بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، والشافعي المشفع يوم الدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد؛ فهذا هو الدرس الثامن عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن فوائد من تفسير آية الكرسي، وقلنا إنها اشتملت على توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وسعة ملك الله، وإحاطة علمه، وعظم سلطانه وجلاله ومجده وعظمته وكبريائه وعلوه على خلقه. فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، ثم لخصنا بعض الفوائد من جمل هذه الآية العظيمة العشر.
وفي هذا الدرس نبدأ بمشيئة الله الكلام عن تفسير خواتيم سورة البقرة. ونبدا الكلام في هذا الدرس بمشيئة الله تعالى عن هذه الخواتيم لفضلها العظيم على باقي السورة. وقد جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم مبكرا هذا الفضل في قوله: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» رواه البخاري ومسلم. ما هما الآيتان؟ قول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية.
ما معنى كفتاه؟ كفتاه من شر ما يؤذيه، ودفعت عنه الشيطان والمكروهات والآفات. وقيل: كفتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه من الشيطان، وقيل: دفعت عنه شر الإنس والجن، ولا مانع من إرادة كل هذه الأمور، وفضل الله واسع. قال النووي رحمه الله: قيل معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان، وقيل من الآفات، ويحتمل الجميع.
ومما يدل على أن قراءة هذه الخواتيم تنجي من الشيطان وتكفي شره، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» رواه الترمذي وهو حديث صحيح. يعني حتى لو قال انسان قراءة سورة البقرة ثلاث ليال طويلة وشاقة، ربما لا أستطيع وأريد أن أحصل ميزة طرد الشيطان من البيت، نقول: إن عجزت عن قراءة البقرة ثلاث ليال في كل ليلة مرة، اقرأ آخر آيتين من البقرة ثلاث ليال متوالية.
ولما نزلت هاتان الآيتان، فتح باب من السماء فنزل منه ملك إلى الأرض لم ينزل قط إلا ذلك اليوم، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك؛ فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيتَه» رواه مسلم. ما معنى لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيتَه؟ يعني أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة، يعني في الفاتحة المذكورة في الحديث آنفاً قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وفي آخر آيتين من البقرة قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، ونظائر ذلك في غير المسألة فيما هو حمد وثناء أعطيت ثوابه، كما قال صاحب مرقات المفاتيح رحمه الله في شرح هذه الجمله: لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيتَه.
إذاً، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة فيهما سؤال لله، وفيها بشارة بأن القارئ إذا قرأ مؤمناً مقبلاً على ربه أن الله سيعطيه سؤله. قال الحافظ رحمه الله عن ميزة هاتين الآيتين: وكأنه اختصت بذلك لما تضمنته من الثناء على الصحابه بجميل انقيادهم إلى الله، وابتهالهم ورجوعهم إليه، وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم، هذا ذكره في فتح الباري. وقيل: كفتاه عما ورد من الأدعية الكثيرة؛ لأن الدعاء بما فيهما يتضمن خيري الدنيا والآخرة.
ومن فضل هذه الخواتيم أنه لم يعطها أحد قبل نبينا صلى الله عليه وسلم قط، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» رواه الإام أحمد وصححه الألباني. ومنها -أي من الفضائل- أن النبي صلى الله عليه وسلم أُعطي خواتيم سورة البقرة في السماء لما عُرج به، رواه مسلم.
إذاً، كم فضيلة لهاتين الآيتين؟ شيء عظيم، شيء عظيم جليل. وهذه الخواتيم اشتملت على موضوعات مهمة: بيان سعة ملك الله، علمه تعالى بالسر وأخفاه، بيان ما يجب أن يكون عليه أهل الإيمان، وسعة رحمة الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
هل لهاتين الآيتين علاقة بسبب نزول؟ الجواب: نعم، ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِر لمن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير».
قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأ القوم ذلت بها ألسنتهم رضي الله عنهم، فانزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فانزل الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم، رواه مسلم. نسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتوب علينا.
وقفة قطيرة ثم نتابع معكم إن شاء الله. للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديماً قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلى وسافر؛ ففي الأسفار خمس فوائد: تفريج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبه ماجد.
وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبه وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقائه. ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها.
ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».
كما يستحب له السرى وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة؛ فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وانيساً، والدعاء قريناً له وسميراً فهو مظنة الإجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: «اللهم إني أسالك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها». وإن نزل منزلاً دعا وقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك». وينبغي
للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائراً، فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً ويجوز له الجمع. يستحب له ألا يطيل في السفر وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.
من اعظم ما يؤخذ من هاتين الآيتين من الفوائد؛ الاستسلام لأمر الله، تسليم لنصوص الشرع، الانقياد لحكم الله، الخضوع لدين الله. الإسلام معناه الاستسلام، بعض الناس لما يعرف الإسلام يقول السلام، السلام أعظم معنى في الإسلام. الاستسلام، الاستسلام لله والانقياد والطاعة. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النساء: 125]. فدين الإسلام مبني على التسليم لله والاستجابة لأمره، والتسليم لنصوص الوحي من القرآن والسنة وتلقيها بالقبول والرضا، هذا أصل عظيم من أصول الإسلام. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: 36]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65]. فلا يحصل الإيمان الكامل إلا بتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما شجر بيننا في الأصول وفي الفروع، في أحكام الشرع وفي أحكام المعاد وسائر الصفات وغير ذلك.
ولا يثبت الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج أيضاً وهو ضيق الصدر، بل وتنشرح الصدور كل الانشراح والانفساح لحكم الله ورسوله ويحصل التقبل التام. ولا يثبت الإيمان بذلك أيضاً حتى يضاف إلى ما سبق مقابلة حكم الله بالرضا والتسليم وعدم المنازعة وعدم الاعتراض. قال الزهري رحمه الله: من الله الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم. وقد عرفنا كيف أن الصحابة استسلموا لهذه الآيات وخضعوا لها وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. كما كانت مواقفهم رضي الله عنهم مشهورة في نوازل مختلفة. لما نزل تحريم الخمر وقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم الآيات في ذلك وبلغ قول الله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]، قال عمر رضي الله عنه: انتهينا انتهينا. روى أبو داود حديث الصحيح، ونادى المنادي في المدينة: ألا إن الخمر قد حرمت، فسارع الناس إلى جرار الخمر في بيوتهم فكسروها وأراقوها حتى جرت في سكك المدينة كما جاء في الصحيحين. وقال أنس رضي الله عنه: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل. يعني مجتمع تعلق بالخمر من أيام الجاهلية من صغرهم، خلاص نزل التحريم ما رجعوها ولا سألوا عنها.
لما نزلت آية الحجاب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]، شقق نساء الأنصار والمهاجر مروطهم الأزُر فاخْتَمَرْنَ بها تحولت إلى خمار، رواه البخاري. لما أخبر الصحابة رضي الله عنهم بتحول القبلة نحو الكعبة وكانت وجوههم إلى الشام وهم يصلون العصر في مسجد قباء، استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة، في الصحيحين. لما اساء أحد عند عمر رضي الله عنه إساءة عظيمة وهمّ عمر أن يبطش به، أحد الحاضرين قال: يا أمير المؤمنين، خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وإن هذا من الجاهلين. قال ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، يعني ذلك الرجل، وكان وقافاً عند كتاب الله، كف كف وقف. هذا بعض ما كانوا عليه رضي الله عنهم من الإيمان والتسليم والاستسلام. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا ذلك.
لماذا نستمسك بالوحي ونستسلم له؟ لماذا؟ لأنه حق لا باطل فيه، من عند الله حكيم خبير عليم. نزل من عند هذا الشرع محفوظ من العيب والخلل والخطا والزلل، ثابت خالد لا يتبدل لا يتغير من عند ربي لا يضل ولا ينسى. ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. واكتمل الدين والشرع وانقطع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت الشريعة إلى قيام الساعة. والوحي حق لا باطل فيه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا من خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42].
ثم هذا هو الهدى وما خالفه ضلال، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43]. ثم هذا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لنا: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» حديث صحيح. ومن وصيته عليه الصلاة والسلام لنا: «ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فححث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي».
أيضاً نحن نمسك بالوحي ونستسلم له لأن وصية الصحابة والصالحين لما وقعت الفتنة زمن عثمان رضي الله عنه سئل أبي بن كعب سؤالاً مهماً: ما المخرج من هذا الأمر وقعت الفتنة؟ فقال: كتاب الله وسنة نبيه، ما استبان لكم فاعملوا به وما أشكال عليكم فكلوه إلى عالمه. قال رجل لأبي رضي الله عنه: أوصني. قال: اتخذ كتاب الله إماماً وارض به قاضياً وحكماً، فانه الذي استخلف فيكم رسول، يعني رسولكم استخلفه وتركه فيكم شفيع مطاع وشاهد لا يتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم وخبركم وخبر ما بعدكم. أبو مسعود قال لحذيفة: إن الفتنة وقعت فحدثني ما سمعت؟ فقال: أولم يأتكم اليقين كتاب الله عز وجل.
الآن اليوم لما تحدث فتن وبعض الناس يصبح في حيص بيص، لا يدري أين الحق ولا يدري ما هو الصحيح وتلتبس عليه الأمور، نقول: عليك بالكتاب، عليك بالقرآن، القرآن والسنة. ارجع إليه، والاستمساك بالوحي قرآناً وسنّة هو طريق الهداية الموصل إلى الجنة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 52]. والاستمساك بالوحي مجلى بين رحمة الله، والله وعد المتمسكين بالوحي ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أُجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170]. وهكذا أيها الأخوه والأخوات، أي نحن في هاتين الآيتين قد عرفنا مسألة الاستسلام للحق والانقياد للشرع والمضي على ذلك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الحق الذين يقضون به وبه يعملون، وصلى الله على نبينا محمد.
ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من إخوته، إما لبِرِّه أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير، يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي وانا غلام فأتبي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، أكل ولدك سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً فاني لا أشهده على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كان يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمَّت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
الحمد لله، مرحباً بكم أيها الإخوة والأخوات. وننتقل الآن إلى تفسير قوله تعالى: ﴿لِّللَّهِ ما فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: 284].
أخبر تعالى في هذه الآية أنه يحاسب عباده على ما يظهرونه ويخفونه، فقال تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284]. بدأها بذكر سعة ملكه بعد سعة علمه؛ لله ما في السماوات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله. وقوله: وإن تبدوا، أي تظهروا ما في أنفسكم وما في قلوبكم، أو تخفوه، أي تسروا به وتكتموه، يحاسبكم به الله، أي يؤاخذكم به ويجازيكم عليه إذا شاء. ولذلك قال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 284]، إن يتجاوز بفضله فيعفو ولا يعاقب. والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه. وقوله: ويعذب من يشآء، أي بعدله، والله على كل شيء قدير، أي فلا يعجزه شيء.
ختم الآية بالقدرة، فيها إشارة إلى البعث الذي ستحدث بعده المحاسبة، وإشارة إلى قدرة الله على محاسبه هؤلاء العباد كلهم على أعمالهم الظاهرة والخفية. وقول الله تعالى: لله ما في السماوات وما في الأرض، بين فيه أنه كامل الملك والملكوت، وبين بقوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، أنه كامل العلم والإحاطة. فبين سعة ملكه أولاً، ثم بين سعة علمه، ثم بين بقوله: والله على كل شيء قدير، أنه كامل القدرة، قهر كل شيء وهو عليه قادر، ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات، والموصوف بهذه الصفات يجب على كل عاقل أن ينقاد له، خاضعاً لأوامره ونواهيه، محترزاً عن سخطه وما حرمه.
لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واشتد عليهم، يعني: وإن تبدوا ما في أنفسكم، كأنهم قالوا: طيب هذه عرفناها ونتحمل، لكن: أو تخفوه يحاسبكم به الله، قالوا: هذه ما نتحملها. فلما النبي عليه الصلاة والسلام أدبهم وقال: قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، انزل الله التخفيف. أنزل التخفيف بعد ذلك بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286].
إذاً، ما هي فوائد الآية: لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم الآية؟ أولاً: عموم ملك الله تعالى وسعة علمه. ثانياً: أنه لا شريك له في الملك. هذا نأخذه من أين؟ من تقديم الخبر الذي حقّه التأخير؛ يعني الأصل في اللغة المبتدأ ثم الخبر في الجملة الاسمية، لما قال: لله ما، على ما؛ فالجملة أصلها: ما في السماوات وما في الأرض لله، فلما قدم لله أفاد الحصر، على قاعدة: تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر وإثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه. إذا أرادنا أن نطبق: إثبات الملك لله ونفي عما سواه، أي ملك الملك التام. لو قال قائل: طيب البشر يملكون، نقول: لكن ملكهم ناقص، ملكهم ناقص، مسبوق بعدم، وملحوق بزوال، ويؤخذ منهم ويغصب منهم، ويأخذه الورثه، ومن الورثه إلى الورثه، ويضيع ويفنى في النهاية.
الآية أيضاً من فوائدها أن الله عز وجل هو القائم على هذه السماوات والأرض يدبرها كما يشاء لأن ملكه؛ وفيها إبات أن السماوات أكثر من واحدة، وهي سبع بنص القرآن والسنة والإجماع. طبعا الآية هذه: لله ما في السماوات وما في الأرض، ما فيها ذكر العدد، لكن في آيات أخرى ذكر العدد، فالقرآن يفسر بعضه بعضاً: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: 86]. طيب الأرض، هل هي واحدة أم سبع؟ جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، لكن دلت السنة على أنها سبع، والسنة تفسر القرآن، بل ورد في القرآن ما يدل على أنها سبع بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12]. وبما أن المماثلة في الوصف متعذرة، يعني مثلهن يعني في الوصف لا يمكن، فلم يبق إلا المماثلة في العدد، بالمفهوم في السنة بالنص، قال عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامه من سبع أرضين». وحديث: ما السماوات السبع والارضون السبع، وذكرنا عظم ذلك في عظم الكرسي والعرش.
الآية فيها تحذير العبد من أن يخفي في قلبه ما لا يرضاه الله؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله عالم بما يبدي وبما يخفي فسوف يراقب الله خوفاً من أن يحاسبه. وفيها إثبات محاسبه الرب للعبد؛ فقوله تعالى: يحاسبكم به الله، يعني يوم القيامة يوقفكم ويسأل، تعرض الأعمال، تنشر الصحف، يبدا الحساب والسؤال، ومن نوقش الحساب عذب، وناس يسترهم الله، نسال الله يجعلنا منهم. في ناس ينكرون البعث، وفي ناس ينكرون الحساب. والله أنا سمعت قصة عن واحد يعني مع الأسف عامي، يقول: يعني أنتم تظنون أنه لما واحد نصحه في الصلاة قال: لو أنت تركت صلاة كذا وصلاة كذا، قال: يعني أنتم تظنون الله راح يحاسبنا يوم القيامة على الصغيرة والكبيرة وعلى كل عمل وعلى كل تفصيل؟ لا، يقول: اللي يقول لا إاله إلا الله ادخل الجنة، واللي ما يقول يدخل النار بس. يعني شوف هذا عامي، عامي يعني بين المسلمين، ينكر الحساب، يظن المسألة هكذا! سبحان الله، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. الله يحصي علينا مثاقيل الذر وهؤلاء العباد غافلون، ولذلك الدرس من الآية أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب.
وفيها أنه لا يلزم من المحاسبة المؤاخذة والمعاقبة؛ لأن الله قال: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، بعد قوله: يحاسبكم به الله. لكن من نوقش الحساب عذب، فالمناقشة وراها عذاب، نسال الله السلامة. والآية قبل التخفيف فيها المحاسبة على ما في النفوس، خواطر كله. وفيها أن بعد المحاسبة إما أن يغفر الله وإما أن يعذب، لقوله تعالى: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء؛ فإن كان كافراً عذب، وإن كان مسلماً كان تحت المشيئة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
وجاءت نصوص أخرى فصلت في أنواع المحاسبة، وذكرنا في درس سابق بعنوان: قواعد المحاسبة بين الله وخلقه، تفصيلاً شاملاً في هذا الموضوع، لكن نذكر الآن طرفاً منه فقط بهذه المناسبة. الله تعالى لا يؤاخذ على حديث النفس المجرد والخواطر؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم».
كذلك فإن الهم بالحسنة حسنة، والهم بالسيئة وتركها لله حسنة، والهم بالسيئة وعدم عملها لا له ولا عليه. جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك؛ فمن هم بحسنه فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» رواه البخاري ومسلم.
إذًا متى تكتب السيئة الهم بالسيئة ولم يعملها، لا، متى تكتب حسنة؟ إذا تركها لله. ومنها: أن من نوى العمل السيء وجزم به وأصر عليه وعمل بالاسباب الموصلة إليه لكن عجز عنه، يناله إثم فاعله لحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» رواه البخاري ومسلم. ولاحظوا الحرص عمل القلب، وعمل القلب مدار لحساب، عليه حساب وحديث: «وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان يعني السيء، فهو بنيته فوزرهما سواء». خلص هذا تكلم، لعملت فيه بعمل فلان. إذاً الهم بالسيئة له أحوال: واحد: أن يعزم عليها بقلب ثم يتركها لله تكتب له حسنة كاملة. اثنين: أن يعزم عليها لكن يعجز عنها بدون أن يسعى بأسبابها، كالذي قال: ليت لي مثل مال فلان فأعمل فيه مثل عمله.
السيئ، فهذا يكتب عليه سيئة، لكن ليس كعامل السيئة، بل يكتب وزر نيته كما في الحديث، فهو بنيته فوزره ما سُواء.
الثالثة: أن يهم بالسيئة ويسعى بأسبابها لتحصيلها ولكن يعجز، كمن تهيأ ليسرق وأتى بالسلم ليتسلق، ولكن جاء الشرطي فهرب خاف وهرب، تكتب عليه؛ لماذا؟ لأنه حرص وعزم وأخذ بمقدمات الفعل، أخذ بما أمكنه من الأسباب. وحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» يدل على ذلك.
الرابعة: أن يهم الإنسان بالسيئة ثم يعزف عنها لا لله ولا للعجز، يعني تنحل همته وحده كذا، فهذا لا له ولا عليه، لا يكتب، لا يكتب شيء له ولا يكتب عليه.
مسألة هل يستغفر الإنسان من أمور في نفسه لو قالها أو فعلها وعذب بها؟ ذكر شيخ الإسلام تيمية رحمه الله في كلام له أن مما يستغفر ويتاب منه ما في النفس من الأمور التي لو قالها أو فعلها عذب، قال تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 284]. قال: فهو يغفر لمن يرجع عما في نفسه فلم يتكلم به ولم يعمل، كالذي هم بالسيئة ولم يعملها، وإن تركها لله كتبت له حسنة. وهذا مما يستغفر منه ويتوب؛ فإن الاستغفار والتوبة من كل ما كان سبباً للذنب والعقاب وإن كان لم يحصل العقاب ولا الذنب؛ لماذا؟ حتى لا يفضي به إلى شر، والإنسان يحسم موارد الشر ويغلق الطرق ويحتاط لأمره.
من فوائد الآية إفراد الله تعالى بالألووهية والعبادة؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، لما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: 21]، جعل الربوبية المتمثلة في الخلق ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ موجباً لعبادته: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾. في سورة النمل قال: ﴿أَمَّن خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [النمل: 60] إلى يعني كل آية طبعا تختم: ﴿أإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 60]. فإذا كان هو المنفرد بما ذكر من الخلق والتدبير والرزق ونحوه فإنه المستحق للعبادة المنفرد بالألوهية.
وختم الله هذه الآية بالقدرة في سورة البقرة، نحن الآن فيها: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بعد قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾. فلماذا لم يختمها بالرحمة ولا بالعقوبة؟ فالجواب: أن المحاسبة تكون بعد البعث، والبعث يدل على القدرة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: 33]، وقال: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 40]. ويقال أيضاً: لو ختمت الآية بما يقتضي الرحمة وفيها التعذيب لم يكن هناك تناسب، ولو ختمت بما يقتضي التعذيب وفيها المغفرة لم يكن هناك تناسب، أما القدرة فإنها تناسب الأمرين، تناسب المغفرة وتناسب التعذيب؛ لأن المغفرة والتعذيب كل لا يكون إلا بقدرة الله عز وجل. ويقال أيضاً: إن ختمها بالقدرة فيه تأكيد وتقرير كمال قدرة الله على جميع الأشياء، ومنها المحاسبة والمغفرة والتعذيب.
وفي الآية بيان أن القدرة من صفات الله، فهو سبحانه القادر القدير المقتدر، كامل القدرة وقدرته مطلقة لا تحدها حدود، وقدرته تامه لا يلحقها عجز، وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً. والجن علمت ذلك لما قالوا: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: 12]، يعني اعتقدنا بخلاف قدرة الإنسان التي يعتريها ويلحقها ما يلحقها.
وكذلك الآية تدل على أنه بقدرته خلق المخلوقات وبقدرته يدبرها ويسيرها، ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2]. وبقدرته نوع المخلوقات، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير. وبقدرته يتصرف في ملكه كيف يشاء بلا معارض ولا منازع، قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. وبقدرته يحيي ويميت ويبعث العباد للجزاء، ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير. وبقدرته يقلب القلوب، إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء. وبقدرته يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وبقدرته ينصر من يشاء ويخذل من يشاء.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر المسلمين وأن يعز الإسلام وأهله، ونسأله عز وجل أن ينجينا من كربات يوم الدين وأن يجعلنا في عافيته في الدنيا والآخرة أنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوالاً ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد