بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبا بكم في مجلس من مجالس مادة التفسير. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير سورة الشمس، ونتم تفسير هذه السورة بإذن الله.
أقسم الله عز وجل في أول السورة بالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض، ثم أقسم تعالى باية عظيمة من آياته الدالة على ربوبيته وقدرته في خلقه؛ ما هي هذه الآية؟ النفس البشرية، فقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8].
إذاً، والشمس وضحها (قسمان)، والنهار إذا جلاها (الثالث)، والليل إذا يغشاها (الرابع)، والسماء وما بناها (الخامس)، والأرض وما طحاها (السادس)، ونفس وما سواها (القسم التاسع). وفي هذه السورة: وما سواها. وتسوية هذه النفس والتسوية خلق النفوس سوية سواء غير متفاوته وتهيئتها، سواها عدل خلقها وسوى أعضائها وجعلها سوية مستقيمه على الفطرة القويمة.
وما في قوله تعالى: وما سواها؛ إما مصدرية فيكون المعنى: وتسويتها، ونفس وتسويتها، فأقسم بالنفس وأقسم بتسوية النفس، أو تكون ما بمعنى من؛ يعني ونفس ومن سواها، فيكون القسم بالله تعالى، فأقسم عز وجل بنفسه الشريفة وهو الذي سوى النفوس.
وقوله: ونفس، نفس نكرة؛ الآية ليست: والنفس وما سواها، بل: ونفس. فلماذا؟ لإفادة عموم جنس النفوس. ونفس نكرة في سياق القسم تفيد العموم، فتعم كل نفس بشرية، فأقسم الله تعالى بخلقه النفس البشرية وما فيها من عجائب الصنعة الدالة عليه؛ نطفة، علقة، مضغة، عظام، كسو العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر: عظام وأوتار وأعصاب وعضلات وجلد سميك، وتسعة منافذ، تسعة أبواب: بابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للتنفس، وباب للطعام والكلام، وبابان للإخراج. على أي حال: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]. النفس وما فيها من دلائل الإعجاز والآيات الباهرة في خلقه تعالى، عجباً فهي آية كبيرة، ولذلك أقسم الله تعالى بها ونفس وما سواها بانفعالات وعواطفها وما فيها من العقل ونظام الحركة والانتقال والانجاب إلى آخره. هذه النفس لولاها لكان البدن مجرد تمثال.
ثم بين تعالى أنه أرشد كل نفس إلى فجورها وتقواها، وبين لها الخير والشر، الطاعة والمعصية، هذا الطريق وهذا الطريق، وعرفها وأعلمها حتى تأتي الخير وتتقي الشر. قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]. يعني طريقي الخير والشر والحق والباطل.
وقد سأل رجلان رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرايت ما يعمل الناس اليوم ويكدح فيه، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما آتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا، بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها» رواه مسلم.
قد يقول قائل: إذا كان الله قد كتب كل شيء قدره على العباد فعلام يعاقبهم؟ والجواب: علام يثيبهم أيضاً؟ لو كان مجرد التقدير لا يستحقون به شيئاً، إذاً لا يستحقون به حتى الثواب. لكن ألم يعطيهم إرادة؟ أليس لهم مشيئة؟ إذاً على هذا مدار حسابهم. كل شيء مقدر، كل شيء مكتوب، نعم، لكنهم ليسوا مجبورين على الأعمال، ليسوا كالريشة في مهب الريح ولا كالشيء الساقط من أعلى إلى أسفل لا يذهب يميناً ولا شيئاً، لا. ألقاه مكتوفاً وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء! لا، العباد لهم إرادة، لهم مشيئة، بإمكانه أن يصدق أو يكذب، يزني أو لا يزني، بإمكانه أن يشرب الخمر أو لا يشرب، وعلى هذه الارادة وهذه المشيئه يحاسبون. ولذلك لو صار الواحد منزوع الإرادة مكره لا يفعل الشيء باختياره لا يعاقب.
إذاً، كل ما يقوم به العباد من أقوال أو افعال أو تروك معلومة لله، معلومة سلفاً، والله تعالى قد شاءها وخلقها، لكن للعبد اختيار وللعبد قدرة، فلا حجة للعاصي أن يقول: مكتوب علي مقدر ليش يعذبني؟ نقول: لأن لك إرادة.
قال تعالى في رد هذه الحجة: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148]. وترى العبد سبحان الله في امور الدنيا لو قلت له: خلص الرزق مقدر مكتوب لا تخرج ولا تعمل ولا تذهب إلى وظيفه ولا تجارة ولا صناعة ولا زراعة ولا صف بيع ولا شراء، يقول: لا لا، لازم لازم أبذل، كيف يعني أنا لو جلست البيت ما ياتيني المال؟ نقول: سبحان الله، في أمور الدنيا تقول لا، حتى لو مكتوب ومقدر لكن لازم أسعى ولازم أشتغل ولازم اعمل وما أنام ولا أقعد. طيب وليش في امور الدين ما تقول ولازم اعمل الطاعات ولا بد اترك المعاصي واجاهد نفسي حتى ما اورط نفسي في جهنم؟ إذاً ليسوا صادقين، يعني مجرد واحد يريد المعصيه لكن يريد أن يبرر ذلك بتبرير فيقول: مكتوب علي ومقدر علي وأنا مالي. مالك ايش؟ عندك قدرة أم لا؟ عندك إرادة أم لا؟ والله عز وجل مدح المحسن على إحسانه وذم المسيء على إساءته ورتب الثواب للمحسن والعقاب للمسيء، ولولا أن العباد عندهم القدرة والإرادة ما رتب ذلك عليهم سبحانه وتعالى.
إذاً، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا. فاصل ثم نعود إليكم إن شاء الله.
للمرأة في الإسلام أحكام تشريعية تختص بها رعاية لها وصيانه وتكريماً، لا تضييقاً عليها ولا تصغيراً لشأنها، فالمراه لا تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، وفي هذا مراعاة لحيائها، فإن مباشرتها عقد الزواج بنفسها يخدش هذا الحياء، وربما تحملها طبيعتها العاطفية على اختيار غير الكفء فتقع في ورطة يصعب انفكاكها منها، أما الولي فكونه رجلاً يجعله أعرف بأخلاق الرجال ومكامن قوتهم وضعفهم، وكونه أبَا أو أخا يجعله أجدر في رعاية مصلحتها وكرامتها.
وفي السفر ربما تعرضت المرأة للمفاجآت من مشقة أو اعتداء أو حاجة فلا تجد من يهتم لأمرها دون مطمع، فشرع الإسلام ألا تسافر المرأة إلا مع زوج أو محرم يعتني بها ويقوم بشأنها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». ومحرم المرأة كل ذكر تحرم عليه تحريماً مؤبداً بقرابه أو رضاع أو مصاهرة، كالأخ وأبي الزوج، وأما زوج الاخت فليس بمحرم لأن تحريمه مؤقت. ويشترط أن يكون المحرم بالغاً عاقلاً.
إن كل منصف تأمل هذه الأحكام وغيرها يجد فيها الرحمة والعناية بالمراه وصيانتها من عبث العابثين، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ومع قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. الأقسام السابقة يعني الأيمان السابقة لابد لها من جواب؛ والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها، فالهمها فجورها وتقواها؛ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. هذا جواب القسم. كل الأقسام السابقة والأيمان السابقة من أجل التأكيد على هذه الحقيقة، ما هي؟ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها.
قد أفلح وأنحج وسعد من زكى نفسه ورقى بطاعه الله وطهرها من الذنوب والأخلاق الدنيئة والرذائل -هذه التزكيه- ونقاها من العيوب وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14]، وقد خاب من دساها؛ وخسر من دنس نفسه بالرذائل واقتراف الآثام وترك تكميل نفسه وتنميتها وتربيتها وترقيتها واستعمل ما يشينها ويدس ويركس.
فربط ربنا تعالى الفلاح بتزكية النفس وتنزيهها عما يدنسها، وجعل الخيبة حليف من دنس نفسه بالمعاصي ولم ينزه عما حرم الله. فعلى المسلم أن يتضرع إلى ربه وأن يسأله تزكية نفسه. اسمعوا لهذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في أدعيته: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» رواه مسلم. وكان عليه الصلاة والسلام يقول أيضاً: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» رواه مسلم.
لما أفرغ تعالى من جواب القسم في هذه السورة، اتبعه بذكر ما أصاب المكذبين من قبل: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: 11]. فحذر تعالى المشركين المعاصرين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، وذكر نقمته بثمود وما أحل بهم من العذاب لما كذبوا رسولهم صالحاً عليه السلام. وكان ثمود مثالاً لمن دسا نفسه وأركس، فثم كذبوا وركبوا المعاصي فخابوا وخسروا بطغيانهم.
كذبت ثمود بطغواها؛ كذبوا صالحاً عليه السلام بطغيان وعدوانهم وبغيهم وتكبرهم عن الحق وعطوهم. طغواها؛ الطغاة هو الطغيان، والطغيان الخروج عن الحد في العصيان، يعني مجاوزه الحد ليس مجرد عصيان بل المبالغة فيه العتو. وقيل في الطغوى: العذاب الذي جاءهم لأنه طغى عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: 5] لأنهم كذبوا بهذا العذاب، وهذا المعنى في الطغوى اختاره ابن جرير الطبري رحمه الله.
ثم فصل تعالى ماذا فعلوا وكيف كان طغيانهم: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: 12]. فلما كذبوا صالحاً عليه السلام ونازع وجادلوا وهات الآيات ولن نصدق حتى تأتينا باية، واتاهم بالناقة ناقة الله وآية، كانت آية عظيمة؛ ماذا فعلوا؟ نهض أشق القبيلة، إذ انبعث أشقها عاقر الناقة، بعثوه وانتدبوه لعقلها، ولذلك جاء العذاب عليهم جميعاً. انبعث وأسرع في طاعه قومه لمباشرة الجريمة، من هو أشقى؟ قدار بن سالف، كما جاء ذكره في النص. كان رجلاً فيهم عزيزاً فيهم شريفاً فيهم نسيباً رئيساً مطاعاً هو الذي عقرها، إذ انبعث أشقاها، شديد عارم مفسد خبيث منيع في رهطه، مثل أبي زمعه في كفار قريش، وهذا الحديث -أي هذا- يبين مكانة الرجل وماله مطاعاً فيهم.
فننادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. وجاء في الحديث الذي صححه بعض أهل العلم: أشقى الأولين عاقر الناقة، أشقى الناس عاقر الناقة. وكان صالح عليه السلام قد حذرهم من عقر الناقة وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: 13]. ناقة الله أحذروها، ناقة الله اجتنبوا التعرض لها، جعلها الله لكم آية أنتم تشربون من لبنها لا تقابلون نعمة الله بعقرها، اللبن يكفيكم جميعاً، أنها ناقة عظيمة جداً.
طيب، هذه الإضافة: ناقة الله ناقة الله، ما نوعها؟ هل هي يعني في إضافة المخلوق إلى الخالق في إضافة التشريف؟ هذه لا شك إضافة المخلوق، لكنها تعني تشريفاً؛ مثلاً بيت الله، وأنه لما قام عبد الله يدعوه، ناقة الله جعلهم آية وسقياها؛ يعني شربها، يعني ذروا واتركوا ناقة الله وذروا شربها من الماء فلا تعرضوا للماء يوم شربها، واحذروا غصب سقيها والحيل بينها وبين سقياها. والمراد التحذير من أن يسقوا إبلهم من الماء الذي في يوم نوبتها، لأن لها يوماً خاصاً، لأنهم لما طلبوا خروج الناقة من الصخرة جعل الله لها ولهم، يعني لها شرب ولكم شرب، يوم معلوم، نوبة تارة لها وتارة لهم، حتى لا يزاحموهم بأنعامهم، فلم يفعلوا ذلك. ماذا قالوا؟ ماذا فعلوا؟ سنتعرف على ذلك بعد قليل إن شاء الله.
حدث عظيم وقع بعد 16 شهراً من الهجرة، تحديدا في منتصف في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، حيث أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. فاتخذ أعداء الإسلام من هذا الحدث ذريعة للطعن فيه، فقال المنافقون: ما لهم كانوا على قبلة زماناً ثم تركوها؟ وقال اليهود: لو ثبت محمد على قبلتنا لاتبعناه ورجع إلى قبلتنا، ويوشك أن رجع إلى ديننا.
وهنا ظهر تسليم المؤمنين لله تعالى فالعبرة بطاعته لا بالجهه، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142]. إن المشرق والمغرب لله، فلماذا يعترضون على تولية قبلة داخله تحت ملكه؟
لقد كان هذا امتحاناً للناس ليتميز الصادق في إيمانه من الكاذب، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]، أي ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ممن يرتد. وقد سارع الصحابه رضي الله عنهم بالاستجابة، فبعد أن أخبروا بتحويل القبلة استداروا إلى الكعبة مباشرة وهم في الصلاة بعد أن كانت وجوههم إلى الشام.
إن استقبال القبلة هو صورة باهرة لوحدة الأمة وتوحيدها، وفي تحويلها مخالفة لأهل الكتاب وإظهار لاستقلال الأمة الإسلامية في عقيدتها، وهو مقصد شرعي عظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].
الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات. وتركناكم قبل قليل كنا في الحوار بين صالح عليه السلام وقومه في شان الناقة: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الششعراء: 153-157].
نحن الآن في تفسير قوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: 13]. موضوع سقياها، وقال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: 28]. ما أطاعوا نبيهم وتعرضوا للناقة وتعرضوا لها بماذا؟
بالعقر وبالإهلاك؛ قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: 14]. هذه السورة سورة الشمس، وهي مكية، آياتها قصيرة تلخص لنا القصة في كلمات سريعة، لأن القصة مبسوطة في سور أخرى من كتاب الله. والناقة التي أخرجها الله لهم من الصخرة آية وحجة، فعقروها. وأسند العقر إلى كل القبيلة مع أن الذي عقر واحد، لأنهم هم الذين بعثوه ورضوا بفعله وتمالؤوا وسروا به.
فلما كانوا شركاء في الجريمة عمهم العقاب جميعاً، وقال عز وجل في آية أخرى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشمس: 29]. وقال عز وجل: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 59]، آية بينة واضحة فظلموا بها. قال الحسن: إنما عقر الناقة رجل واحد، فعم الله بالعقوبة لأنهم عموا فعله بالرضا، يعني فعل قدار بن سالف هذا رضوا به. وهذا فيه بيان خطورة من يرضى بالمنكرات وإن لم يفعلها، وإثم من يتابع أصحابه عليها. وفي الآية بيان أهمية إنكار المنكر بالقلب لمن لم يقدر على تغييره بيده أو لسانه.
وكان جزاء ثمود أن غضب الله عليهم وعمهم بالعقاب، وأرسل عليهم الصيحة من فوقهم، والرجفة من تحتهم، فأصبحوا جاثمين في ديارهم، لا تسمع لهم ركزا ولا تجد فيهم داعيا ولا مجيبا، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: 14]. الدمدمة إهلاك باستئصال، الدمدمة تضعيف العذاب وترديده، والمراد بها صوت الصيحة العظيم التي جاءت والرجفة التي أصابت، صيحة أتت عليهم ورجفة من تحتهم، أهلكوا جميعا. فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، إذا ثمود أهلكوا بعذاب الصيحة والرجفة. قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: 83-84]. وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: 31]، صاروا مثل الشجر اليابس إذا تحطم.
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: 5]، وقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: 14]، جعل العقوبة نازلة عليهم على السواء، سوى بينهم في العقوبة، وقيل: سواها؛ سوى بهم الأرض، فدمر عليهم وأهلكهم بذنوبهم فلم يفلت منهم أحد. وهذا منه تعالى عدل، وهو القادر العزيز القاهر الجبار، وهو الحكيم في أفعاله وقضائه، الفعال لما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قال تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: 15]، بعض الناس إذا فعل شيئا أو أنزل بقوم أذية أو أنزل بهم ضررا يصبح خائفا من الانتقام، الله عز وجل ينتقم ولا يخاف ذل البأس والعقوبة، ولا يخشى أحدا سبحانه، ولا يخاف عقباه، لا يخاف عاقبة ما فعله بهم عز وجل. من الذي يقدر أن يضره؟ ولا يضرون شيئا، لا يخاف عاقبة الدمدمة، ولا يخاف تبعة ما فعل سبحانه وتعالى، ولا يخاف عقباها، جبار قوي منيع عزيز، ومن الذي سيثأر لهم؟ ما لهم معين ولا لهم نصير، لم يبق منهم أحد أصلا، إفناء كامل، وهذا تهديد عظيم من الله تعالى للمشركين. سبحانه من قدر وانتقم، نعوذ بالله من غضبه وعقابه.
وننتقل أيها الإخوة والأخوات بكم الآن إلى السورة التالية، وربط بين سورة الشمس وسورة الليل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 1-4]. سورة الليل سورة مكية، آياتها 21 آية، من السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة الظهر أحيانا كما ورد في صحيح مسلم، وأمر معاذا رضي الله عنه أن يقرأ بها في العشاء. فيها ثلاثة أقسام وأيمان في مطلعها: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾. مثل سورة الشمس، هذه السورة ابتدأت بأقسام، وهذه السورة كذلك ابتدأت بأقسام، وبعض السور التي تقدمت فيها القسم بالليل والنهار، وهذه السورة ابتدأت بالقسم بالليل والنهار، وهما الزمان الذي تقع فيه أفعال العباد.
قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾، يعني يغشى النهار بظلمته فيذهب ضوء النهار، يغشى يغطي ويعم كل شيء ما بين السماء والأرض، فيسكن كل إلى مأواه، ويستريح العباد من التعب. ثم قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾، فهذا قسم ثان، والنهار إذا بان وظهر وانكشف ووضح للخلق بضوئه وإشراقه، فزالت ظلمة الليل وطلع الفجر ثم طلعت الشمس فاستضاءوا بالنور وانتشروا في مصالحهم. إذا القسم بالليل والقسم بالنهار لأنهما مستودع الأعمال، لأن كل من الليل والنهار فيهما حكم عظيمة، جعل الليل لباسا وجعل النهار معاشا، جعل الليل سكنا والنهار لتبتغوا من فضله، فنعمة عظيمة على الخلق، ومنة عظيمة. هو هذا القسم لما نحن نقرأه نتعظ أن الليل والنهار مستودع أعمال العباد والزمان، فلنفعل فيهما خيرا ونشكر النعمة، لأن الليل لنا لباس وسكن، والنهار لنا معاش وابتغاء من فضله. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: 86].
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، الواو للقسم، ما: إما أن تكون موصوله بمعنى الذي، يعني ومن خلق، قسم من الله بنفسه الكريمة، وتقدير الكلام: والذي خلق الذكر والأنثى، هذا احتمال. الاحتمال الثاني: أن تكون ما مصدرية، وما خلق يعني وخلق الذكر والأنثى، المصدر الخلق؛ فإذا كانت ما مصدرية فيكون القسم بخلق الذكر والأنثى، فأقسم تعالى بذلك وما فيه من الحكمة، أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرا وأنثى، ما هو فقط من البشر، ليبقى هذا النوع سواء البشري أو الحيواني عموما ولا يضمحل، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: 8]، وقوله: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49].
ما هو جواب القسم؟ لما كان القسم بأشياء متقابلة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾، كان جواب القسم فيه أشياء متقابلة: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 4]، أي مختلف، منهم كافر ومنهم مؤمن. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ تتفاوت فيه من خير وشر وطاعة ومعصية وكفر وإيمان، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾. ثم سيذكر الجزاء المترتب. هنا نقف في نهاية درسنا هذا، ونأتي على بقية السورة في الدرس القادم إن شاء الله. نسأل الله تعالى أن يجعل سعينا في طاعته، وأن يجعل جزاءنا موفورا وسعينا مشكورا. استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد صالح المنجد