تسجيل الدخول

المحاضرة 22 - التفسير - تفسير سورة الشمس (6:1) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في درس مادة التفسير. ونحن في تفسير سورة الشمس في مطلعها، وهي سورة مكية، تسمى أيضاً سورة (والشمس وضحاها)، وبذلك ترجم لها البخاري رحمه الله في صحيحه.

ومن مقاصدها: إثبات تصرف الله تعالى في النفوس هداية وإضلالاً، نعيماً وشقاوةً. ولا يستحق العباد غيره تعالى. وفيها الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي. وفيها تهديد المشركين ووعيدهم بأن يصيبهم ما أصاب من قبلهم كثمود الذين كذبوا نبيهم.

وفي فضل سورة الشمس: ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرا بها في صلاة العشاء كما جاء عند الترمذي والنسائي. وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً رضي الله عنه أن يقرأ بها في العشاء؛ قال: «فلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، هلا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يخشى، فانه يصلي وراءك الكبير والصغير، فانه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» رواه البخاري ومسلم.

نبدأ في تفسيرها؛ يقول الله عز وجل: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾. أقسم عز وجل باية عظيمة من مخلوقاته، وهذا فيه بيان آية قدرة الله عز وجل، وبيان عظمته وعزته. ومن تامل مخلوقات الله؛ الشمس والقمر والسماء والارض والنهار والليل والنفس التي خلقها وهذه الاشياء التي أقسم بها، وجد أنها آيات عظيمة تدل على قدرته وبديع حكمته ووحدانيته سبحانه وتعالى.

فقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾؛ فأقسم بالشمس وأقسم بالضحى. والضحى: وقت ارتفاع الشمس عن أفق مشرقها وظهور شعاعها بمقدار ما يخيل للناظر أنه طول رمح. وأضيف الضحى إلى الشمس لأنه إنما يكون بارتفاعها. واختلف المفسرون في المراد بالضحى هنا؛ فقيل: هو ضوءها وإشراقها، كما قال مجاهد رحمه الله: الضحى حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها. وقيل: النهار كله لدوام نور الشمس، فيكون المعنى: والشمس والنهار، وهو اختيار الإمام الطبري رحمه الله. وقيل: والشمس وضحاها يعني بهاؤها. وقيل: حرها.

وهذان قسمان أقسم الله بالشمس وأقسم بضحاها، فيكون المراد القسم بالشمس ونهارها؛ لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار، كما قال الطبري رحمه الله. لله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ونحن لا يجوز لنا أن نقسم إلا بالله، ولكن الله إذا أقسم بشيء فانه لا يقسم إلا بعظيم من مخلوقاته.

فأقسم بالشمس لكثرة ما يتعلق بها من المصالح؛ فإن الشمس إذا ظهرت تدب الحياة في الارض، ويصبح الأموات بالليل أحياء بالنهار، ولا تزال في ازدياد وقوة حتى تذهب للغروب. وفي وقت الضحوة تكون آية واضحة، ووقت الضحى يشبه استقرار اهل الجنة فيها، لا يأتي منتصف النهار إلا وأهل الجنة في الجنة، أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا. هذه الشمس فيها آيات كثيرة.

إذا طلعت الشمس كم توفر على العالم في الطاقة، وكم يحصل بها من الحرارة وإنضاج الثمار! هذه الشمس بحجمها الهائل وحرارتها تخضع لربها منقادة ذليلة. كما قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش» الحديث. قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: 38].

ثم أقسم تعالى القسم الثالث في السورة بعد الشمس وضحاها، قال: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾؛ يعني تبعها؛ فإن الشمس إذا غربت يليها القمر في إنارته؛ فالشمس تضيء والقمر ينير. وقيل: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يكون ذلك في النصف الأول من الشهر؛ إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور، وذلك حين يستدير، فيكمل ضوءه تابعاً للشمس في الإنارة وذلك في الليالي البيض.

إذاً، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ بناء على هذا يكون المعنى: يأخذ الضوء من الشمس. يقال: فلان يتبع فلاناً في كذا، أي يأخذ. وفي هذا إشارة إلى أن نور القمر مستفاد من ضوء الشمس، والقمر ليس منيراً بذاته ولكنه يأخذ من الشمس، فتتوجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر فيكون منيراً.

وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: 16]. وقال عن الشمس: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: 13]، فهي مضيئة بذاتها هي المصدر. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: 5]. وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: 61].

فعبر عن الشمس بالسراج والضياء لأنها تشع بنفسها إشعاعاً ذاتياً. وعبر عن القمر بالنور لأنه لا يشع ولا يشتعل، بل يعكس شعاع الشمس الذي يصل إليه. وبناء على ذلك، فإن هذه الحقيقة الفلكية التي أشارت إليها الآية وعرفها البشر -أي من خلال رصدهم- فيها بيان آية من آيات الله المبهرة.

إذاً، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ تبعها، فإذا غربت الشمس طلع القمر. وكذلك ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يعني أخذ من ضوئها فأناره. وقيل المعنى: القمر يتلو النهار. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلَاهَا﴾ ليلة الهلال؛ إذا سقطت الشمس رؤي الهلال. ويمكن أن يققال: تلاها يعني تبعها في المنازل والنور، يعني يتلوها في السير وفي الإضاءة. والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين أو أكثر ولا منافاة، فإنها تحمل عليها جميعاً.

والله تعالى أقسم بالشمس لأنها آية النهار، وأقسم بالقمر لأنه آية الليل، وهذا فيه الإشارة إلى أنهما مخلوقان من مخلوقات الله، فالعجب كيف يعبدهما من يعبدهما من عباد الكواكب وهما مخلوقان مربوبان والله ربهما! أيها الإخوة والأخوات، سنرجع اليكم بعد قليل إن شاء الله لنكمل التفسير.

القوة، الحماس، الإرادة، الوقت؛ أهم ما يميز مرحلة الشباب، وتلك الصفات مجتمعة تشكل منه طاقة هائلة، إما أن تستثمر في البناء والتقدم وإاما أن تكون معولاً للهدم والتاخر. وحتى لا تتحول القوة والحماس إلى طيش وتهور واندفاع، أو تتحول الإرادة والوقت إلى انهزام نفسي وفراغ قاتل، فلا بد من صيانة هذه الطاقة الشبابية من آفات العصر.

فكثيرة هي المشكلات التي ربما عصفت بشباب اليوم: اهتمام بالمظاهر الجوفاء، حب للظهور والشهره، علاقات محرمة، لهو وتضييع للأوقات، إهدار للطاقات في متابعة الشاشات ومواقع التواصل، أصدقاء السوء، ارتياد أماكن المحرمات، المخدرات والمسكرات، الخوض في الفتن، اعتناق الأفكار المنحرفه، التأثر بالشبهات العقدية، البطالة وانعدام المسؤولية.

فما الحل؟ الحل الأمثل لتلك المشكلات يتمثل في منهج اسلامي مدروس محاط بالحكمه والتعقل، تستثمر فيه هذه الطاقات الشبابية بما يعود بالمصلحة على الفرد والمجتمع. وأهم دعائم هذا المنهج: التربية الإيمانية، البيئة الصالحة، القدوات المميزة. فلا بد من توافر التطبيق الواقعي المشاهد للمناهج والأفكار، تحفيز ودعم الجوانب الايجابية كتنمية المواهب ورعاية الملكات وشحذ الأفكار بإقامة الدورات العلمية والورش العملية. وليتذكر فرسان تلك المرحلة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعن شبابه فيما أبلاه».

الحمد لله، وحياكم الله مرة أخرى. ومع تفسير قوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا﴾. القسم الرابع في السورة: القسم الأول والشمس، الثاني وضحاها، الثالث والقمر، الرابع والنهار، والخامس الليل مقابل النهار. فأقسم بالشمس وبالقمر وبالليل وبالنهار.

قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا﴾ والتجلية: الإظهار والكشف. فالضمير في قوله: ﴿جَلَاهَا﴾ يعود على الظلمة، نعم هي غير مذكورة في الآية لكن السامع يفهمها، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32]، ما هي التي توارت؟ الشمس.

طيب، إذاً ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا﴾، وكذلك قوله عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]، عليها على أي شيء؟ على الأرض. كذلك قول الله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [فاطر: 45]، ظهر ماذا؟ ظهر الأرض. إذاً، في أحيان في القرآن ضمير لكن ليس مذكوراً مصرحاً، المقصود به لكنه مفهوم.

إذاً، المعنى: والنهار إذا جلا الظلمة أي كشفها بماذا؟ بضوء الشمس؛ والشمس آيات النهار كما أن القمر آيات الليل. هل هناك معنى آخر لقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا﴾؟ قيل: جلا الدنيا وما على وجه الأرض وأوضحه من حيوان ونبات وغيره؛ فإن ذلك يختفي بالليل ويظهر بالنهار، وحتى الحيوانات تأوي إلى أعشاشها وأوكارها بالليل وتنتشر وتخرج بالنهار، فالنهار يجليها ويظهرها.

وقيل المعنى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا﴾ يعني إذا أضاءه. ولهذا قال مجاهد رحمه الله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: 2] يعني أضاءه. وقيل الضمير في قوله: ﴿جَلَاهَا﴾ يعود على الشمس، فالمعنى: والنهار إذا بين الشمس؛ لأن النهار إذا ارتفع اضاءت الشمس وانبسطت، والشمس تتبين إذا انبسط النهار، وهذا اختيار الطبري رحمه الله.

ويؤيده الآية بعدها: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يعني يغشى ماذا؟ يغشى الليل الشمس فيزيل ضوءها. ويمكن أن يكون يغشاها أيضاً يغشى الأرض، فإذاً يمكن أن يكون المعنى: والليل إذا يغشاها، يغشى الشمس فيزيل ضوءها وينسخ سلطانها. فكذا النهار يجلي الشمس، فتكون الضمائر الأربعة في هذه الحالة كلها تعود على الشمس؛ ضحاها، تلاها، جلاها، يغشاها. والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها تلا الشمس، والنهار إذا جلاها جل الشمس وأظهرها، والليل إذا يغشاها يغطيها ويذهب ضوءها وشعاعها.

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ الغشي هو التغطية. والضمير في قوله: ﴿يَغْشَاهَا﴾ يعود على الشمس بلا خلاف. والمعنى: والليل حين يغشى الشمس ويسترها فيزيل ضوءها، وذلك حين تغيب فتظلم الآفاق. وليس الليل بمغط للشمس على الحقيقة، لكنه مسبب لذهابها. وإذا غشي نصف الكرة الأرضية ابتداءً من وقت الغروب فهذا زمن الغشي. والغاشي في الحقيقة؛ حقيقة تكوير الأرض ودورانها. وسبحان الله الذي خلق التعاقب هذا؛ تعاقب الظلمة والضياء والشمس والقمر، وهذا يدل على قدرته سبحانه.

إذاً أقسم تعالى في هذه الآيات الأربع بالشمس على الحقيقة، لكن باوصافها الأربعة: الأول أقسم بها وبضحاها وهو الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار، والثاني تلو القمر لها واخذه الضوء عنها في قوله: ﴿وَالْقَمْرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، والثالث تكامل طلوعها وبروزها بمجيء النهار في قوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا﴾، والرابع مجيء الليل حين يغشى الشمس في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾.

ومن تامل في هذه الشمس وراى آثار صنع الله واتقانه وحكمته عظم ربه. فهذه الشمس آية ساطعة، حجمها ضعف حجم الارض مليوناً و300 ألف مرة، وهي تبعد عن الأرض 156 مليون كم، ومع ذلك يصلنا وهجها في الصيف غاية في الحرارة. ويقطع ضوء الشمس هذه المسافة 156 مليون في ثمان دقائق. تصل درجة حرارة الشمس في أجزائها السطحية إلى نحو 5600 درجة مئوية، أما في باطنها تزيد درجة الحرارة عن 15 مليون درجة مئوية. فسبحانه! هذه الشمس المشتعله بهذه الطاقة الهائله المده الطويلة جداً لم تنفجر، ولا زالت تولد الحرارة والضياء. يعني والعادة أن الاشتعال يخبو ينطفئ أو يشتد فينفجر الشيء، ومع ذلك الشمس لا تنفجر ولا تنطفئ، ذلك تقدير العزيز العليم.

لو انطفأت الشمس فجأة لغرقت الأرض في ظلام دامس، وهبطت درجة الحراره فيها إلى 270 درجة تحت الصفر، وتحولت الأرض إلى قبر جليدي، وهذا كافي لقتل كل مظاهر الحياة على سطحها. من الذي دبر الشمس والقمر والنجوم وسيرها؟ من اجراها بهذا الحساب الدقيق لا تتقدم ولا تتاخر ولا تنحرف عن مسارها؟ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 38-40].

قال بعض الأدباء: سل الشمس من رفعها ناراً ونصبها منارة، ومن علقها في الجو ساعة يدب عقرباها في الجو إلى قيام الساع؟ ومن الذي أتاها معراجها وهداها أدراجها وأحلها أبراجها ونقل في سماء الدنيا سراجها؟ أنظر إلى الشمس التي جذوتها مستعرة فيها ضياء وبها حرارة منتشرة، من ذا الذي اوجدها في الجو مثل الشررة؟ ذاك هو الله الذي أنعمه منهمره، ذو حكمه بالغة وقدرة مقتدرة. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الرعد: 2]، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: 33]. فلنشكر ربنا على آياته وقفة ثم نعود اليكم لنكمل التفسير.

من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية ويلووا ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية، وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. فاللغات من اعظم شعائر الامم التي بها يتميزون، لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه، فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية وأن يكون حريصاً على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك، إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة، اجتناب اللحن والخطا فيها قدر المستطاع. عن نافع قال: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. مطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ. الالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها. التزام التحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم. تعليم الابناء قواعدها وتربيتهم على حبها واتقانها منذ الصغر، إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا من خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42].

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات. الشمس والقمر بهما ضبط التاريخ والأوقات. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ [يونس: 5]. المنازل: جمع منزل، وهو مكان النزول، والمراد بها المواقع التي يظهر القمر في جهتها كل ليلة من الشهر.

وقد علمها أهل الفلك الذين يرصدونه، وهذا التتابع بهذا النظام أنه صنع الحكيم العليم سبحانه. أقسم الله تعالى بالشمس وأقسم بالقمر، وقد خلقهما لنا لتعلموا عدد السنين والحساب، فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام. ما خلق الله ذلك إلا بالحق، لابد أن تكون هنالك حكمة عظيمة من وراء ذلك فلماذا خلقها؟ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؟

قال عز وجل: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5]، يجريان متعاقبين بحساب متقن مقنن منظم لا يختلف ولا يضطرب. ثم جاء القسم بعد ذلك: والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها. ما هو القسم السادس؟ والسماء وما بناها، والمقابل لها والارض وما طحاها. إذا عندنا الآن قسمان في هذه السورة، السادس والسابع. أقسم الله عز وجل بالسماء ومقابلها الأرض فقال: والسماء وما بناها. البناء الرفع، والسماء سقف للأرض كما قال تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: 27]، رفع سمكها يعني سقفها فسواها. وقال: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْف بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: 6]. وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32].

فاقسم تعالى بالسماء وبنائها وما فيها من الإتقان والأحكام والإحسان، والسماء وما بناها يعني وبنائها. ويحتمل أن يكون القسم به تعالى أقسم بنفسه، لأنه باني السماء، فيكون المعنى وما بناها يعني وبانيها وهو الله عز وجل. فتكون ما في قوله: وما بناها، إما مصدرية والمعنى والسماء وبنائها، كما قال عز وجل: قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي، يعني بغفران ربي، بما غفر، ما مصدرية يعني بغفرانانها. والسماء وما بناها يعني وبنيانها، أو تكون ما موصولة بمعنى من، والسماء ومن بناها وهو الله عز وجل الذي خلقها ورفعها وجعلها سقفا محفوظا ورفعها بغير عمد.

فالقسم ببناء السماء قسم ببانيها سبحانه، والقسم ببانيها قسم ببنائها، فالقولان متلازمان. والله عز وجل خلق السماء ورفعها وسواها بلا فطور ولا شقوق ولا خلل، فجعلها مستوية الأرجاء محكمة البناء، عالية مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 3-4]، ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: 5].

هذه السماء على اتساعها المرفوعة بلا أعمدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2]، هذه آية عظيمة من صنع الله تعالى في علوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها في مقاديرها وأشكالها وحركتها في أفلاكها وتفاوت مشارقها ومغاربها، صنع الله الذي أتقن كل شيء. هذه السماء خلق عظيم، يعني لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، والله عز وجل يلفت نظر المتجبرين وكفرة المعرضين: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: 27]، لا تغتروا هناك مخلوقات أعظم منكم بكثير، رفع سمكها فسواها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190].

ذكر السماء كثير جداً في سور القرآن، إما إخباراً عن عظمها وسعتها، وإما أقساماً بها، وإما دعاءً للنظر فيها، وإما إرشاداً للعباد ليستدلوا على عظم بانيها ورافعها، وإما استدلالاً منه تعالى بخلقها على المعاد والقيامة، أو استدلالاً منه تعالى بربوبيته لها على وحدانيته واستحقاقه العبادة وحده لا شريك له، أو استدلالاً بحسنها واستوائها واتقانها على حكمته وقدرته عز وجل، وكذلك ما جعل فيها من الكواكب والشمس والنجوم: ﴿وَلَئِن سَألتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61]، فكما أنه الواحد في ملكه فاعبدوه وحده لا شريك له.

مر معنا ستة أقسام، القسم السابع: والارض وما طحاها. طحو الأرض بسطها ومدها يميناً وشمالاً ومن كل جانب وتوطئتها للسير والجلوس والاضطجاع والزراعة والبنيان وانتفاع الخلق بها بجميع وجوه الانتفاع. الطحو بمعنى الدحو كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30]. إذاً والارض وما طحاها هو بمعنى الدحو، كقوله والارض بعد ذلك دحاها يعني بسطها. هذا أشهر الأقوال في الآية وعليه أكثر المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، فأقسم الله تعالى بالأرض وطحوها أو بالأرض ومن طحاها وهو الله عز وجل، فتكون ما مثل ما قلنا في السماء، فتكون ما في قوله وما طحاها إما مصدرية يعني والارض وطحوها، أو ما بمعنى من أو الذي، فيكون المعنى والارض والذي طحاها وهو الله عز وجل، فأقسم بنفسه.

وقيل في معنى وما طحاها خلق فيها، يعني وما طحاها وما خلق فيها، وقيل وما خرج منها من نبات وعيون وكنوز. آيات عظيمة باهرة: الشمس والقمر والليل والنهار، الأرض والسماء والجبال والأنهار والزرع والثمار، النجوم والأفلاك، الحر والبرد والصيف والشتاء. سبحانه؛ الطير سبحه، والوحش مجده، والموج كبره، والحوت ناجاه، والنمل تحت الصخور الصم قدسه، والنحل يهتف حمداً في خلاياه، والناس يعصونه جهراً فيسترهم، والعبد ينسى وربي ليس ينساه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذاكرين له والشاكرين، وسنأتي بمشيئة الله على بقية التفسير سيري لهذه السورة العظيمة. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزياده الايمان وتريده سهلا النوال ميسرا ياتيك ميسورا باي مكان. زاد اكاديميه ينبوعها صاف صف ليروي غله الظمان. هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القران. بشرى لنا زاد اكاديميه للعلم كالازهار في البستان ثاني.