تسجيل الدخول

المحاضرة 16 - تفسير سورة عبس (37:30)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات معشر الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في هذا الدرس السادس عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.

وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24] في سورة عبس. وقلنا إن الله تعالى لما ذكر خلق ابن آدم وتدبيره أطواراً، وعدد النعم عليه في نفسه؛ أرشده إلى النظر والتفكر فيما يحتاج إليه من طعامه. فانتقل من النعمة عليه في خلقه إلى النعمة عليه فيما حوله وفيما يحتاجه، فقال: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾. وهذا التسلسل في عرض النعم من آيات الله في القرآن.

والله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز لما قال في سورة عبس: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيٍّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: 17-20]، يعني في خروجه إلى الدنيا. ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21]، يعني في خروجه من الدنيا الأولى إلى الدنيا الثانية. ثم السبيل يسره للخروج إلى الدنيا، ثم أَماتَهُ فأقبره للخروج من الدنيا، ثم إذا شاء أنشره. ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23]، ما قضى حق الله عليه هذا الإنسان.

انتقل العرض من نعمة ربنا علينا في إيجادنا، نعمة الله على الإنسان في نفس هذا الإنسان، إلى نعمة الله على الإنسان فيما حوله وما يحتاجه لبقائه: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24]. انتقال بديع من الإنسان لما حوله ولما يحتاجه؛ فلينظر الإنسان إلى طعامه، إلى مأكله ومشربه كيف جاء هذا الطعام؟ ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا﴾ [عبس: 25]، يعني المطر أنزلناه من السماء. ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: 26]، يعني بخروج هذا النبات بعد نزول المطر على الأرض. ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: 27-28]، القت وعلف الدواب. ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ [عبس: 29]، الشجرة المباركة والزيت الذي يدهن به ويقتات عليه ويعاشر، ونخلاً الشجرة المباركة الأخرى الأشد بركة والأنفع.

ليس هذا فقط؛ ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: 30]، بساتين كثيرة ملتفة فيها ظلال ونعيم. ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31]، سبحان الله، ما بخل ربنا علينا بشيء، ما أعطانا فقط الضروريات، لا، أعطانا حتى أي رفاهية، فواكه، أي التحسينات والكماليات. ليس فقط القوت الضروري، لا، حتى ما نرفه به عن أنفسنا في الطعام بهذه الفاكهة. ما معنى الفاكهة؟ ما يتفكه به الإنسان. و﴿فَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31]، الأب الكل والمرعى مما تأكله الأنعام والدواب التي منها طعام الإنسان اللحم وشرابه اللبن ولباسه الصوف ومركوب يركب على الإبل وغيرها.

ثم قال الله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 32]، أي عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة. فالمتاع ليس فقط للإنسان، وإنما أيضاً للحيوان الذي تتوقف مصلحة الإنسان على وجوده وعلى استمراره. لكن هذا كله مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من قبورهم كنبات الزرع؛ تكون الأرض ميتة، صببنا الماء صباً، شققنا الأرض شقاً، أخرجنا، وهكذا يخرج الإنسان. ومن نظر في هذه النعم المذكورة نظر الاعتبار، أوْجَبَ له ذلك شكر المنعم عز وجل وبذل الجهد في الإنابة إليه والاقبال على طاعته والتصديق بخبره والعمل بأمره.

بعد هذه البراهين الدالة على البعث والنشور من خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها، جاء ذكر المبشر به، وهو يوم القيامة والبعث والنشور وإحياء الأجساد لذلك اليوم، فقال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33]. ترتيب بديع وتسلسل؛ يعني لو واحد يعني حتى لو كان ملحدا وهو يسمع هذا: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17] إلى ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24] وإحياء الأرض ثم ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33]، المفترض أن يقتنع إذا كان له عقل، وأن ينتقل إلى الإيمان بالله واليوم الآخر مباشرة.

فإذا جاءت الصاخة؛ وقد ذكر الله تعالى أمر الدنيا، ثم ذكر أمر الآخرة. ذكر أمر خلق الإنسان في الدنيا ومعاشه في الدنيا، ثم بين أمر المعاد لأجل الاستعداد له والتزود بالاعمال الصالحة. فننتقل واياكم بعد قليل إن شاء الله إلى تفسير قوله تعالى: فاذا جاءت الصاخه.

بسم الله، حياكم الله، مرحبا بكم، نعود إلى ما كنا فيه. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: 33]، صيحة القيامة سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، يعني تبالغ في الأسماع حتى تكاد تصم الأسماع فلا تسمع إلا ما يدعى به لإحياء الصاخة، هي النفخة الثانية وهي التي يكون معها البعث. الصاخة هي المسمع وإن كادت لتورث الصمم من شدتها.

وهنا في فصاحه بديعه؛ صيحه القيامة مسمعة، تصم عن الدنيا وتسمع الآخرة. إذا قال واحد: الصاخة فيها معنى الصمم، وأيضاً الصاخة فيها معنى الأسماع لأنها صوت شديد قوي، فما وجه ذلك؟ الجواب: تصم عن الدنيا وتسمع الآخرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فإذا جاءت الصاخة، هذه من أسماء يوم القيامة، عظَّمها الله وحذر عباده. ومعنى الآية: فإذا جاءت صيحه القيامة التي تصخ لهولها الأسماع وتنزعج لها الأفئدة، مما يرى الناس من الأهوال وشدة الحاجة لسالف الأعمال.

وقد خصت سورة عبس بذكر الصاخة، وسورة النازعات بذكر الطامة؛ لأن اسم الطامة أرهب وأنبأ بأهوال القيامة، فهي تطم وتعلو فوق غيرها. أما الصاخة فهي الصيحة الشديدة لأن الناس يصيخون ويستمعون لها. هذا من معنى أيضاً الاصلاخة، فلما كانت الطامة أبلغ في الإشارة لأهوال القيامة خص بها أبلغ السورتين في التخويف والانذار، وهي سورة النازعات؛ لأنها مبنية على التخويف والترهيب، وذكر الراجفة والرادفه وما يتبع ذلك من الهلع والتخويف فيها أشد. أما سورة عبس فكانت مبدوءة بقصة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى رضي الله عنه وقواعد في الدعوة إلى الله ومراعاة المصالح الشرعية والإقبال على المقبلين، وأن لا يكون الإقبال على المعرضين على حساب المقبلين، أي فيها أشياء أخرى.

ثم جاء الانتقال إلى ذكر المعاد وإثباته بخلق الإنسان وإحياء الأرض، قبل ذكر الصاخة. وأيضاً يقال: خصت النازعات بالطامة؛ لأن الطامة قبل الصاخة، والفزع قبل الصوت، فكانت هي السابقة. وخصت عبس بالصاخة؛ لأنها هي اللاحقة.

ويقول الله عز وجل فيما يكون في ذلك اليوم: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةِ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مَّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَآنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 33-37]. مجموعه من الاقارب، أقرب الاقارب، آية من الدرجة الأولى؛ هناك محبة عظيمة عند الإنسان لهؤلاء الاقارب هذه العادة، فكيف ينشغل عنهم وكل واحد منهم منشغل عن الآخر بالرغم من قرابتهم وقربهم من بعضهم الزوجه الابناء، ومع ذلك ياتيهم هول يشغل بعضهم عن بعض؟

اذا قوله تعالى يوم تفسير لقوله الصاخة؛ فكان السمع اذا سمع فاذا جاء الصاخة يقول: ما هي الصاخة؟ يعني في نفسه، فياتيه الجواب: يوم، هذا تفسيرها. يوم يفر المرء من اخيه، وهذا اليوم يكون بعد ادبار الحياة الدنيا ومجيء الصاخة، يوم آخر غير ايام الدنيا، يوم خاص، يوم طويل عبوس قمطرير، يعرض فيه الإنسان عن الأقارب ويفر منهم. أيضاً ليس فقط يعرض، ليس فقط ينشغل، يفر، لا يسأل عنهم كما في الدنيا بل يهرب منهم؛ لأن الهول عظيم والخطب جسيم، لا يلتفت إلى أي واحد منهم ولا يلتفت واحد منهم إلى الآخر، لا يكلم لاشتغاله بنفسه. الهول عظيم والخطب جسيم، كما قال الله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مَّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَآنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37]. هذا تفسير يعني لماذا الانشغال، لماذا الهروب؟

وقال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: 11-13]. قال قتاده: الأحَبُّ فالأحَبُّ والأقرَبُ فالأقرَبُ من أهله وعشيرته لشداد ذلك اليوم؛ يعني يفر منهم للشداد، لأجل ما يكون في ذلك اليوم من الشدائد. والفرار عادة يكون هروباً للتخلص من أمر مخيف، وليس للهروب من أقرب الناس إليه. فما وجه الفرار من الاقارب؟ لأنه لا يمكن أن ينفعهم ولا ينفعوه، ما ينفع الإنسان العمل الصالح، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئاً.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان: 41]، ما يغني حبيب عن حبيب ولا قريب عن قريب، اليوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون. وقيل: يفر لئلا يروا ما هو فيه من الشدة والهوان؛ كأنه لا يريد الخزي أمامهم، لا يريد الفضيحة أمامهم. وقيل: يفر منهم ضجراً لعظم ما هو فيه. وقيل: يفر منهم حذراً لئلا يطالبوه بحسنات أو نعم لما قد يكون بينه وبينهم من تبعات؛ يعني حتى الزوجة قد يكون بينها وبين الزوج مظالم، حتى الأولاد قد يكون بينهم وبين أبيهم مظالم ظلمهم أو ظلموه، ومعنى المقابلة هنا: هات من حسناتك وهات أنت من حسناتك، ولذلك يحدث الفرار.

وقال بعض العلماء: يفر منهم لما يتبين له عندما، ما يتبين له عجزهم وقلة حيلتهم. فالفرار إذاً في الآية يحتمل أن يكون التباعد والشرود والهرب، والسبب الخوف من المطالبات؛ الأخ يقول: ما واسيتني بمالك، والأبوان يقولان: ما لقد قصرت في برنا، والصاحبة تقول: أطعتني حراماً أو فعلت معي وصنعت وظلمت وضربت وسببت وشتمت وهجرت ولم تعطني حق كذا وحقي في كذا، والبنون يقولون: ما علمتنا، ما أرشدتنا، ما ربيتنا، قصرت في حقنا. ويحتمل أن يكون المراد من الفرار الفرار من الموالاة؛ فما ينصره لا ينصرونه ولا ينصرهم لانشغال كل واحد منهم بشأنه. كما قال الله: ﴿إِذ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166].

وقيل: يفر كل واحد من نصرة الآخر كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان: 41]. وأيضاً يفر من سؤال بعضهم؛ يفر بعضهم من سؤال بعضهم. يعني العادة إذا واحد لقي أقاربه يقول: كيف حالك؟ كيف حالك أنت؟ هناك ما في سؤال كيف حاله؟ في أهوال كل منشغل بها، فيكون الفرار كما قال بعضهم من سؤال بعضهم بعضاً عن الحال.

في المقطع التالي إن شاء الله سنجيب عن سؤال لماذا بدأ في الآية بالأخ ثم الأبوين ثم الصاحبة والبنين مع أن الصاحب والبنين أقرب من الأخ؟ سناتي إلى ذلك إن شاء الله بعد قليل.

من الأحاديث الباطلة ولا تنشرها في مواقع التواصل أو غيرها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين».

الحمد لله، مرحبا بكم.

إنه شيء لافت للنظر فعلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34-36]. لماذا بدأ بالأخ مع أن الأاب والأم أقرب والصاحبة والبنين أقرب من الأخ؟ الجواب: بدأ بالأخ ثم بالابوين ثم بالصاحب والبنين، تدرجا إلى الأحب والأقرب، كأنه قال: يوم يفر المرء من أخيه بل حتى من أبويه، بل من صاحبته وبنيه، فهو إذن تعبير بلاغي للبدء بالأفقر ثم الأشد قربا، فبدا بالاقل وختم بالاكثر، لأن الإنسان أشد شفقة على بنيه من كل من تقدم ذكرهم.

والمقصود أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم، صار يفر منهم في الآخرة، لا أحد ينفعهم ولا أحد ينفعه. وكون الإنسان يفر من أقرب الناس إليه يقتضي هول ذلك اليوم، بحيث إذا رأوا العذاب يريدون الفرار منه إلى أي جهة، والفرار منه ولو كانوا عند أقاربهم. لو كان هناك أقارب مجتمعون فجاء عذاب هائل نزل، ماذا يحدث؟ كل واحد يقول: نفسي نفسي، ويذهبون لا يلوي أحد على أحد.

وقد ذكر الله تعالى أصناف القرابة الأقرب فالأقرب، القريب فالأشد قرابة، حتى يكون لذلك وقع في النفس، وأن يقول الإنسان: أفر من أخي، بل من أمي وأبي، بل حتى الزوجة والأولاد أقرب الناس إلي.

جاء التفسير لهذا الفرار بقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37]. لكل امرئ منهم؛ يعني من الأخ والاب والام والصاحب الزوجه والأولاد الأبناء. طبعا ذكر الابناء ولم يذكر البنات، لأن الإنسان يعتمد على أبناءه أكثر ويلجا إليهم أكثر، وفي الشدائد الذكور يقومون معه. ومع ذلك الآن يفر منهم ويفرون منه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لكل واحد؛ يعني حتى الابناء كل واحد يتفرق عن الآخر، حتى الاخوان كل واحد منهم يتفرق عن الآخر، فليس الاخوان مع بعض، والابناء مع بعض، والزوجات مع، لا، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، يكفيه ويشغله عن غيره.

ما هو هذا الشان؟ تفكيره في سيئاته، خوفه من النار، رؤية النار التي أمامهم تلظى زفير وشهيق، طبعا نزول الجبار وأطواق الملائكة ونصب كرسي للقضاء والصحف التي تتطاير والميزان المنصوب، يعني هذه أهوال عظيمة، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، ويصرفه ويصده عن قرابته. يقال: أغني عني وجهك؛ يعني اصرفه، أغني عني السفيه؛ ابعده، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. قد شغلته نفسه واهتم ببكائه ولم يكن له التفات إلى غيرها، نفسي نفسي، فله شان لا يقدر مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره.

وانتم تسمعون أحيانا في اخبار مثلا الفارين من كارثه أو من هجوم أو في الحرب أو في القصف أو في الغرق في البحر، أن بعض الناس يقول: والله تركت أولادي، والله هربت بنفسي، وحتى ما استطعت أن أخذ الزوجه ولا أخذ الأولاد ولا أخذ أبي ولا هذا، هذا على ايش؟ على قصف الدنيا، على عذاب في الدنيا، على هول من أهوال الدنيا، فكيف بأهوال الآخرة؟

وقد جاء في حديث سوده زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يببعث الناس حفاة عراة غرلا -يعني غير مختونين- يلجم العرق ويبلغ شحمه الاذن». فقالت: يا رسول الله، واسواتاه، ينظر بعضنا إلى بعض، يعني نبعث عراه طيب الرجال والنساء العورات؟ فقال عليه الصلاه والسلام في هذه الرواية: «شغل الناس عن ذلك». وتلى عليه الصلاة والسلام قول الله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]. طبعا حديث جاء عن عائشة رضي الله عنها بسياق آخر مشابه، لكن هذه رواية الحاكم والطبراني عن أم المؤمنين سوده رضي الله عنها.

قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] جاء في حديث الشفاعة الطويل، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بادم. الحديث، وفيه: فيقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيره. ثم ذكر نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، كل واحد يقول: نفسي نفسي نفسي، انبياء اولو العزم من الرسل؛ اولو العزم من الرسل يعني نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وأول نبي آدم أبو البشر، كلهم كلهم نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيره. إذا كان هذا حال الأنبياء، فكيف بمن هو دونهم؟ نسأل الله السلامة، من يخوفك حتى تلقى آمنا خير ممن يؤمنك حتى ترقى خوفا.

وقد جاء في عبارات بعض مفسري السلف شرحا لقضية الانشغال عن الاقارب هذه، فقال عكرمه رضي الله عنه: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه، أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت. فيقول لها: فاني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبينها لي، لعلي أنجو مما ترين، يعني إن كنت تحبينني ولي مقام ومنزلة عندك حسنة. فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا، أتخوف مثل الذي تخاف. وذكر مثل ذلك مع الابن، وذكر مثل ذلك مع الاب. وهكذا.

إذا، هذه أهوال عظيمة في ذلك اليوم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا فيه من الآمنين، وأن يجعلنا فيه من الناجين، وأن يغفر لنا يوم الدين، وأن يتوب علينا إنه أرحم الراحمين، وأن يدخلنا الجنة بلا حساب ولا عذاب، ويعتق رقابنا من النار إنه هو الكريم الوهاب. إلى درسنا القادم استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزياده الايمان وتريد سهلا نوال ميسرا ياتيك ميسورا باي مكان.

زاد اكاديميه ينبوعها صاف صافي ليروي غله الظمان هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القران.

بشرى لنا زاد اكاديميه للعلم كالازهار في البستان.