تسجيل الدخول

المحاضرة 24 - التفسير - تفسير سورة الليل (21:5) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذا الدرس من مادة التفسير، وهو آخر درس في هذا الفصل الدراسي في أكاديمية زاد.

سننهي بمشيئة الله تعالى الحديث عن سورة الليل وسورة الضحى، وكنا قد تحدثنا في الدرس الماضي عن الأقسام المتقابلة في سورة الليل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ [الليل: 1-2]. الليل في مقابلة النهار، وقسم بالزمان الذي هو مستودع أعمال العباد، ففيها موعظة ومنة الله على خلقه بخلق الليل سكناً والنهار للابتغاء من فضله؛ ففي القسمين موعظة وتذكير بالنعمة لنشكر.

﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، ما هو جواب القسم؟ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 3-4]. وقفنا هنا، إن سعيكم متفاوت؛ منكم كافر، ومنكم مؤمن، ومنكم مطيع، ومنكم عاص، ومنكم من يفعل الخير، ومنكم من يفعل الشر، أعمال الناس مختلفة. فساعٍ في فكاك نفسه، وساعٍ في عطبها، قال ﷺ: «كلُّ النَّاسِ يغدو، فبائعٌ نفسَه، فمعتقُها أو موبِقُها» رواه مسلم. كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله بطاعته فيسعى في إنجائها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى فيوبقها ويهلكها.

ثم بين تعالى اختلاف سعي العاملين واختلاف جزائهم، وما سيترتب على اختلاف السعي من اختلاف الجزاء بالثواب أو العقاب. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-7]. أعطى لله وجاد في سبيله ابتغاء وجهه، واتقى ربه، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى؛ أي نسهل عليه أمره، ونرشده لأسباب الخير والصلاح، ويسهل عليه فعل الطاعة؛ اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. نجعل أبواب الخير مفتوحة له، وما يلاحظ الواحد أحياناً أنه إذا أقبل على الله، وقرأ الأذكار، وصدق في الدعاء، أن الله ييسر له أشياء، ويفتح له أبواباً من الخير؛ ييسر له يتيماً يكفله، ومسكيناً يطعمه، وملهوفاً يغيثه، وجاهلاً يعلمه. تيسر له أمور من الخير كثيرة؛ يسر له شيخاً يتعلم منه، ودرساً يحضره، وخيراً يشترك فيه، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾، لأنه أتى بأسباب التيسير. الله كريم، ما في واحد يجاهد نفسه ويطيع الله فينتكس ولا يرده على عقبيه ولا يضله. قال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها.

ذكر الله تعالى للتيسير لليسرى، كيف أحصل عليه؟ كيف أصل إليه؟ كيف أحققه؟ خذ الجواب بثلاثة أسباب؛ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ﴾، نلاحظ أنه حذف مفعول الفعل ﴿أَعْطَىٰ﴾ لإرادة التعميم؛ أعطى علماً، أعطى مالاً، أعطى براً، أعطى بشاشة وابتسامة، أعطى ما أوجب عليه الله من إقامة الصلوات والزكاة المفروضة، أعطى أنواع الإحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه. الثاني: ﴿وَاتَّقَىٰ﴾، فعل الأوامر واجتناب النواهي، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]. الثالث: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾، هنا أهمية العقيدة الصحيحة والتصديق الذي ليس فيه شك؛ يقين. فسروها بلا إله إلا الله توحيداً، وهذا يستلزم اعتقاداً ويقيناً، وفسرت بالجنة أيضاً؛ أي اعتقد بالجنة اعتقاداً يقينياً جعله يتحفز في العمل لأجلها. وفسرت أيضاً بأن صدق بالحسنى؛ الخلف على النفقة والصدقة، فأيقن أن الله سيخلف عليه إذا أعطى. هذه الآيات الثلاث هي أسباب التيسير لليسرى، وإذا لاحظناها نجد أنها فعل المأمور، واجتناب المحظور، والتصديق بالخبر المأثور عن الله ورسوله ﷺ.

ثم قال تعالى في المقابل: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 8-10]. فهذا بيان حال الفريق الثاني الذي بخل بماله عما أوجبه الله، واستغنى عن شرع ربه، وكذب بما أوجب الله عليه. بخل وضن فلم يبذل خيراً، وترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تطب نفسه ولم تسمح بأداء ما أوجب الله عليه، واستغنى عن ربه وعن ثواب ربه، فلم يرغب في شرع ربه وترك عبوديته، ولم ير نفسه مفتقراً إلى ربه، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. وكذب بالحسنى أي بما أوجب الله على العباد التصديق به، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾، للحالة العسرة والخصال الذميمة؛ سنيسره لفعل المعاصي وأنواع الشرور، ونعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ونغلق دونه أبوابها فلا يستطيع أن يأتيها، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، هذا عقاب.

الله يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان وعدم التوفيق للخير، ولذلك قال النبي ﷺ: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له؛ أمَّا من كان من أهلِ السَّعادةِ فيُيسَّرُ لعملِ أهلِ السَّعادةِ، وأمَّا من كان من أهلِ الشَّقاءِ فيُيسَّرُ لعملِ أهلِ الشَّقاءِ». إذا عملنا الخير وأردنا الخير ونوينا الخير الله يوفقنا للخير، ومن عمل للشر وأراد الشر وابتغى الشر سوف ييسر للشر ويعسر عليه الخير. والحديث رواه البخاري ومسلم.

ثم إنه تعالى ذكر في الذي بخل بماله هذا أنه سيكون وبالاً عليه، وقال: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ [الليل: 11]، إذا هلك ومات ماذا ينفع ماله الذي بخل به إذا هوى في جهنم؟ هذا استفهام إنكاري وتوبيخي، فلا شيء يغني عنه ماله إذا هلك ووقع في جهنم، وقال عز وجل: ﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94]، سيأتيه يوم القيامة ما معه مال، قال تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80]، وحده لا مال ولا خدم ولا حشم. سبحان الله، هذه الآية العظيمة في قضية أن الواحد كيف إذا أراد الشر فإن الله يفتح له أبواب الشر؛ يصير عنده، يقول واحد من الشباب: "أنا ما أروح للسوق إلا أجد امرأة وأزني أذهب معها في الفاحشة، دائماً إذا رحت أحصل". أيوه، إذا رحت تحصل، ما معناها؟ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾، كل واحد يجد المعاصي مسهلة عنده يراجع نفسه، نسأل الله السلامة والعافية.

بعد قليل إن شاء الله سنتابع معكم تفسير هذه السورة. كثيرة هي تلك المجالات التي يمكن للمرأة أن تظهر فيها مهارتها وتثبت فيها جدارتها، وتاريخنا الإسلامي حافل بمجموعة كبيرة من النساء بلغن غاية عظمى وأثبتن جدارتهن في كثير من الجوانب تناسب المرأة وطبيعتها. فيمكن للمرأة أن تشارك المجتمع وتتفاعل معه ويصل أثرها عالمياً دون إخلال بضوابط الشرع وميزان العفاف، وذلك عبر مجالات كثيرة تناسبها وتتفق مع طبيعتها، كتدريس الفتيات وتدريب الممرضات ومعالجة النساء ومداواتهن. ويمكن أن تشارك بقوة في العلم وتدريسه والدعوة إلى الله تعالى من خلال المنتديات والمواقع الإلكترونية الخاصة بالنساء، كما يمكنها أن تسهم في الكتابات الأدبية المثمرة كالشعر والقصة والمقالة، فتعالج بعض الأفكار الخاطئة وتتصدى لبعض الظواهر الاجتماعية السلبية، فتثبت بذلك كفاءة لا مثيل لها. هذا كله فضلاً عن المجال الذي يمكنها أن تثبت فيه جدارتها دون منافس، وهو القيام بحقوق زوجها وتربية ورعاية أبنائها. قال رسول الله ﷺ: «إذا صَلَّتِ المرأةُ خَمْسَها، وصامَت شهرَها، وحَفِظَت فرجَها، وأطاعت زوجَها؛ قيل لها ادخُلي الجنَّةَ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شئتِ».

الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات، ونتابع في تفسير سورة الليل، وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾ [الليل: 12-13]. لما كان ابتغاء اليسرى يحتاج إلى معرفة وعلم؛ كيف نعرف الخير؟ كيف نعرف أن هذا يرضي الله؟ كيف نعرف عبادة الله؟ ما هي أنواع العبادة؟ ما صفات العبادة؟ عدد ركعات الصلوات؟ ما هي الزكاة؟ كم الواجب؟ كم المقدار؟ في أي شيء؟ الصيام؟ شروط العبادات؟ لما قال ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ هنا، ويسر للعسر هنا، قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾؛ علينا بيان طريق الهدى من طريق الضلال، على الله قصد السبيل، على الله بيان الحق من الباطل، الطاعة من المعصية، والحلال من الحرام. ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾؛ ملكاً وتصرفاً وثواباً، ما لله فيها شريك، الدنيا والآخرة كلها ملك له، يعطي من يشاء ويحرم من يشاء في الدنيا وفي الآخرة، يوفق من يشاء ويخذل من يشاء سبحانه. وهذا يعني هذه الآية ماذا تفيد في نفوسنا؟ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾، فارغبوا إليه يا أيها الناس، ادعوه أن ييسر لكم اليسرى، وأن يصرفكم عن العسرة، وأن يهديكم سبيل الخير، وأن يجعلكم ممن أنعم عليهم في الدنيا والآخرة.

ولما كان ذكر اليسرى والعسرة يحتاج إلى موعظة حتى ينصرف الناس إلى اليسرى ويتركوا العسر، يحتاج إلى شيء يأتي ليحملهم على ذلك ويصرفهم إليه؛ يعني أمر يرجونه يخافونه، قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [الليل: 14-16]. فحذرهم من نار تتوهج وتتوقد وتتغيظ، تكاد تميز من الغيظ. احذروا عقوبة الله، واحذروا النار المحرقة، واحذروا الأسباب التي توردكم النار من الكفر والعصيان والفسوق والشر. لا يصلى حرها إلا الأشقى، الشقي في علم الله، هذا الذي سيدخلها دخولا يحيط به من جميع جوانبه. طيب، فسره والقرآن يفسر بعضه بعضاً، من هو الأشقى؟ قال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾، كذب الله وكذب رسوله ﷺ، كذب بكتابه وتولى؛ أعرض عن الإيمان وعن الطاعة وعن الاستجابة وعن فعل ما أمر الله به، كذب بقلبه وعصى بجوارحه. قال عليه الصلاة والسلام: «كلُّ أُمَّتي يدخلونَ الجنَّةَ إلَّا من أبى»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ومَن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخلَ الجنَّةَ، ومن عصاني فقد أبى» رواه البخاري. وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا كلكم يدخلُ الجنةَ إلا مَن شَرَدَ على اللهِ شِرادَ البعيرِ على أهلِه» رواه أحمد، وحديث صحيح.

لما ذكر الأشقى، هذه طريقة القرآن في المتقابلات لتتضح الأمور، وبضدها تتميز الأشياء، لما ذكر الأشقى ذكر الأتقى، لما ذكر عقوبة الأشقياء ذكر جزاء الأتقياء ونعيمه، قال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ [الليل: 17-21]. قالوا نزلت في أبي بكر الصديق، وهي منقبة عظيمة له، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فكل واحد اتقى فهو داخل في هذه الآيات، ويناله الثواب والجزاء من الله سبحانه وتعالى. هذا الأتقى ينفق، يعطي، لا رياء ولا سمعة، لله، يزكي نفسه بالطاعات والعبادات والصدقات، يبتغي وجه ربه طمعاً في الجنة وخوفاً من النار، ولذلك كان جزاؤه أن الله سيرضى عنه ويرضيه، ولذلك قال: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه يستحق الوصف بالأتقى فعلاً، ولذلك فإنه ومن سار على خطاه ونهجه وطريقه، وهو سبيل النبي ﷺ الذي علم الأمة جميعاً، يؤتي ماله يتزكى؛ إذا ينفق المال لتزكية نفسه. ما هو جزاؤه؟ ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾؛ ما يرجو شيئاً من البشر، لا يعطي لينال جزاءً أو شكوراً من أحد إلا الله. لاحظوا الآية: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾؛ يعني في عطائه وبذله لا ينتظر شيئاً من أحد، ولا من بشر إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. إذاً عطاؤه: ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾. الأعلى صفة للرب عز وجل، الوجه صفة عظيمة لله، من الذي يكافئ الأتقى؟ الأعلى. والأتقى يعمل لوجه من؟ الأعلى سبحانه. تلاحظوا البلاغة في السورة؛ الأشقى يقابله الأتقى، يجازيهم الأعلى سبحانه. قوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾، ستكون عاقبة هذا الشخص الرضا؛ يرضى الله عنه ويرضيه. بهذا نكون قد أتممنا تفسير هذه السورة العظيمة، وننتقل بإذن الله تعالى بعد الفاصل إلى تفسير سورة الضحى.

به تنكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتستجلب الرحمات، إنه الدعاء؛ مخ العبادة وباب الخير والسعادة. وللدعاء آداب، منها: توحيد الله تعالى والإخلاص له في الدعاء، إطابة المأكل والملبس، استقبال القبلة ورفع اليدين، حضور القلب مع اليقين في الإجابة، الثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، الصلاة على النبي ﷺ، التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.

الإكثار من المسألة والإلحاح فيها، وإخفاء الدعاء وعدم الجهر به، والجزم في الدعاء وقوة اليقين، وعدم استعجال الإجابة. ومن الأمور المعينة على إجابة الدعاء تحري الأوقات والأماكن الفاضلة والأحوال المناسبة. فمن الأوقات الفاضلة وقت السحر وهو الثلث الأخير من الليل، وآخر ساعة من يوم الجمعة، ووقت نزول المطر، وعند سماع الأذان وبين الأذان والإقامة. ومن الأماكن الفاضلة المساجد عموماً، والمسجد الحرام خصوصاً.

ومن الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الصائم، ودعوة المضطر، ودعوة الوالد لولده، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب. قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات والطلاب والطالبات. سورة الضحى مكية إجماعاً. عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم، يعني ما قام قيام الليل المعتاد ليلتين أو ثلاثاً، وهذا في مكة، فجاءت امرأة من المشركين -وكانوا طبعاً جيرانه يسمعون إذا قام- فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قاربك منذ ليلتين أو ثلاثة. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 1-3]. هذه المرأة على ما قيل هي الملعونة أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب حمالة الحطب، وذكر هذا البغوي وابن كثير وفتح ابن حجر في فتح الباري وغيرهم.

السورة مفتتحة بقسم أيضاً، وقسم متعلق بالزمان أيضاً، والضحى جزء من الزمان. ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، وفي تقابل الضحى في النهار والليل المظلم، تشبه في القسم السورة التي قبلها: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. لكن هنا قُدِّم الضحى الذي في النهار وأُتبع بالقسم بالليل، فقسمان وجواب قسم: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قسم تعزيزي، تعزيز للنبي ﷺ وتقوية لنفسه وبيان أن الله لا يتخلى عنه. فأقسم الله بالضحى، والمراد به النهار كله كما قال بعض المفسرين؛ لأن ضياء النهار ينتشر بالضحى، وقابله بالليل، وأقسم بالليل إذا سجى، يعني امتد وطال وسكن بأهله وثبت وغطى، والتسجية تغطية.

أقسم تعالى بالضحى والليل إذا سجى على مكانة النبي ﷺ عنده، ومحبته له واعتنائه به: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، ورد على مزاعم المشركين أن الوحي انقطع وأن ربه تخلى عنه. نحن نشعر في هذا بمكانة النبي عليه الصلاة والسلام عند ربه، أنه أقسم قسمين عظيمين من أجل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يعطينا أن الداعية إلى الله ينبغي تعزيزه وتقوية نفسه لأنه يعاني من معرضين وصادين وشاتمين. ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ما تركك وما أهملك، بل يعتني بك ويرعاك ويربيك ويعلي درجتك ويزودك بالوحي وينزل عليك الحكمة ويؤتيك إياها. ﴿وَمَا قَلَى﴾ ما قلاك، ما أبغضك، ما كرهك أبداً كما يقول الكفار الكاذبون. ونفي "ما قلى" يدل على إثبات العكس وهو المحبة لله عز وجل لنبيه ﷺ.

هل هناك مناسبة بين الضحى وذكر النبي ﷺ؟ الضحى فيه انبثاق نور الشمس، وذكر النبي ﷺ فيه انبثاق نور النبوة، والضحى النهار الذي يزيل الليل، كذلك بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أزالت دياجير الظلمات، ظلمات الجاهلية. الليل هذا هو الذي كان يقوم فيه النبي عليه الصلاة والسلام وكان المشركون يسمعون بعض تلاوته للقرآن؛ فبيوتهم قريبة من بيته، ولما لم يقم ليلتين أو ثلاثة قالوا: ارتحنا، تركه ربه، فكَّروا فكرة شيطانية، الشيطان أوحى بذلك لهذه المرأة الكافرة فقالت الكلام وجاء الرد من الله عز وجل.

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾، ما قال "وما قلاك"؟ قال: ﴿وَمَا قَلَى﴾. قالوا حذفت الكاف اكتفاءً بالكاف الأولى، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ يعني والذاكراتِ الله، فاكتفى بذكر لفظ الجلالة في القسم الأول، والثاني مفهوم. وقيل إن الحذف هنا يعني "ما قلى" لا أنت ولا أحداً من أصحابك ولا أحداً ممن أحبك إلى يوم القيامة، ففيها بشارة لنا إذا أحببنا النبي عليه الصلاة والسلام أن الله لا يتخلى عنا ولا يبغضنا، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب». ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ لا أنت ولا من يتبعك ويحبك.

﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾، لما كان الدنيا هذه فيها ما فيها، وفيها من إيذاء الكفار -وهذا نموذج مثال- وكان النبي عليه الصلاة والسلام في مكة في فقر وشدة واضطهاد واستضعاف، الله قال له: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾. إن كنت الآن في شدة وفي حصار -حاصروه في الشعب وضيقوا عليه وجوّعوه- إن كنت الآن في هذا العوز فإن الآخرة فيها الغنى العظيم، ما أعد الله لك فيها خير لك من هذه الدنيا وما فيها، فلا تحزن إذا فاتك منها شيء، لا تحزن إذا ضُيِّقت وحوصرت فيها.

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ سيعطيك في الدنيا من الوحي والنعيم النفسي ومن الصحابة المؤازرين ومن انتشار دينك، وفي الآخرة سيعطيك الكوثر ويعطيك المنزلة العالية والوسيلة حتى ترضى، وحتى يوم القيامة سيعطيك ما يرضيك، حتى في أمتك سيأتي أتباعك الكثيرون وسيجعلك في المقام المحمود في الشفاعة والكرامة. جاء في الحديث أن الله تعالى قال لجبريل عليه السلام: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: أنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك، رواه مسلم. ولذلك ورد في الحديث أيضاً: «ثلثا أهل الجنة من هذه الأمة».

﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ممكن أيضاً تعني آخر أمرك سيكون أتم من أوله، بمعنى أنت في الدنيا آخر أمرك سيكون نصراً مؤزراً، ونفتح لك البلاد ويهتدي على يديك العباد ويأتون مذعنين، سيفتح الله له مكة وسوف ينتصر. وللآخرة يعني آخر أمرك حتى في الدنيا وليس فقط في الآخرة، ثم هو يترقى عليه الصلاة والسلام في درجات المعالي والطاعات والحسنات ويمكن الله له دينه وينصره على أعدائه ويسدد أحواله. ولذلك لما مات عليه الصلاة والسلام وصل إلى حال لم يصل إليها أولون ولا آخرون حتى في الفضائل والنعم وقرة العين وسرور القلب والمنزلة عند الله.

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، شوف هذا كما قال بعض المفسرين لا يمكن التعبير عن هذا المعنى بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة، يعطيك من كل خير حتى ترضى. وطبعاً ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ الخطاب له عليه الصلاة والسلام والموعظة لنا أيضاً حتى نعمل لأجل الآخرة، والمغبون من عمل للدنيا ويسعى للدنيا والآخرة لا يعطيها إلا النزر اليسير، والكفرة لا يعطون شيئاً على الإطلاق. قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17]. قال ابن القيم رحمه الله: لذة الآخرة أعظم وأدوم، ولذة الدنيا أصغر وأقصر، والمعول على ماذا؟ على الإيمان واليقين. مالك بن دينار يقول: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزفاً يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى!

ثم ذكر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بشواهد تؤكد أنه ما قلاه وأنه معه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، فعدّد بعض نعمه على عبده، وفيها منة وتأكيد لمعنى أنه ما تخلى عنه بل هو معه. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ وجدك لا أم لك ولا أب وجعل لك مأوى تأوي إليه، وضمك إلى عمك أبي طالب الذي كفاك وكفلك، ولم يزل ربك يحوطك وينصرك ويرفع من قدرك، وزوجك من خديجة هذه المصونة العفيفة السابقة إلى الإسلام -نحبها والله العظيم رضي الله عنها- ماذا فعلت لنبينا عليه الصلاة والسلام من أنواع المعروف والدعم النفسي والمالي وخدمت وكفت عنه الأذى! أولئك لها بيت من قصب في الجنة لا وصف فيه ولا نصب.

﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ أوحى إليك، وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان فعلمك ما لم تكن تعلم، وإن كنت من قبله لمن الغافلين كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]. وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً. إذاً هذا معنى قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.

﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ فقيراً فأغناك، طبعاً في مكة أغناه بعمه أبي طالب وبزوجته خديجة، لكن بعد ذلك في المدينة إذا قرأت السورة يكون لها معنى وطعم آخر، أغناه بما فتح الله عليه من البلدان والغنائم وفتح له مكة، جُمِعت له الأموال من الجزية ومن الزكاة، وكان يقسمها عليه الصلاة والسلام كما أمره الله. الذي وجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى؛ لن يتخلى عنك ولن يتركك. أرأيت نعمه هذه عليك؟ اليتم الضعف، اليتيم ينكسر فقوى الله نفسه وجبر يتمه لما هيأ له.

وجدك عائلاً فأغنى. لاحظ المقابلة: لما كنت يتيماً فآواك فـ ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، ولما كنت عائلاً فقيراً فأغناك فـ ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. مقابلة النعمة بالشكر، هكذا يجب أن يكون. حقيقةً ترتيب الآيات في السورة فيه بلاغة عظيمة، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. فإذا حث الله على إكرام اليتيم -طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام ولنا أيضاً- ونهاه عن نهر السائل، ما يجي واحد فقير سائل مسكين ضعيف مكسور النفس بفقره فتنهره وتقسو عليه وتطرده وتزجره، لا تنهر السائل. طبعاً هذا لا يشمل المحتالين النصابين الذين يأتون اليوم يمدون أيديهم وهم في غنى، عصابات لا، السائل الحقيقي.

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ القهر الإذلال والغلبة، و﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ النهر الزجر أو الطرد. كما كنت يتيماً فآواك الله فلا تقهر اليتيم وتلطف به وأحسن إليه، وكما كنت عائلاً فقيراً فأغناك الله فلا تطرد السائل وأعطه مما عندك وبما تيسر. ويستفاد من النهي في الآيات عن القهر والنهر؛ النهي عما هو أشد منهما كالشتم والضرب والاستيلاء على مال اليتيم. قال قتادة: كُن لليتيم كالأب الرحيم، وردَّ المسكين برحمة ولين، حتى لو رددته فبرحمة ولين.

ما هو الجامع المشترك بين اليتيم والسائل؟ كلاهما ضعفاء. السائل هذا يا ترى ممكن يكون أعم من سائل المال؟ و﴿أَمَّا السَّائِلَ﴾ سائل العلم مثلاً ممكن، سائل الشفاعة ممكن، أي واحد يسأل شيئاً مباحاً.

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. هذه تشمل النعم الدينية والدنيوية. ما معنى التحديث؟ ليس المعنى أن الواحد يتباهى ويعدد النعم فيقول: عندي بستان وعندي سيارات وعندي أموال وعندي أرصدة، لا لا، قل: كنت فقيراً فأغناني الله، أنا كنت صغيراً، كنت يتيماً، كنت ضعيفاً، كنت مدفوعاً بالأبواب، ما كان عندي وظيفة ما كان... حدث بنعمة الله عليك. وهذا التحديث بنعَم الله لشكرها ولتحبيب المنعم إلى القلوب؛ لأن القلوب مجبولة على محبة المحسن.

وبالمناسبة حديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" له من معانيه أن الغني ما يلبس ثياب الفقراء حتى لا يُفطَن له، وإنما يلبس ما يلفت أنظار الفقراء إليه ليأتوه ويسألوه، لأنه صاحب نعمة وخير، هذا من معاني: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. كذلك لما الواحد يكون مثلاً ضالاً ويهديه الله، يقول: كنت ضالاً، كنت بعيداً عن الدين، فالله سبحانه وتعالى هداني، الحمد لله، وهكذا. حدث نفسك وحدث غيرك على وجه تُحبِّب فيه الخلق بخالقهم.

فإن في هذا القرآن من الشأن العظيم والنعمة الكبيرة ما يُحدَّث به، ولعل مجلسنا هذا من ذلك. فأوصيكم في ختام هذه الحلقة بالاعتناء بكتاب الله سبحانه وتعالى؛ تلاوةً -يعني أداءً صحيحاً وتجويداً- وحفظاً، وفهماً -يعني بالتفسير ومعرفة المعاني- وتدبُّراً، ومدارسةً مع الغير. ورمضان قادم وكان عليه الصلاة والسلام يدارس جبريل القرآن، فمدارستك أيها الأخ أيتها الأخت، المدارسة مع واحد آخر، مدارسة الأخ مع أخيه أو الأخت مع أختها القرآن من سنن رمضان. التلاوة، الفهم، الحفظ، التدبر، المدارسة، العمل، التعليم، الدفاع عن هذا القرآن، والمجاهدة به، والاسترقاء به، حقوق القرآن كثيرة كثيرة تجب علينا. نسأل الله عز وجل أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وأن يعيننا على حق كتابه علينا، إلى لقائنا في سلسلة الدروس القادمة بمشيئة الله تعالى. استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.