تسجيل الدخول

المحاضرة 12 - تفسير آيتَي الفاتحة 4، 5

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوان والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد؛ فهذا هو الدرس الثاني عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد، وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير سورة الفاتحة.

تحدثنا عن تفسير قوله تعالى: الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم، وذكرنا أن الرب هو الخالق المالك المدبر، والعالمين جمع عالم وهو كل ما سوى الله عز وجل من الملائكة والإنس والجن والطير وغيرها. وقلنا إن تربية الله تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة؛ العامة خلقه لهم ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم، والتربية الخاصة تربية لأوليائه يربيهم بالإيمان يصنعهم على عينه، يوفقهم للخير، يكمل لهم دينهم، يدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه. وقوله تعالى: الرحمن الرحيم، كلاهما مبالغة من الرحمة، والرحمن يدل على الرحمة التي هي صفته، والرحيم على فعله المتعدي بإيصال الرحمة إلى المرحوم. ثم تكلمنا عن بعض صور رحمة الله بعباده كإصباغ النعم وحمايتهم وحفظهم وتعليمهم القرآن وقبول توبتهم ونحو ذلك.

وفي هذا الدرس نعرض لتفسير قول الله سبحانه وتعالى: مالك يوم الدين. مالك وملك؛ له الملك التام في ذلك اليوم، يوم القيامة، لا يملك أحد فيه حكما مع الله. وقد ذكر العلامة ابن كثير رحمه الله أن تخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، بأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه؛ يعني مالك يوم الدين لا يعني أنه لا يملك إلا يوم الدين، يملك يوم الدين وغيره، ويملك الدنيا والآخرة، ولكن المقصود بقوله مالك يوم الدين لا مالك في ذلك اليوم غيره سبحانه، وليس أنه لا يملك إلا يوم الدين، وهذا واضح.

وقد قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38]. هذا من ملك الله يومئذ، ما أحد يتكلم إلا بإذنه. قال عز وجل: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: 108]، فمن ملكه في ذلك اليوم أن الأصوات تخشع عنده ولا يتجرأ أحد أن يرفع صوته بشيء، لا تسمع إلا همسا ولا أحد يتكلم أصلا إلا بإذنه، يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد. قال ابن عباس: مالك يوم الدين لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما كملكه في الدنيا؛ فالآن في الدنيا هناك من يملك أشياء، صحيح ملك مؤقت لأنه سيزول، ملك ناقص لأنه ربما لا يتحكم فيه من كل وجه، ولكن في شيء اسمه ملك في الدنيا للناس، الآخرة لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما أبدا.

ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، وهو سبحانه يحاسبهم، إن شرا فشر، خيرا فخير، وإن شرا فشر إلا من عفا عنه. وقراءة: ملك يوم الدين، صحيحة متواترة؛ ملك صفة لذاته ومالك صفة لفعله. إذا، هذا الفرق بين القراءتين، فلو قال قائل: ما هو الفرق بين مالك يوم الدين وقراءة ملك يوم الدين؟ فنقول: ملك صفة لذاته ومالك صفة لفعله، وهو الملك والملك؛ الملك أخص من المالك، والملك أخص من المالك. وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة، وهي أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي؛ لأن من الخلائق من يكون ملكا لكنه ليس بمالك، وربما يكون ملكا اسميا وليس له من التدبير شيء، وقد حدث هذا في أحداث كثيرة عبر التاريخ. ومن الناس من يكون مالكا لأشياء لكنه ليس ملكا كعامة الناس؛ يملك دارا، يملك مركبا، يملك مالا، لكنه ليس ملكا. والرب عز وجل مالك ملك سبحانه.

والدين مالك يوم الدين، يوم مضاف الدين مضاف إليه؛ الدين الحساب والجزاء، الدين معناه في اللغة الجزاء، فهو مالك يوم الدين الذي يكون فيه مالك اليوم الذي يكون فيه الحساب والجزاء بالعدل والقسطاس المستقيم. العدل والقسطاس المستقيم أيها الاخوة هذا طرف مما يكون في ذلك اليوم من الأمر العظيم. وفي الآية من الفوائد إثبات الملك المطلق لله تعالى يوم القيامة، ومن ملك الزمان فقد ملك ما فيه. فان قال قائل: قوله مالك يوم الدين، أين ملكه للدنيا؟ قد عرفنا أنه ملك الآخرة، فنقول: مذكور متضمن في قوله تعالى رب العالمين؛ العالمين العوالم كلها هذه التي في الدنيا يملكها، وظهور ملكوته وملكه وسلطانه في الآخرة طبعا أوضح بكثير. والله يملك الدنيا ويملك الآخرة، لكن يوم القيامة ما يستطيع أحد أن يتصرف في شيء إلا بإذنه، الآن في الدنيا أتاح لهم المجال فهم يتصرفون طبعا بحدود، ويقهرهم بالموت ملكهم ناقص، ملكهم زائل ليس يتحكمون في كل شيء، لكن في الآخرة ما في أبدا ولا أي نوع من انواع الملك لغير الله.

وينادي الله في ذلك اليوم: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيب أحد، فيجيب نفسه بنفسه: لله الواحد القهار. إذا قبض الله الخلائق ينادي في السماوات والأراضين: لمن الملك اليوم؟ لكن كلهم ماتوا لا يجيب أحد، فيجيب نفسه بنفسه قائلا عز وجل: لله الواحد القهار. ثبت في الحديث أن حبرا من الأحبار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم! أنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والراضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تعجبا مما قال الحبر تصديقا له؛ يعني هذا اليهودي فعلا عنده علم من كتبهم بخبر صحيح ما طاله التحريف، وهو ما ذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام أقره على ذلك، ضحك تصديقا لما قاله الحبر. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطُوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]. والحديث رواه البخاري ومسلم.

الاية فيها أن من اسباب استحقاق الله للحمد ملكه التام يوم القيامة؛ لأن الله يبعث في ذلك اليوم كل العوالم حتى الطير والدواب والوحش كلها، ويكون القصاص بينها من تمام الدين والحساب والجزاء؛ لأن الدين هناك الجزاء والحساب إقامة العدل، فيقتص الشاة الجلحاء من الشاة القرناء التي نطحتها في الدنيا، وكل سبع عدا عدوان يقتص منه يوم القيامة ثم يقال لها: كوني ترابا. الآية إثبات البعث والجزاء، الآية موعظة العباد بذكر يوم القيامة؛ يعني هذه الفاتحة التي نكررها كل يوم فيها معاني عظيمة جامعة، فيها موعظة ليعمل العبد بما ينجيه في ذلك اليوم: مالك يوم الدين، تذكير للناس تذكير للنفس، خذوا حذركم واعملوا لذلك اليوم احتاطوا واستعدوا ذلك يوم جزاء وحساب يوم الدين. وفي الآية ظهور ملك الله جليا لجميع الخلائق وزوال ملك جميع المخلوقين يوم القيامة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا من كربات يوم القيامة وأن يجعلنا في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، ونسأله سبحانه أن يجعل حسابنا يسيرا وسعينا مشكورا.

لقد شرع الله الدين للناس رجالا ونساء، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانا رفيعا مشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة ابنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع.

مما أكسَبَها قِیمَةً وامتيازًا واحترامًا لا مَثيلَ لَهُ في المُجتَمعاتِ الأخرى. كَمَا اعتَرَفَ بِذَلِكَ المُنفِصُونَ مِنَ الغَربِيِّينَ وبأنَّهُم إنَّما تَعَلَّمُوا احترامَ المَرأَةِ مِن مُسلِمِي الأَندَلُسِ. يَقُولُ المُفَكِّرُ الفَرَنِسِيُّ مَارسِيل بُويزَارد: إنَّ الشُّعَرَاءَ مِنَ المُسلِمِينَ هُمُ الَّذِينَ عَلَّمُوا مَسِيحِيَّ أُورُوبَّا عَبرَ إسبانْيَا احترامَ المَرأَةِ. فَلِلمَرأَةِ عَلَى ثَغرِ الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ أَثَرٌ خَطِيرٌ. وَفِي التَّربِيَةِ عَلَى الدِّينِ والخُلُقِ دَورٌ كَبِيرٌ. وَفِي التَّعلِيمِ والدَّعوَةِ والطِّبِّ والرِّعَايَةِ سُنَّةٌ ومَسؤولِيَّاتٌ وقِيَامُ المَرأَةِ المُسلِمَةِ بِهذَا وغَيرِهِ لَهُ أَثَرُهُ الإيجَابِيُّ فِي إِصلَاحِ المُجتَمعِ كُلِّهِ أُسَرًا وأَفرَادًا. وَصَدَقَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ حِينَ قَالَ: «إنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ».

حَيَاكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الإِخوَةُ والأَخَوَاتُ وعَودَةٌ إِلَيكُم مَرَّةً أُخرى. مَا لِكِ يَومِ الدِّينِ يُذَكِّرُنَا بِاليَومِ الآخِرِ والإِيمَانِ بِهِ مِن أُصُولِ الإِيمَانِ وأَركَانِهِ السِّتَّةِ الَّتِي لَا يَتِمُّ إِيمَانُ العَبدِ إِلَّا بِهَا. كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿لَّيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177]. وَقَالَ اللَّهُ سُبحَانَهُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. وَمَن كَفَرَ بِاليَومِ الآخِرِ وأَنكَرهُ كَفَرَ بِاللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136]. سُمِّيَ بِاليَومِ الآخِرِ لِأَنَّهُ لَا يَومَ بَعدَهُ، يَبعَثُ اللَّهُ فِيهِ النَّاسَ لِدَارِ البَقَاءِ إِمَّا فِي الجَنَّةِ وإِمَّا فِي النَّارِ.

وَمِن عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ الإِيمَانُ بِالبَبعثِ والحَشرِ وإحيَاءِ اللَّهِ لِلمَوتَى عِندَمَا يَنفُخُ إِسرَافِيلُ فِي الصُّورِ النَّفخَةَ الثَّانِيَةَ بَعدَ نَفخَةِ الفَزَعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]. فَيَقُومُ النَّاسُ مِن قُبُورِهِم لِرَبِّ العَالَمِينَ مَالِكِ يَومِ الدِّينِ إلَى أَرضِ المَحشَرِ حُفَاةً بِلَا نِعَالٍ، عُرَاةً بِلَا ثِيَابٍ، غُرْلًا بِلَا خِتَانٍ، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ. فَيَجمَعُ اللَّهُ أَجسَادَ المَقبُورِينَ الَّتِي تَحَلَّلَت وَيُعِيدُهَا بِقُدرَتِهِ كَمَا كَانَت، وَيُعِيدُ أَروَاحَهَا إِلَيهَا وَيَسُوقُهُم إِلَى مَحشَرِهِم لِفَصلِ القَضَاءِ.

وَكَانَتِ المَعرَكَةُ بَينَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ومُشرِكِي العَرَبِ فِي البَعثِ مَعرَكَةً عَظِيمَةً، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا ونَسِيَ خَلقَهُ، قَالَ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 78-79]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7].

وَفِي ذَلِكَ اليَومِ الحَوضُ يَرِدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وأُمَّتُهُ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ وأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وآنِيَتُهُ أَكثَرُ مِن عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، فِيهِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنَ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ» يَعْنِي مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الحَوْضِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَاءُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ؛ تَرْدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الحَوْضُ يَصُبُّ فِي مِيزَابَانِ مِنْ نَهَرِ الكَوْثَرِ، وَنَهَرُ الكَوْثَرِ فِي الجَنَّةِ، وَالحَوْضُ فِي أَرْضِ المَحْشَرِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]. وَالحَوْضُ قَبْلَ المِيزَانِ كَمَا ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: فَإِنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ عِطَاشًا مِنْ قُبُورِهِمْ فَيَرِدُ الحَوْضَ لِلسُّقْيَا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ وَالسَّعَادَةِ وَمَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَمَّا أَهْلُ البدْعَةِ فَلَا يَرِدُونَ، وَلَا الكُفَّارُ وَلَا المُنَافِقُونَ وَلَا المُرْتَدُّونَ.

وَكَذَلِكَ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ العَظِيمِ يَوْمِ الدِّينِ المِيزَانُ، وَهُمْ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ لَهُ لِسَانٌ وَكَفَّتَانِ تُوزَنُ فِيهِ أَعْمَالُ العِبَادِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47]. وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» وَسَاقَا ابْنِ مَسْعُودٍ أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ. وَالسِّجِلَّاتُ تُوزَنُ أَيْضاً، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تُوزَنُ فِي المِيزَانِ: العَامِلُ وَالعَمَلُ وَالصَّحِيفَةُ. وَنُؤْمِنُ بِصَحَائِفِ الأَعْمَالِ الَّتِي تُوَزَّعُ يَوْمَ الدِّينِ بِاليَمِينِ أَوْ بِالشِّمَالِ وَرَاءَ الظَّهْرِ، ﴿وَكُلُّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14].

مِنْ مَوَاقِفِ ذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمِ الدِّينِ العَظِيمِ الشَّفَاعَةُ العُظْمَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً؛ فَيَشْفَعُ لِأَهْلِ المَوْقِفِ لِيَبْدَأَ حِسَابُهُمْ لِأَنَّهُ فِي غَمٍّ عَظِيمٍ، وَالشَّمْسُ قَدْ دَنَتْ مِنْ رُؤُوسِ الخَلَائِقِ، وَالنَّاسُ وَاقِفُونَ فِي العَرَقِ، فِي الزِّحَامِ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ فَيُرِيدُونَ الفِكَاكَ، الكُفَّارُ يَتَمَنَّوْنَ الفِكَاكَ وَلَوْ إِلَى النَّارِ. فِي الحَدِيثِ: «وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وَرَدَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79].

نُؤْمِنُ بِالشَّفَاعَةِ أَيْضًا فِيمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنَ المُوَحِّدِينَ لِيَخْرُجُوا مِنْهَا، وَهَذِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِغَيْرِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمَلَائِكَةِ. وَفِي الحَدِيثِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «شَفَعَتِ المَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» الحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

نُؤْمِنُ بِالصِّرَاطِ وَهُوَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ يَوْمِ الدِّينِ يَرِدُهُ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71-72]. وَوُرُودُ النَّارِ هُوَ المُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَُّ عَنْهُمَا. فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كَطَرْفِ العَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». مَكْدُوسٌ مَدْفُوعٌ مُلْقًى. فَالنَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: نَاجٍ مُسَلَّمٌ مَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ كَالْبَرْقِ كَطَرْفِ العَيْنِ كَالرِّيحِ. نَاجٍ مُسَلَّمٌ طَبْعًا المَسَافَةُ مِنَ الطَّرَفِ إِلَى الطَّرَفِ مِنْ طَرَفِ جَهَنَّمَ إِلَى طَرَفِهَا الأَخَرِ الصِّرَاطُ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ. النَّوْعُ الثَّانِي مَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ يَعْنِي سَيَنْجُو لَنْ يَقَعَ فِي النَّارِ وَلَكِنَّ سَيُصِيبُهُ مِنْهَا مَا يُصِيبُهُ وَمِنَ الكَلَالِيبِ الَّتِي تَخْطَفُ وَتَجْرَحُ وَتَخْدُشُ. الثَّالِثُ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ الَّذِي يَقَعُ مَكْدُوسًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

نُؤْمِنُ بِالقَنْطَرَةِ وَهِيَ جِسْرٌ بَعْدَ الصِّرَاطِ؛ إِذَا جَاوَزَ المُؤْمِنُونَ الصِّرَاطَ حُبِسُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ. مَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وَاحِدٌ فِيهِ شَيْءٌ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِوَاحِدٍ آخَرَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا.

نُؤْمِنُ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَنَّهُمَا مَوْجُودَتَانِ الآنَ لَا تَفْنَيَانِ، نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَقِيَنَا شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ وَأَنْ يُلْقِيَنَا نَظْرَةً وَسُرُورًا إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

وَقْفَةٌ ثُمَّ نَعُودُ إِلَيْكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ. التَّارِيخُ مَخْزَنُ العِبَرِ وَمُعَلِّمُ الأُمَمِ، فِيهِ أَخْبَارُ السَّابِقِينَ الأَوَّلِ، وَأَسْبَابُ التَّمْكِينِ وَزَوَالِ الدُّوَلِ. مَنِ اعْتَبَرَ بِدُرُوسِهِ نَجَا، وَمَنْ تَعَامَى عَنْ حَوَادِثِهِ هَوَى. وَقَدْ عَنِيَ القُرْآنُ بِذِكْرِ الكَثِيرِ مِنَ القَصَصِ وَالتَّنْوِيعِ فِي أَحْدَاثِهَا لِتَوْجِيهِ الأَنْظَارِ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِأَحْوَالِ الأُمَمِ فِي كُفْرِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَشَقَاوَتِهِمْ وَسَعَادَتِهِمْ، فَلَا شَيْءَ يَهْدِي الإِنْسَانَ كَالْمَثُولَاتِ وَالوَقَائِعِ. قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ هُنَا يَنْجَلِي لِلْعَاقِلِ أَهَمِّيَّةُ نِيَّةِ العِلْمِ بِالتَّارِيخِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ. فَإِذَا نَظَرَ الإِنْسَانُ إِلَى أَحْوَالِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ وَأَسْبَابِ قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَعِزِّهِمْ وَذُلِّهِمْ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى حُسْنِ الأُسْوَةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَسْبَابِ السَّعَادَةِ وَالتَّمْكِينِ، وَاجْتَنَابِ مَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ وَالهَلَاكِ وَالتَّدْمِيرِ. وَإِنَّ التَّحَوُّلَاتِ فِي أَحْوَالِ الأُمَمِ مِنْ رَخَاءٍ إِلَى شِدَّةٍ وَمِنْ شِدَّةٍ إِلَى رَخَاءٍ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جَرَّاءِ أَعْمَالِ العِبَادِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.

فَمِنْ فَوَائِدِ وَثَمَرَاتِ دِرَاسَةِ التَّارِيخِ الإِحَاطَةُ بِالتَّطْبِيقِ العَمَلِيِّ لِلْإِسْلَامِ وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، العِلْمُ بِأَنَّ الأُمَّةَ مُكَلَّفَةٌ بِهَدَفٍ عَظِيمٍ وَهْوَ عِمَارَةُ الأَرْضِ بِمَنْهَجِ اللَّهِ تَعَالَى، العِلْمُ بِأَعْدَاءِ الأُمَّةِ وَالعِلْمُ بِطَبِيعَةِ الصِّرَاعِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، فَهْمُ الحَاضِرِ لِأَنَّ الحَاضِرَ جُزْءٌ مِنَ المَاضِي فَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بِمَاضِيهِ لَنْ يَنْتَفِعَ بِحَاضِرِهِ، إِدْرَاكُ سُنَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الكَوْنِ وَأَنَّهَا لَا تُحَابِي أَحَدًا، قَالَ تَعَالَى:

ينظرون إلا سنة الأولين، فلا تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه». وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه. وفي سيرته أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يصطَف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. قال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه.

ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديما قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفرج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد. وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، وأن يستخير، وتسيير التوبة وقضاء الدين، والتحلل ممن أساء إليهم، وألا ينسى نفقة أهله، وأن يختار الرفقة الصالحة في السفر، وأن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه.

ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها. ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».

كما يستحب له السرى وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحبا له وانيسا، والدعاء قرينا له وسميرا، فهو مظنة إجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلا: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها. وإن نزل منزلا دعا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.

وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين وكذا الجمع إذا كان سائرا، فإن كان نازلا في مكان فالافضل الصلاة على وقتها قصرا ويجوز له الجمع. ويستحب له ألا يطيل في السفر، وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.

حياكم الله مرحبا بكم مرة أخرى. إذا عرفنا تفسير قوله تعالى مالك يوم الدين، وفي هذه الآية من الفوائد إثبات الملك المطلق لله تعالى يوم القيامة، ومن ملك الزمان فقد ملك ما فيه، وأما ملكه للدنيا فهو داخل في قوله تعالى رب العالمين، وفيه استحقاق الله تعالى للحمد لملكه التام يوم القيامة. الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، فمن أسباب الحمد أنه رحمن رحيم يملك يوم الدين، ويببعث كل العوالم في ذلك اليوم حتى الطير والدواب لإقامة العدل وتحقيق الجزاء. وفي الآية موعظة العباد بذكر يوم القيامة ليعمل العبد بما ينجيه في ذلك اليوم ويأخذ حذره ويحتاط ويستعد، وفيها ظهور ملك الله جليا لجميع الخلائق وزوال ملك جميع المخلوقين يوم القيامة.

قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. هذه الآية أيها الأخوة والأخوات لب سورة الفاتحة، فإن الصلاة بين العبد وربه مقسومة، الفاتحة: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، هذه لله. إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، هذه للعبد. إهدنا نحن نسأل، الأولى نحن نثني عليه له، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. الآية الوسطى في سورة الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نصفها له ونصفها لنا.

هذي اللب ولا عبادة إلا باستعانة، أصل الجملة في اللغة العربية تقديم الفعل ثم الفاعل ثم المفعول، يعني أصلها نعبدك. لكن لما يقدم المفعول على الفعل ويقول إياك نعبد فما فائدة هذا التقديم والتأخير؟ تقديم المفعول إياك وتأخير الفعل نعبد. الجواب: تقديم ما من شأنه التأخير يفيد الحصر. قاعدة: تقديم ما من شأنه التأخير، تقديم المفعول به الذي من شأنه التأخير عادة، تقديم ما من شأنه التأخير يفيد الحصر. إياك نعبد يعني حصر العبادة فيه وله، معناها لا نعبد إلا إياك، لا نعبد إلا أنت هذا معناها، وهذا الأسلوب أسلوب الحصر إياك نعبد أقوى من نعبدك. والعبادة كمال المحبة والخوف والذل والطاعة للمعبود.

الاستعانة أيضا فيها حصر، وإياك نستعين يعني لا نستعين إلا بك على طاعتك وعبادتك، لا نستعين إلا بك على طاعتك وعبادتك وعلى أمورنا كلها. وإياك نستعين أيضا فيها تقديم وتأخير، قدم المفعول وأخر الفعل، ولا عبادة إلا باستعانة. ولذلك لما يقول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح، ماذا نقول؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. هذا مقامها، لا حول لا قدرة لنا ولا قوة على القيام وعلى الذهاب للمسجد وعلى الصلاة والطهارة إلا إذا أقدرتنا ومكنتنا يا الله بحولك وقوتك، نحن مفتقرون إلى حولك وقوتك لنقوم بما أوجبت علينا، فهذا منك ولك، منك العون والعبادة لك أنت تعيننا، يصعد عملنا إليك.

شوف هذا المعنى موجود في الأضحية لما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الأضحية: اللهم هذا منك ولك. منك يعني أنت رزقتنا إياه، لولا أنك رزقتنا إياه ما ملكناه ولا تصرفنا فيه ولا كان عندنا هذا الذبح بهيمة الأنعام. منك، وهذا منك ولك، أنت رزقتنا ونذبحه على اسمك ونأكل من نعمتك. إذا هذا المعنى أن العبد محتاج إلى الرب سبحانه، ولا يستطيع العبد أن يعبد ربه إلا إذا أعانه ربه على ذلك، وهذا معنى الدعاء: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

ونلاحظ أيها الإخوة والأخوات أن العبادة قد تضمنت معنى المحبة والتعظيم والذل. العادة أن الناس لا يحبون من ذلوا له، وقد يذلون لأشخاص لا يحبونهم، يذلون لهم بالقوة والإكراه والضغط والاضطهاد والقهر، لكن ذلنا لله مقرون بالمحبة، وخضوعنا لله مقرون بمحبته. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ناخذ منها إخلاص العبادة لله، والاهتمام بالعبادة على معناها الصحيح فيها محبة وفيها رجاء وفيها خوف وفيها ذل. يقال طريق معبد يعني مذلل، فإذا لما نقول لما أنا عبدك وأنا على عهدك، أنا عبدك ذليل منقاد إليك، تعبيد النفس لله وإاخضاع النفس لله، وأن تكون ذليلة لله، هذا معنى العبودية، وقليل من يفقه هذا المعنى. لكنه ذل مقرون بالمحبة والرغبة نعبده عن طواعية، نعبده ونحن راغبون ولسنا نعبد كرها، لا، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.

وكذلك فيها أن الاستعانة عبادة عظيمة أن تستعين بالله، وقد قدم العبادة على الاستعانة لأنها هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها. فإن قال قائل: لماذا قدم إياك نعبد على إياك نستعين؟ لماذا لم يقل إياك نستعين وإياك نعبد؟ نقول: لأن العبادة هي المرادة وهي المقصود الأساس، والاستعانة وسيلة إليها وتمكن منها، الصحيح تقديم الأهم فالأهم. وفيها حصر العبادة والاستعانة الكاملة بالله.

وفيها البراءة من الشرك: إياك نعبد؛ لا نعبد غيرك، لا نشرك بك أحداً. وفيها تبرؤ العبد من حوله وقوته وإعلان توكله واعتماده على ربه، ونلاحظ تحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة، يعني: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، نتكلم عنه ثم نواجهه بالخطاب: إياك.

في تحويل الكلام من الغيبة إلى المواجهة، هذا يقال له في البلاغة: التفات. هذا الالتفات فيه تنبيه؛ يكون واحد ماشي في الكلام في سياق معين، ثم ينتقل إلى سياق آخر يتكلم عنه، ثم يخاطبه ويتكلم معه، تكلموا عنه يمدحه ثم ينتقل الكلام مخاطبة معه: إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا واعطنا بكاف الخطاب (إياك)، إشارة إلى اقتراب قارئ الفاتحة وحضوره بين يدي الله، في الأول حمد ثناء، ثم (إياك) بعد ما مدحته الآن أنت اقتربت منه فانتقل الخطاب (إياك)، وهذا من بديع البلاغة القرآنية.

وفيها إقرار بالعبودية لله مثل دعاء سيد الاستغفار: وأنا عبدك، إياك نعبد. ولاحظوا أن الإقرار بالعبودية والاستعانة يؤهل للطلب فيما بعد (اهدنا)، ما في طلب قبل التمهيدات، مثل دعاء سيد الاستغفار أيضاً: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، ثم يأتي الطلب: فاغفر لي. ونحن في الفاتحة: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، أثنينا عليه وحمدناه وصفناه بالرحمة ومجدنا أنه مالك يوم الدين، واعترفنا بالعبودية له وأقررنا وسلمنا واستعنا: اهدنا الصراط المستقيم.

وهذا معنى الحديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، إلى أن قال: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل».

(إياك نعبد) فيها لفتة نون الجماعة هذه، نون الجمع (نعبد)، فيها اجتماع المؤمنين عبادة، ما أنت لست وحدك يا أخي، لست وحدك في العبادة، إياك نعبد كلنا نعبد، العبادة جماعية، لست فريداً ولا وحيداً، أنت في طريق سار فيه المؤمنون، نعبد كلنا، هذا يجعل الواحد ضمن هذه الجماعة العظيمة الكثيرة من البشرية التي تعبد الله. قارئ الفاتحة يقول: لست وحدي، يأنس في الوحشة، يأنس في الغربة، تسهل عليه العبادة باشتراك إخوانه معه من الأولين والآخرين، إياك نعبد تعظم منزلة العبد ويشرف مقامه في العبودية، عبادة الصلاة فيها اجتماع مثل صلاة الجماعة. وعندما نذكر أنفسنا بالاستعانة بالله معناها لا تغتر، لا تغتر، لولا عونه ما عبدته، لا حول ولا قوة إلا بالله.

أيها الإخوان والأخوات، هذه في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] لنا عودة إن شاء الله إلى هذه الآية وما بعدها في تفسير سورة الفاتحة.

نراكم بخير إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته يأتيك ميسوراً، هذا كتاب الله ربيع قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.