بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، والصلاة والسلام على محمد النبي وعلى آله والأصحاب. أيها الإخوة والأخوات الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله، وهذا هو الدرس العشرون من سلسلة محاضرات مادة التفسير.
وقد سبق البدء في تفسير سورة البلد، وقلنا إنها سورة مكية إجماعاً. ومن مقاصدها: تشريف مكة بالقسم بها، ومقابلة الله عليه وسلم فيها، وبيان المنة على الإنسان بالنعم المختلفة، وذم المشركين وبيان إنكارهم للبعث، ومدح المؤمنين بصبرهم على البلاء ورحمة بعضهم بعضاً.
وقد أقسم الله تعالى في مطلع السورة بمكة فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾؛ يعني: حلال بهذا البلد، والحلال ضد الإحرام، وأن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بشرى بهذه الآية المكية أنه سيفتح مكة وأنها ستكون حلالاً له، وقد حصل ذلك عام الفتح، وحرمتها بقيت إلى قيام الساعة.
وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾؛ قيل هو آدم وذريته، والراجح أنه عام في كل والد وكل مولود. وجواب القسم هو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، فأقسم الله أن الإنسان في شدة ومشقة منذ ولادته إلى وفاته يكابد ويقاسي الشدائد في الدنيا، وهو أيضاً مخلوق في أحسن تقويم سوياً مستقيماً.
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾؛ إنكار من الله على الإنسان في طغيانه وافتخاره بما أنفق من الأموال على شهواته، فظن أن لن يقدر عليه أحد يأخذ ماله. ثم قال تعالى متوعداً هذا الذي يفتخر بما أفق في الشهوات: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّم يَرَهُ أَحَدٌ﴾؛ أي أيحسب في فعله هذا وإنفاقه ماله في الباطل أن الله لم يره وانه لا أحد يحاسبه ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ بل قد راه الله وحفظ أعماله ووكل به الكرام الكاتبين لكل ما عمله من خير وشر.
هذا ملخص ما تقدم. نتابع الآن تفسير بقية الآيات: يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. فبعد أن انكر على هذا الانسان الطاغي افتخاره بما أنفق من الأموال في أهوائه، قال: ألم نجعل له عينين يبصر بهما، ولساناً ينطق به ويعبر عما في نفسه، وشفتين يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام وجمال لوجهه وفمه وحماية؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
السياق إذاً الآن سياق تعديد نعم في مقابل كفران وطغيان، فكانه يذكر هذا العبد السادر في غيه، المنفق لأموال في شهواته، الظان بأنه لا أحد يحاسبه، يذكر بنعمه عليه: ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين؟ فكان ينبغي عليه أن يشكرنا على ذلك، لا أن يبارزنا بالمعاصي، وينفق ما رزقناه من الأموال في مخالفة أمر الله، أو محاربة دين الله، أو التمرد على شرع الله، أو الولوغ في المحرمات.
هؤلاء الناس الذين يسافرون وينفقون أموالهم في المحرمات -وحتى في الحضر ينفقون في المحرمات؛ على حفلات، على علاقات محرمة، على شراء مشروبات محرمة، على ميسر وقمار، أشياء محرمة ينفقون فيها الأموال، وبعضهم أسوأ من ذلك ليصدوا عن سبيل الله- فالله عز وجل يذكر هذا الإنسان الطاغي: ألم نجعل له عينين؟ يذكره بنعمه المتظاهرة ويرهبها، وأن الواجب عليه كان شكر هذه النعم.
قرأ الفضيل بن عياض رحمه الله ليلة هذه الآية فبكى، فسئل عن بكائه فقال: هل بدت ليلة شاكراً لله أن جعل لك عينين تبصر بهما؟ هل بدت ليلة شاكراً لله أن جعل لك لساناً تنطق به؟ وجعل يعدد النعم.
وجاء رجل إلى يونس بن عبيد الإمام الكبير يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرّك ببصرك هذا الذي تبصر به مئة ألف درهم؟ -يعني يؤخذ منك بـ مئة ألف؟- قال الرجل: لا. قال: فبيدك مئة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبرجليك؟ قال الرجل: لا. فذكره نعم الله عليه، ثم قال يونس: أرى عندك ما بين مئات آلاف -يعني مئين الألوف- وأنت تشكو الحاجة!
وقال بكر بن عبد الله المزني: يا ابن آدم، إن اردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك؛ يعني غمض عينيك حتى تتذكر وتتذكر نعمة البصر، لو كنت مغمض عينيك وتفكر لو كنت طول الوقت هكذا!
فعدد الله في هذه الآيات على الإنسان نعمه فقال: ألم نجعل له عينين يبصر بهما، ولساناً ينطق به، وشفتين يستر بهما ثغره؟ فعملنا ذلك ونحن نقدر على أن نبعثه ونحصده، فعملنا ذلك فينبغي أن يقابلنا بالشكر. ألم نجعل له عينين؟ الاستفهام هنا تقريري؛ يعني قد جعلنا له. ويجوز أن يكون إنكاراً؛ يعني: ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين، فلماذا يبارز بالمعاصي؟ لماذا لا يشكر النعم؟ فكان قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ تعليل للانكار والتوبيخ في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ أو قول الله: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّم يَرَهُ أَحَدٌ﴾، يعني: هل هو غافل عن قدرة الله الذي وهب هذه الأشياء؛ العينين واللسان والشفتين وهديناه النجدين؟ أليس الذي أعطاه هذه قادرًا على أن يعيد وعلى أن يبعثه؟ فلماذا ينكر البعث؟ لماذا يكذب بالأخرة؟ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
فإذاً ربنا في هذه الآيات يعدد النعم، ويذكر بحقه، ويذكر بقدرته على البعث. فإن قيل: لم جمع بين اللسان والشفتين ولم يقتصر على اللسان وحده كما اقتصر على العين؟ الجواب بعد قليل إن شاء الله.
في عالم سريع التغير هائل التأثير، تتعاظم أهمية دور الوالدين في تربية الأبناء وتنشئتهم النشأة الصالحة المبنيه على الرقابة الذاتية. فهو عالم خطير متنوع بأدواته التكنولوجية، وبما ينتجه من قيم وأفكار وملهيات، تمارس دوراً ملاحظاً وملموساً في تكوين وتشكيل عقول أبنائنا ونفوسهم. وقد أكد الإسلام دور الوالدين العظيم وجعله مسؤولية مشتركة بينهما وعبادة يحاسبان عليها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
وما دامت تربية الاولاد عبادة، فكل ما يبذله الوالدان لينجحا في القيام بهذا الدور من جهد ووقت وصبر وبحث وتعلم لأبرز الوسائل وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، كل هذا يحسب في ميزان حسناتهما. كما أن كل تقصير أو إهمال قد يؤدي إلى انحرافات يكون أول من يعاني آثارها الوالدين في الدنيا، فضلاً عن حساب الآخرة.
ومهما تنوعت أساليب التربية وتطورت وتعددت مهاراتها، تبقى أقرب طرق إلى النجاح والقبول والسلامة في التعامل مع الابناء هي الاحترام، والحوار المقنع الهادئ، المبني على تفهم واضح ومحبه صادقة تراعي احتياجاتهم وطبيعتهم العمرية والعقلية، مع الدعاء الدائم بالتوفيق والسداد وصلاح النفس والنية والذرية، ليستمر اجتماع الأسرة في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِم ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21].
الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات مرة أخرى، ونحن مع سؤال: لما جمع بين اللسان والشفتين ولم يقتصر على اللسان وحده كما اقتصر على العين؟ فالجواب أن الاقتصار على العينين لأنها أنفع المشاعر، ولان الله تعالى أنكر عليه ظنه أن لم يره أحد، إذاً: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّم يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾؛ كان هناك ارتباط بين هذه وهذه.
لكن ذكر الشفتين مع اللسان لأن الإبانة والحروف لا تحصل إلا بهما معا؛ فلا ينطق اللسان بدون الشفتين، ولا تنطق الشفتان بدون اللسان، في أحرف ما يمكن تظهر بدون الشفتين، مثلاً: الباء، الميم، وحركة اللسان أيضاً لا بد منها الحروف، فالبيان لا يتم إلا بهما، وكذلك تناول الطعام.
وما شابه من دقائق القرآن أنه لم يقتصر على اللسان ولا على الشفتين، خلاف عادة كلام العرب أن يقتصروا عليه ويقولون: ينطق بلسان فصيح، وأحياناً يقولون: لم ينطق ببنت شفه أو لم ينبس ببنت شفه؛ يعني لم يتكلم بكلمة. فكمال التصوير القراني لخلق آلة النطق بذكر اللسان والشفتين.
إذاً أنعم الله تعالى على الإنسان بالعينين واللسان والشفتين لوظائف وللجمال، فواس هذه إذاً ليست فقط للوظيفة -يعني العين تبصر، واللسان ينطق، أو الشفتين أيضاً فيهما جمال، الشفتان، العينان، الأنف- فهذه من نعم الدنيا.
لما عدد نعماً في البدن، عدد أيضاً ذكر نعم الدين: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾؛ نعم الدين؛ يعني طريقي الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلال، بينا له ذلك وفرقنا له بين الرشد والغي.
والنجد: الأرض المرتفعة ارتفاعاً دون الجبل. فكان الله لما هدى الإنسان إلى طريقي الخير والشر، وأظهر له الدلائل على ذلك فظهرت أمامه، جعلت كالطريق المرتفعة العاليه -يعني لو قال واحد ما فائدة قوله النجدين؟ لماذا مثلاً ما قال السبيلين؟ الطريقين؟ وهديناه النجدين؟- فيقال: النجد في اللغة الموضع المرتفع، فلما بينه تعالى بياناً عظيماً، صار كالشيء المرتفع الذي تبصره العين بوضوح من البيان، صار من البيان والهداية هديناه صار كالنجد المرتفع العالي الواضح كوضوح الطريق العالي للابصار.
وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 2-3]، وقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: 18-20]. وهناك ملاحظة لطيفة ذكرها بعضهم في التعبير بالنجدين: أن النجد هو المكان المرتفع، والمكان المرتفع فيه نوع صعوبة في صعوده والارتقاء عليه، فهذه مناسبة لجُو السورة الذي فيه ذكر أي المكابدة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ومشقة، وهذا سيكون أنسب مما لو قال السبيلين أو في الأرض السهلة، وإنما قال النجدين. كذلك مناسب لاقتحام العقبة، فاقتحم العقبة التي ستاتي بعد ذلك، والعقبة طبعا في أيضاً اقتحامها مشقة وشدة.
إذاً المعنى الآن: سبحان الله الذي خلق للإنسان عينين ولساناً وشفتين، وجعل الإنسان بصيراً بنجدي الخير والشر، قد عرفه بهما واطلعه عليهما وبينه له لكي يختار ويسلك الطريقه السوية، طريق الخير. ومن هدى إلى هذين الطريقين وعُرف بهما، كيف يُترك سدى؟ لا يمكن. وهل النبوة والرسالة والوحي والقران إلا لتكميل هداية النجدين؟
إذا تامل الإنسان في حاله وخلقه وبيان الله له وتاهيل هذا الإنسان لاقتحام العقبة، ما أجل نعم الله على العباد! ما أعظم هذه المنن الجزيلة! ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾. فلما أنكر الله على الإنسان طغيانه وافتخاره بما أنفق من الاموال على شهوات نفسه، وانه كان ينبغي عليه ان ينفق المال في القربات والطاعات، ذكر الامثله من فك الرقاب واطعام الجوعى واليتامى والمساكين، حتى يتجاوز العقبة ويسلك طريق النجاة. فما هي العقبة؟ هذا ما سنعرفه بعد قليل إن شاء الله.
إمام عادل وخليفة زاهد، من أشهر الخلفاء الأمويين وأشبه الناس سيرة بالخلفاء الراشدين، قال عنه أنس بن مالك رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى! فمن هو؟ إنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ولد سنة إحدى وستين للهجرة بالمدينة ونشا فيها عند أخواله فتاثر بهم، حفظ القرآن وهو صغير.
في سنة سبع وثمانين للهجرة ولاه الوليد بن عبد الملك إمارة المدينه، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة إحدى وتسعين للهجرة ليصير والياً على الحجاز كلها. وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة وأعدل سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم كان لا يقطع أمراً دونهم أو من حضر منهم.
ولما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة قربه وجعله وزيراً له، وفي سنة تسعين للهجرة كتب سليمان بن عبد الملك قبل وفاته كتاباً يستخلف فيه عمر من بعده. صعد عمر المنبر بعد توليه الخلافة وقال: أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الامر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، واني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم. فأجابه الناس قائلين: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فولي أمرنا باليمن والبركة.
اجتهد رحمه الله في فترة ولايته -وكانت سنتين وخمسه أشهر وأربعة أيام- فعزل الولاة الظالمين، ورد المظالم، وانتصر للمظلومين، ونشر العدل بين المسلمين، فضلاً عن نشره للعلم وعمله بالشورى، وأمره بتدوين الحديث النبوي. في الخامس من رجب عام إحدى ومائة للهجرة توفي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.
الحمد لله، أهلاً ومرحبا بالإخوة والأخوات في درس التفسير، ونحن نعيش مع الأجواء القرآنية في قوله تعالى لهذا الإنسان الذي من الله عليه بما من، وبين له ما بين: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾؛ هلا أنفق ماله فيما ينجو به ويجوز العقبة، من فك الرقاب وإطعام الجوعى، فيكون ذلك خيراً له من إنفاقه في عداوة الدين والنبي عليه الصلاة والسلام والإنفاق في الشهوات المحرمة!
إذاً الآية للاستفهام الذي بمعنى الإنكار، تقديره: أفلا اقتحم العقبة؟ أو هل اقتحم العقبة؟ هذا معنى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أنه يتضمن معنى الاستفهام أو الحظ؛ ألا أو هل. وقيل المعنى: فلا اقتحم العقبة؛ يعني بدلا من أن يشكر نعم الله.
الدنيوية من العينين واللسان والشفتين، والدينية من بيان الهدى وتمييز طريق الخير من الشر. الذي حصل من هذا الإنسان أنه لم يقتحم العقبة ولا جاوزها، لأنه متبع لشهواته، لاهٍ بإنفاق المال في المحرمات، في أهوائه، هذا إذا قلنا لا نافية؛ فلا اقتحم العقبة، لم يحدث منه ذلك.
اقتحم؛ الاقتحام: الدخول في الأمر الشديد في معنى التكلف. وهذا ترى الجو في الآية، يعني في ارتباطات؛ لقد خلقنا الإنسان في كبد، نعم، ثم هديناه النجدين، ثم فلقتحم العقبة، الجو واحد في الشدة والصعوبة. العقبة هذه؛ أي التي اقتحامها وتجاوزها في صعوبة، يعني أين مكمن الصعوبة ولماذا كانت عقبة؟ فلا اقتحم العقبة، قالوا: هذا مثل ضربه الله لمجاهد النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، وهو الطريق الوعر في الجبل، الطريق الوعر في الجبل المسلك الصعب في الجبل. فمجاهدة النفس لفعل الأعمال الصالحة ومجاهدة النفس لترك المحرمات تحتاج إلى شدة، قوة، فيها صعوبة، فشبه تكلف الأعمال الصالحة بالقيام في الواجبات، والقيام في البرد لصلاة الفجر، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شبه تكلف الأعمال الصالحة ومجاهدة النفس في ترك المحرمات باقتحام العقبة؛ كيف تصعد في الجبل في المسلك الوعر الصعب في الجبل؟ هكذا النفس في رياضتها ومجاهدتها في ذلك شدة مشقة.
فقال الحسن رحمه الله هنا: عقبة والله شديدة، مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه من شياطين الإنس والجن. فاذا كانت لا نافية، فيكون المعنى أن هذا الإنسان الذي أنعمنا عليه لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة ولا الإطعام، ولا جاهد نفسه لأجل ذلك، وإنما أعطاه الهوى، اتبع الهوى وتمنى الأماني ولم يقم بالواجب.
وقيل: شبه عظم الذنوب وثقلها على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وأطعم وعمل صالحاً، كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها، وهي الذنوب التي تضر وتؤذيه وتثقل، فتغلب عليها بالأعمال الصالحة المكفرة للسيئات، هذا معنى آخر. وقيل أيضاً في معنى العقبة أنها جبل في جهنم، روي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن وقتادة: عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله، وقيل هي الصراط الذي يضرب على جهنم.
طبعا القول الذي سبق أنه الجبل في جهنم وأنه دون الصراط، أن هناك أيضاً عقبة دون الصراط يحتاج إلى دليل إثبات، يحتاج إلى دليل. أما القول أن العقبة هي الصراط فالدليل على وجود الصراط قائم موجود صحيح، فيكون المعنى فلا اقتحم العقبة؛ هللا عمل من الأعمال الصالحة ما يجوز به الصراط المضروب على جهنم الثابت المعروف؟ لأنه ما من أحد سيدخل الجنة إلا ويمر فوق النار، ﴿وَإِن مِّنكُم إِلَّا وارِدُها كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71-72]، يسقطون في النار والعياذ بالله. إذاً تفسير العقبة بالصراط أيضاً هذا معنى آخر وقول معتبر أيضاً.
والأقوال هذه في الطبري والنكت والعيون والبغوي وزاد المسير والقرطبي وابن كثير والسعدي والتحرير والتنوير وغيرها من كتب التفسير. هذا المعنى يشبه قول الله: ﴿وَإِن مِّنكُم إِلَّا وارِدُها كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 71].
وقول بعض المفسرين حمل العقبة على عقبة جهنم كما قلنا أي يحتاج إلى دليل، وإذا لم يوجد الدليل فيكون التفسير غير وجيه بهذا. وقال بعضهم إن بعيد لأنه لما قال: ﴿وَما أَدراكَ مَا العَقَبَةُ﴾ [البلد: 12] فسرها بفك الرقبة وبالإطعام، إنما تكون في الدنيا، إلا أن يحمل الكلام على أن المراد فهلا صير نفسه بحيث يمكنه اقتحام عقبة جهنم أو الصراط غداً؟ فالمعنى لم يأتِ في الدنيا بما يسهل عليه سلوك العقبة في الآخرة، فالآية فيها الحظ، معنى الحظ، هلا سلك الطريق الذي ينجو به؟ هلا اقتحم العقبة؟
طيب الآن الأعمال الصالحة هذه؛ فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة إلى آخره، هذه أين ذكرت فيما سبق؟ الجواب في النجدين، لأن النجدين طريق الخير وطريق الشر، فطريق الخير يشمل هذه الأعمال الصالحة. طب معنى الآن هذا الكلام أن اقتحام العقبة فيه مشقة وجهد، وأن القيام بالأعمال الصالحة وترك المحرمات ليس أمراً يعني سهلاً لا يحتاج إلى مجاهدة، لا، بل يحتاج.
أيضاً قوله تعالى: ﴿وَما أَدراكَ مَا العَقَبَةُ﴾ [البلد: 12]، أي شيء أعلمك ما هي؟ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليخبره عنها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل شيء من القرآن من قوله وما أدراك فقد أُدراه، وكل شيء من قوله وما يدريك فقد طوي عنه؛ إذاً وما يدريك لعل الساعة هذا لا يعلمه ولم يخبر عنه، وما أدراك ما هي، وما أدراك ما العقبة، وما أدراك ما يوم الدين، هذه بينت له وذكرت، وما أدراك ما الحق، وما أدراك ما يوم الفصل، لكن وما يدريك لعل الساعة قريب، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبة ما بين له متى الساعة.
الاستفهام؛ فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة، الاستفهام هذا في تنويه بشأن اقتحام العقبة وبيان يعني عظمه هذا الموضوع وما أدراك هذا أسلوب، وما أدراك ما العقبة يعني يريد أن يبين عظمة موضوع العقبة هذه، وفي تشويق السامع إلى معرفة المراد بالعقبة وما أدراك ما العقبة، وما أدراك كيفية اقتحام هذه العقبة كيف يكون.
فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما سبيل اقتحامها؟ ثم بين سبيل اقتحامها والتغلب عليها فقال: فك رقبة. إذاً من نجا منها وما أدراك ما العقبة، من النجاة منها؟ قال: فك رقبة. والتقدير؛ تقدير الكلام: اقتحام العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة. ما هو فك الرقبة؟ إعتاق وإطلاقها وتخليصها من الرق والعبودية، أو إعطاء المكاتب الذي كاتب سيده على مال يدفعه ليعتق نفسه فيعان بعطية ليعتق نفسه، وكذلك الأسير المسلم عند الكفار. ومن أعتق رقبة كانت فدائه من النار، إذاً الشرع يتشوف إلى إعتاق الرقاب، ولذلك جعل من تجاوز العقبات وجعل من سبل النجاه فك الرقاب. فالعقبة تقي من النار، فك رقبة؛ يفك رقبة العبد ليفك رقبة نفسه من النار، فك رقبة نفسه من الذنوب بالتوبة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمرضاته، وأن يجعلنا ممن اقتحم العقبة ونجا من النار وأهوال القيامة، أنه سبحانه وتعالى ييسر السبيل ويعين وينجي، وهو حسبنا ونعم الوكيل. نتابع إن شاء الله في الدرس القادم تفسير بقية الآيات. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ محمد صالح المنجد