تسجيل الدخول

المحاضرة 15 - تفسير سورة عبس (29:19)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله العزيز الحميد الذي أنزل القرآن المجيد على عبده محمد صلى الله عليه وسلم صاحب القول السديد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي المجد التليد.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وحي الله الطلاب والطالبات في الدرس الخامس عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.

وقد سبق في تفسير سورة عبس في قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، قلنا إن كلا كلمة ردع وزجر، أي ليس الأمر كما وقع من إعراض عن الفقير المقبل وإقبالاً على الغني المدبر، وإنما كان ينبغي الإقبال على هذا المقبل الفقير الضرير. كلا إنها هذه الموعظة، أو هذه السورة، وقيل آيات القرآن تذكره فمن شاء ذكره وعمل بالوحي واتعظ به.

وإن هذا الوحي والقرآن في صحف وفي اللوح المحفوظ مكرمة معظمة موقرة مرفوعة مطهرة عالية القدر والرتبه مطهرة من الدنس والكذب، ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. هذه صحف عظيمة في السماء بأيدي السفرة، الذين يسافرون بين الله ورسله الملأ الكرام. هؤلاء الكاتبون كرام على الله بررة مطيعين لأمره.

ثم ذم الله المكذبين للوحي والقران والمكذبين بالبعث والنشور وقال: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾. لعن هذا الانسان المكذب الذي كفر بالله ونعمته وهو مخلوق من شيء مهين كيف يتجبر ويتكبر.

ثم فسر خلقه بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أطواراً ونقله حالاً بعد حال في بطن أمه، وقدر أجله ورزقه وعمله. ونفسر إن شاء الله في هذا المجلس هذه الآيات العظيمة التي ذكر الله سبحانه وتعالى فيها بعض ما يتعلق بأمر هذا الإنسان.

فقال بعد ذكر خلقه من نطفة خلقه وتقدير أمره: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال ابن عباس في تفسير السبيل خروجه من بطن أمه يسره الله. ومن تأمل في لحظات الولادة العسيرة يعرف ما هي أهمية التيسير وكيف تنفرج الأمور في اللحظة الأخيرة.

ثم السبيل يسره خروج من بطن أمه وحالات عسر الولادة صعبة جداً ويقع فيها عمليات شق ويقع فيها وفيات، إذاً نعمة عظيمة أن يتيسر خروجك يا أيها الإنسان الطفل. فلماذا إذا كبرت تكبرت.

يسره بعد هذه الأطوار التي عاش في بطن أمه، سهل له الخروج من هذا البطن إلى الدنيا، ويسر له ثديين ومصدرين يتغذى بهما. وبعد ذلك يسر له الرزق، والأهم من هذا كله يسر له طريق الهدى والفلاح ويسر له بيان الحق ومعرفة هذا الحق بإرسال الرسول وإنزال الكتاب.

وقيل ثم السبيل يسره سهل له العلم بطريق الحق والباطل، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. وقيل يسر على كل أحد ما خلقه له، يعني ولكل وجهة هو موليها سبحانه.

ثم السبيل يسره ثم أاماته فأقبره. كما سهل له الخروج إلى الدنيا جعل له خروجاً منها، سهل له الخروج إليها ثم كتب عليه الخروج منها، ثم أماته فأقبره وجعل له قبراً يوارى فيه إكراماً له، وليس أن يلقى على وجه الأرض تأكله العوافي والطيور وتفترس السباع وينتفخ يفتضح يصير منظراً قبيحاً، كلا بل جعل له من الأرض مكاناً، ألم نجعل الأرض كفاته مقابر الحي، قبرت الميت يعني دفنته، أقبر الله يعني صيره بحيث يقبر وجعله ذا قبر.

إذاً ثم أماته فأقبره، وصارت العودة إلى الشأن الأول: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، ويبعثه الله من موته كما خلقه من العدم أولاً. والذي خلقه من العدم قادر على أن يعيده إلى الحياة مرة أخرى. والذي اخرجه إلى الحياة وانهى حياته وجعل مثواه جوف الأرض كرامة له، هذا يسير عليه أن يعيده ويبعثه مرة أخرى من قبره.

طبعا الآية فيها دفن الموتى وأن ذلك من تكريمهم وأنه لا يجوز تركهم بغير دفن. فإن قيل ما وجه عد أماته من النعم، أكبره النعمة فيها واضحة، السبيل يسر قبلها النعمة واضحة، لكن أماته فالجواب لأن الإماتة معبر للوصول إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم بالنسبة للمؤمنين وأهل الجنة، وليست لشعشاع الأحباب والأقارب والإخوان من أهل الإيمان فموت المؤمنين في الحقيقة نعمة وراحة ولقاء في البرزخ وفي الحياة الآخرة.

لكن قضية يعني أنه من أي شيء خلقه ثم ثم أماته ثم إذا شاء أنشره، هذا هو التسلسل للوصول إلى موضوع البعث الذي كان كفار العرب ينكرونه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ وأحياه بعد موته إذا حان الموعد على حسب مشيئته سبحانه أعاد هذا الإنسان إلى الحياة مرة أخرى إذا شاء أنشره.

وقيد النشر بالمشيئة لأن وقت البعث لا يعلم إلا هو، أمر موكول إلى مشيئته تعالى ليس للعباد فيه أي شيء ولا يعلمون عنه أصلاً عن وقت وقوعه. سنتابع التامل وإياكم بعد قليل إن شاء الله.

تأمل معي أيها الأخوة والأخوات الطلاب والطالبات كيف جاء التعبير في قوله: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ بالفاء ولم يقل ثم قدره، لكن تيسير السبيل قال: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. فلماذا؟ لأنه لما قال من نطفة خلقه قال فقدره، لأن التقدير كان تابعاً للخلقة وملازماً، وقد صارت في الطور الذي أراده الله ينفخ فيها الروح ويكتب أجله عمله شقي أو سعيد مما أمره الله سبحانه وتعالى أن يكتبه من القدر. إذاً في تلازم من نطفة خلقه فقدره، لكن ثم السبيل يسره في فاصل زمني، ثم تفيد التراخي وهي هذه المدة من الحياة التي يقضيها هذا المخلوق في بطن أمه، لأن بين الخلق والتقدير والخروج يوجد مدة ومهلة.

فإذا كان هذا التقدير في الشهر الرابع فإن الولادة في نهاية التاسع ولذلك قال: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ سبيل الخروج من بطن أمه إلى الحياة الدنيا. وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أيضاً هناك مدة من بعد الولادة إلى الموت. وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ هناك مدة من الموت إلى المبعث إلى البعث والنشور. إذاً القرآن في الألفاظ دقيق بليغ: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخياً وفسحة، وكذلك بين موته ونشوره إلى بعثه، بين موته وبعثه ونشور أيضاً مدة الله أعلم بها، وما بين النفختين ما شاء الله.

لكن لاحظوا بين أماته والأقبار ما في مدة طويلة ولذلك قال: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ولم يقل ثم أقبره، ونحن علينا أن نعجل بالجنازة كما قال عليه الصلاة والسلام: «أسرعوا بالجنازة».

هذا الإنسان إذا كفر بالرغم من كل هذه النعم وكل هذه القدرة الإلهية، فياتي هنا توبيخ لهذا الإنسان الكافر الذي قال الله فيه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ قال: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾. كلا ليس كما يظن هذا الكافر أن الله لا يبعث من يموت، ليس الأمر كما يظن هذا الكافر من إنكار البعث.

ثم هذا الكافر ما قضى ما أوجبه الله عليه، ما قضى ما أمره الله به، ما قضى الفرائض المكلف بها: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾. قال مجاهد رحمه الله لا يقضي أحد أبدا كلما افترض عليه، يعني حتى اهل الايمان والدين لا يستطيعون أن يأتوا بكل السنن ويعملوا بكل التكاليف وكل الأوامر. وهذا الدين متين وسدد وكن سدد وقار، إذا عجزت سدد وقارب، فلا يخل أي انسان من التقصير، لكن ما معناه كلا لما يقضي ما أمره.

وما المعنى الإجمالي لهذه الآيات؟ يعني إذا شاء الله بعثه بعد موته للجزاء فإن الله هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه لا يشاركه في ذلك مشارك. وعجباً من هذا الإنسان الذي يكفر وينكر البعث مع أن الله هو الذي خلقه وقدره ويسر خروجه وأماته وأقبره وينكر البعث، وهو لم يقم بأوامر الله التي أمره بها ولم يقضي ما فرضه الله عليه.

والإنسان عامة وبإجمال كافه لما يقضي ما أمره. لاحظ الإيحاء الذي تعطي لفظة لما، كلا انه مقصر لم يؤدي واجبه ولم يذكر أصل ونشاته ولم يشكر خالقه وهاديه ولم يقضي هذه الرحلة على الارض في الاستعداد ليوم الحساب.

ابن كثير رحمه الله قال: والذي يقع لي في معنى ذلك والله أعلم أن المعنى ثم إذا شاء أنشره أي بعثه، كلا لما يقضي ما أمره أي لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله له أن يوجد منهم ويخرج إلى الدنيا وقد أمر تعالى بذلك كونا وقدراً، فاذا انتهى الامد يعني هذا عند الله انشر الخلائق وأعاده كما بدأهم. هذا ما خرج به ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، باقي مدة لا زلنا فيها في الدنيا حتى يبعثنا الله. والمعنى الأول كلا لما يقضي هذا الإنسان ما أمره الله تعالى من الفرائض.

نسال الله ان يعلمنا ما جهلنا وان يفقهنا في ديننا. نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.

بسم الله، مواصلة في تفسير الآيات: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾. قتل الانسان ما أكفره فلينظر الإنسان إلى طعامه. الإنسان هو الآن يذكر كما ذكر سابقا ويشار لما ذكر الله خلق ابن آدم وتقديره أطواراً وعدد النعم عليه، أرشده إلى النظر والتفكر فيما يحتاج إليه من طعامه وكيف قدره ربه وكيف دبره ويسره له وكيف جعله سببا لحياته.

قال مجاهد: فلينظر الإنسان إلى طعامه يعني يا من كفر قتل الإنسان ما أكفره، ويا من انكر البعث انظر إلى طعامك ومأكلك ومشربك، وانظر إلى مدخله ومخرجه كما قال بعض المفسرين، فلينظر الإنسان إلى طعامه كيف يدخل وكيف يخرج وإلى أي شيء يصير وينقلب. فلينظر الإنسان إلى طعامه من أين جاء ومن الذي جاء به ومن الذي خلقه له.

إذاً مجموعة من لفت النظر (لفت الانظار) إلى مجموعة من الأشياء، مثل قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. من الذي زرع؟ من الذي جعله ينمو؟ من الذي جعله يثمر؟ ولو نشاء لجعلناه حطاماً ولم تنتفعوا به.

هذا الطعام إذاً الذي هو ألزق شيء بالإنسان وأقرب شيء إليه وألزم شيء له من المخلوقات يعني يحتاجه، انظروا إلى قصته العجيبة والخطوات التي يمر بها، يا من خلقت أطواراً انظر إلى أطوار الطعام الذي تحتاجه كيف خلقه الله، كيف يسره لك.

فلفت نظره في إخراج طعامه من الأرض إلى الإخراج الذي سيكون من الأرض عند البعث، استدلالاً بالنظير على النظير. أرض ميتة يحييها الله ويخرج منها زرعاً، وأجساد بالية ميتة يحييها الله ويخرجها من الأرض. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ يعني انظروا كيف بدات الخلق واعتبروا واستدلوا بالابتداء على الإعادة. يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون.

فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى، ونزلنا من السماء ماء مباركاً فانبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج.

النُّظُرَ رِزْقاً لِلْعِبَادِ، وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَلِكَ الْخُرُوجُ. فآياتُ هذه فيها أَمْرَانِ؛ امتنانٌ، وتذكيرٌ لما يُذكرُ الآن إلى طعامه، وكيف الطعام يبدأ، وكيف يخرج من الأرض. في امتنان، وفي استدلال بأحياء؛ بإحياء النبات من الأرض الهامدة على أحياء الأجسام إذا صارت عظاماً باليةً وتراباً.

ثم لم تقضِ ما أمركَ الله به بالرغمِ من كل هذه النعم! فلينظر الإنسان إلى طعامه كيف تبدأ القصة؟ ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: 25]. المرحلة التي بعدها: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: 26]. المرحلة التي بعدها: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنْبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 27-31] من أجلكَ يا أيُّها الكَفُورُ! ﴿مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 32]. كانت الأرض ميتةً فأخرجنا منها كلَّ هذا؛ أفلا نقدر على إخراجك أنتَ ومن مات مرةً أخرى؟

في مقام هنا؛ مقام امتنان واستدلال على البعث، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ أجريناها إجراءً؛ المطر أنزلناه إنزالاً. في قراءة: أنا أَنَّا صَبَبْنَا الماء. فليعتبر الإنسان ويعلم قدر النعم؛ بأن الله أنزل الغيث من السماء فصبه على الأرض صباً، ثم شقَّ للغيث الأرضَ شقاً، فانبتت فيها الزرع والحبوب، ثم شققنا الأرض شقاً بخروج النبات بعد نزول المطر؛ شيء ينزل من فوق، وشيء يصعد من تحت يرتفع. ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: 25-26] جعلنا الماء في الأرض وتخللت تربتها فحييت بإذن الله، فأنبتت وارتفع نباتها وظهر على وجه الأرض. فإذا قال الإنسان: ما هي قصة الطعام؟ فنقول في سورة عبس: صبُّ الماء، وشقُّ الأرض. ﴿فَأَرَاكُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُم أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: 68-70].

القصة: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: 25-26]. الناس إذا في الزراعة ماذا يفعلون؟ يحاكون ذلك؛ فيسقون الأرض، يزرعون، يضعون البذور، ويسقون وينتظرون الخروج، والله سبحانه وتعالى يجعل في هذا النبات القدرة العجيبة، القدرة بقدرته تعالى على شق الأرض مع أن النبات يعني ضعيف، أول ما ينبت ضعيف، ومع ذلك يخترق يخترق طبقات التراب هذه ويصعد ينمو. من الذي جعل فيه هذه القوة الخفية الكامنة التي تخترق طبقات التراب التي تنمو؟ ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس: 27]. طبعا هذا شامل لكل أنواع الحبوب؛ قمح، بر، شعير، وغيره. غير الحبوب: ﴿وَعِنْبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: 28] العنب معروف، القضب قيل: القت؛ علف الدواب؛ سمي بذلك لأنه يقضب؛ أي يقطع بعد ظهوره ويحشش، وكذلك تخضب الدواب بأسنانها، وقال ابن عباس: هو الرطب؛ لأنه يقضب من النخل ولانه ذكر العنب قبله.

وغيره: ﴿وَزَيْتُونًا﴾ [عبس: 29] هذا نص عليه لبركته وما يعصر منه من الزيوت المباركة؛ شجرة مباركة عظيمة، نفعها كبير؛ الزيت للاستصباح والادهان والعلاج والغذاء والتقويه. منافع! ما أصفى وما أضواء زيته عند الإيقاد منه! وقال الله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20]. شجرة الزيتون، وقال عليه الصلاة والسلام: «كلوا الزيت وادهنوا به؛ فانه من شجرة مباركة».

وزيتوناً يفيد في علاجات وتصلب الشرايين، وضغط الدم، وقرحة المعدة، وتقوية الشعر؛ استعمالات هائلة. كم داخل الآن في المركبات والأدوية والمستحضرات! وماذا أيضاً؟ ﴿وَنَخْلًا﴾ [عبس: 30] النخل المعروف بثمره الذي يؤكل بُسْرًا ورُطَبًا وتمرًا، ويتخذ من منافع كثيرة من النخلة من خشبها، وورقها، وأغصانها، وجذوع، وحطب، وعصي، وحُصُر، وحبال، وأوانٍ، وتسقف به كانت البيوت، والنوى علف الدواب، وهيئة حسنة، وظل، ولا يسقط ورقها صيفاً ولا شتاءً. إن من الشجر لما بركته كبركه المسلم؛ النخلة هذه. الفواكه والأطعمة هذه فيها عبر. ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ﴾ [عبس: 29-31].

نقف هنا عند قوله: ﴿وَحَدَائِقَ﴾ لنتابع معكم بمشيئة الله تعالى تفسير هذه الآيات من هذه السورة العظيمة سورة عبس. نسأل الله عز وجل أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وذهاب غمومنا وأحزاننا، وأن يجعله شفيعاً لنا يوم الدين. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.