السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله في هذا الدرس من مادة التفسير. وقد سبق فيما مضى الحديث عن تفسير قوله تعالى في سورة البلد: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: 8-9]. وتقرير نعم الله تعالى على هذا الإنسان، وأنه يجب أن يستعملها في طاعته شكرًا للنعمة، وعدم استعمالها في معصيته.
ولما ذكر من نعم الدنيا العينين واللسان والشفتين، ذكر من نعم الدين: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]. يعني بينا له طريقي الخير والشر، والحق والباطل، فما أجبرها من نعم عظيمة.
ثم ذكر تعالى الحث على اقتحام العقبة. هذا الإنسان الذي أنعمنا عليه هذه النعم، هلَّا سلك الطريق التي فيها النجاة؟ وما أدراك ما العقبة؟ وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ ثم بين تعالى كيف يتم ذلك، فقال في وسائل اقتحام العقبة: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: 13-14]. فك الرقبة إعتاقها وإطلاقها وتخليصها من الرق. ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار، إذا كان إعتاق الرقبة المؤمنة عند المسلمين نُدب إليه، فما بالكم بالأسير المسلم تحت يد الكفار؟ وقيل في معنى الآية: فك رقبة، يعني فك الإنسان رقبة نفسه، وتخليص هذه الرقبة باجتناب المعاصي وفعل الطاعات.
ثم قال عز وجل: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14-16]. إذاً وسيلة أخرى لاقتحام العقبة ومجاوزة جوع. وإضافة «ذي» إلى مسغبة «ذي مسغبة» تفيد اختصاص ذلك اليوم بالمسببة، يعني يوم المجاعة مثل القحط، وكذلك ما يحدث الآن في الحروب؛ مثلاً المجاعات تحدث نتيجة لأشياء قد تكون قلة المطر احتباس المطر، وقد تكون الحروب. فاقتحام العقبة يكون بفك الرقاب والإطعام في اليوم ذي المجاعة بسبب القحط أو الغلاء.
قال إبراهيم النخعي: في يوم عزيز فيه الطعام. قال قتادة: في يوم يشتهى فيه الطعام. وإخراج المال وإطعام الطعام في وقت القحط والمجاعة والضرورة ثقيل على النفس؛ لأن الناس يشتد شحهم بالمال. ولهذا أوجب تعالى الأجر لصاحب ذلك، كما في قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177]، يعني على حب المال وهو محب للمال، وكذلك في حال صحته. وقال عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8].
وأطعام الطعام فضله عظيم في كل الأحوال، فكيف إذا كان مع الجوع؟ كيف إذا كان في أوقات النكبات؟ وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ فقال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». رواه البخاري ومسلم. وكان أول ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».
اطعام الطعام لمن؟ قال: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. اليتيم من فقد أباه وكاسره قبل بلوغه، والمقربة القرابة، يعني أن تطعمه يتيماً من قرابتك؛ اجتمع فيه حقان: حق اليتم وحق القرابة. وكذلك اطعام الجائع المسلم، ففيه إغاثة وفيه صلة رحم. وفي الحديث: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة». فصدقة على القرابه افضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله. وقيل يدخل في الآية أيضاً القرب بالجوار المقربة، كما يدخل فيه القرب بالنسب.
وقد رغب تعالى في اطعام اليتيم وإن لم يصل إلى حد المسكنة والفقر، يعني قد يكون له مال أو أنه وارث، لكن مظنة قله الشبع لصغر سنه وضعف عمله وفقد من يعوله، وقد يستولي ظالم على ماله ولحياء من التعرض لطلب ما يحتاجه.
ومن أيضاً يطعم؟ قال: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. المتربة مصدر: ترب يترب ترباً ومتربة، إذا افتقر التصق بالتراب من شدة فقره؛ فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما يطؤه، فكأنه ليس له مأوى إلا التراب. ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء. وقيل: هو البعيد التربه فهو الغريب البعيد عن وطنه. وقيل: هو الفقير المديون المحتاج. وقيل: هو ذو العيال الكثيرين الذين لصقوا بالتراب ما عندهم فرش. وقيل: هو الذي لا أحد له. وكلها قريبة في المعنى، والمقصود إطعام الفقير المحتاج المعدم.
فإن قيل: ما الفرق بين المسكين والفقير؟ فالجواب: الفقير الذي لا يجد شيئاً أو يجد أقل من نصف كفايته عرفاً. والمسكين هو المحتاج الذي لا يجد تمام كفايته وكفاية أهله أو يجد نصفها فأكثر؛ لأنه لو وجد تمام الكفاية فإنه يعتبر غنياً. ليس الغني في اللغة ولا في الشرع صاحب الملايين ولا الغني الذي استغنى عن الناس عنده ما يغنيه، والفقير أشد حاجة من المسكين، ولذلك بدأ الله به في مصارف الزكاة، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم.
وفي الحديث: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس». رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: «إنما المسكين الذي يتعفف، واقرؤوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]». متفق عليه.
من لطائف الاستنباط هنا أن الإمام الشافعي رحمه الله استدل بهذه الآية: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ على أن المسكين قد يكون بحيث يملك شيئاً؛ قال: لأنه لو كان لفظ المسكين بنفسه يدل على أنه لا يملك شيئاً البته لكان التقييد بقوله: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ تكريراً لا معنى له، وهذا لا يليق بالقرآن. فالمسكين عند الإطلاق ينصرف إلى من عنده شيء لكن لا يكفيه، فلما قيده بقوله: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ صار معناه مثل الفقير الذي لا شيء عنده، فهو أدنى درجات المساكين. المسكين قد يوجد عنده مصدر رزق لكن لا يكفيه، الراتب لا يكفيه؛ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، وإذا صار معدماً بمعنى الفقير صار هو والفقير بمعنىً واحد.
سنتابع معكم بمشيئة الله تفسير السورة بعد الفاصل.
وباب الخير والسعادة، وللدعاء آداب؛ منها: توحيد الله تعالى والإخلاص له في الدعاء، إطابة المأكل والملبس، استقبال القبلة ورفع اليدين، حضور القلب مع اليقين في الإجابة، الثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، الإكثار من المسألة والالحاح فيها، إخفاء الدعاء وعدم الجهر به، الجزم في الدعاء وقوه اليقين، عدم استعجال الإجابة. ومن الأمور المعينة على إجابة الدعاء: تحري الأوقات والأماكن الفاضلة والأحوال المناسبة.
فمن الأوقات الفاضلة: وقت السحر الثلث الاخير من الليل، آخر ساعة من يوم الجمعة، وقت نزول المطر، عند سماع الأذان وبين الأذان والإقامة. ومن الأماكن الفاضلة: المساجد عموماً والمسجد الحرام خصوصاً. ومن الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء: دعوة المظلوم، دعوة المسافر، دعوة الصائم، دعوة المضطر، دعوة الوالد لولده، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة». ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات، ومع تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17]. إذاً لما حث على اقتحام العقبة والاهوال، أهوال يوم القيامة، وبين السبيل إلى ذلك من القربات والطاعات: فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة جوع يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة؛ التصق بالتراب لا يجد شيئاً؛ ليس هذا فقط وسائل اقتحام العقبة، بل: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
«ثم» هنا بمعنى الواو، فالمعنى: ثم هو مع ما تقدم من الأفعال الجميلة مؤمن بقلبه محتسب لثواب ربه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19]. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: 94]. فالإيمان شرط لقبول العمل الصالح، فلا يقبل الله أعمال البر من غير المؤمن. ولو أن كافراً في الدنيا عمل أعمالاً خيرية، فمن عدل الله أن يعطيه فيها جزاءً؛ أي من الصحة والمال والأولاد والشهرة ونحو ذلك. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: 15]. ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39]. فهو مثل السراب يوم القيامة، لا يقبل الله عملا بغير التوحيد.
قال عليه الصلاه والسلام في الحديث: «إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة؛ يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها». رواه مسلم. سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن ابن جدعان -شخصية معروفة كان في الجاهلية- يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». رواه مسلم.
لكن لو أن الكافر صاحب الاعمال الخيرية أسلم، فيكتب له عمله السابق؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما ساله حكيم بن حزام: يا رسول الله، أرايت أشياء كنت أتحنث -يعني أتعبد بها في الجاهلية- من صدقه أو عتاقه وصلة رحم، فهل فيها من اجر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أسلمت على ما سلف من خير». رواه البخاري ومسلم.
إذاً لا بد من الايمان مع العمل الصالح. ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم وصدقوا ذلك بجوارحهم، فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل واعتقاد بالقلب واللسان والجوارح، يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وايمان القلب شرط لصحة الايمان. وقد جمع الله تعالى بين الايمان والعمل الصالح في آيات كثيرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوكَ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فهما متلازمان، لا ينفك الايمان عن العمل الصالح ولا يستقيم إلا به. ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله: وكان الاجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن ادركنا يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر.
طيب، ماذا أيضاً لتجاوز العقبة وأهوال القيامة؟ قال: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: 17-18]. إذاً آمنوا وتقدمت أعمال صالحة قبل ذكر الإيمان، وقال بعد ذكر الإيمان: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. إذاً ليس فقط يعملون، لكن أيضاً يوصي بعضهم بعضاً، يتعاهدون يتعاهد بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله وفرائضه وأوامره وترك معصيته، والصبر على أقداره المؤلمة وعلى البلاء وأذية الناس، والصبر في الفتن وعن الشهوات المحرمة.
ليس هذا فقط، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. ما معنى تواصوا بالمرحمة؟ رحمة الخلق؛ حث بعضهم بعضاً على إعطاء المحتاج وتعليم الجاهل ومساعدة وإغاثة اللهفان. والتواصي بالمرحمة تحقيق الأخوة الإيمانية بين المؤمنين، القيام بحقوق الأخوة؛ لأن المؤمنين يرحم بعضهم بعضاً.
إذاً انظروا كم صار عندنا الآن: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 11-17]. هذه فضيلة عظيمة: التواصي بالمرحمة وتحقيق الأخوة الإسلامية وحسن المعاملة. تواصوا بالصبر تعظيماً لأمر الله، تواصوا بالمرحمة شفقة على خلق الله، صدق مع الحق وخلق مع الخلق. الراحمون يرحمهم الرحمن، لا يرحم الله من لا يرحم الناس. «ليس منا من لم يرحم صغيرنا». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل الرحمة في قلوبنا، وأن يتغمدنا برحمته.
من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية ويلوون ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية، وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. فاللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة؛ إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه.
فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية، وأن يكون حريصاً على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك؛ إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة، اجتناب اللحن والخطأ فيها قدر المستطاع. عن نافع قال: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. مطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ. الالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، التزام التحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم. تعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر؛ إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42].
حياكم الله ومرحباً بكم أيها الإخوة والأخوات، ولا زلنا في تفسير سورة البلد. في آخر هذه السورة: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: 17-18]. أولئك المتصفون بما تقدم أصحاب الميمنة. وصار عندنا بعد ذكر هذه الأوصاف أقسام بالنسبة للصبر والمرحمة.
التواصي القسم الأول: من اتصف بالوصف؛ يصبر ويرحم الناس، فهؤلاء خير الأقسام. الثاني: من لا صبر لا ولا رحمة فيه، قسوة وججزع، فهؤلاء شرها. الثالث: من له صبر ولا رحمة، عنده صبر مع قسوة، يقولون: يصبر جبار لكن ما في رحمة. الرابع: من عنده رحمة ورقة لكن لا صبر له، يجزع ينهار. فلا بد إذاً أن يجمع الوصفين بالإضافة لما تقدم، تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.
بالإضافة لما تقدم من فك الرقاب وإطعام الجوع واليتامى والمساكين مع الإيمان بالله والتواصي بالصبر والمرحمة، فمن وفقه الله لذلك اقتحم العقبة وتجاوز الأهوال يوم القيامة وجاز الصراط بسلام. أولئك أصحاب الميمنة لأنهم أداوا حقوق الله وحقوق عباده. وقد وصف الله تعالى بعض نعيم أصحاب اليمين في سورة الواقعة فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ [الواقعة: 27-28] منزوع الشوك ما لا أذى فيه، ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [الواقعة: 29] منظم مرتب، ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعُةٍ * وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: 30-34]، إنا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهن أبكاراً عُرُباً؛ يعني متحبات إلى أزواجهن، أتراباً في سن واحدة، لأصحاب اليمين، ثلة من الأولين وثلة من الآخرين.
قوله في سورة البلد: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: 18]. أولئك هذا اسم الإشارة، اسم الإشارة للبعيد تنويه بهم وتعظيم لهم؛ أولئك. وهذا فيه ثناء وبشارة. وماذا في المقابل؟ وكثيراً ما نجد في القرآن المتقابلات، قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: 19-20]. فلما ذكر حال المؤمنين أهل اليمين أصحاب الجنة وأثنى عليهم، ذكر حال الكفار أصحاب النار أهل الشقاوة أصحاب المشأمة.
المشأمة يؤتون كتبهم بشمائلهم ومن وراء ظهورهم، وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: يا ليتني لم أوت كتابي ولم أدر ما حسابي. لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، آتاهم كتابهم يوم القيامة من وراء ظهورهم. وهؤلاء لا قاموا بحق الله ولا رحموا عباد الله. وصف الله تعالى بعض عذاب أصحاب الشمال في سورة الواقعة أيضاً فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الواقعة: 41-45] يعني في الدنيا مترفين، وكانوا يصرون على الحنث العظيم والذنب العظيم، وكانوا يقولون: أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟ ينكرون البعث، أو آباؤنا الأولون؟ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم، ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم، فمالئون منها البطون، فشاربون عليه من الحميم، فشاربون شرب الهيم، هذا نزلهم يوم الدين.
نحن إذاً في ختام هذه السورة بين ذكر أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، إكرام أهل الجنة وإهانة أهل النار. جهة اليمين جهة معززة مكرمة، وكانوا يحبون الجلوس في ميامن المجالس. والشمال أصحاب الشمال يوم القيامة في العذاب، ذكر عذابهم: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: 20]. مؤصدة مغلقة مطبقة عليهم، يقال: أوصدت الباب إذا أطبقت وأغلقته. المؤصدة يعني الكفار، فالنار تحيط بهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]. فالعذاب مطبق عليهم والعياذ بالله ليزدادوا ضيقاً وهماً وغماً وشدة، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 8-9]. وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 22]. وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37]. وقال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167]. نعوذ بالله من حال أهل النار ونسأل الله الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ به من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
بهذا أيها الأخوة والأخوات نكون قد أتينا على تفسير سورة البلد. ونسأل الله عز وجل أن يفقهنا في كتابه وأن يجعله ربيع قلوبنا ونور صدورنا. إلى درسنا القادم بمشيئة الله، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكاني. زاد أكاديمية ينبوعها صاف، صاف ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد