بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله.
أما بعد، فهذا هو الدرس الخامس عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن فوائد من تفسير سورة الفاتحة، وقلنا إن هذه السورة على إيجازها قد احتوت على ما لم تحتوي عليه سورة أخرى من سور القرآن؛ فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
أما توحيد الربوبية ففي قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأما توحيد الألوهية وهو إفراد الله تعالى ففي قوله عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وأيضاً في معنى لفظ الجلالة الله المألوه المعبود بحق. وتوحيد الأسماء والصفات وهو إثبات صفات الكمال لله والأسماء الحسنى له من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، فقد دل على ذلك لفظة الحمد؛ فالمحب لما في اسمائه وصفاته مما يستحق الحمد عليه.
وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ لأنه لا يمكن معرفته من غير وحي ولا رسالة. وفيها الإيمان باليوم الآخر؛ يعني ما دام قلنا الإيمان بالله وأنواع التوحيد الثلاثة، وكذلك الوحي والرسالة، وأيضاً اليوم الآخر والجزاء والحساب في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والدين هو الجزاء والحساب، ويكون بالعدل. وتضمنت إثبات القدر وأن العبد فاعل خلافا لما عليه القدرية والجبرية، فعل ضمن مشيئة الله، وقوله: ﴿نَعْبُدُ وَنَسْتَعِينُ﴾ يدل على ذلك.
وتضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ لأن كل مبتدع ضال ليس على الصراط المستقيم. وتضمنت الآية الإخلاص في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وأنه لا يمكن أن يعبد بدون إعانة منه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. لخصنا عدداً من الفوائد في كل آية من هذه السورة العظيمة، وننتقل بعد هذا إلى تفسير آية الكرسي من أعظم سورة إلى أعظم آية.
تفسير آية الكرسي فضلها وفضل العمل بها: آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله تعالى، كما دل عليه حديث أبي بن كعب رضي الله عنه لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر، أتَدري أيُّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟» فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فضرب في صدره وقال: «والله ليُهنِكَ العلمَ أبا المنذر» رواه مسلم.
المعلم يثني على المتعلم وانه أصاب الحق في السؤال والاختبار الذي اختبره به، كما جاء في قصة أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سأل الشيطان الذي كان يسرق من تمزه فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية آية الكرسي. ثم غدا أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق الخبيث». والحديث هذا رواه النسائي الكبرى وابن حبان، وهو أحد الروايات التي فيها رؤية بعض الصحابة للجن.
وإذا قرات آية الكرسي قبل النوم فلا يزال على صاحبها من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، كما جاء في قصة أبي هريرة المشهورة في الصحيح عندما كان يأتيه الشيطان يحث الطعام ثم قال له: دعني أعلِمْكَ كلمات ينفعك الله بها. قال أبو هريرة: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح.
وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب» رواه البخاري. هذا الحديث في فضل هذه الآية الكريمة وعظم نفعها وشدة تأثيرها في التحرز من الشيطان والوقاية من شره، وأن من قراها عند نومه حفظ وكفي ولم يقربه شيطان حتى يصبح. هذه الآية فيها توحيد الله وتمجيده وتعظيمه وبيان تفرده بالكمال والجلال، ولذلك تحقق لمن قراها الحفظ والكفاية.
وفيها من أسماء الله الحسنى خمسة أسماء، وفيها من صفات الله ما يزيد على عشرين صفة، وقد بدئت بذكر تفرد الله بالالوهية وهذه الآية بالمناسبة آية الكرسي عشر جمل مستقلة كل جملة منها كامله وبدئت بذكر تفرد الله بالالوهية وبطلان الوهية ما سواه ثم ذكر حياه الله الكاملة التي لا يلحقها فناء ولا موت وذكر قيوميته سبحانه أي قيامه بنفسه وقيامه بتدبير امور خلقه وكذلك ذكر تنزهه عن النقائص والعيوب كالسن والنوم وبيان سعه ملكه وان جميع من في السماوات والارض عبيد له داخلون تحت قهره وسلطانه.
وأيضاً الشفاعة وأنها لا تكون إلا بإذنه، وإثبات صفة العلم له وأن علمه محيط بكل معلوم، ويعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، إلى آخر هذه الأمور. فهي آية عظيمة جليلة عميقة الدلالات، فيها معارف إيمانية شيء يتعلق بعظمة الله، وفيها اسم الله الأعظم، كما قال عليه الصلاه والسلام: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾، وفاتحة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾». والحديث رواه أبو داود والترمذي. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت».
ما هي موضوعات آية الكرسي؟ انفراد الله تعالى بالالوهية ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، ابطال طرق المشركين الذين أشركوا بالله وجعلوا معه آلهة. ومن أهم فوائدها الرد على القدرية الغلاة، والرد على الخوارج والمعتزله في الشفاعة، في مسألة الشفاعة لأنهم ينكرونها، فالآية فيها إثبات الشفاعة، وأولئك الخوارج والمعتزله ينكرون الشفاعة في اهل الكبائر. وفي الآية إثبات علو الله تعالى عز وجل، وسناتي بمشيئه الله على تفسيرها وفوائدها. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يعظمه ويعبده.
عودة إليكم بعد قليل إن شاء الله. للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، قديماً قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفرج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبه ماجد. وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على امور منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبه وقضاء الدين والتحلل ممن اساء اليهم، ألا ينسى نفقة اهله، أن يختار الرفقه الصالحه في السفر، أن يودع اهله وجيرانه وأصدقائه.
ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها. ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».
كما يستحب له السرى وهو سير المسافر آخر الليل لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وانيساً، والدعاء قريناً له وسميراً فهو مظنة الإجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: اللهم إني أسالك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها. وإن نزل منزلاً دعا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك. وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر؛ كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائرا، فإن كان نازلا في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصرا، ويجوز له الجمع. ويستحب له ألا يطيل في السفر، وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.
الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات. قلنا: آية الكرسي عشر جمل مستقلة جمعت أصولا عظيمة في الأسماء والصفات، من الإلهية وحياة الله وقيوميته وعلمه وملكه وقدرته وإرادته وأحاطته وحفظه، وكذلك علوه وعظمته، ولذلك كانت أعظم آية في كتاب الله حقيقة، وقراءتها وتدبرها أعظم في الأجر مما سواها من الآيات، ولذلك تقرا أدبار الصلوات، وتقرا قبل النوم، يعني تقرا يوميا.
الله، هذا بدء الآية بالاسم الذي هو الاسم الأعظم على الراجح، ومعناه المألوه المعبود المحبوب المعظم، ولا يستحق هذا الاسم غيره. ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 255]، يعني لا معبود بحق إلا هو. الحي ذو الحياة الكاملة، لم يزل ولا يزال حيا، لم يسبق حياته موت ولا عدم ولا يلحقها موت ولا فناء، فهو الأول والآخر سبحانه وتعالى. القيوم القائم بذاته لا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره يحتاج إليه كل أحد، يقوم بأمور السماوات والأرض ومن فيهن وهو القائم على كل شيء.
والحي القيوم اسمان من اسمائه تعالى جامعان لكمال الأوصاف والأفعال، فكمال الأوصاف في الحي؛ لأن معناه الحياة الكاملة، و(ال) تفيد الاستغراق، وكمال الأفعال في قوله القيوم. وكمال حياته من حيث الوجود وأنها أزلية، لم يزل ولا يزال حيا، والأوصاف كاملة؛ علمه كامل، قدرته كامله، سمعه كامل، بصره كامل، وسائر صفاته سبحانه.
الحي القيوم اسمان كريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى بدلالة المطابقة والتضمن واللزوم؛ فمن له الحياة الكاملة المستلزم لجميع صفات الذات كالسمع والبصر والعلم والقدرة ونحو ذلك، والقيوم الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين. يعني مثلا قائم بنفسه هذا يتضمن صفة الكلام مثلا، والقيام بغيره يتضمن أنه يخلق ويرزق يحيي وهكذا من سائر أنواع التدبير. ولذلك قال بعض المحققين: إن الحي القيوم هو اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، من تمام حياته وقيوميته أنه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، لا تعتريه سنة، وهي النعاس وهو مقدمة النوم، والنوم وهو الموتة الصغرى، نقص لا يليق بالله. في حق الله؛ لأن النائم يغيب عما حوله، ولا يغيب عن الله شيء، والنوم غفلة والله لا يغفل عن شيء سبحانه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» رواه مسلم.
ولا تأخذه سنة، السنة النعاس، الإنسان لو كان راعيا شيئا فنعس قد يفسد ينكسر يتحطم يسرق، الله لا تأخذه سنة ولا نوم. من عقيدتنا عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله عز وجل وصفات الله سبحانه توقيفية، يعني لا نستطيع أن نتوصل إليها إلا بالوحي، ولا نثبت لله من الأسماء والصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته. فنثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم، ونجري نصوص الصفات على ظاهرها، فنثبت الصفات من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، كما قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فجمع الله بين نفي المثل أو التمثيل واثبات أنه سميع بصير، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنه لا يجوز للخلق أن ينفوا عن الله سمعه وبصره بدعوة مشابهة المخلوقين في إسماعهم وأبصارهم، فإن سمع الله وبصر الله يليقان بجلاله وكماله، وأسماع المخلوقين وأبصارنا سبح حالهم وفنائهم وضعفهم وكبرهم، ولذلك لا تشابه بين صفات الله وصفات المخلوقين. وإذا أثبت لله السمع والبصر كما يليق بجلاله وعظمته فتثبت له كل الصفات؛ الوجه، الكف، المجيء، الاستواء، وهكذا.
ولذلك نتعلم من آية الكرسي أنه يجب الوقوف على ما جاء في الكتاب والسنة بشأن الله تعالى، لا نزيد ولا ننقص، ونعلم بأن العقل لا يمكن أن يحيط بالله ولا أن يعرف أسماءه وصفاته دون خبر منه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 36]. ولذلك عندما يخبرنا بأنه عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر فاننا نؤمن بذلك، هذه أسماؤه، من الذي يحق أن يسميه؟ هو يسمي نفسه، لسنا نحن نخترع له اسماء ولا نستطيع أن نستنتجها بدون خبر منه ووحي.
ونثبت له من الصفات الحياة والعلم والسمع والبصر والمغفرة والقدرة والعزة والقوة والرحمة والرضا والمحبه والغضب والكلام واليئة والارادة والبطش، يعني صفات الذات الوجه العينان اليدان، وصفات الأفعال النزول المجيء الاستواء، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه؛ نفي الموت، نفي النوم، نفي السنة، نفي النسيان، نفي العجز، نفي التعب ﴿وَمَا مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]، نفي الظلم، نفي الغفلة، نفي المثيل والكف والشبيه، ما نفاه عن نفسه ننفه عنه سبحانه.
ومن القواعد أننا إذا نفينا عنه ما نَفاه عن نفسه فإننا نثبت له كمال الضد، يعني ليس مجرد نفي، مجرد النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، النفي عدم والعدم ليس بشيء، لكن في المقابل نثبت حياته، ننفي الموت نثبت الحياة، ننفي السنة والغفلة نثبت القيوم، ننفي الظلم نثبت العدل، وهكذا.
وقوله سبحانه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 255] ملكا وخلقا يتصرف فيه كما يشاء، فالجميع عبيده وكل شيء تحت ملكه وقهره وسلطانه. ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: 93-95]، نسأل الله أن يجعلنا ممن يقدره حق قدره وألا نكون ممن قال فيهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]. ونعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.
لقد شرع الله الدين للناس رجالا ونساء ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاه والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانا رفيعا بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين، ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت عبد الملك وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتبارا واحتراما لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعتترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.
فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسرا وأفرادا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال». إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به.
إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم؛ لأنه يعود عليه بالحزن والخوف وربما ظن أن ذلك لاحتقان.
لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما لآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه أي ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه لأن العلة موجودة.
فإذا كان الحديث دائرا بين اثنين بداية ثم أتى ثالث واراد أن يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا باذنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما». واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحا بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، والثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه وإلا حرم.
فتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه، فإنه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى أيها الأخوه والأخوات. نحن الآن في تفسير آية الكرسي في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]. القيوم، ما هي قيوميته سبحانه؟ صفة القيوم ومن اسمائه القيوم، كامل القيومية له معنيان: المعنى الأول الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته، والثاني الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات؛ لأنه الذي أوجدها وأمد وأعدها وهيأ وسخر لها ما تفتقر إليه من كل وجه في إيجادها، مفتقر في حياتها، مفتقر في رزقها، مفتقر في النعم التي تأتيها، مفتقر في علمها تعلمها، وهكذا. قال قتادة: القيوم القائم على خلقه بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيام وفي رواية قيم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن». الحديث رواه البخاري ومسلم. فالله عز وجل قائم دائم بلا زوال، قام بنفسه ما احتاج إلى أحد، قام كل شيء به فكل ما سواه محتاج إليه. هذا ومن أوصافه القيوم، والقيوم في أوصافه أمران: أحدهما القيوم قام بنفسه، والكون قام به، فهما الأمران فالأول استغناؤه عن غيره والفقر من كل إليه، والثاني والوصف بالقيوم ذو شأن كذا موصوفه أيضا عظيم الشان.
سبحان الله لو يدرك الملاحدة هذا المعنى، يعني من أوجدهم؟ من جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة؟ من يرزقهم ومن يقبض أرواحهم ويميت؟ الحي القيوم اسمان يتضمنان صفات الكمال، وذكر ابن القيم رحمه الله أن عليهما مدار الأسماء الحسنى كلها وترجع معانيه إليهما؛ الحي القيوم، لأن الحياة مستلزم لجميع صفات الكمال ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، والله منزه عن ذلك، له الحياة الكاملة. الحي الحياة الكاملة فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة استلزم إثبات كل صفات الكمال له لكمال حياته، والقيوم متضمن كمال غناه وكمال قدرته وهو المقيم لغيره فلا قيام لغيره إلا به وبإقامته لهذا الغير.
ولذلك سؤال الله باسمه الحي القيوم، هذه يرجى أن يكون فيها إصابة الاسم الأعظم. وقد جاء في الحديث: اسم الله الأعظم في سور من القرآن، في سورة البقرة وآل عمران وطه، قال القاسم: فالتمس الحي القيوم. والحديث عند ابن ماجه والحاكم. وقال ابن القيم رحمه الله: قال لي يوما يعني شيخه ابن تيمية: لهذين الاسمين وهما الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلي بأنهما الاسم الأعظم.
فالله تعالى بقيوميته يدبر أمر خلقه، قال تعالى: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]. يدبر أمر العالم العلوي والسفلي في السماوات والأرض، ويخلق ويرزق ويغني ويفقر ويعز ويذل ويخفض ويرفع، يقيل العثرات، يفرج الكروبات، ينفذ أقدار، يرسل ملائكته، ويحصي أعمال العباد ويسجلها عليهم ليحاسبهم بها إذا رجعوا إليه. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: 33].
إذاً من معاني القيومية أنه حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعملون من خير أو شر لا تخفى عليه خافيه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61]. فمن عرف الله بقيوميته وأنه القائم على كل نفس بما كسبت خافه واتقاه وعمل حسابا لذلك اليوم. قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّهْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41].
والله تعالى بقيوميته يحفظ عباده ويراهم كما قال: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11]. يعني انظروا أيها الإخوة والأخوات إلى الارتباط، الارتباط بين الأسماء والافعال المذكورة في الآيات والأحاديث، هذا فقه معرفة الارتباطات وهذا يؤدي إلى هذا وهذا يتضمن هذا، هذا فقه مهم إدراكه مهم علم. إذاً ما هي العلاقة بين القيوم وبين له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه؟ واضحة. قال ابن عباس: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدره خلوا عنه.
والله تعالى بقيوميته يرعى الجنين في بطن أمه، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8]. والله تعالى بقيوميته يرعى البذرة في باطن الأرض: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 5-7].
والله تعالى بقيوميته يرزق العباد والدواب الانس والجن والحيوانات والطيور والاسماك والمخلوقات وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها. الله تعالى قيوم لا غفلة ولا نوم تصيبه سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]. وفي الحديث: «أن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام». رواه مسلم.
كيف ينام وهو يدبر الخلق ويمسك السماء أن تقع على الأرض؟ العالم يسير بنظام لو كان فيه آلهة إلا الله لفسدت وضربت الأشياء في بعض، وما استوت حركة كوكب ولا انتظم ليل ولا نهار ولا قوانين الطبيعة التي خلقها الله هذه سبحانه، كل هذا ضمن قيوميته عز وجل. معاني القيوم، فنسأل الله الحي القيوم برحمته أن يصلح شأننا كله، وأن ييسر أمورنا، وأن يرزقنا تدبر كتابه والعمل به، إنه سميع عليم جواد كريم. نعود إليكم إن شاء الله في الحلقة القادمة لإتمام تفسير هذه الآية العظيمة، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
زاد زاد أكاديمية. ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا، أكاديمية للعلم كالنخلة في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد