تسجيل الدخول

المحاضرة 17 - التفسير - تفسير سورة الفجر (21:15) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الملك العلام، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا هو خالق الأنام، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله سيد الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه النجباء الكرام.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله، ونحن في هذا الدرس السابع عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير. وسبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: 6-7] في سورة الفجر، والآيات التي بعدها. وقلنا إنها آيات فيها تخويف وتهديد وزجر لأهل مكة المشركين، وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ووعد لهم بأن الله معهم قادر على إهلاك عدوهم.

وكنا أن المعنى ألم تر كيف فعل ربك؟ ألم تخبر؟ ألم تعلم؟ هذه رؤية القلب والبصيرة. ألم تر كيف فعل ربك؟ هذا شيء قديم لم يره عليه الصلاة والسلام، لكنه علم. فهناك رؤية بصر ورؤية بصيرة، ألم تر ألم تعلم كيف أهلك ربك هذه الأمة الطاغية؟ كانوا أطول أعماراً وأشد قوة من كفار العرب هؤلاء الذين أنت فيه؛ فإذا أهلك الأقوى قادر على أن يهلك من هو أقل منهم.

إرم هي بيت مملكة عاد أو قبيلة من عاد، وقد كانوا أهل خيام وأعمدة ترفع بهذه الأعمدة الشداد. قال الله تعالى في وصفهم: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: 8] أي لم يخلق مثل تلك الأمة أو القبيلة في الطول والقوة والشدة في الأرض أو في زمانهم. وقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: 9] أي قطعوا ونحتوا الصخر ونقبوه، واتخذوا فيه بيوتاً. كما قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] يعني حاذقين متكبرين. والواد منازل ثمود الوادي، ويقال له وادي القرى.

ثم ذكر تعالى فرعون وقومه من الأمم المكذبة، فقال: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: 10] صاحب الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه وتثبته كما تثبت الأوتاد ما يراد إمساكه بها. وقيل الأوتاد التي كان يعذب بها خصومه. ثم وصف الله تعالى شدة الطغيان وظلم هذه الأمم المكذبة عاد وثمود وفرعون فقال: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: 11-12] بالكفر والمعاصي والظلم والتجبر في الأرض والبغي على أنبيائه وعباده المؤمنين، والافساد والصد عن سبيل الله.

فكان الجزاء غضب الله عليهم وصب عليهم العذاب صبا، واحل بهم نقمته، كما قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 13]. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] يعني يسمع ويرى ويرصد من كفر به، يرصد بالعذاب ولا يفوته شيء من أعمال العباد، فيجازيهم على أعمالهم في الدنيا والآخرة.

تضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانه وماله، مثل هؤلاء الأمم الثلاثة؛ قوم عاد اغتروا بقوتهم، قوم ثمود اغتروا بجناتهم وعيونهم، وقوم فرعون اغتروا بالمال والرئاسة، فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله علينا. وهذا شأنه دائماً تعالى مع الجبابرة، وقلنا إنه تعالى سيهلك الجبابرة المعاصرين من هذه الأمم الكافرة الباغية المجرمة المكذبة التي تسلطت على المستضعفين وعلى المسلمين، وذبحت وقصفت وهجرت واستولت. لكن الله يمهل وعذابه سيأتي حتماً سنة إلهية، ومن أصدق من الله قيلاً ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

في هذا الدرس نكمل الكلام إن شاء الله في تفسير السورة، ومع قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. يخبر تعالى عن الانسان من حيث هو أنه جاهل ظالم، لا يعلم العواقب، يظن الحالة التي هو فيها الآن لا تزول ولا تتغير، ويظن أن إكرام الله له في الدنيا وانعامه عليه يدل على أنه محبوب عند الله، وانه إذا ضيق عليه رزقه وابتلاه فهذه إهانة من الله، وهذا كذب؛ ولذلك قال الله كلا ونفى هذا. وقد يضيق الرزق يبتلي من أخلص أوليائه وأحب الناس اليه، وقد يعطي ويوسع على أبغض الناس إليه. هذه لا تدل على هذه.

قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمُدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55-56]. قيل في قوله تعالى: فاما الانسان يعني الكافر، وبعضهم قال إن المقصود بها شخص معين. قال ابن عباس هو عتبة بن ربيعة أو أبو حذيفة بن المغيرة أو أمية بن خلف أو أبي بن خلف. والاية تعم كل من كان موصوفاً بهذا الوصف؛ الكافر الجاحد يوم الجزاء الذي لا يؤمن بالبعث، الذي ميزان الكرامة عنده كثرة المال والحظ في الدنيا، هذا لا يهمه إلا الدنيا ولذاتها وشهواتها. إذا وجد الراحة في الدنيا قال ربي أكرمني، وإذا ما وجد قال ربي أهانني. لماذا؟ لأن الدنيا ثقيلة في حس الكفار هي أملهم، هي كل شيء، هي مقياسهم. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].

قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: 11]. المؤمن الكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته وتوفيقه. الميزان يعني أن الله يحب فلاناً لما يوفقه للطاعة ويبعده عن المعصية. والاهانة عند المسلم؛ الإهانة أن الله يحرم شخصاً الهداية والتوفيق والطاعة، ويرديه في مهاوي الرذيلة والمعاصي والفواحش والكبائر والكفران. وإن وسع عليه في الدنيا، والمؤمن إذا وسع الله عليه في الدنيا حمده، وإذا ابتلاه ضيق عليه رزقه حمده على كل حال وصبر.

وبعض المسلمين المصيبة أن عندهم في الميزان كالكفار، ويظنون أن الله إذا أعطى قوماً يعني مثلاً طبيعة وأمطاراً وثروة وتقدم صناعي وتقني وعسكري وأعلامي يظنون أن يعني أن الله يحبهم، من قال ذلك؟ وبعضهم يعني إذا رأى التخلف مثلاً أو المادي يعني الدنيوي عند قوم حتى من المسلمين يقول يعني أن الله لا وأن هذا يعني بهوانهم على الله.

الآية يعني في قضية الإكرام والإنعام أن حتى هذه مجال الابتلاء. نلاحظ في الآية: الإكرام والإنعام ابتلاء؛ لأن الله قال: ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: 15] وأيضاً التضييق ابتلاء، قال: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] وقدر يعني ضيق، فكل واحد منهما ابتلاء واختبار. العبد يعني إذا بسط له يشكر أم يكفر؟ وإذا كان ضيق عليه يصبر أم يكفر؟ أيضاً يناقش ربه لماذا ولماذا؟ بعضهم والله يقول أين العدل؟ يقول أين العدل؟ إذا رأى مصيبة في المسلمين والكفار عندهم يقول أين العدل؟ سبحان الله! لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وميزان الدنيا عند الله غير ميزان عند هؤلاء. الدنيا ليست بشيء عند الله، لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء.

الخلاصة: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]. وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]. ومن اللطائف أن قوله تعالى في يعني في جانب الأنعام: ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: 15] لم يقل في جانب التضييق فاهانه، وإنما قال: ﴿ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16]. وذلك أن بسط الرزق إكرام؛ لأنه إنعام وأفضال من غير سابقة، وقبض والتضييق فيه ليس بإهانة؛ لأن ترك الإنعام والأفضال لا يكون إهانة، بل هو واسطة بين الإكرام والإهانة؛ فإن الله تعالى قد يكرم عبده وقد يهينه وقد لا يكرمه ولا يهينه. وتضييق الرزق ليس إلا عبارة عن ترك إعطاء القدر الزائد، ولذا تقول زيد أكرمني إذا أهدى لك هدية، ولا يحسن أن تقول أهانني إذا ما أهدى لك. وقيل لأنه في قوله أكرمني صادق، وفي قوله أهانني غير صادق، يعني في قول العبد وهو ظن قلة الدنيا وتقديرها ظنه إهانة، وهذا جهل واعتقاد فاسد. ثم رد الله تعالى على من ظن أن سعة الرزق كرامة والفقر إهانة فقال: كلا، وسوف نقف مع معنى هذا بعد قليل إن شاء الله.

هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا للمؤمنين والمؤمنات. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: لطلب الدين. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عاتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لححسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل؛ فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات، ونحن الآن مع الرد الإلهي على الزعم الخاطئ الباطل أن الأعطاء إكرام والحرمان أو التضييق إهانة. قد يكون الإعطاء استدراجاً، والمنع في مصلحة الممنوع وابتلاء يزيد الله به أجره ويرفع به درجته ويكفر به سيئاته. ولذلك قال تعالى كلا، بعدما ذكر: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16] كلا، ليس الأمر كما ظنوا، لا في هذا ولا في هذا، كما قال كثير من المفسرين. فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، كفار فقراء كما أن هناك من المسلمين أغنياء.

إذاً، ليس كل من نعمه الله في الدنيا وأغناه كريماً على الله، وليس كل من ضيق عليه رزقه ومنعه فهو مهان لديه. فأخبر أن الإكرام والإهانة ليس مدارها عنده على المال وسعة الدنيا. الفقر والغنى بتقدير منه عز وجل، فيوسع على الكافر لا لكرامته، يقدر على المؤمن يعني يضيق لا لهوانه. إنما يكرم المرء ويهان عند الله بالطاعة والمعصية. قال قتادة: ما أسرع ما كفر ابن آدم. يقول الله جل ثناءه: كلا، إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلتها، ولكن إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي. والغنى والفقر والسعة والضيق ابتلاء من الله وامتحان يمتحن به العباد. فإذا كان غنياً عليه أن يشكر الله، وإذا كان فقيراً عليه أن يصبر لأمر الله.

وقيل المعنى في كلا: لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا، يعني الإنسان إنما ينبغي أن يحمد الله على الأمرين الفقر والغنى، لكن يشكر في حال الغنى ويصبر في حال الفقر. وهذا ذكره الطبري والبغوي وابن الجوزي في زاد المسير والقرطبي وابن كثير والسعدي وغيرهم.

وقوف همة العبد عند مراد نفسه فقط، يعني الزاوية التي ينظر من خلالها إلى الموازين والقواعد والتصورات هي مصلحة شخصية زاوية ضيقة جداً، وهذه من يعني المزالق العظيمة التي يقع فيها بعض الناس. ينظرون خلاص يقيمون كل الواقع ويضعون يعني القواعد والأصول من خلال مصلحتهم الشخصية. وقوف همة العبد عند مراد نفسه فقط من ضعف الهمة. ولهذا لام الله المشركين على عدم اهتمام بأحوال الخلق المحتاجين، كما قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3].

وفي هذه السورة ماذا قال؟ ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: 17]. فأخبر عما يصنعونه من منع اليتيم الميراث ومنع اليتيم العون، وأكل ماله إسرافاً وبداراً أن يكبروا يعني مبادرة قبل أن يكبر فيستولون على ماله، ولا يحسنون إليه ولا يكرمونه. كلا، ليس الأمر كما ذكرتم في ميزان الأنعام والإهانة، لكن الحقيقة أنكم أنتم لا تكرمون اليتيم من فقد أباه وكاسبه قبل بلوغه واحتج إلى جبر خاطره والإحسان إليه، أنتم لا تكرمونه بل تهينونه. إذاً نقل ميزان الإكرام قضية الإكرام والإهانة إلى فعل هؤلاء؛ فإذا نظرت إلى معاملتهم لليتيم مثلاً فتجد أنهم يحرمونه ولا يكرمونه ويهينونه ولا يحسنون إليه، فأين الرحمة في قلوبهم؟ فكأنه قال لهم: أنتم عندكم في أفعالكم شر من هذا! حتى الميزان الذي وضعتموه أنتم تقولون إن الله يكرم بكثرة المال، طيب لماذا لا تكرمون عبيده إذا صار عندكم مال؟ كأنه محاكمة لهم حتى على ميزانهم الفاسد أنتم الأجر.

سبحان الله! شف الردود الإلهية مفحمة، الردود الإلهية مفحمة! أنتم وضعتم ميزاناً تقولون: إذا أعطانا الله هذا إكرام، وإذا منعنا وحرمنا هذه إهانة. طبقوا ميزانكم على أنفسكم، ماذا تفعلون مع الأيتام؟ تهينونهم ولا تكرمونهم، وتحرمونهم ولا تعطونهم، وكذلك المساكين. وهذا ذكره صاحب التحرير والتنوير وغيره. وقيل المعنى: إني أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم، فأخرج الكلام على الخطاب فقال: ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ فلذلك أهنتكم. وهذا ذكره الطبري في تفسيره.

وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 1-2] يعني يقهره ويظلم حقه ويدفعه بعنف وشدة ولا يرحمه. هذه الصورة؛ صورة سيئة التي فيها توبيخ من يفعلها، طبعا تتضمن الحث على العكس، يعني على إكرام اليتيم. وطبعا هذا في في الآية في السورة التي نحن بصددها: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: 17] يتضمن معنى أكرموه؛ إذا أنتم يا أيها المجرمون المنحرفون الكفار لا تكرمون اليتيم وتحابون على طعام المسكين. لو قال واحد يعني هم يكرمون الأيتام؟ نقول: يكرمون أيتامهم، لكن ماذا يفعلون؟

أيتام المسلمين ماذا يفعلون بهم الآن؟ يحولون من عصابات الدعارة يستولون عليهم لتشغيلهم. إذا الآية فيها حث لنا على إكرام اليتيم، هذا يشمل الفقير من الأيتام والغني، أنه الجميع يجب الإحسان إليهم. حتى اليتيم الغني يحتاج إلى جبر كسر قلبه بفقد أبيه. سبحان الله هذا المعنى يعني تكرر بين سورة أرايت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدعو اليتيم ولا يحض على طعام المسكين.

وسورة الفجر: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: 17-18]. وأيضاً في سور أخرى؛ لا تحابون تحادون يعني لا يحض بعضكم بعضاً على إطعام المحاويج بالمساكين والفقراء، وربما جاءه المسكين فطردوه.

طيب الآن لا تحاضونا هل يفعلون؟ لكن لا يحض بعضهم بعضاً. قال بعض المفسرين: لا يطعمونهم أصلاً، يعني لا يطعمونهم ولا يتحاضون على إطعامهم، فنفي الحض على إطعام المسكين نفي لإطعامه بطريق الأولى. والمقصود أنهم لا يكترثون بالمساكين ولا ينفعونهم، ومن يحض على فعل الشيء يكون يعني في الأصل يفعلة أو إذا تمكن من فعله فعله، لكنهم لا يفعلون ولا يتحابون.

وما هذا إلا لأجل الشح على الدنيا وعدم الإيمان بثواب الآخرة، كما قال تعالى في السورة الأخرى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: 33-34]. لأنه لو كان يؤمن بالله العظيم كان أطعم المسكين يرجو الثواب عنده عند الله. وفي المقابل: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: 19]. وسنعرف تفسير هذا بعد الفاصل إن شاء الله.

هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات؟ أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانة؟ فلتسأل نفسك: هل ساقترض لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي ساقترض سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين؟ وكم سيستغرق من الوقت؟

واعلم أن الدين وإن كان جائزاً إلا أن أمره خطير، ولذلك عاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلي على من مات وعليه دين. فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأُمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وأخلاف الوعد والمشكلات الأسرية.

ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريجه كربة مسلم. ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة. ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».

الحمد لله حياكم الله أيها الأخوة والأخوات مع تفسير قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: 17-19]. فأنتم لا تفعلون الخير، لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين. الله عز وجل يقول لهؤلاء أصحاب الموازين المنحرفة، يقول لهم تمتنعون عن الخير وتأكلون التراث أكلًا لما، التراث المالي الموروث الذي يخلفه الرجل بعد موته لوارثه.

طبعاً في علاقة بين قوله: كلا بل لا تكرمون اليتيم وقوله وتأكلون التراث، وكذلك بين ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث. لأن هناك حالات كثيرة اليتيم له ميراث يأكله بقية الورثة، أو ظالم يتسلط على ميراثه. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ الميراث الإرث ﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾ شديداً، لما تلمون وتجمعون ولا تبقون منه شيئاً، تأكلون نصيب اليتيم ونصيب غير اليتيم لأنهم كانوا لا يورثون النساء.

قال ابن زيد رحمه الله: الأكل اللم هو الذي يأكل كل شيء يجده، أكل كل ما يجده، كل شيء يجده يا حلال حرام له لغيره ما في فرق، يأكل كل شيء يستولي على كل شيء. لما، هذا من إبداع ومن الدقة في الوصف في القرآن وجمال التعبير والكلام. من حبهم للدنيا صاد قضية الدنيا عندهم هي الميزان، إذا أعطى أكرم وإذا منع أهان، هؤلاء المستحقون والصغار والايتام والمساكين ما لهم شيء.

هذا الباغي الظالم يستولي على كل شيء، كل حبا في المال جمعاً للدنيا، ولذلك قال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]. فهذا الحب الشديد للمال الذي يدفعكم إلى القول بمعايير خاطئة منحرفة، وإلى منع المحتاجين، وإلى الاستيلاء على كل شيء وأخذ حلال حرام لكم لغيركم تستولون عليه لأنكم تحبون المال حبا جما، يولعون به متعلقون به لا تفرقون بين حلال وحرام فيه.

قيل من المعاني التي ذكرت في التفسير: تحبون المال حبا جما له واستبقاء، يعني تحبون المال حبا جما استثمارات وتنمية والمحافظة والحرص. ولذلك في منهم سبحان الله يعني يجمع ولا ينتفع، يعني لا هو ولا غيره، تجميع وهذا أسوأ حالاً. ربنا قال: ﴿بَلْ تُؤْكِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17]. وقال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: 20-21]. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يعمل للآخرة.

ثم إن ربنا عز وجل قال في كتابه العزيز: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 21-22]. الآن في انتقال إلى اليوم الآخر الذي سيتم فيه الحساب على هذه المعايير المنحرفة التي تطلق وتعترف، وعلى هذه التصرفات المجرمة التي فيها الاستيلاء على حقوق الآخرين أكل المال من حرام وأخذ حق الغير. كلا هناك يوم، هناك يوم سيتم فيه الحساب على هذا كله: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾.

فلما بين عز وجل حال المشركين وأقبالهم على الدنيا وانهماكهم في جمع المال وحبه وأكل أموال الأيتام وعدم إكرامهم، زجرهم وردعهم وخوفهم باليوم الآخر. وقال كلا ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر في الحرص على الدنيا وترك الآخرة. فإن صاحب هذا سيندم يوم تدك الأرض دكا دكا ولا ينفعه الندم. ولا ينفعه الندم إذا جاء ربك والملك صفا صفا، ويتمنى حينئذ لو كان أفنى عمره في التقرب بالأعمال الصالحة ومواساة الآخرين بالمال الذي أعطاه الله إياه، وليست الدنيا مجالا فقط لتنمية الأموال ونسيان اليوم الآخر.

فامامكم يوم عظيم وهول جسيم تدك فيه الأرض والجبال وما عليها. سنقف بمشيئة الله تعالى مع قوله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ والآيات التي بعدها في الدرس القادم. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يكرم اليتيم يحض على طعام المسكين ويأكل الحلال ويعد لآخرته، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.