تسجيل الدخول

المحاضرة 13 - حول العبودية لله والاستعانة به سبحانه

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله، هذا هو الدرس الثالث عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام في تفسير سورة الفاتحة عن قوله تعالى: مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين.

ونعيد تلخيص ما تقدم ونمضي إن شاء الله. قلنا مالك يوم الدين وملك يوم الدين؛ له الملك التام في ذلك اليوم سبحانه. ملك يوم الدين قراءة صحيحة متواترة، ومُلك صفة لذاته ومالك صفة لفعله، والدين الحساب والجزاء، ويوم القيامة له أسماء كثيرة، يعني يوم القيامة الحاقة، الواقعة، يوم الدين، إلى آخره.

وأما إياك نعبد وإياك نستعين، قلنا إياك نعبد: لا نعبد إلا إياك. والعبادة: كمال المحبة والخوف والذل والطاعة للمعبود. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وإياك نستعين: لا نستعين إلا بك على طاعتك وعلى أمورنا كلها.

وقد قلنا تقديم المعمول يفيد الحصر؛ تقديم المفعول به على الفاعل أو على الفعل، إياك نعبد، يفيد الحصر إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. ما هو الحكم؟ العبادة. والمذكور؟ الله عز وجل. ونفي العبادة عما عداه سبحانه، فكانه يقول: نعبدك ولا نعبد غيرك، ونستعين بك ولا نستعين بغيرك. والاستعانة هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به في حصول ذلك.

والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهذين الامرين. وإنما تكون العبادة عبادة إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقصودا بها وجه الله، وبهذين الامرين تكون عبادة. وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها، يعني الاستعانة جزء من العبادة، فلماذا أفرِدت؟ لبيان أهميتها هنا؛ إنه العبادة لا تمكن بدون استعانة، والعبد محتاج في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، وإذا لم يعنه الله لن يحصل ما يريد.

قلنا هذه الآية فيها فوائد: إخلاص العبادة لله لقوله إياك نعبد، ما وجه الإخلاص؟ تقديم المعمول؛ هي أصلا نعبدك، فصار إياك نعبد للاهتمام بإفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة، والعبادة هي المقصودة والاستعانه وسيلة إليها، وفيها الاهتمام والحزم بتقديم الأهم فالأهم، قدم العبادة على الاستعانة لأن العبادة هي المقصود الأساس.

قلنا إن هذه الآية إياك نعبد وإياك نستعين بين الله وبيننا، يعني: الحمد لله رب العالمين، حمدني عبدي. الرحمن الرحيم، أثنى علي عبدي. مالك يوم الدين، مجدني عبدي. إهدنا الصراط المستقيم، هذا الدعاء لنا، طيب بينهما: إياك نعبد وإياك نستعين؛ قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، رواه مسلم.

قلنا فيها حصول العبادة والاستعانة الكاملة بالله تعالى، وفيها البراءة من الشرك، وفيها تبرؤ العبد من حوله وقوته واعلان توكله على ربه. وفيها صيغة الالتفات؛ تحول الكلام من الغيبة: الحمد لله رب العالمين، هو الرحمن الرحيم، هو مالك يوم الدين، إلى الخطاب: إياك نعبدك. صار الكلام فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، إياك، إشارة إلى اقتراب قارئ الفاتحه وحضوره بين يدي الله، بعدما مجد وأثنى وحمد صار قريبا، فليطلب الآن إهدنا الصراط.

هذا الإقرار بالعبودية لله والاستعانة به يؤهل للطلب والدعاء، وفيها تقديم الأهم على المهم كما قلنا. ونون الجمع في قوله نعبد نستعين إشارة إلى اجتماع المؤمنين على العبادة، لست يا قارئ الفاتحة وحدك في هذا الطريق، لا تستوحش ولا تجزع من الغربة، إن هذا الطريق فيه المؤمنون في كل العالم يعبدون الله معك، ومن مضى من المؤمنين ومن سياتي كلهم على الدرب والطريق نفسه، هذا يسهل العبادة باشتراك إخوانه معه من الأولين والآخرين. وفي قراءة الإمام لها معنى الإعلام بذلك هو والمأموم: إياك نعبد، كلنا الجماعة الإمام والمأموم.

نون الجمع أيضا فيها فائدة؛ أن العبد تعظم منزلته ويشرف مقامه عند ربه بالعبادة والاستعانة. ونون الجمع فيها فائدة رابعة وهي: إشارة إلى أن عبادة الصلاة مبنية على الاجتماع، يعني أهمية صلاة الجماعة. وفي الآية أن العبد لا يتمكن من عبادة الله إلا إذا أعانه الله على ذلك، وفيها نفي العجب والغرور، يعني انك ما تمكنت من العبادة إلا لما أعانك الله، فلماذا العجب ولماذا الاغترار وأنت تعلم أنه لو لم تحصل إعانة من الله ما قويت على ذلك؟

قلنا في الآية إشارة أو شاهد لمعنى الحوقلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا قدرة ولا طاقة ولا استطاعة للفعل إلا إذا أعان الله. وفيها إشارة إلى أنه لا ينبغي التوكل إلا على من يستحق العبادة، فاعبده وتوكل عليه. وفيها رد على الجبرية والقدرية الضلال، لأن قوله نعبد يدل على أن للعبد اختياره في الفعل وإرادته له، نعبد، هذا رد على الجبرية الذين يقولون لا اختيار للعبد وانه مجبور على أفعاله كالريشة في مهب الريح وكالسقط من أعلى إلى أسفل. وقول الله: واياك نستعين، فيه بيان أن العبد لا يمكن أن يفعل إلا بعون من الله ومشيئته وتمكينه، رد على القدرية الذين يقولون العبد يخلق فعله بنفسه دون إرادة من الله ودون مشيئة من الله، هذا أيضا ضلال مبين.

وفيها حصر الاستعانة بالله فيما لا يقدر عليه إلا الله، يعني الشيء الذي لا يقدر عليه إلا الله مثل الشفاء، ما يمكن أن يقوم به شخص آخر ولا يمكن أن نستعين بشخص عليه لأنه شيء تفرد الله به، والاستعانة التفويض الكامل خاصة بالله، يعني انت ممكن تستعين بالمخلوق في أشياء يقدر عليها المخلوق لكن تبقى استعانه محدودة، أما الاستعانة بالله فيها تفويض كامل. نسال الله تعالى أن يجعلنا من أهل العبادة وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.

للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديما قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد، تفرج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد. وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقائه.

ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له، وأن يبكر في الخروج، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها. ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوي عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».

كما يستحب له الدلجة، وهي سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحبا له وانيسا والدعاء قرينا له وسميرا فهو مظنة الإجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلا: «اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها». وإن نزل

حياكم الله وعوده إليكم مرة أخرى أيها الأخوة والأخوات. نحن في لطائف ومعاني إيمانية في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. قولنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إشارة إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله. معناها مركب من أمرين: نفي وإثبات؛ لا إله خلع جميع المعبودات إلا الله، إاثبات العباد لله وتوحيد الله. إذاً لا إله النفي، إلا الله الإثبات، إفراد رب السماوات والأرض بالعبادة.

لا إله إلا معبود بحق، وجميع أنواع العبادات نصرفها له سبحانه. هذا المعنى الذي من أجله قاتل نبي الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب، وهذا المعنى الذي جانبه عدد من المشركين في زماننا والأزمان الأخرى، يصرون على الاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأموات، والالتماس من النبي عليه الصلاة والسلام في قبره بعد موته أشياء خاصّة بالله.

طیب؛ لا إله إلا الله هذا في أسلوب حصر قوي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 21]. قال بعدها: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّه أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22]. لاحظوا؛ اعْبُدُوا إثبات، فلا تجعلوا لله أنداداً النفي. إثبات التوحيد اعبدوا ربكم لا غير، فلا تجعلوا لله أنداداً ولا تشركوا به أحداً. كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] صرح بالإثبات في قول اعبدوا الله، وبالنفي اجتنبوا الطاغوت. هذه معاني مترادفة لا إله إلا الله. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 256] صرح بالنفي وقدم الكفر بالطاغوت لخطورته وأهميته، وبالإثبات ويؤمن بالله. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 26-27]. لاحظوا، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وأيضاً: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45].

ثانياً؛ صلاح العبد وسعادة العبد في تحقيق معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. كما قال ابن القيم رحمه الله: العبودية تتضمن المقصود المطلوب لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب، فالأول من معنى ألوهيته والثاني من معنى ربوبيته. الإله ما معنى الإه؟ شوف الله هي كلمة الإله، ولما حذفت الهمزة التقت اللامان، ورجاء وتوكلا. الرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه وخلقه ورزقه ويهديه إلى مصالحه، فلا إله إلا هو ولا رب إلا هو، وكما أن ربوبية ما سواه باطلة فكذلك ألوهية ما سواه باطلة.

لاحظوا التضمن؛ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 2-5]، في توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية. جمع الله تعالى بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ [هود: 123]. قال شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: 58]. وقال: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 8-9]. وقال: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30] أتوب إليه. وقال عن الحنفاء اتباع إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4]. فهذه سبعة مواضع مع قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تنتظم لنا هذين الأصلين الجامعين العظيمين لمعنى التوحيد، ولا سعادة للعبد إلا بهما.

ثالثاً؛ سر تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على قول ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ذكرنا طرفاً، وقال ابن القيم رحمه الله: تقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العبادة التي خلقوا لها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، والاستعانة الوسيلة إليها. ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ متعلق بألوهيته واسمه الله، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلق بربوبيته واسمه ماذا؟ الرب. الحمد لله رب العالمين، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ متعلقه بأي اسم؟ الله، يعني الإله المألوه المعبود المحبوب. و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ القادر على النفع والضر والعون؛ الإعانة، الرب توحيد الربوبية. فقدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كما قدم اسمه الله على الرب في أول السورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2].

إذا قلنا الآن إن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قدمت على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأسباب منها؛ أيضاً تقديم اسم الله على اسم الرب في أول السورة كما جاء مرتباً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، هذه العبادة متعلقه به سبحانه، وهذا في القسم الأول من السورة الذي مضى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]. ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لها تعلق بما سياتي من طلبنا للهداية فكانت من الشطر الثاني، ولذلك قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، بعدما قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي.

إذاً، العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس؛ يعني الاستعانة لا تتضمن العبادة، لكن العبادة تتضمن الاستعانة، كل عابد لله فهو مستعين به ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم. ولأن الاستعانة جزء من العبادة، والاستعانة طلب منه والعبادة طلب له. ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة قد يستعين به المخلص وغير المخلص. ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك، وإعانة طلب العون على هذه العبادة وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته، كل هذا لتفسير تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

ولأن العبادة شكر نعمته عليك والله يحب أن يشكر، والإعانة فعله بك توفيقه لك، فإذا التزمت عبوديته أعانك عليها، وإذا دخلت في رقها أثابك عليها وشكر لك عملك. وكلما كانت العبادة أتم كانت الإعانة من الله أعظم، ولذلك ترى العبد الذي يترقى في مدارج العبودية يعينه الله فيستطيع أن يقوم بعبادات أعظم مما كان يقوم به، وبالتالي يكون انطلاقه في طريق العبودية عظيماً. الحقيقة أيها الأخوة والأخوات أن العبودية محفوف بإعانة؛ إعانة قبلها للتمكن من القيام بها، وإعانة بعدها على اكمال الطريق في العبودية الأخرى التي تليها.

لاحظ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هذا فعل مضارع، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أيضاً فعل مضارع، هذا طبعا أبلغ من قولنا: إياك عبدنا وإياك استعنا، لأنه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني ما زلنا في الخط، ما زلنا في طريق العبودية، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نحتاج إلى إعانتك دائماً من قبل والآن ومن بعد. وتقديم المعبود والمستعان إياك على الفعلين نعبد ونستعين، لاحظ إياك مكررة في الجملتين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالمعاني فعلان؛ عبادة واستعانة. وفيها أدب مع الله، قدمنا اسمه على فعلنا، قدمنا ذكره على فعلنا، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ غير موضوع الحصر في أدب أيضاً، وفيها اهتمام وعناية بالعبادة والاستعانة.

والمسلم يعيش مع الله في صلاته ويستحضر المعاني، وإذا قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ صفات الكمال، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المالك المتصرف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرحمة العامة والخاصة بالمؤمنين، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ القهار يفعل ما يشاء موعظة بذكر الآخرة: يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حياتنا كلها لك، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]. آية علمنا التواضع بعدما علمتنا التبرؤ من الشرك، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ براءة من الشرك، ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تبرؤ من حولنا وقوتنا، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد الألوهية، ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلقه بتوحيد الربوبية. أنزل الله كتباً كثيرة قال بعض السلف: مئة كتاب وأربعة، جمعها جمع معانيها.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين: بيع المسلم على بيع أخيه أو شراه على شراء أخيه؛ لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه».

والشراء مثل البيع؛ فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة؛ فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام؛ سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، بذلين في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم؛ لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم.

قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبنائهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم.

قال الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب؛ وذلك حتى يتاكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بادبه، ويظهر عليه سمت العلم وادبه ونوره. وقال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزلة الأدب والاخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والادب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والادب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

الحمد لله، مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات. لا زلنا نعيش في أجواء سورة الفاتحة وفي تفسير آياتها، ومع العبودية والعبادة التي هي لب هذه السورة والمطلوب منا في حياتنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.

العبادة نعرف أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. طيب، ما هي الأفعال الظاهرة وما هي الأفعال الباطنة؟ التعريف سهل حفظه لكن تفسيره: الأفعال الظاهرة كالصلاة، الزكاة، الحج، الجهاد في سبيل الله، وهكذا. وهناك أقوال ظاهرة كالأذان، أذكار الصلاة، هذه الصلاة الجهرية، أقوال الإمام فيها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

طيب، ما هي الاقوال والأفعال الباطنة؟ حب الله ورسوله، خشية الله، الإنابة إليه، الإخلاص له، الصبر لحكمه، الشكر لنعمه، الرضا بقضائه، التوكل عليه، رجاء رحمته، الخوف من عذابه.

العبادة غاية محبوبة لله، أرسل بها جميع الرسل: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: 32]، نوح، هود، صالح، شعيب وغيره من الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. الملائكة: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]. الله ذم المستكبرين عنها فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

لما تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، في نفسك ثلاثة أشياء: كمال الحب، كمال الرجاء، كمال الخوف. ما في عبودية إلا بهذه الأركان الثلاثة، ما في عبودية حقة إلا بهذه الأركان الثلاثة. جمع الله هذه المقامات في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57].

إذاً، يرجُونَ رحمته: كمال الرجاء. يخافون عذابه: كمال الخوف. طيب، يبتغون إلى ربهم الوسيلة: يتحببون إليه، يحبونه، فيبذلون ابتغاء الوسيلة، هي محبته الداعي إلى التقرب إليه. جمع الله بين هذه الأركان الثلاثة أيضاً في فاتحة الكتاب في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]؛ الرب المنعم، وهذا يقتضي محبة له. ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]؛ هذا يقتضي رجاء، لأن المتصف بالرحمة ترجى رحمته. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]؛ يقتضي خوفاً؛ لأنه ذكرنا بيوم القيامة يوم الجزاء والحساب مالك يوم الدين. لاحظوا هذه المعاني الثلاثة المتضمنة في الآيات الثلاث الأولى من سورة الفاتحة، جاء بعدها ذكر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أعبدك يا رب بمحبتك ورجائك والخوف منك.

ولا يقبل عمل وعبادة إلا إذا توفر فيه شرطان: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. فليعمل عملاً صالحاً موافقاً للشرع والسنة، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً يريد به وجه الله لا رياء ولا يبتغي به شيئاً من الدنيا.

إذاً، لابد أن يكون خالصاً صواباً: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]، إخلاص وهو محسن اتباع الشريعة. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]؛ أخلصه وأصوبه. يعني لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسال عن كل عمل عمله بسؤالين: لما وكيف؟ لما عملته: لله ولا لغيره؟ وكيف عملته: على وفق السنة ولا على هواك وتقليد آبائك والبدع السائده؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

فإذا كان العمل مخالفا للشريعة كان مردوداً. في صورة ظاهرة وفي شيء باطن؛ الباطن الإخلاص، والظاهر طريقة العمل وفق ماذا؟ وفق السنة أو على هوى وبدعة. الله قال عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. في صورتهم الظاهرة كسالة، ذكرهم قليل، وفي الباطن يراؤون الناس.

يا إخواني، الآن يعني لما نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، لازم نستحضر الإخلاص في عبادتنا واتباع السنة، هذان ركنان عظيمان في العبادة بعد ما ذكرنا الأركان الثلاثة للعبودية الخوف والرجاء والمحبه. وننطلق معكم إن شاء الله في تفسير بقية هذه السورة. نسال الله عز وجل أن نكون ممن أحبهم ورضي عنهم وكتبهم في أهل الجنه وعتقهم من النار، إنه رحيم ودود غفار. وصلى الله على نبينا محمد.