تسجيل الدخول

المحاضرة 16 - التفسير - تفسير سورة الفجر (14:6) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله أصدق القائلين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذا الدرس السادس عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير.

وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير مطلع سورة الفجر، وقلنا إنها سورة مكية بالإجماع، وأن من مقاصدها الإشارة إلى هلاك الاقوام الطاغية القديمة البائدة: عاد وثمود وقوم فرعون وأضرابهم من الأمم المكذبة، وضرب المثل بذلك لمشركي مكة والعرب في إعراضهم عن قبول الرسالة بهذه الأمم المكذبة لعلهم يتعظون، وكذلك في السورة بيان بعض أحوال يوم القيامة وموضوعات أخرى.

ابتدرت السورة بقسم، أقسم الله تعالى بالفجر وبليالي العشر، ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]. والفجر: فجر الصبح، وقال بعض المفسرين: هو النهار كله، وقال بعضهم: صلاة الفجر، وقيل غير ذلك.

والليالي العشر هي عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين من السلف والخلف. ثم أقسم تعالى بالشفع والوتر، وجاء في ذلك أقوال عن المفسرين، فقال بعضهم: إن الشفع يوم النحر لكونه العاشر، والوتر يوم عرفة لكونه التاسع، ورجح الإمام الطبري رحمه الله شيخ المفسرين أن الآية تتناول كل ما يصدق عليه أنه شفع ووتر، وتحمل على ما أمكن من المعاني الصحيحة.

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي﴾ [الفجر: 4] يعني إذا سار فذهب، فأقسم تعالى بالليل وقت سريانه وإرخاء ظلامه على العباد فيسكنون ويستريحون رحمة منه وحكمة. ثم بين تعالى أن هذه الأشياء المقسم بها أشياء عظيمة تكفي وتقنع كل صاحب عقل يعقل عن الله مراده، تقنعه بقدرة الله وحدانية الله.

هل في ذلك قسم لذي حجر؟ يعني لذي عقل. قلنا: هل للتوكيد، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5]. وقيل في هذا أيضا أقوال أخرى. في هذا الدرس نكمل بمشيئة الله الكلام في تفسير السورة، ومع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 6-8].

هذه الآيات فيها تخويف وتهديد وزجر لأهل مكة من المشركين، وفيها إنذار لهم بأنه يمكن أن يقع بهم ما وقع بالأمم المكذبة قبلهم إذا أصروا على التكذيب. فيها تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم ووعد له بالنصر، وفيها تسلية له مما يعاني من تكذيب هؤلاء المشركين، وفيها تثبيت للمؤمنين أن الله قادر على إهلاك أعدائهم.

لما أقسم الله تعالى بالفجر والليالي العشر والشفع والوتر، وهذه يعني أقسام بأوقات العبادة وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها المتقربون والمتقون إلى الله المطيعون له الخائفون منه الخاشعون لوجهه، لما ذكر عباده هؤلاء الطائعين، وهذا يتضمن مدحهم، ذكر المتمردين المستكبرين العتاه الطاغين الخارجين عن طاعته المكذبين لرسله، ذكر كيف أهلكهم ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرة.

فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: 6] وهذا استفهام تقريري، والمخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: ألم تخبر أو ألم تعلم بقلبك وبصيرتك؟ وهذا الاستفهام سيكون تعجبا وكذلك تقرير، كما قلنا هو تقريري: كيف فعل ربك ومالك وخالقك؟ كيف أهلك الأمة الطاغية الذين كان من أطول الناس أعمارا وأشد البشرية قوة في أجسامهم؟ بعث الله فيهم رسوله هودا عليه السلام، فأنذر وبين لهم ودعاهم فكذبوه، فأنجى الله من بين أظهرهم ومن آمن معه، وأهلكهم بريح صرصر عاتية أهلك المكذبين، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: 6-8].

وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في عدد من المواضع للعبرة والعظة، وقال هنا: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، ذكر الرؤيا ومعناها العلم، يعني ألم تعلم؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرهم بنفسه، ولم ير عذابهم بنفسه، لكنه علم ذلك. إذا الرؤيا قد تكون رؤيا بصرية وقد تكون رؤيا علمية وهي المقصودة هنا: ألم ترى ألم تعلم؟ وقصتهم منقولة بالتواتر وعاد وثمود كانتا في بلاد العرب، وفرعون كانوا يسمعون أخبارهم من أهل الكتاب، يعني يسمع المسلمون أخبارهم من أهل الكتاب وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب من البحر، وبين أرض العرب هذا البحر.

ألم تر؟ هذا من العلم الضروري، يعني العلم المؤكد العلم اليقيني الذي يجري مجرى الرؤيا في القوة والثبوت. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ هذه لها معنى غير معنى: ألم تر كيف فعل الله مثلا، ربك فيها اشاره إلى أنه ربك الذي ينتصر لك ويتولاك، ربك الذي معك، ربك أهلكهم وهو قادر على إهلاك أعدائك.

ثم وصف الله تعالى عادا فقال: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: 7]. ما هي إرم؟ قيل: بيت مملكة عاد، وقيل: القبيلة نفسها، وقيل: قبيلة من عاد، وقيل: بلدة كانت عاد تسكنها، وقيل: إرم اسم جدهم، وقيل: هي مدينة، وقيل غير ذلك. ابن كثير رحمه الله ضعف القول بانها مدينة، وقال: كيف يلتئم الكلام على هذا؟ يعني ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد، إذا جعل ذلك بدلا أو عطف بيان لا يتسق الكلام حينئذ.

ثم قال رحمه الله إن المقصود هو الأخبار عن إهلاك القبيلة سماه بعاد وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، وليس الأخبار عن مدينة أو إقليم. والعماد: عمود غليظ طويل يقام عليه البيت، يركز في الارض وتقام عليه الخيمة أو القبة ويسمى دعامة. فكان قوم عاد أهل خيام وأعمدة يطلبون الكلأ حيث كان ثم يرجعون إلى منازلهم، فلا يقيمون في موضع، فكانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالاعمدة الشداد.

وقيل المعنى: ذات الطول، يعني إرم ذات العماد ذات الطول، مأخذو من قولهم: رجل معمد إذا كان طويلا، ولان عادا كانوا طوالا، قيل: كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعا. وقيل: ذات العماد ذات عاد، يعني القبيلة ذات القوة والشدة والعتو والتجبر مأخوذ من قوة الأعمدة كما في الطبري والنكت والعيون والبغوي وزاد المسير والقرطبي وابن كثير وغيرهم.

ولهذا قال تعالى في وصفهم: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 8] يعني مثل هذه القبيلة مثل هذه الأمة لم يخلق مثلها في البلاد في الطول والقوة والشدة، لم يخلق مثلها في الأرض أو في زمانهم. فإذا لم يخلق مثلها، يعني مثل هذه القبيلة لم يخلق كأجسامهم، وهم الذين قالوا: من أشد منا قوة؟ فقال الله ردا عليهم في آيات أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]، وكانوا ينا يجحدون، فارسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون.

وقد قال لهم نبيهم هود: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 69]، وقال لهم: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُم جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 130-131]. روي أن الرجل منهم كان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا.

المعنى الآخر في إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد: قالوا لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد في جميع بلاد الدنيا لارتفاعها. وابن كثير رحمه الله ضعف هذا القول وقال: لو كان أراد ذلك قال التي لم يعمل مثلها أو لم يبنى مثلها في البلاد، وإنما قال لم يخلق مثلها في البلاد، وهذا خلق لأجسام لهم يعني للقبيلة.

على أي حال هذا زجر لكفار مكة، فإنه يقول لهم: إذا كان الله قد أهلك الأقوى منكم والأشد منكم فهو قادر على إهلاك من باب أولى. ثم ذكر الله بعض مظاهر قوة ثمود وقوم صالح عليه السلام وسنعرف ذلك بمشيئة الله بعد الفاصل.

نعود إليكم.

الحمد لله، حياكم الله ومرحبا بكم مرة أخرى، ونحن مع هذه الآيات العظيمة في سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ﴾ [الفجر: 6-9].

ماذا فعل الله بعاد وثمود؟ ألم تر كيف فعل بهم أو ماذا فعل بهم؟ أيضا كما وصف عادا وصف ثمود فقال: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: 9] يعني قطعوا أو نحتوا الصخر بالواد، واتخذوا فيها البيوت. قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] حاذقين متكبرين. ويقال في اللغة: فلان يجوب البلاد يعني يقطع المسافات، وسمي جيب القميص لأنه جيب يعني قطع.

ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد من منازلهم الوادي وادي القرى، وكان في طريق الماشي من المدينة إلى الشام، وكان يسكنه اليهود لما نزلوا بلاد العرب، ونزله من قبائل العرب أيضا قضاعة وجهينة وثمود الذين جابوا الصخر بالواد.

وفرعون، ألم تر ماذا فعل الله به أيضا؟ ألم تر كيف فعل ربك بعاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد؟ ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: 10] من المكذبين، ذي الأوتاد صاحب الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه وتثبته كما تثبت الأوتاد البناء أو الخيمة. وقيل: كان يعذب الناس بالاوتاد ويشده بها إلى أن يموت تجبرا منه وظلما كما فعل بالماشطة على ما قيل وبامراته آسية لما أصرت على الإيمان، وهذا اختيار ابن جرير الطبري رحمه الله.

وقيل إنه ربطها بالأوتاد في أسفل الوادي وأرسل عليها صخرة من أعلى الوادي فشذختها فذهبت شهيدة إلى ربها، وقد دعته أن يبني لها عنده بيتا في الجنة. وقيل في تفسير ذي الأوتاد: كانت له صخرة ترفع بالبكرات ثم يؤخذ الإنسان فتوت له أوتاد الحديد ثم ترسل تلك الصخره عليه فتشد، وهذا لعنه الله وأهلكه وذهب وصار خبرا وموعظة لمن بعده.

قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: 11-12] إذا جميع من تقدم عاد وثمود وفرعون ألم تر كيف فعل الله بهم وقد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. طغوا في أرض الله، ظلموا، تجبروا، عملوا بالمعاصي، قتلوا، تمردوا، آذوا، أفسدوا في البلاد بالكفر وبالعدوان وسعوا في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله، فأكثروا فيها الفساد. الفساد ضد الصلاح، كما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر والخير، الفساد يتناول جميع أقسام الإثم والشر، فمن عمل بغير أمر الله وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد.

وقيل إن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾ يعود إلى فرعون وقومه، والأقرب أنه يعود إلى جميع من تقدم ذكره من الأمم المكذبة الثلاثة. فلما بلغ هؤلاء المكذبون العتاه من العتو ما استوجب إهلاكهم، غضب الله عليهم، فلما أسفونا انتقمنا منهم وصب عليهم سوط.

﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 13] صب عليهم أي أفرغ وألقى. السوط معروف آلة الضرب تتخذ من جلود مضفورة، صب عليهم سوطا من العذاب أو لونا من العذاب وليس كل العذاب الذي عنده، وكانت وكان عذابهم كضرب بالسوط سريعة. فالمقصود بيان سرعة العذاب.

وقيل سوطا: نوعا ولونا من العذاب. فما هو لون عذاب قوم عاد؟ الريح العاتية. ما هو لون عذاب قوم ثمود؟ الصيحة المهلكة. ما هو لون عذاب قوم فرعون؟ فرعون ومن معه الاغراق. وفسره بعضهم سوط عذاب: جزء من العذاب لأن البقية ستاتي في الآخرة.

كان الحسن البصري رحمه الله إذا قرأ هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. والتنكير في كلمة سوط: سوط للتعظيم، يعني أرسل عليهم سوط عذاب وليس كل العذاب الذي عنده، فاستأصلهم وأبادهم وأهلكهم عن آخرهم وأفناهم.

فالله يمهل ولا يهمل، مطلع على الظالمين في كل زمان ومكان، رقيب على عباده، لا يخفى عليه أمرهم، لا يعجز شيء من شأنهم، يملي للظالم فإذا ازداد طغيانه وترادف كفرانه أخذه أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14].

إن ربك يا محمد صلى الله عليه وسلم بالمرصاد لهؤلاء المكذبين، ومثاله وكما أهلك أولئك يمكن أن يهلك هؤلاء. ربك يسمع ويرى ويرصد يطلع لا يفوت شيء من أحوال العباد، وهو سيحكم فيهم ويقابل كلا بما يستحقه. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ طبعا المرصاد في اللغة: الطريق والمكان الذي يترقب فيه الرصد وهم الجماعة المراقبون للشيء. وقيل إن ربك لَبِالمرصاد: يرصد أعمال بني آدم حتى يجازيهم بها وقد أمر ملائكته بكتابتها. وقيل مرجع

الخلق إلى حكمه وأمره وإليه المصير. هذا معنى المرصاد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14]. وعلى هذين القولين فالآية عامة للمؤمنين والكافرين، ومن المفسرين من يخص هذه الآية بوعيد الكفار أو وعيد العصاة؛ فالمعنى يرصد من كفر به أو عصاه.

فالله تعالى بالمرصاد لكل فاعل. والرصد الذين يقومون في الطرق ويرصدون تحركات العدو والمغيرين ونحو ذلك، هذا في اللغة يعرفه العرب جيدا. إن ربك لبالمرصاد مطلع على كل شيء، يرى ويحاسب ويجازي وعنده الميزان.

هذه الآيات فيها تنبيه وتقريع لمن بعدهم ألا يعملوا مثل عملهم: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: 11-12]. ولا تفجروا كعاد، ولا تتجبروا كفرعون. انظروا كيف فعل الله بهم. أين الملوك والتيجان من يمن، وأين منهم الأكاليل والتيجان، وأين ما شاده شداد في إرم، وأين ما ساسه في الفرس ساسان، وأين ما حازه قارون من ذهب، وأين عاد وشداد وقحطان؟ اتى على الكل أمر لا مرد له، حتى قضوا فكان القوم ما كانوا.

وقال بعض الشعراء المسلمين: لم تغن عنه هرمز يوما خزائنه، والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا. أين الملوك التي كانت لعزتها من كل أوب إليها وافد يفد؟ حوض هنالك مورود بلا كذب، لا بد من ورده يوما كما وردوا حياض الموت.

إذا الله سبحانه وتعالى يقضي بالحق وحكمه عدل، والله متى ما أراد إهلاك الظالمين يهلكهم: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4]. فلو أخر ظالما ليملي ليزداد إثما فيأخذ، وكذلك ليبتلي به فيكون من المؤمنين شهداء، ويظهر من يثبت ومن لا يثبت. فنسأل الله أن ينصر المستضعفين من المسلمين، وأن يهلك الظالمين المتجبرين المجرمين.

تتمة الكلام على ما تقدم بعد الفاصل إن شاء الله.

القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لا بد من استعمال مفاتيحه وهي آداب تلاوة القرآن. فمنها إخلاص النية لله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقران يقال له قرأت القرآن ليقال هو قارئ.

ومنها التسوك طهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة، وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف. وكان ابن عباس يقول: لأن أقرا سورة أرتل أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله.

ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب.

ويستحب الاجتماع على تلاوة القرآن وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده».

حياكم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. بعد ما استعرضنا هذه الآيات في سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَةَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 6-14].

ماذا يقال اليوم أمام هؤلاء المجرمين المتجبرين الذين يبغون في الأرض بغير الحق، ويقتلون المسلمين ويقصفون ويذبحون ويستولون على بلادهم ويخرجونهم من ديارهم ويسفكون دماءهم ويغتصبون؟ ماذا يقال عنهم وقد فعلوا الأفاعيل؟ نقول: إن ربنا لبالمرصاد، وإن الله قادر على إهلاكهم كما أهلك الأمم المكذبة الأولى.

لكن ربنا عز وجل عليم حكيم، يمهل، ينظر، يؤخر، وكذلك يبتلي، ولكن له سنن عز وجل في عقوبات الأمم التي تمردت على شرعه، والسنن هذه لا تتخلف؛ يعني لو تأخر العذاب عذاب هؤلاء في نظرنا، فإن لهم مع الله موعدا ليس فقط في الآخرة، حتى في الدنيا. ألم يقل الله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: 58].

عقاب الأمم الطاغية الباغية المجرمة الكافرة مرتبط بسنن إلهية. واليوم عدد من الأمم في الأرض استحقت عذاب الله بما تفعله من الإجرام. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد. وكأي من قرية أمليت لها وهي ظالمت ثم أخذتها وإلي المصير.

عندهم كفر وشرك وظلم وبغي وفسق وفساد. إن الله ليملي للظظالم حتى إذا أخذ لم يفلت. كما حل العقاب على الأمم السابقة يحل على الأمم اللاحقة إذا طغت وتجبرت. الله قال عن عقوبة قوم لوط: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83]. وقال: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: 10].

إذا إذا فعلوا مثلهم فلننتظر العقوبة التي ستتحل بهم. وتتكرر العقوبة بوقوع سببها. انظر إلى قوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 61-62].

اليوم ينتظر كثيرون أن يحل بالمجرمين عقاب الله، ثم لا يرون شيئا يحصل، يشكون، يتزلزلون، يتساءلون. نقول: سنته ماضية ولا تتبدل ولا تتغير، وستأتي العقوبة، سيأتي عقاب الله للظظالمين المتمردين عليه مستمر ولا يتوقف: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: 31]. قارعة تقرع بالبلاء: ﴿وَسَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الش شعراء: 227].

فنقول الآن: كفار اليوم إذا قارنا بكفار الأمس، هل ساروا على سبيلهم أم لا؟ يعني كفار اليوم ما ساروا على منهج قوم عاد في البغي بالارض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة، ما ساروا على نهج قوم ثمود في الظلم والطغيان وبنوا بكل ريع آية يعبثون واتخذوا مصانع لعلهم يخلدون ويبطشون في الأرض جبارين.

ما مشوا على نهج قوم لوط في الشذوذ والفاحشة، بل وصل الأمر إلى تقنينها وحمايتها وتعميمها وتشريع تكوين الأسر من الشاذين والشاذات. ألم يقم هؤلاء كفرة اليوم بالمسير على نهج قوم شعيب في التطفيف والنهب والسلب والاستيلاء على ثروات وخيرات الآخرين؟

ألم يحاربوا الله بالربا وقد قال الله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]؟ ألم يستحلوا الفواحش يسوقون الحرام والعروض الجنسية حية ومنقولة ومصورة وفي المسارح العلنية ودور البغاء؟ ألم يقل عليه الصلاة والسلام: «ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله»؟

ألم يشرب هؤلاء الخمور وقد قال عليه الصلاة والسلام: «سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ». قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر». الكبر والاستعلاء والجبروت الذي كان عند قوم عاد وثمود يحصل الآن، وأنه أهلك عاد الأولى وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى، والمؤتفكة يعني قوم لوط أهوى فغشاها ما غشى. فقد جمع هؤلاء اليوم كفر السابقين بأنواع، حتى جبروت قوم فرعون واستحيَاء النساء والأولاد فعلوا، قتل وذبح الأولاد والأطفال فعلوه. بطرت معيشتهم طبعا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهُمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 58]. إن حقا على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه.

إذا السنن الإلهية تشير بكل وضوح إلى أن الله سبحانه وتعالى سيهلك هؤلاء بالتأكيد، وسيأتي العقاب الإلهي مفاجئا مدمرا سريعا بحسب السنة الإلهية المذكورة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُه أنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَ أتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].

إذا نقول لهم: انتظروا إنا منتظرون، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار. ووعد الله آت ولسنا ببعيد من حربين عالميتين أكلت الأخضر واليابس بعشرات ملايين القتلى ودمار شامل في مدنهم وعواصمهم. والآن هم أسوأ مما كانوا في ذلك الوقت، لما قامت الحروب بينهم فماذا ستكون النتيجة؟ إذا انتهت الحرب الثانية العالمية بالذرة فقد تبدأ بهيدروجينية مائية تتداعى فيها سائر صناعاتهم وأموالهم، وتقوم نتيجة لها الحروب.

الله قادر ولا يعجزه شيء، وأسواط العذاب سياط العذاب عند الله متنوعة ومتعددة، فقد تكون حربا بينهم يغريهم سبحانه وتعالى بعضهم ببعض، وقد تكون انهيارا اقتصاديا شاملا ومدمرات شمسية وقد تكون زلازل وقد تكون أنواع من العذاب.

ولذلك ما في شك اطلاقا عند المؤمن أن الله سياخذ قطعا، والمهم بالنسبة للمؤمنين أن يثبتوا على دين الله وأن يطيعوا الله وأن لا يمالئوا أعداء الله حتى لا يأخذهم الله معهم حتى لا يشملهم العذاب. فلنجتنب التجبر والطغيان والبطر والفاحشة، لنتجنب أنواع البخس والتطفيف في المكيال والميزان وكل الأشياء التي كانت سببا في إهلاك تلك الامم والتي جمعتها هذه كثير من الأمم اليوم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز أولياءه وأن ينصر المؤمنين وأن يذل المجرمين وأن يهلكهم، ونسأله سبحانه أن يعز الإسلام والمسلمين إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.