بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذه الحلقة السابعة عشر من حلقات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد بقي لدينا خاتمة سورة عبس، ثم ننتقل إلى السورة التي تليها، ولعل هذا يناسب في ربط السورتين ببعضهما.
وقد سبق في تفسير سورة عبس ذكر أن مطلع السورة كان في درس للنبي صلى الله عليه وسلم في مصالح الدعوة إلى الله وتقديم المقبل على المعرض، ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]. ذكر حالة هذا الانسان في تكذيبه وكفره مع أنه عز وجل قد خلقه وأوجده من العدم. قتل الإنسان ما أكفره لتكذيبه بالبعث وإعادة الله الاجساد، وقد خلقه الله من العدم، والذي خلقه من العدم قادر على أن يعيده بعد ما يبلى.
قتل الإنسان ما أكفره، أفلا ينظر إلى إيجاده من العدم ويعتبر به في إثبات الإيمان بالمعاد الذي سيأتي؟ بل حتى ما حوله من طعامه آية أيضا في انزال الماء، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس: 25-27] إلى آخر الآيات، ثم ذكرنا قيام الساعة وهذا البعث، فإذا جاءت الصاخة، وفرار أقارب من بعض، من أقرب الناس إلى الإنسان، أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.
ماذا قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في وصف حال الناس يوم القيامة؟ قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: 38-42]. أنواع الوجوه في ذلك اليوم؛ ختم الله السورة بآيات في وصف أحوال المؤمنين والكافرين، وحال الفريقين أهل الجنة والسعادة وأهل النار والشقاوه.
بدأ بالقسم الأول الذي آثر الحياة الباقية فقدمها على الفانية وعمل لها واقبل عليها ورغب فيها وجعل الآخرة همه؛ هؤلاء أهل الجنة يوم القيامة سياتون والبشر يلوح عليهم في محياهم، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾. إذن المكافأة والثواب واضح ليس خفيا، مصائرهم تلوح على وجوههم؛ الفوز بالجنة، النجاة، إيتاء الكتاب باليمين، رجحان الموازين بالحسنات، هذا أثره ظاهر على وجوههم.
وجوه يومئذ مسفرة، نيرة، مشرقة، مضيئة، متهللة، بهجة وسروراً، ضوءها ظاهر وسرورها منتشر وفرحتها عامرة بما نالت من كرامة الله عز وجل. مسفرة ضاحكة مستبشره؛ ثلاثة أمور: مسفرة عرفناها، ضاحكة لما ظهر البشر على الوجه وانبعث السرور والبهجة ظهر الضحك؛ ضحك السرور، ضحك البهجة. وأيضا هي متهللة مستبشرة بما آتاه الله من الكرامة، وبما عرفته من النعيم الذي ستقدم عليه والجنة التي ستدخلها، والقلب إذا سر استنار الوجه.
وقد جاءت عبارات عن السلف في تفسير سبب اشراق الوجه وسبب الضحك؛ كقول عطاء الخراساني رحمه الله: مسفرة من طول ما اغبرت في سبيل الله، يعني ما الذي جعلها مسفرة؟ شيء عملته في الدنيا، ما هو؟ اغبرت في سبيل الله في الخروج للجهاد في سبيل الله. قال ابن عباس: من قيام الليل. قال الضحاك: من آثار الوضوء. وهذه التفسيرات لا تمنع من حمل الآيات على العموم، وهو الاستبشار بثواب العمل الصالح.
يعني وجه العالم مسفر لماذا؟ بما تعلم وعلم، جهاد العلم، التعب في التعلم وبذل والعطاء في التعليم، الجهاد في سبيل الله بما خرج وذهب وعلاه الغبار في الطريق ومشقة السير والمعاناة والحر والبعد عن الأهل والقدوم على الخطر. وكذلك وجوه البارين بآبائهم أمهاتهم مسفرة مما بذلوه في برهم. أي أصحاب الأعمال الصالحه سواء كانت صياما، قياما، تلاوة، ذكرا، دعاء، خشية، تدبراً؛ الاستبشار بثواب العمل الصالح.
إذن مسفرة كل أصحاب الأعمال الصالحة وجوههم مسفرة، لكن في أشياء يعني قد تكون ألصق من أشياء بالإسفار، مثل الوضوء يغسل وجه المؤمن، فالوضوء سبب لوجوه يومئذ مسفرة بسبب الوضوء أو بالاعمال الصالحة عموما. الآيات هذه فيها بشارة للمؤمنين كبيرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال بعدها مصير الآخرين: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾. لم يذكر نوعا ثالثا، فعلم أن اهل الايمان هذا حال وجوههم، وأهل الكفر هذا حال وجوههم.
ذكر الله حال الفريق الثاني الذي اشتغل بهواه واللذات المحرمة، واختار الفاني على الباقي، وترك الواجبات وغشي المحرمات، واقبل على الدنيا يعب منها، كانت همه وشغله الشاغل الكفار أصحاب النار، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ يعلوها غبار ودخان وكآبة وغم وهم. هي في الدنيا كانت تضحك في الباطل، وكانت تستلذ بالحرام، وكانت منهمكة في متاع الدنيا، يعني كان في وجوههم في الدنيا نظارة وإذا رايتهم تعجبك أجسامهم، لكن في الآخرة ما مصيرهم؟ عليها غبرة.
عليها غبرة، هذا غبار المعصية، هذا ذل الكبائر والصغائر والسيئات التي غشيها، ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ تعلوها ظلمة يغشاها سواد فيها كسوف، أيست من الخير وعرفت شقائها وهلاكها، هذا في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106]، تغشاها ذلة، تغشاها السواد. البهائم التي يصيرها الله يوم القيامة ترابا بعد القضاء بينها، قيل إن ترابها يحول غبارا في وجوه اهل الكفر، جاء ذلك عن بعض مفسري السلف.
ما الفرق بين الغبرة والقترة؟ وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة، القترة ظلمة وسواد بسبب الغبار والدخان. المعنى اللغوي: القتر ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء ورفعت الريح، والغبرة لون الغبار. وقيل القترة في الآخرة هذا السواد بسبب الغبرة، وأيضا هناك أمر حسي وامر معنوي، يعني من الذل في وجوه أولئك القوم بالإضافة إلى الغبرة والسواد.
قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، من هم هؤلاء أصحاب الغبرة والقترة؟ الجواب: الكفرة الفجرة. طبعا هذا يعني جناس الأسماء هذه؛ كفره فجره، قبلها غبره قترة، يعني فعلا نظم قراني بليغ. والمجيء بهذه الكلمات في هذا السياق متشابهة المبنى والوزن: غبرة، قترة، كفره، فجرة. وهي ليست مجرد صف كلمات، لا، معاني مترابطة؛ الكفرة جمع كافر، الفجرة جمع فاجر. الفاجر الكاذب المفتري على الله، وقيل الفاسق فجر فجورا فسق فسوقا، وقيل فجر يعني كذب، واصله الميل، والفاجر المائل؛ ماله عن الطاعة، ماله عن دين الله.
الكفرة الفجرة؛ كفروا بنعمة الله، كفروا بدينه، كذبوا بآياته، اجترئوا على محارمه، كفروا بحقوق الله وحقوق خلقه، كفرت قلوبهم وفجرت أعمالهم، الكفر في قلوبهم والفجور في أعمالهم، فكان الله جمع في وجوه الكفار بين السواد والغبار كما جمعوا في الدنيا بين الكفر والفجور، فلا أقبح من اجتماع الغبار مع السواد على الوجه.
والتعبير في الآية باسم الإشارة ﴿أُولَٰئِكَ﴾ إشارة إلى اصحاب تلك الوجوه، أولئك البعداء البغضاء، أولئك -ما قال هؤلاء- أولئك إعلاما ببعد درجتهم في السوء وفي نار جهنم في عمقها. أولئك البعداء المبعدون فيها، أولئك الموصوفون بسواد الوجوه وغبرتها هم الكفرة الفجرة. فلا بد ان يعمل المسلم لهذا اليوم العظيم العمل العمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة فلا يجاب إلى ما أمل، قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، ويصير المرء مرتهنا بما قدم من عمل.
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ فبمن يلوذ ويستجير المجرمُ أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحمُ ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إنـي مسلـمُ
نسال الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل كتابه وخاصته، إنه سميع مجيب.
الزينة في حياة المرأة حاجة فطرية جبلت عليها، وقد تكون مولع بها، والاسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية ولكنه ينظمها ويضبطها. ومن ذلك نهيه المرأة عن التزين بالوشم أو الوصل أو النمص أو فلج الأسنان؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء»، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «والمتفلجات للحسن».
الوصل: أن يوصل شعر المرأة بشعر آخر، ويدخل في ذلك الباروكة والرموش والأظافر الصناعية لأنها في معنى الوصل. والنمص: هو الأخذ من شعر الحاجبين بقف كان ذلك أو الحلق أو غيرهما، واما الشعر الذي بين الحاجبين فلا باس بازالته. والوشم: هو غرز إبرة أو نحوها في أي موضع من البدن حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو غيره، فيخضع إزالة الوشم إلا أن خاف منه تلفا أو ضررا. والفلج: أن تباعد ما بين الأسنان الثنايا والرباعيات اظهارا لصغر العمر وحسن الأسنان.
والحرام من ذلك كله ما فعل طلبا للحسن وزيادته، وأما ما كان منه للعلاج أو ازالة عيب كإزالة الكلف وحبة الخال ونحوه فلا باس به، ولا يحرم التغيير الذي لا يبقى كالحناء والكحل فليس هذا من التغيير الممنوع. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7].
الحمد لله، مرحبا بكم وعوده مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات. إذا انتهت سورة عبس بذلك التذكير العظيم بيوم الدين: فإذا جاءت الصاخة التي تصخ الأسماع يوم القيامة، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فلا يلتفت واحد منهم إلى واحد لأن هناك شأنا يغني كل واحد عن الآخر. وينقسم الناس إلى أصحاب وجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة، واصحاب وجوه عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة.
هذه النهاية لذكر ما في يوم الدين والموعظة بالقيامة يعقبه بعد ذلك سورة أخرى في ذات الموضوع؛ في يوم الدين، في يوم البعث والنشور، سورة فيها أهوال القيامة وتفاصيل أخرى عما يكون في ذلك اليوم؛ انها سورة التكوير، المكية اتفاقا، ذات التسع والثمانين آية.
ومن موضوعاتها: تحقيق الجزاء واثبات البعث، والابتداء بوصف الأهوال يوم الدين، والتنويه بشأن القرآن الكريم الذي كذب به المشركون، والتهديد الشديد بيوم الوعيد لمن كذب، بأن هذا القرآن في صحف مكرمة. سورة التكوير لها مقطعان يقرر كل واحد منهما حقيقة كبيرة من اصول العقيدة والدين؛ الأولى: قيام الساعة وما يصاحبه من انقلاب كوني هائل يشمل الشمس والنجوم والجبال والبحار والأرض والسماء والأنعام والوحوش وبني الإنسان أيضا. الثانية: حقيقة الوحي وما يتعلق به، وصفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتلقاه، وشان القوم المخاطبين به.
وبالتالي يتبين لنا علاقة بين سورة التكوير وسورة عبس، وهي هذه العلاقة: أن الله لما ذكر في آخر سورة عبس قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 33-34]، ذكر هذه الصاخة كأنها رأي عين وشرح حالها وما فيها من الأهوال في التكوير والسورة التي بعدها وهي الانفطار.
ولذلك ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: إذا الشمس كورت». الحديث؛ طبعا الحديث فيه ذكر: إذا السماء انفطرت، إذا السماء انشقت، أي هناك ثلاث سور من قرأها كأنه ينظر إلى القيامة رأي العين.
سورة التكوير ثبت في فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قراها في صلاة الفجر رواه مسلم، ومن فضائلها هذا الحديث الذي ذكرناه آنفا: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت»، قال الراوي: وأحسب أنه قال: «سورة هود»، رواه الإمام أحمد رحمه الله وهو حديث صحيح.
أي وهذا يذكرنا بحديث السور التي شابت لما فيها من الأهوال؛ شعر رأس نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعما يتساءلون وإذا الشمس كورت»، وفي لفظ: «شيبتني هود واخواتها قبل المشيب». لماذا شيبته؟ لما فيها من ذكر أهوال القيامة والعذاب والماثورات النوازل بالأمم الماضية؛ العقوبات المدمرة. معنى الحديث أن اهتمامه بما فيها من أحوال القيامة ومصائر المكذبين اخذ مأخذه من نبينا صلى الله عليه وسلم، فظهر خوفه من الله حتى شاب قبل أوان الشيب خوفا على أمته واشفاقا عليهم وخوفا من الله تعالى قبل ذلك.
ما هو مطلع هذه السورة؟ قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 1-2]. سنعرف بمشيئة الله عز وجل معاني هذه الآيات بعد الفاصل.
ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر منهما، أما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصصحابي الجليل النعمان بن بشير؛ يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي -وانا غلام- فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير، أكل ولدك سوى هذا؟ قال: نعم. قال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذا، فاني لا أشهد على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الابناء على إخوته، وأن من الجور والظلم ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيه. ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك
أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
حياكم الله أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات. مرحبا بكم في مطلع سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1]. إذا هنا حديث عن شيء سيقع إذا تحققت هذه الأشياء المذكورة. الشيء الذي سيحدث ويقع سيذكر، لكن ما هي الأشياء التي إذا حصلت سيحصل هذا الشيء؟
الأشياء التي إذا حصلت؛ إذا الشمس كورت، لفت كما تلف العمامة، كور العمامة على رأسه؛ أي لفها. وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض، القرآن عربي يخاطب العرب والعرب تعرف تماما ما معنى التكوير من لغتها، وهي تكور العمائم فوق رؤوسها، تعرف ما معنى التكوير أنه جمع وتدوير، لف مع استداره، جمع الشيء بعضه إلى بعض مع الاستداره هذه والتدوير. الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها واضمحلت، وقيل طمست، وقيل انكسفت، وقيل رمي بها.
إذا الشمس كورت وحصل لها هذا، هذه الشمس العظيمة يكور الله يوم القيامة ويلفها ويطوي بعضها على بعض فيذهب نورها وضوءها وتلقى في النار خزيا لعابدها. إذا قال قائل: لماذا تلقى الشمس في النار؟ الجواب: عباد الكواكب يخزون يومئذ عندما يرون آلهتهم تقذف معهم في النار وتكون عذابا عليهم، كانوا يعظمونها في الدنيا فصارت الآن شقاء عليهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98]؛ يعني تحصدون فيها، انتم لها واردون. ما من أحد يعبد من دون الله وهو راض إلا القي في النار، واما من عبد من دون الله وهو غير راض كعيسى عليه السلام، فقد قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101].
نعود مرة أخرى، السورة تبدأ بداية عن التغيرات الهائلة الكونية إذا قامت الساعة. من هذه التغيرات الهائلة الكونية: ﴿وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1]، وذكر ما يحدث للشمس يوم القيامة جاء في عدة سور، منها هذه السورة التكوير، الجمع والضم، ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 2] تناثرت من السماء وتهافتت وزالت عن أماكنها وتساقطت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: 2]. والكدرة ضد الصفاء كتغير لون الماء، وفسر الانكدار هنا بالتساقط والانقضاض.
فإن قيل: وإذا النجوم انكدرت، ما هو الانكدار؟ فالجواب: المقصود به هنا التساقط والانقضاض وهبوطها بسرعة هائلة من مواضعها. ويقال: انكدر الطائر؛ يعني سقط من عشه، ويقال: انكدر فلان؛ يعني انصب. من عبارات بعض السلف في تفسير الآية: تمطر السماء يومئذ نجوما فلا يبقى نجم إلا وقع. وقيل أيضا في تفسير واذا النجوم انكدرت: انكدار طمس آثارها. وسميت النجوم نجوما لظهورها في السماء بضوئها، فيكون الانكدار طمسا لهذا الضوء.
لكن ما سبب انكدار النجوم؟ قالوا: إذا زال ضوء الشمس انكدرت النجوم؛ لأن معظمها يستنير من انعكاس نور الشمس عليها، ولا يمنع أن يكون لبعضها نور ذاتي. وقد قال كثير من الفلكيين إنه يوجد هنالك في المجموعات الشمسية الأخرى أنوار هائلة، لكن يوم القيامة كل هذه الأنوار، كل هذه الإضاءات والأضواء ستذهب. يظهرون لنا اليوم صورا لمجموعات شمسية وعوالم فيها انوار وإضاءات بالالألوان المختلفة؛ الأحمر والأخضر والأصفر وأشياء تنير الفضاء، هذا كله سينطمس، سيذهب، أنوار هائلة في النجوم والكواكب ستذهب إذا الشمس انكدرت، فيحصل للنجوم انكدار أيضا نسال الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا.
هذا التغيير في العالم العلوي في السماوات فماذا سيكون في العالم السفلي يا ترى؟ يعني في الأرض، ذكر الله تعالى أمورا تتعلق بالجبال: ﴿وَإِذَا الجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: 3]، والبهائم فقال: ﴿وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 4]، والسباع: ﴿وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: 5]، سواء كانت أشياء مستأنسة عشار، أو موحشة وحوش، سيكون لها تصرفات. وكذلك: ﴿وَإِذَا البحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: 6]. سنعرف تفصيل ما يحدث في العالم السفلي في الأرض إذا قامت الساعة، ما تفسير هذه التغيرات الأرضية في الحلقة القادمة إن شاء الله. نسال الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يتعظ بالقران، وأن يجعلنا ممن يخافه بالغيب، وأن يجعلنا من الناجين يوم الدين. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد صالح المنجد