تسجيل الدخول

المحاضرة 19 - التفسير - تفسير سورة البلد (7:1) - المستوى الثالث - الشيخ محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد؛ فهذا هو الدرس التاسع عشر من مادة التفسير، ونحن في تفسير سورة البلد. في مطلعها نبدأ ونستهلك: أقسم بهذا البلد. مكية إجماعاً، عدد آياتها عشرون آية، سميت بهذا الاسم لافتتاحها بذكر البلد وهو مكة، وسميت أيضاً سورة لا أقسم، وقد ترجم لها البخاري رحمه الله في صحيحه بذلك. سميت أيضاً سورة العقبة لقوله تعالى فيها: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11].

يقول عز وجل في مطلع هذه السورة: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1]. وموضوعاتها: بيان فضل مكة، وبيان معاناة الإنسان وتذكيره بقدرة الله عز وجل، وموعظة في إنفاق الأموال، وتذكيره بنعم الله عليه في الحواس، وذكر طريق الخير وطريق الشر، ثم التذكير بيوم القيامة والعقبة الكؤود الصعبة. لا يكون تجاوزها ولا المرور على الصراط فوق النار إلا بأعمال صالحة؛ ومنها إطعام اليتيم والمسكين، وفك الرقاب، والاعتناء بالأقارب الفقراء، والاستقامة على الإيمان والعمل الصالح، وبيان أهمية التواصي بالصبر والأخوة الإسلامية بالمرحمة، والثناء على أصحاب اليمين. مقاصد عظيمة في سورة البلد.

لا أقسم بهذا البلد؛ أقسم تعالى بمكة البلد الأمين، أم القرى، خير بقاع الأرض، خاصة في وقت حلول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها لأن السورة مكية، ونبه تعالى على حرمتها. يقول ابن القيم رحمه الله: فأقسم ببلده المشتمل على رسوله وعبده صلى الله عليه وسلم، فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد. فلنتصور أن النبي عليه الصلاه والسلام في مكة، اعظم البشر في أعظم القرى وأحب البقاع إلى الله. وتقول هذه السورة في مطلعها: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1-2]، فجعل بيته هدى للناس ونبيه صلى الله عليه وسلم إماماً لهم، وهذا من أعظم نعم الله علينا، كما هو من أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته. فمن اعتبر حال بيته وحال نبيه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد، فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله صلى الله عليه وسلم. أقسم الله تعالى بمكة أيضاً في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 3] في سورة التين، والشيء بالشيء يذكر. ومن الأمور المهمة في مادة التفسير جمع الآيات المتشابهة والمقارنة بينها، والقران يفسر بعضه بعضاً ويشبه بعضه بعضاً متشابهاً.

لا أقسم؛ معناها أقسم، إذاً هذه لا ليست نافيه لكنها للتوكيد، ولذلك لابد أن يتحرر طالب العلم عندما يدخل في ماده التفسير مثلاً من المعنى الواحد للحرف من حروفه، ويتذكر أن حروف اللغة قد يكون لها عدة معاني، فيحرر ذهنه من المعنى الذي يعرفه، يعني أن يكون وحيداً بل له أكثر من معنى. قال تعالى: ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 29]، والمعنى: ليصلم أهل الكتاب. إذاً لا هذه من وظائفها في اللغة توكيد. آية أخرى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: 92-93]، والمعنى المقصود: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن تتبعني، إذاً قوله: ألا تتبعني، لا للتاكيد. وكذلك في قوله مثلاً: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1]، والمقصود القسم بيوم القيامة، إذاً ليست وظيفه لا فقط النفي أو النهي، قد تأتي أيضاً للتوكيد.

لا أقسم بهذا البلد؛ هذا اسم إشارة إلى شيء حاضر في أذهان السامعين كأنهم يرونه، والذين نزل عليهم أولاً أهل مكة، نزل القرآن في مكة ويقول لهم: لا أقسم بهذا البلد الذي أنتم فيه وتعرفونه جيداً، ويا أيها العرب هذا البلد الذي تعظمونه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: 91]. إذاً اسم الإشارة لا أقسم بهذا البلد فائدته تمييز المقسم به أكمل تمييز؛ لأن التنويه به مقصود، إظهار فضله، إظهار شرفه بهذا البلد. أما مكة ففضلها معروف مشهور، فهي خير بقاع الأرض وأشرفها، وأحب أرض الله تعالى إلى الله عز وجل وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم، كما قال في الحديث الصحيح: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» رواه الترمذي وابن ماجه.

ومن فضائل مكة وخصائصها أن أول مسجد وضع في الأرض لعباده الله عز وجل هو المسجد الحرام الذي بمكة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: «المسجد الحرام» رواه البخاري ومسلم. من فضائلها أنها مهبط الوحي، واختار الله منها أفضل رسله صلى الله عليه وسلم، واختارها لوحيه ونزول كتابه الذي هو أفضل كتبه. فيها مولد النبي عليه الصلاه والسلام وفيها مبعثه الشريف، منها بدات الدعوة وبها كان ابتداء ظهور الدين، فهي أول بقعة من بقاع الأرض ظهر فيها توحيد الله عز وجل بعد ركام من الشرك ران على البشرية.

ومن خصائص مكة أن الله تعالى شرفها، جعلها قبلة لأهل العالم لجميعاً لأهل الأرض، وليس على وجه الأرض قبلة غيرها: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوۡا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]. من فضائلها أن الله جعلها مناسك لعباده، واوجب عليهم الاتيان اليها من القرب والبعد ومن كل فج عميق، ولا يدخلونها الا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفي رؤوسهم هؤلاء الرجال، ومتجردين عن لباس اهل الدنيا. انها مناقب عظيمة لهذا البلد الشريف. نتابع معكم بمشيئة الله تفسير هذه السورة بعد الفاصل ان شاء الله.

مرحبا بكم مرة أخرى ايها الاخوة والاخوات، وننطلق في تفسير سورة البلد ومع قول الله تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 2]. إذاً لا أقسم، يعني أقسم، ولا للتوكيد، بهذا البلد مكة، وأنت حل فيه. وانت حل بهذا البلد، ما معنى حل؟ هل معناها يعني حلال يعني ضد الاحرام، تصنع فيه ما تريد، ليس عليك ما على الناس فيه من الاثم، يعني تصنع ما تريد من مصلحة الدين ولا تقيد بما يقيد به غيرك؟ طبعا هذا حصل للنبي عليه الصلاه والسلام في فتح مكة ساعه من نهار، احل الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح حتى قاتل وقتل وفتح مكة، وامر بقتل ابن خطل وهو متعلق باستار الكعبة، هذا من صناديد الكفره ومقيس بن صبابه وغيرهما، فاحل دماء قوم وحرم دماء قوم.

وقال عليه الصلاه والسلام يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وانه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي الا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمه الله الى يوم القيامة» رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: «فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي» رواه البخاري. وفي حديث آخر: «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها -يعني لا يستدل- فقولوا إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمته بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» في الصحيحين.

اذا لما اقسم الله بمكه دل ذلك على عظيم قدرها، لأن الله لا يقسم الا بعظيم من مخلوقاته، يقسم بما يشاء من مخلوقاته، فالصورة مكيه فاقسم الله بمكه وشرفها وفضلها، ووعد نبيه صلى الله عليه وسلم ان يحلها له ليفتحها. اذا هذه السورة مع كونها مبكرة جدا في مكة، لكن كان فيها بشارة وإشارة، بشارة وإشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بانه ستكون له حلالاً وانه سيفتحها. بهذا تكون الآية من دلائل النبوة وبشارة النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر على أعدائه. السورة مكية نزلت قبل الفتح بسنوات طويلة، والفتح في آخر الهجرة في رمضان سنة ثمان للهجرة. فوعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة من المستضعفين أن يفتحها على يديه، وقد تحقق الوعد.

كان هنا يلفت النظر يعني أن قوله وانت حل، كأنه يخبره عن شيء الآن مع أنه في مكه أي مضيق عليه ومحاصر، والكفار قد استولوا على مقاليد الأمور وازمتها بايديهم، لكن لما تعرض بهذه الصيغه كأنها الآن لتريب البشارة وتحقق وقوعها، وأنت حل، كأنك الآن أنت الآن حلال مع أنه بمكة في المرحلة المكية قبل الهجرة. كان المستقبل كالحاضر في هذا المقام، وأن وعده لا يتخلف، فاللفظ للحال والمعنى للاستقبال. فاللفظ للحال وأنت حل بهذا، والمعنى للاستقبال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. خاطبه بهذا وهو حي، لكن ما سيؤول اليه الامر، ما سياتي. وهذه فيها موعظة.

أي كرر قوله بهذا البلد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1-2] يعني ما قال لا أقسم بهذا البلد وأنت حل به، بتأكيد فتح البلد العزيز عليه والإشادة بهذا البلد وشرفه. هل هناك أقوال أخرى في معنى وأنت حل؟ قال بعض المفسرين: وأنت حل يعني وأنت حال نازل ومقيم فيه ولم يفرض عليه الإحرام ولم يؤذن له في القتال في ذلك الوقت، وحرمة مكة ثابتة حتى عند العرب حتى يعرفون في الجاهلية هذا. فكانه تعالى عظم مكة من جهه انه عليه الصلاه والسلام مقيم بها. لا أقسم بهذا البلد وأنت حل فيه، وأنت حل بهذا البلد، فالقسم بالبلد وبمن فيه وبحلول نبيه فيه. القسم بهذا البلد وبسكن نبيه فيه صلى الله عليه وسلم.

وقيل لما اقسم الله تعالى بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد، ثم قال: وأنت حل بهذا البلد، يعني وأنت من حل هذه البلدة المعظمه، واهلها يعرفون اصلك ونسبك وصدقك وامانتك وطهارتك وبراءتك من كل قبيح. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجعة: 2] يعني يعرفونه جيداً. وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] تعرفون نسبه. وقال: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16]، أنتم تعرفونني، تعرفون صدقي وأمانتي، جئتكم الآن بالقران، ما الجديد في صفاتي وحالتي؟ فأنا صادق أمين من قبل ومن بعد، والآن جاءت النبوة. إذاً: وأنت حل بهذا البلد، بيان شرف وعظمة منصب النبي صلى الله عليه وسلم بكونه من هذا البلد.

ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: 3]. إذاً هذا قسم أيضاً. ووالد؛ اقسم بالوالد وما ولد. من هو الوالد؟ والد قيل هو آدم، وما ولد ذريته، لأن الله لما اقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعدها بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده، فتضمن القسم اصل المكان وأصل السكان. أم القرى ما هي هي أم القرى وأصل السكان آدم عليه السلام، فمرجعنا إلى مكة، مرجع العباد إلى آدم. قال بعضهم هو إبراهيم وذريته يعني ووالد وما ولد، وقيل غير ذلك. والصحيح كما رجح ابن جرير رحمه الله أنه عام في كل والد وكل مولود، لأن حرمة الخلق كلهم داخله في هذا الكلام. قال الامام الطبري رحمه الله: والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا إن الله أقسم بكل والد وولده؛ لأن الله عم كل والد وما ولد، وغير جائز أن يخص ذلك بشخص معين أو أحد معين إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عم. ايها الاخوه والاخوات سنعود اليكم ان شاء الله مره اخرى بعد قليل لنواصل مسيره التفسير.

الحمد لله، وحياكم الله. وننطلق أيضاً مع جواب القسم في سورة البلد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. إذاً لا أقسم بالبلد، وأنت حل بهذا البلد، ووالد وما ولد؛ لقد خلقنا الإنسان في كبد. هذا هو جواب القسم، يعني المقسم عليه. فأقسم تعالى بمكة وحل النبي صلى الله عليه وسلم فيها وكل والد وما ولد، أقسم على أن الإنسان في شدة ومشقة منذ

ولادته إلى وفاته يكابد ويقاس الشدائد في الدنيا منذ صرخة الوضع إلى سكرة الموت، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، مكابدة ومعاناة وكفاح وكدح: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]، ملاقي هذا الكدح والعمل وملاقيه. وينبغي على الإنسان أن يسعى لراحة نفسه؛ وهو يمر بدار الابتلاء وهذه الشدائد، فإنه يريد أن ينتهي منها ويصل إلى دار الأفراح التي فيها السرور الدائم والراحة التامة، وما لم يفعل هذا فلا يزال يكابد العذاب بعد ذلك.

من لم يسعَ لراحة نفسه الآن في دار الشدة سيبقى يعاني من الشدائد حتى بعد البعث والنشور: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، كبد أحاط بالإنسان إحاطة كاملة، كأنه في كما تقول يعني إحاطة البحر بغريق، يعني لاحظ لاحظ دقة التعبير القراني؛ لقد خلقنا الإنسان في كبد داخل كانه داخل الكبد محيط به من هنا من هنا من هنا، كبد محيط به في تعب، نصب، هم، غم، مرض، فقر، شدة، حاجة، تسلط عدو، ديون، عقوبة، اضطهاد، يعني الكبد أنواع. هذه طبيعة الدنيا، طبعت على كدر، وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار.

يعني أول ما يخرج الإنسان من بطن أمه ويعاني ويصرخ، لقد استقبل عالماً جديداً وقطعت سرته، يكابد الضيق والتعب، يكابد الارتضاع ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان والأوجاع والأحزان، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد والدور، ثم ثم ثم ثم الكبر والهرم وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، وفي مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس ووجع الأضراس ورمد العين وغم الدين ووجع السن وألم الأذن، ثم نازلة الموت بعد ذلك، وإن للموت لسكرات، ثم مسألة الملك في القبر بعد ضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار؛ أما في الجنة وأما في النار.

لكن الله عز وجل ييسر على أهل طاعته؛ مما ذكره المفسرون في تفسير الكبد: لقد خلقنا الإنسان في كبد، قالوا: الاستواء والاستقامة. ومعناه: خلقناه منتصباً سوياً مستقيماً في أحسن تقويم وأقوم خلقة، هذه من معاني كبد في اللغة. فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. فيكون هناك الآن آيات متشابهة ما بين سورة البلد وسورة التين، وكذلك تشبه أيضاً الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: 6-7]. فإذاً في كبد كقوله: الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك. ويكون المعنى مع قوله تعالى بعده: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: 5]، يعني مع هذا الخلق المستوي والقدرة والإمكانات وأن الله أقدره على التصرف والأعمال الشديدة لا يشكر نعمة الله عليه بل يبطر بالعافية ويتجرد.

طيب الآن يعني هناك أكثر من معنى، ما هي القاعدة في تفسير أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين صحيحين في اللغة ولا منافاة بينهما -ما في تعارض- فهي محموله عليهما جميعاً؟ فيكون المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم سوياً مستقيماً يعاني مشاق الأمور. وهذه طبعا قاعده مهمه لمن يدرس علم التفسير، وفيها إثراء للتفسير، وفيها تقليب الكلام على كل المعاني الصحيحة.

قال تعالى بعد ذلك: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: 5]. هذا الإنسان أيحسب أن يقدر عليه أحد؟ فينكر الله عليه طغيانه وافتخاره بإنفاق الأموال على شهوات نفسه ظناً أنه لا يقدر أحد عليه، يقول: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ [البلد: 6]، كثيراً بعضه فوق بعض. يظن كما قال قتادة إنه لن يسأل عن هذا المال؛ من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ أي طبعا الآية تنطبق على كل من يدخل فيها ممن يحمل ذات المعنى، يقول الإنسان: أنفقت مالاً كثيراً بعضه على بعض مجتمعا. وإذا كان في عداوة الإسلام والدين الإنسان الكافر المعادي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفطار: 36]، فاذا انفقت ما يعني يقول أهلكت مالاً لبدا، قد يكون في حرب الدين وقد يكون في شهوات نفس، لكن ما هو المقصود عند من يقول ذلك: أهلكت مالاً لبدا لا أحد يحاسبني عليه.

أيحسب أن الله لا يقدر عليه؟ الله غالب عليه. إذاً أيحسب؛ استفهام لكن مقصود التوبيخ والانكار والتخطي. هلاك أهلكت كان المنفق ما انتفع بذلك، إما في حرب الدين فيكون وبالاً عليه شديداً عظيماً، وإما أنفقه في أهوائه وشهواته فسيعود وبال ذلك عليه أيضاً بالندم والخسار، لا كمن أنفق ماله في مرضاة الله وسبل الخير فيكون تاجر مع الله، فهذا سيربح أضاعفاً مضاعفة.

ثم قال تعالى متوعداً هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات أو في حرب الدين: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّم يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: 7]، لم يره في انفاقه الباطل في الباطل، بل قد راه الله وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، وسوف يجازيه. سبحان الله، أي موعظة هذه التي تقول للمرء قف، وللزاني عف، وللسارق كف، ولكل معتد وعاص خف ثم خف؟ أما تستشعر نظر من لا يخفى عليه شيء جل أو لطف؟

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر أنفسنا، وأن يجعل ما آتانا عوناً على طاعته، ونساله أن يجعل عملنا في رضاه، إنه سميع مجيب. نتابع إن شاء الله تفسير هذه السورة في الدرس القادم بمشيئة الله تعالى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.