بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فهذا هو الدرس الثامن في سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.
وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن بعض كتب التفسير التي لا يطلع عليها في العادة إلا المختصون، وليس المبتدئون في طلب العلم؛ وذلك لاحتوائها على مخالفات خاصة في العقيدة. ذكرنا منها تفسير الثعلبي المسمى الكشف والبيان عن تفسير القرآن، وبينا بعض ما فيه من مخالفات، وأبرزها الإكثار من ذكر الإسرائيليات دون تعقيب، مع ذكره لقصص إسرائيلية غريبة، وأيضاً الاغترار بالأحاديث الموضوعة في فضائل السور سورة سورة، وكذلك الاغترار ببعض الأحاديث الموضوعة من قبل أهل البدعة كالرافضة دون الإشارة إلى كونها مكذوبة.
تكلمنا بعدها عن تفسير روح المعاني لشهاب الدين الآلوسي رحمه الله، قلنا إنه موسوعة كبيرة في التفسير، لكن يعيبه أنه أورد أشياء تتعلق بالتفسير الإشاري الصوفي التفسير الباطني، والميل إلى مذهب الأشاعرة في الصفات.
في هذا الدرس نتكلم بإذن الله عن مناهج وطرق المفسرين. تكاد تنحصر مناهج المفسرين بعد الاستقراء في منهجين: الأول التفسير بالمأثور، والثاني التفسير بالرأي.
أما التفسير بالمأثور؛ فإن المأثور لغة مأخوذ من الأثر وهو بقية الشيء، والأثر مصدر قولك: أثرت الحديث إذا نقلته عن غيرك ورويته، ومن هنا قيل حديث مأثور، أي يخبر الناس به بعضهم بعضاً، وينقله خلف عن سلف. واصطلاحاً: ما جاء في القرآن الكريم نفسه، أو ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه رضي الله عنهم، من بيان مراد الله تعالى من كتابه.
فالتفسير بالمأثور إذاً معناه: أن يورد المفسر في تفسير الآية ما كان من القرآن في تفسيرها، أو من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة والتابعين، مع الجمع بين الأقوال أحياناً وبيان الغريب؛ يعني الكلمات الصعبة.
وله أربعة أقسام، وهي على سبيل الإجمال: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير الصحابة، وتفسير التابعين، وقد سبق تفصيلها.
والتفسير بالمأثور أفضل أنواع التفسير وأحسن طرق التفسير، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره لما قال: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، وما اختُصر في مكان فقد بُسِط في موضع آخر. فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضحة له.
فما ثبت في القرآن نفسه فأمر واضح، فهو كلام الله، والله أعلم بمراد نفسه من غيره، ويدخل في هذا تفسير العام بالخاص، والمطلق بالمقيد، والمجمل بالمبين، وتفسير ما جاء موجزاً بما جاء موسعاً مبسوطاً، وتفسير إشكالات معينة ونحو ذلك.
ومثل هذا يقال في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عليه الصلاة والسلام المكلف بالبيان والشرح للقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. ولذا كانت العناية بهذا النوع من التفسير مبكرة، فكان أول علوم القرآن تدويناً، وكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول في هذا. ولذلك نجد في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من دواوين السنة المطهرة أبواباً خاصة بالتفسير جمع فيها أصحاب تلك المصنفات ما صح عندهم من التفسير بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويكفي أن نعلم أنه لابد لمن أراد أن يفسر بالرأي المحمود الصحيح المسموح به شرعاً أن يطلع أولاً على أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، ونحوها من العلوم اللازمة. وهذه كلها لا تؤخذ إلا بالنقل الصحيح عن التفسير بالمأثور بل هي نابعة منه.
ويأتي بعد هذين المصدرين؛ يعني بعد تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة، يأتينا المصدر الثالث وهو تفسير الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والتي اشتملت على تفاسير كثيرة كانت الحاجة قد اشتدت إليها في زمانهم لأسباب؛ منها: اتساع رقعة الإسلام، واختلاط العرب بغيرهم مما أدى إلى دخول ثقافات وافدة على المسلمين، وطبعاً أخطرها ثقافات أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأيضاً فلسفة الشرق المتمثلة بالمجوس وغيرهم، ودخول أناس جدد من غير العرب في الدين الحنيف، ونشوء جيل من أبناء الصحابة فمن بعدهم لم يعايشوا الوحي ولم يشهدوا وقائع التنزيل، فكان البيان لهؤلاء مهماً.
فمثل هذه الأسباب جعلت الحاجة ماسة إلى الرجوع إلى الصحابة رضي الله عنهم لمعرفة الحق من الباطل والتمييز الصحيح من غيره، وما كان حتى لا يخفى على الصحابة، لكن هم قدروا أنه لابد أن يشرح لمن بعده.
ومن المهم التنبيه على أن التفسير بالمأثور ليس محض نقل، فالمفسر إذا فسر القرآن بالقرآن مثلاً فلا يمكنه ذلك دون تأمل دقيق وفكر ثاقب وإلا ممكن يفسر آية باية ولا علاقة لها بها، فإذاً سواء كان الموضوع تفسير آية باية، أو من باب تفسير العام بالخاص، قد تكون لك آية عامة وآية خاصة يفسر تلك بها؛ مثلاً عتق رقبة يمكن أن تفسر في آية أخرى عتق رقبة مؤمنة ونحو ذلك، مثلاً تفسير المطلق بالمقيد كله يتوقف على تروي وتأمل، وإلا فلن يأتي المفسر الحق باية لا علاقة لها بالآية الأخرى ويفسرها بها. والتفسير بالسنة يحتاج أيضاً إلى تمييز الصحيح من الضعيف، وتمحيص الروايات، والموازنة والترجيح. نسأل الله تعالى أن يفقهنا في كتابه، وأن يرزقنا العلم بما فيه.
للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديماً قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد، تفرج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد.
وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور؛ منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، ليختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه، ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها.
ويبتدأ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثوماً ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوي عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».
كما يستحب له السرى، وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وانيساً، والدعاء قريناً له وسميراً، فهو مظنة الإجابة.
وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها. وإن نزل منزلاً دعا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائراً، فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصرا، ويجوز له الجمع.
ويستحب له ألا يطيل في السفر، وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.
تعويذ الآباء والأمهات أولادهم والاهتمام بذلك من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين، ويقول: «إن أباكما»، أي إراهيم عليه السلام، «كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة»، أي ذوات السموم.
ومن كل عين لامة؛ أي العين التي تصيب بسوء، أو كل داء وآفة. رواه البخاري. العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقرباً إلى الله تعالى، وشكراً على إنعامه بنعمة الولد.
وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية بالضأن والمعز؛ فالضأن أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر. ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، والتقى فيها من العيوب ما يتقى في الأضحية؛ العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة.
ووقف ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود، فلا تصح عقيقة قط قبله، وتستحب العقيقة في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين، ويوم الولادة يحسب من السبعة، ولا تحسب الليلة إن ولد ليلاً، بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه». والعقيقة يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد، فكيف ما فعل فجائز، ويجوز أن يخرج اللحم نبيذاً أو مطبوخاً والطبخ أفضل، فهو زيادة في الإحسان وشكر النعمة.
الحمد لله، مرحباً بكم مرة أخرى. ما هو الاختلاف الوارد في التفسير بالمأثور؟ بعد ما عرفنا ما معنى التفسير بالمأثور نريد أن نعرف لماذا يقع هناك اختلاف في التفسير المأثور؟
هذا يا إخواني وأخواتي على ثلاثة أقسام: أولاً، اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوۡا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]. قال ابن عباس: قضى يعني أمر. قال مجاهد: قضى يعني وصى. قال الربيع بن انس: قضى يعني أوجب. وهذه التفسيرات -أيها الإخوة والأخوات- النظر إليها النظر فيها يعلم بأن معناها واحد أو متقارب، فلا تأثير لها في الحقيقة، الاختلاف بينها لا تأثير له في الحقيقة، لا تأثير له يعني في معنى الآية لأنه بمعنى واحد متقارب ولا يضر.
النوع الثاني -يعني- من الاختلاف في التفسير المأثور: اختلاف في اللفظ والمعنى والآية تحتملهما، يعني تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما، فتحمل الآية عليهما وتفسر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل لما تعنيه الآية لا الحصر، كل قول ذكر على سبيل المثال لا الحصر، ذكر على سبيل التنويع. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 175-176]. جاء عن ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل. جاء عن ابن عباس: هو رجل من أهل اليمن. وقيل: رجل من أهل البلقاء. طيب، هل هذا الاختلاف المشكلة يضر ورطة؟ كل هذه الأقوال يمكن الجمع بينها، أن تحمل الآية عليها جميعاً، بل أن تحتمل كل مثال لهذا حصل إلى قيام الساعة، والأقوال الواردة في أماكن هؤلاء الثلاثة الذين نزلت الآية بشأنهم أو وردت فيهم، يمكن أن تحمل الآية عليهم جميعاً من غير تضاد، ويكون ذكر كل واحد منهم على وجه التمثيل، كل قول مثال للاية.
طيب، نموذج آخر، قال تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: 34]. قال ابن عباس: دهاقاً مملوءة. قال مجاهد: دهاقاً متتابعة. قال عكرمة: دهاقاً صافية. لكن في الحقيقة لا تضارب، الآية تحتمل كل هذه الأقوال، فتحمل عليها جميعاً، ويكون كل قول لنوع من المعنى، وما المانع أن تكون الكأس مملوءة متتابعة صافية؟ فهذا لا يشكل بعضه على بعض.
القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى والآية لا تحتمل المعنيين أو المعاني جميعاً، لماذا؟ لتضاد بينها، فماذا نفعل في هذه الحالة؟ الجواب: لابد من الترجيح. ما دام لا يمكن الحمل عليها جميعاً، سنتأكد أولاً بما أن التفسير بالمأثور هل الرواية صحيحة؟ يعني لما ورد معنا في رواية ومعنى في رواية ومعنى في رواية، هل الروايات صحيحة؟ فإذا كان هناك روايات ضعيفة، الحمد لله، سنرجح الرواية الصحيحة. طيب، وإذا كانت كلها صحيحة سنرى ما هو الأرجح بدلالة السياق أو السباق؟ يعني مثلاً ما هو مذكور قبل هذه الآية أو الكلمة المختلف في تفسيرها؟ ما الذي قبلها؟ ما الذي بعدها؟ ما معنى الكلمة نفسها في لغة العرب؟ الشواهد الشعرية عند العرب التي وردت فيها هذه الكلمة جاءت بأي معنى؟ كل ذلك سيعيننا على الترجيح.
يعني مثلاً قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]. تفسير غير باغ ولا عاد؛ ما هو؟ قال ابن عباس: غير باغ في الميتة ولا عاد من أكله. وقيل: غير باغ يعني غير خارج على الإمام، ولا عاص -يعني غير باغ ولا عاد- ولا عاص بسفره. ولكن عند التأمل يتبين لنا أن الأرجح هو الأول، لأنه لا دليل في الآية على الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر رفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام وفي حال السفر المحرم وفي غير ذلك، فلا معنى لقصره؛ غير باغ البغي اللي هو الخروج عن الإمام، وغير عاد العدوان السفر المحرم، الآية أوسع من ذلك.
فالقول الأول في هذه الحالة أرجح، هو غير باغ لأكل الميتة ولم يتقصد ذلك دون ضرورة، ولما أكل ما أعتدى أكل أكثر من الحاجة، وإنما اقتصر على ما ألقيته، والضرورة تقدر بقدرها فاقتصر على قدر ذلك، وهذا تفسير واضح لا يرد عليه ما يرد على التفسير الآخر.
ومثال آخر قوله تعالى في المطلقة ثلاثاً أنها لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجاً غيره؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. ورد عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير في التفسير بالمأثور أن المقصود بالنكاح هنا العقد، مجرد العقد، فاذا طلقت من الثاني حتى لو ما وطئها مجرد العقد تحل للأول. القول الثاني: حتى تنكح أي طأها، ولا شك أن هذا القول الثاني هو الصحيح؛ لأنه قد دلت عليه دل عليه صريح السنة في قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك». ويكون العذر للسعيدين -رحمهما الله- أنهما لم يطلعا على الحديث.
وضرب بعضهم مثالاً آخر لهذا النوع ما لا يمكن الجمع بينهما، قولان في المأثور لا يمكن الجمع بينهما نضطر للترجيح، في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مَن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]. من المقصود بقوله الذي بيده عقدة النكاح؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو الزوج. وقال ابن عباس رضي الله عنه: هو الولي. فقال -طبعاً- لا يمكن الجمع بينهما، من الذي يعفو، الزوج أم الولي؟ طرفان.
فقال بعض أهل العلم: الراجح الأول، وهو الزوج، وذلك لما جاء عند الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ولي العقدة الزوج». وقال ابن قدامة: ولأن الذي بيده عقدة النكاح بعد العقد هو الزوج؛ فإنه هو الذي يتمكن من قطعه أو فسخه أو إمساكه، وليس إلى الوالي من ذلك شيء. ولأن الله قال: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 237]، والعفو الذي هو أقرب إلى التقوى هو عفو الزوج عن حقه، أما عفو الولي عن مال المرأة فليس هو أقرب إلى التقوى ولا يجوز له أن يتنازل أصلاً عن شيء من حقها إلا بإذنها؛ لأن المهر مال للزوجة، فلا يملك الولي الهبة أو الإسقاط فيه إلا بإذنها، وهذا طبعاً بعد العقد، أما عند العقد الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، والزوج مجرد أنه سيرضى ويوافق، لكن المسألة الآن في التنازل: ﴿إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، من هو الذي إذا تنازل فإن تنازله له التأثير هنا؟
إذا كنتم ثلاثا فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم، لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غما وحزنا. لذا حرم الإسلام التناجي، كما قال تعالى يتناجون بالإثم والعدوان.
ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله وفي معناه أي معنى التناجي: ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه، لأن العلة موجودة. فإذا كان الحديث دائرا بين اثنين في بداية ثم أتى ثالث واراد أن يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا باذنهما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما».
واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فانه يكون مباحا بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، والثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم. فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه، فانه كافيك من كل سوء وكيد. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنَ وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من إخوتهم أما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه، يقول: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وانا غلام فاتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير أكل ولدك هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذا، فاني لا أشهَد على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الابناء على إخوته وانه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والانثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الاولاد دون غيره لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. وإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الاولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به، أو اشتغاله بالعلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يغرقوا، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرأ كتابا، معاني الأذكار، أترك أثرا قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية: رياض الأصالة، زاد المنى.
تضيء الليالي وتمحو الدجى تفوح بطيب الكتاب المبين على نسمات الهدى والصفاء. سبيل الرشاد، بشير العباد، رحيق الشهاد، وقطرة لزاد الحياة وزاد التقى. فاعل خير تنير البلاد من أهل تروي أنين الجواب، إذا هزني الشوق نحو السنا قناة يزن.
الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى أيها الإخوان والأخوات. ما هي أسباب الاختلاف بين مفسري السلف؟ من أسباب الاختلاف في التفسير أولا: الاشتراك، وهو اللفظ الدال على أكثر من معنى في لغة العرب. إذا نحن الآن نجيب عن سؤال: لماذا ترد أقوال مختلفة عن السلف في تفسير لفظة في آية أو تفسير جملة في الآية أو تفسير الآية؟ لماذا أحيانا يكون السبب الاشتراك؟ هذا الاشتراك أمر لغوي.
المشترك قد يكون من أحرف التضاد وقد لا يكون، يعني كلمة واحدة تدل على معنيين مشتركة بينهما، تأتي بهذا المعنى أحيانا في اللغة وتأتي بهذا المعنى أحيانا. وقد يكون المعنيان متضادين، فقد يجوز حمل الآية على المعنيين المتضادين وسنعرف كيف، ويكون هذا بمثابة التفسيرين للآية. وقد يمتنع ولا يمكن حمل الآية على المعنيين المتضادين معا ويلزم الترجيح، لأن قولنا بأحدهما يكون نفيا للاخر.
فما هو مثال المشترك المتضاد الذي يجوز حمل الآية على معنييه المتضادين ويكون ذلك بمثابة التفسيرين للآية؟ مثال مشهور قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17]. عسعس لفظة في اللغة تأتي بمعنى أقبل، وتأتي بمعنى أدبر. فيكون القسم في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يعني إذا أقبل، أو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يعني إذا أدبر. طبعا بالقول الأول قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير، بالقول الثاني ورد أيضا عن ابن عباس وابن زيد.
السؤال هو: هل يمكن أن نحمل قول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ على الإقبال والإدبار معا؟ الجواب نعم يجوز، نقول: أقسم الله تعالى بالليل إذا أقبل، أو أقسم تعالى بالليل إذا أدبر. أقسم بهما، يجوز أن يكون المقصود المعنيين جميعا، كلاهما شيء عظيم. إقبال الليل وإدبار النهار آية عظيمة، فيجوز حمل الآية على هذين المعنيين المتضادين، وأن يكون المراد الأقسام به إذا أقبل أو الأقسام به إذا أدبر، المراد أول الليل أو آخر الليل.
ولكن من المشترك المتضاد ما لا يمكن حمل الآية على معنييه بل يلزم من القول بأحدهما نفي الآخر، مثال لفظة قُرْء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. وقد ورد في لغة العرب بمعنى الطهر، وورد القرء في لغة العرب بمعنى الحيض، وكلاهما مروي عن السلف وفي كليهما آثار باسانيد عن السلف. قال أبو عبيد من أئمة اللغة: الأقراء الحيض والأقراء الأطهار، فيقال في المرأة مقرئ إذا حاضت وإذا طهرت. قال الشافعي: القرء اسم للوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقت والطهر يجيء لوقت جاز أن تكون الأقراء حيضا وأطهارا.
لكن عند التفسير يمتنع حمل الآية على المعنيين معا، لأن القول بأحدهما يستلزم نفي الآخر. ثم المرأة الآن إذا أرادت أن تعتد ماذا تعمل؟ إذا قلنا يجوز الحمل عليهما جميعا ماذا كيف يطبق ذلك عمليا؟ تنتظر ثلاثة أطهار أو ثلاث حيض؟ إذا لا يمكن القول بهما جميعا، لأن المطلوب من المرأة شرعا إما أن تتربص في عدة الطلاق ثلاثة أطهار أو ثلاث حيض، وبكل منهما قال طائفة من العلماء. والسنة قد ترجح أن القرء الحيض، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دع الصلاة أيام أقرائك»، ومعلوم أن الصلاة لا تترك إلا أيام الحيض، فعلم أن المراد بالأقراء هنا الحيض. وهذا بحث يطول.
من أسباب الاختلاف في التفسير: أن يكون في الجملة حذف، ويحتمل في تقديره أكثر من معنى، وبكل معنى ورد أثر أو أكثر. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127]. ما هو متعلق ترغبونه؟ الأول: ترغبون في نكاحهن وهذا ورد عن عائشة رضي الله عنها، الثاني: ترغبون عن نكاحهن. القول الأول يعني الرغبة في زواجهن، الثاني غير مرغوب فيهن. مثال آخر: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]. على علم من العبد بالضلال، ولا على علم من الله عز وجل بضلال هذا العبد؟ الأول جاء عن مقاتل، الثاني ورد من قول ابن عباس.
من أسباب الاختلاف في التفسير: أن تحتمل اللفظة أكثر من تصريف في اللغة، ويحمل كل واحد من المفسرين الآية على أحد التصريفات، مثال.
قال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارّْ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282]، يضار هذه في تصريفها؛ هل هي من يضارر أو يضارر؟ الاحتمال الأول يكون النهي واقعاً على أن يضر الكاتب أو الشهيد، لا يجوز إلحاق الضرر ولا إقناع الضرر على الكاتب أو الشهيد، لا يضار لا يلحق بهما ضرر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وغيرهم.
الاحتمال الثاني؛ ولا يضارر كاتب ولا شهيد، يعني لا يجوز أن يضر هما، فيكتب الكاتب غير الحقيقة ويشهد الشاهد بغير الحقيقة، فيضرا ويوقعا الضرر بغيرهما، وهذا قول الطاووس والحسن وقتادة.
من أسباب الاختلاف في التفسير تنوع الاستعمال العربي للفظة في إرادة المعاني القريبة والمعاني البعيدة، ويحمل بعض المفسرين اللفظ على المعنى القريب الظاهر، ويحمله آخرون على المعنى البعيد، وهذا النوع قريب من المشترك.
مثال قول الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، من المفسرين من فسر الثياب بالأمر المعروف المتبادر التي تلبس، وهذا جاء عن ابن عباس وطاووس وابن سيرين وابن زيد، ومنهم من فسر الثياب بالنفس، وهذا معنى غير المتبادر جاء عن مجاهد وقتادة.
أردنا الآن فقط أن نذكر الأمثلة، وليس المقصود الآن الترجيح في ختام هذا المجلس، مجرد ذكر الأمثلة لماذا يقع الاختلاف في التفسير بالمأثور.
نسأل الله تعالى أن يععلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، وصلى الله على نبينا محمد، بالعلم كالأزهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد