بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذه الحلقة من حلقات مادة التفسير.
وقد سبق الكلام في تفسير سوره الغاشية إلى قرابة آخرها، ووصلنا إلى قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾. وسبق ذكر آيات الغاشية، والوجوه الخاشعة الذليلة، والوجوه الناعمة، وكذلك وصف السكن بعد وصف الساكن، وصف الجنة بعد وصف أهلها وما فيها من الفرش المرفوعة والزرابي المبثوثة المتفرقة والعيون الجارية وغير ذلك.
ثم دعوة الله تعالى للكفار إلى النظر في خلقه؛ للإبل التي يعرفونها جيدا في حياتهم وهم معشر العرب، وإلى السماء التي ينظرون إليها ليليا، والجبال أي أمامهم وكانوا في الحجاز في أول نزول القرآن، وكذلك الأرض التي يسيرون عليها، لعلهم يستدلون بذلك على قدرة الله تعالى وانه سبحانه أيضا يبعث العباد للنشور والحساب.
قال في آخر السورة: فذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم، انما أنت مذكر، ذكر الناس بماذا؟ ذكر الناس بيوم القيامة، بلقاء الله عظم بما فيه من الجنة والنار، أنذرهم وبشرهم، فانك مبعوث لدعوة الخلق وتذكيرهم، ولم تبعث مسيطرا عليهم، مسلطا عليهم بالقوة لست عليهم بمسيطر.
المسيطر والمسيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه، واصله من السطر، لأن من معنى السطر ألا يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر. فاللغة في اللغة مسطر الذي يسطر الكتاب، وحيث إن السطور أشياء لا لا تتجاوز، ترسم لتبقى الكتابة عليها دون دون صعود ولا هبوط انتظام، فهذا معنى السيطرة مأخوذ من هنا. لست عليهم يا محمد صلى الله عليه وسلم بمسلط فتقتل وتكره وتجبر وتعسف لا، وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقران من يخاف وعيد. وقال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].
ولذلك ما هي وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام؟ مذكر، داعية إلى الله، طبعا هذا كان في المرحلة المكية، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: 40]. ابن زيد رحمه الله فسر قال: لست بالذي تكرههم على الايمان، فاذا قمت بما عليك فلا عليك بعد ذلك لوم. وهذا كما في النكت والعيون، وتفسير البغوي، وزاد المسير، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي.
فعلى الداعي المسلم أن يكون داعية إلى الله لا جلادا، يؤلف قلوب العوام، وفي كثير من العصور مثل مثل عصرنا مثلا، عصر استضعاف للمسلمين في كثير من الأحيان لا نملك إلا لا نملك سلطانا إلا أن ندعو الناس، نرغب ونرهب، ونعظم، نربي ونزكي، ولذلك لابد أن نحذر من التنفير، لابد أن نحذر من عبارات القسوة.
طيب لما قال: فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر، هذا الاستثناء ما هو ما معناه؟ يعني إلا من تولى وكفر، ما هو حاله، ماذا يفعل به؟ ماذا تفعل به؟ هذه أداة الاستثناء إلا، كما قال المفسرون: استثناء منقطع عما قبله، إذا إلا ليس ما بعدها مستثنى مما قبلها، لا.
إلا بمعنى لكن، لكن من تولى وكفر بعد الوعظ والتذكير، فكله إلى الله، أعرض عنه، قل ارتقبوا وانتظروا إنا منتظرون، سياتيكم الله بالعذاب. هذا الكلام في سورة كسورة الغاشية مكية كان قبل مشروعية الجهاد، وققبل أن يوجد للمسلمين أرض لهم سيادة عليها وسلطان، هذا كلام قبل الهجره. بعد ذلك لما انتقل المسلمون إلى المدينة وصار لهم دولة وسلطان، صار بمقدورهم جهاد المعاندين، لكن في البداية إنما أنت مذكر، ما قال له في البدايه قاتل، لا ليس بالمقدور.
طيب ما هو يعني حد المسألة في المرحلة المكية؟ لكن من تولى عن الطاعة وكفر بالله، فيعذبه الله العذاب الأكبر، خلص الله يتولاه، إذا ما عذب في الدنيا سياخذه إذا، وإذا مات على الكفر سيعذب العذاب الأكبر الشديد الدائم بالخلود في النار.
وقد مر أبو أمامة الباهلي على خالد بن يزيد بن معاويه، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا كلكم يدخل الجنة، إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله، ألا من شرد على الله شراد البعير على أهله» رواه لما حديث صحيح.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾، من هم إليقة أيابهم؟ رجوعهم وجمعهم ومنقلبهم يوم القيامة سيعودون إلينا، والاياب الرجوع إلى المكان الذي صدر عنه، آب يوب معناها خرج من مكان وذهب عنه ورجع إليه، آب.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ رجوعهم ومصيرهم بعد الموت إلينا، ثم ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ فنحن سنحاسب على أعمالهم قبضا على العصيان والكفران. والمقصود أن جزاءهم بعد المرجع إلى الله عز وجل، فلست مكلفا يا محمد صلى الله عليه وسلم بجبرهم على التذكر والإيمان، لأننا نحاسبهم حين رجوعهم إلينا في دار البقاء.
في هذه الآية إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال، فيها التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وإزالة ما في قلبه من الحزن على كفرهم. الواحد لما يواجه بإعراض تكذيب أعراض وتكذيب، ثم يقول له الله عز وجل: إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر وعلينا حسابهم إلينا أيابهم، فكانه يقول: طب نفسا وإن عاندوا وكذبوا وجحدوا، ليس عليك هداهم مرجعهم إلينا ونحن نحاسبهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هداة مهتدين، ونسأله عز وجل أن يجعلنا من الداعين إلى سبيله المتخلقين بأخلاق القرآن. وفي ختام هذه السورة نسأل عز وجل أن يجعلنا من أهل الجنة الذين وصفهم فيها إنه سميع مجيب، وننتقل واياكم بعد الفاصل إن شاء الله إلى السورة التالية وهي سورة الفجر، فالى ذلك الحين.
بسم الله، وحياكم الله مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ونبتدي الآن بمشيئة الله تعالى في سورة الفجر. سورة الفجر سورة مكية، آي و آية، سميت بذلك لافتتاحها بذكر الفجر. من مقاصد هذه السورة: الاشارة الى هلاك عاد وثمود وقوم فرعون وأضرابهم من الأمم المكذبة.
وايضا ضرب المثل لمشركي مكة في أعراضهم عن قبول الرسالة بهذه الأمم، وكذلك تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم مع وعده باضمحلال أعدائه، وبيان تفاوت حال الانسان في النعمة وحرصه على جمع الدنيا والمال الكثير، وبيان بعض أحوال يوم القيامة من مجيء الملائكة وتأسف الانسان يومئذ على التقصير والعصيان وهيهات هيهات. وذكر مرجع المؤمنين المرجع المؤمن عند الموت إلى الرحمة والرضوان ونعيم الجنان.
أما بالنسبة لما ورد بشأن سورة الفجر، فقد جاء في بعض الروايات النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا رضي الله عنه أن يقرا بها في العشاء. ففي رواية قال: أفتان يا معاذ؟ فأين أنت من سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والفجر، والليل إذا يغشى رواه النسائي في السنن الكبرى.
أما عن تفسير هذه السورة، فإنها ابتدات بقسم، ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. فأقسم الله بالفجر والليالي العشر، ثم الشفع والوتر، ثم والليل إذا يسري. الله يقسم بما شاء من خلقه، أقسم بالوقت دلالة على شرفه، وكثيرون لا يعرفون نعمة الوقت، فالآية فيها تنبيه على الاعتناء بهذه الثروة العظيمة التي نملكها، أعطانا الله اياها الوقت الوقت.
قال والفجر، والعصر، والضحى، والليل إذا، ربنا في القرآن أقسم بالليل في وقت غشيان ووقت إدباره، وإذا أقبل إذا عسعس، وإذا، وبالنهار، وبفجر وهو أول النهار، وبش وهو أول الليل، وبضحى وهو ما بين الغدو والزوال، وبالعصر، وبزمان كله. أي هذه اوقات اقسم الله سبحانه وتعالى بها.
شوفوا يعني هذا تنبيه الإنسان إلى شرف الوقت. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والليل إذ أدبر، والصبح إذا أصفر، والصبح إذا تنفس، والضحى، الليل إذا سجى، فلا أقسم بالشفق. وفي هذه السورة: والفجر فجر الصبح.
أقسم تعالى بالفجر الذي هو آخر الليل ومقدمة النهار، لما في إدبار الليل وأقبال النهار من الآيات الدالة على كمال قدرة الله وأنه وحده المدبر لجميع الأمور، فخالق الزمان يستحق أن نعبده في هذه الأزمان، ينبهنا بالاقسم بها على شرف الوقت الذي نعيشه حتى نستثمره في الطاعة ووظائف هذه الأوقات.
يعني الليل والضحى والفجر، كل فيها فيها وظائف. وقد اختلف المفسرون في المراد بالفجر في هذه الآية، فقيل هو انفجار الصبح كل يوم، وقيل هو النهار كله عبر عنه بالفجر لأنه أوله، وقيل المراد بذلك صلاة الفجر تحديدا، وقيل فجر ذي الحجة لأنه قرنت به الليالي العشر، وقيل فجر أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة، وقيل أراد به فجر يوم النحر خاصة، لأن الله تعالى جعل لكل يوم لله قبله إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده.
لأن يوم عرفة له ليلتان، ليلة قبله وليلة بعده، فمن ادرك الموقف ليله بعد عرفه فقد ادرك الحج إلى طلوع الفجر فجر يوم النحر. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، هذا قسم ثان أقسم الله تعالى به في هذه السورة.
والليالي العشر هي عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين من السلف والخلف، هي ليالي لأيام فاضلة عشرة، العبادة فيها خير من العبادة في غيرها، وفيها أعمال وعبادات لا تقع في غيرها من أعمال الحج، وفيها يوم عرفة. وهذه أشياء معظمة، ولذلك استحقت هذه الأيام العشر أن يقسم الله بها ذاكرا لياليها.
وقيل هي العشر الأواخر من رمضان، لأن في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفي نهارها صيام العشر الأخيرة من رمضان وهو ركن الإسلام. وقيل العشر من أول المحرم التي عاشرها يوم عاشوراء. وقيل هي عشر موسى عليه السلام التي أتمها الله له المذكورة في قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142]، وهو قول مجاهد.
وقد قالوا انها عشر ذي الحجة فيرجع إلى القول السابق، وقيل هي العشر الاوائل من رمضان، هذه كلها أقوال في تحديد العشر، والصحيح أنها ليالي عشر ذي الحجة، وهو قول جمهور المفسرين، ترجيح شيخ المفسرين الطبري والامام ابن كثير رحمه الله تعالى.
الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة وهي محلها، وذلك من شعائر الله، وهذه الشعائر التي تتضمن خضوع العبد لربه، فإن الحج والنسك عبودية محضة لله وذل وخضوع لعظمته. لاحظوا يعني والفجر وليال عشر والشفع والليل إذا يسري، هل في ذلك قسم لذي حجر؟ هل ترى؟
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾. بعد ألم تر كيف فعل ربك وبعد والأمم المكذبة، كأنه ذكر يعني يعني حال الخاشعين والعابدين والطائعين بالإشارة إلى في في يعني اشاره لهم بما أقسم به قبل أن يذكر حال المكذبين المعاندين المعرضين. فهذا إذا ضد ما وصف به عاد وثمود وفرعون من العتو والتكبر والتجبر، فإن النسك يتضمن خضوعا لله، وهؤلاء الأمم عتوا وتجبروا.
ايها الاخوة والاخوات، وقفة قصيرة ثم نعود اليكم في رحلتنا في هذه السورة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل القرآن العظيم.
الحمد لله حياكم الله أيها الإخوة والأخوات، ونحن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 3]. هذا قسم ثالث أقسم الله به في سورة الفجر. الشفع: اثنان، والوتر: الفرد. والوتر بفتح الواو قرأها حمزة والكسائي بالكسر، والشفع والوتر، وهما بمعنى واحد؛ لكن الفتح لغة أهل الحجاز، يعني وقت نزول القرآن، والكسر لغة تميم، كما في معاني القراءة للأزهري والحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي وغيره من كتب القراءات.
اختلفوا في المراد بالآية على أقوال كثيرة، أشهرها أن الشفع يوم النحر لكونه العاشر، والوتر يوم عرفة لكونه التاسع، وهذا قول ابن عباس وعكرمه والضحاك. وقال بعض المفسرين مرجحاً هذا القول: تعريف الشفع والوتر بعد تنكير ليالٍ وهي عشر ليالٍ معينة معروفة في كل عام، يؤذن بأنهما معروفان، يعني شفع معين ووتر معين، وبأنه الشفع والوتر من الليالي العشر، وإنما أقسم الله بهما لشرفه.
إذن نلاحظ في توجه في التفسير إلى ربط الأشياء المقسم بها، يعني والفجر يعني فجر العشرة مثلاً، وليالي العشر العشرة كلها، والشفع والوتر الفردي والزوجي منها. وفي توجه في التفسير إلى أن الفجر مثلاً هو الفجر عموماً طيلة أيام السنة، وليال عشر هي عشر ذي الحجة. والشفع في من قال هو الخلق كله، كما قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: 8]، ومن كل شيء خلقنا زوجين؛ كالكفر والإيمان، والهدى والضلال، والليل والنهار، والسماء والأرض، والجن والإنس. والوتر قال هو الله عز وجل.
إذن في توجه في التفسير عند علماء السلف إلى جمع هذه الأشياء المختلفة أقسم الله بها بكل منها تعظيماً لها. وهناك من ذهب إلى أنها مرتبطة ببعضها، أي هناك من قال: الشفع يوم النحر لأنه العاشر، والوتر يوم عرفة لأنه التاسع. كما قال بعضهم: الشفع عشر ذي الحجة، والوتر الأيام الثلاثة، الشفع عشرة الأيام، الأيام المعلومات، وهناك الأيام الثلاثة بعد العشر وهي أيام التشريق.
إذن هذه بعض أقوال أهل العلم في تفسيرها، وهناك أقوال أخرى أيضاً؛ بعضهم قال: الشفع الأيام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليله بعده، فما هو اليوم الذي لا ليله بعده؟ هو آخر يوم في الدنيا، يوم الجمعة وهو يوم القيامة، هذا آخر أيام الدنيا ما في ليلة بعدها، تقوم القيامة في الصباح. ثم بعده يمكث الناس في قبورهم ما شاء الله بين النفختين ثم يبعثهم الله.
قال بعضهم: الشفع والوتر الخلق كله منه شفع ومن وتر، وذلك أن شيئاً من المخلوقات لا ينفك عن كوني شفعاً وتراً، فكانه يقال سبحانه: أقسم برب الفرد والزوج من الخلق، فدخل كل الخلق تحت ذلك. هذه الاقوال ترجع إلى قولين: أن الشفع والوتر نوعان للمخلوقات والمأمورات، والثاني أن الوتر الخالق والشفع المخلوق، فيكون قد جمع في القسم بين الخالق والمخلوق، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل: 1-3].
ورجح الطبري أن الآية تتناول كل ما سبق وكل ما يصدق عليه أنه شفع ووتر، فقال رحمه الله: والصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله تعالى أقسم بالشفع والوتر ولم يخصص نوعاً من الشفع ولا من الوتر دون نوع بخبر ولا عقل، وكل شفع ووتر فهو مما أقسم به، مما قال أهل التأويل إنه داخل في قسمه هذا لعموم قسمه بذلك. القاعدة في علم التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين ولا منافاة بينهما فهي محمولة على المعنيين جميعاً.
ويلاحظ هنا أن الآية مذكورة في قرب الليالي العشر التي فيها المناسك، ففيها إشارة إلى الشعائر المعظمة هذه، وتقع في شفع وفي وتر، وفي الأمكنة والازمنة والأعمال. ففي الأمكنة: الصفا والمروة شفع، والبيت وتر، والجمرات وتر، ومنى ومزدلفه شفع، وعرفة وتر. أما الأعمال: فالطواف وتر سبعة، وركعتا الفجر شفع اثنتين، والطواف بين الصفا والمروة وتر، ورمي الجمار وتر سبع سبع. والله وتر يحب الوتر. والصلاة منها شفع: الظهر، العصر، العشاء، ومنها وتر: المغرب. والوتر يوتر الشفع فتكون كلها وتراً، وقيام الليل معروف. وأما الزمان: فإن يوم عرفة وتر لأنه التاسع، ويوم النحر شفع لأنه العاشر. إذن والشفع والوتر نلاحظ في أشياء كثيرة شفع، وفي أشياء كثيرة وتر.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الله وتر يحب الوتر، روى البخاري ومسلم. ومعنى يحب الوتر يعني تفضيل الوتر في الأعمال وكثير من الطاعات، فجعل الصلاة خمساً، والطهارة ثلاثاً، والطواف سبعاً، والسعي سبعاً، والرمي سبعاً، وأيام التشريق ثلاثاً، والاستنجاء ثلاثاً، وكذلك الاكفان، عدد الاكفان التي يستحب أن يكفن بها، وجعل كثيراً من عظيم مخلوقاته وتراً؛ السماوات، الأرض، البحار، أيام الاسبوع وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 4]. هذا قسم رابع، هو أقسم بالليالي العشر على الخصوص عشر ذي الحجة، فأقسم هنا بالليل على العموم. والليل إذا يسري يعني يذهب يمضي، إذا قضى منه جزء كثير. شبه تقضي الليل في ظلامه بسير السائر في الظلام يسري يمضي. السرى: المشي بالليل، كما شبه في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: 33]، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] يعني تمكن ظلامه واشتد.
فأقسم تعالى بالليل وقت سريانه وارخاء ظلامه على العباد فيسكنون ويستريحون ويطمئنون رحمة منه تعالى. وقيل معنى إذا يسري يعني إذا جاء وأقبل. وقال ابن كثير: وقد يقال إن هذا أنسب لأنه في مقابلة قوله: والفجر، فالفجر إقبال النهار وادبار الليل، فإذا حمل قوله: والليل إذا يسري على إقباله كان قسماً بإقبال الليل وادبار النهار والعكس، لأن الفجر إدبار الليل وإقبال النهار. فالليل إذا يسري يمكن أن يكون المقابل لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17] أدبر وولى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18].
وقال الضحاك: والليل إذا يسري أي يجري. وقيل ليس المراد بالآية عموم الليل بل هو ليل مخصوص، ثم اختلفوا فيه: قيل ليلة مزدلفة، ليلة جَمْع لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله في ذلك المكان. وقيل ليلة القدر لسريان الرحمه فيها واختصاصها بزيادة الثواب، وهذا محمول على التمثيل بليلة شريفة، وإلا فالآية عامة في كل ليلة وليس فيها في الحقيقه ما يدل على التخصيص، ولذلك حملها جمهور المفسرين على العموم.
ولما كانت هذه الأشياء المقسم بها أشياء عظيمة تكفي وتقنع كل ذي عقل بعظمة الله وقدرة الله، لأنها دلائل واضحة على صنع الله وقدرة الله وحدانية الله. قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5]. الحجر: العقل، والحجر المنع، سمي بذلك لانه يحجر صاحبه ويمنعه عما لا يحل. إذن سمي العقل حجراً لأنه يحجر يحجز صاحبه ويمنعه عما لا يحل ولا يليق. ويسمى العقل عقلاً لأنه يعقل عن القبائح، وتسمى العقول نهى، يسمى العقل نهى لأنه ينهى عما لا ينبغي.
إن في ذلك لقسم لذي حجر، لذي ستر، لذي حلم، كما قال بعض المفسرين. والمعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيها دلائل التوحيد والربوبية والوحدانية، وأنها تدل على قدرته، وأن خلقه هذا دال على بعثه ونشره وأتيان يوم القيامة. وهذا القسم باوقات العبادات وبالعبادات.
وقيل: تأكيد لما أقسم به وأقسم عليه، والمعنى: بل في ذلك مقنع لذي حجر. وبناء عليه يكون جواب القسم: إن ربك لبالمرصاد، أو يكون محذوفاً تقديره ليعذبنك، فار يدل عليه ألم تر كيف فعل ربك بعاد، لأن السؤال هنا الأقسام هذه في أول السورة أين جواب القسم؟ وقيل: المقسم به هو المقسم عليه، وهذا يستعمل أحياناً. على أي حال لعل من أوضح الاقوال أن الاستفهام هنا بمعنى التأكيد، إن في ذلك لقسم لذي حجر.
ونتابع إن شاء الله معكم تفسير السورة في درسناه القادم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه سميع مجيب. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد صالح المنجد