعين، وكحول زكاة المال، كلها بالأشهر القمرية.

قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَحْجِ﴾ [البقرة: 189]. قال ابن تيمية: فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور؛ لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار، قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين».

وأما التقويم السنوي فلم يكن للعرب قبل الاسلام تقويم خاص بهم يجمعهم كما عند الأمم الأخرى، فكانوا يؤرخون بالحوادث الفريدة والوقائع المشهورة عندهم كحادثة الفيل وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعتمد التقويم بأشهره القمرية المعهودة لدى العرب، على أن تكون بداية التأريخ من السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؛ لأن الهجرة بداية عز للإسلام وقوته، فكان اختيارا مسددا.

فعن سهل بن سعد قال: ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة. واستقر الرأي على أن يكون أول السنة شهر الله المحرم، بعد أن ينتهي الناس من موسم الحج ويستريحوا من عناء السفر. وابتدأ العمل بالتقويم الهجري عام سبعة عشر هجريا. فالعمل بالتقويم الهجري تمسك بالشرع واعتزاز بالهوية وتميز واستقلالية.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. عودا أيها الأحبة إلى حديثنا السابق، توقفنا عند كلام النبي صلى الله عليه وسلم: «فانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا». شف، اختلاف وكثير، وهذا ما وقع تصديقا لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، ما في واحد فينا يا إخواني يحب الاختلاف؛ لأن الاختلاف دائما يؤدي إلى الفرقة ويؤدي إلى تضعضع وتناحر المجتمع وفساد المجتمع وضياع الأمانة وضياع الدماء والأموال، أمور كثيرة جداً.

يعني جاء الخطاب الرباني: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. إذا الإسلام يدعو إلى الوحدة، يدعو إلى الألفة، يدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة والاجتماع على الكتاب والسنة.

فسيرى اختلافا كثيرا، فما النجاة يا رسول الله؟ ما الحل؟ ما العلاج؟ قال: «فعليكم بالسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». وقفة مهمة أيها الأحبة: «عليكم بسنتي»، سنة النبي صلى الله عليه وسلم هذه ما فيها شك، القرآن والسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. انظروا أيها الأحبة كيف زكى النبي صلى الله عليه وسلم من سيأتي. بيجيني واحد يقول لي: يا اخي الرسول وش عرفك، وش عرفه؟ هذا رسول الله ما يعلم الغيب! لأ، رسول الله يعلمه الغيب، الله يعلمه شيئاً من الغيب، وبالتالي هو ما ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال: «عليكم بالسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين».

لذلك أعظم الخلفاء أربعة: أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين، علي بن أبي طالب تلميذ مدرسة النبوة زوج فاطمة الزهراء رضي الله عنهم أجمعين. هؤلاء أيها الأحبة هم فعلاً الخلفاء الراشدين المهديين بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك من يطعن فيهم يطعن في الدين كاملاً. الله زكاهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم زكاهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ». شف بالنواجذ! الخير كل الخير فيما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم.

الذي يقدح في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أضربه بعرض الحائط، الذي يقدح في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أمسح به الأرض، الذي يقدح في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم قل فيه ما تشاء. صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خط أحمر لا يجوز المساس به أبداً، حتى المسيء منهم، حتى القاتل منهم، حتى السارق منهم، حتى الذي زنا منهم، يظل له شرف الصحبة التي لم ينالها إلا صحابته صلى الله عليه وسلم. ولذلك أي منتقد للصحابة أو يسب الصحابة أو يلعن الصحابة فهو كما يقول والعياذ بالله، فهو زنديق من الزنادقة إلا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل ذهب من العلماء من كفر من لعن الصحابة وانتقدهم وسبهم وشتمهم.

إذا كان أعظم رجل في الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر، ومع ذلك يأتي بعض المتخلفين والمنحرفين والحمقى والكفرة والعياذ بالله يلعن صباحاً ومساءً! أي دين هذا؟ أي دين يسمح أن ننتقص أعظم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما نرضى بهذا، ولو أن تسيل دماؤنا والله ما نرضى بهذا. هل هناك أحد أعظم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة بعد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا. ولذلك جاءت التزكية، قضية الصحابة نستغفر لهم وندعو لهم ونزكيهم ونتقرب إلى الله بحبهم، أما ما يفعله كثير من المنحرفين عقديًّا والذين خرجوا ومرقوا من الدين لا نرضى بهذا أبداً، لا نرضى به أبداً. ولذلك قالوا: «عضوا عليها بالنواجذ».

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». من هم يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما كنت عليه أنا وأصحابي». أصحابي، أنا وأصحابي النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين. لله در ابن المبارك، عبد الله بن المبارك أمير المؤمنين في الحديث، لما سئل: أيهما أعظم عمر بن عبد العزيز أم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه؟ قال: ومن عمر بن عبد العزيز مع اعترافنا بفضله؟ قال: إن التراب الذي في أنف معاوية خير من كذا وكذا مثل عمر بن عبد العزيز. انظروا كيف توقير العلماء للصحابة دون انتقاص في شخصية عمر رضي الله عنه وأرضاه، عمر بن عبد العزيز لا، لكن هذا رفع مكانة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وخاصة معاوية.

كثير من المفتونين والمنحرفين والحمقى ينال من معاوية رضي الله عنه وأرضاه، خال المؤمنين وكاتب الوحي والذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم والذي أثنى عليه والذي قال أول من يقاتل البحر مغفوراً لهم وهو أول من قاتل في البحر، يعني له فضائل عظيمة، ثم يأتي من ينتقص معاوية رضي الله عنه وأرضاه. إذاً كل هذه من مخلفات الاستشراق والذين دخلوا في الدين ما يعرفون شيئاً أصلاً، ولذلك الرسول يقول: «سنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور». إياكم، انتبهوا! التمسك بالدين سنة النبي صلى الله عليه وسلم، واحذروا من شيء يخالف ما هو، البدع.

ابن القيم رحمه الله يقول: إن الشيطان يكيد لابن آدم حتى لا يسلم فيجعله في الكفر، فإذا أسلم حاول أن يسحبه للشرك، فاذا لم يفلح حاول أن يسحبه إلى البدع، فإذا لم يفلح حاول أن يسحبه إلى الكبائر، فإذا لم يفلح حاول أن يسحبه إلى الصغائر، فإذا لم يفلح حاول أن يسحبه إلى المكروهات، فإذا لم يفلح حاول أن يسحبه إلى المباحات الاستكثار منها، فإذا لم يفلح سلط عليه جنوده من الجن والإنس. لا يترك الشيطان أبداً. لكن انظر أيها الأحبة، انظر كيف تقسيم ابن القيم: الشيطان يحاول أن يسحب الإنسان للكفر لم يستطع، للشرك لم يستطع، للبدع قبل الكبائر، لأن البدع أيها الأحبة أعظم جرماً من الكبائر. هذه قضية مهمة جداً.

نحرص أيها الأحبة، نحرص على التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي». اللهم صل على رسول الله. إذاً: «إياكم ومحدثات الأمور». محدثات الأمور ليش؟ قال: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». البدع أيها الأحبة تشريع في الدين وهذا لا يجوز: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. فالذي كان ديناً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو دين في عصرنا إلى قيام الساعة، والذي لم يكن ديناً في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس الآن.

ولذلك مر معنا في لقاء سابق أيها الأحبة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد». الذي يأتي بدعة كأنه يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الأمانة ولم يؤد الرسالة ولم ينصح الأمة كما أمر. لا، حاشاه صلى الله عليه وسلم. هذه الآية التي نزلت وهي شهادة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ خلاص. وفي الباب الزيادة في الدين، يعني يا إخواني يا ليتنا نقوم بما هو واجب علينا، فضلاً أن نأتي بدع ومحدثات ما أنزل الله بها من سلطان. ولذلك الشيطان يفرح، الشيطان يفرح أيها الأحبة بقضية البدع.

وبعض الناس يا إخواني يمكن لو جاءته سنة ما يفعلها، سهلة، ثم يأتي بدعة صعبة فيحافظ عليها ويتزود منها ويكثر منها والشيطان يؤزه ويدفعه ينفخ فيه. السنة سهلة والبدعة صعبة، لا، ويتمسك بالبدعة! لماذا؟ لأن الشيطان يحليها: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. إذاً عمل صالح موافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يشرك إخلاص، أما البدع فلا تقبل. لا تجي تقول لي بدعة حسنة، ما في بدعة حسنة، «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». إذاً أيها الأحبة نحرص أن نبتعد عن البدع الصغار والكبار في العبادات في المعاملات. انتبه! والله يا إخواني قد الإنسان يأخذ عمرة ويأثم، ما يؤجر! يأخذ عمرة ويأثم. ليش؟ لأن بدعة. العمرة فيها بدعة؟ نعم، العمرة تكون بدعة إذا اعتقد فيها اعتقاداً أن لها فضلاً لم يثبت في السنة. بعض الناس يأتي ببدع عبادات معروفة لكن يضع لها أجوراً وفضائل لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بدعة وهذا العمل رد على صاحبه، لماذا؟ لأنه ليس موافقاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

إذا أحبتي في الله؛ فعلا التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النجاة. عليكم بالسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور.

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يجعلنا جميعا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا. أسأله سبحانه وتعالى أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين، وأن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يرزقنا علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين. يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا بزيادة الإيمان، يأتيك ميسورا فهما لنا من ربنا.