تسجيل الدخول

المحاضرة 19 - تفسير {آمن الرسول...} [البقرة: 285]

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا هو الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فهذا هو الدرس التاسع عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير خواتيم سورة البقرة، وبينا عظيم فضلها وما جاء في الأحاديث في هذا الباب. وبدانا في تفسير قول الله تعالى: لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير. ثم ذكرنا بعض القواعد والضوابط في أحوال الهم بالسيئة وأحوال فعل الطاعة أو العبادة بقصد الدنيا.

وفي هذا الدرس نتحدث إن شاء الله عن تفسير الآية الأولى من خواتيم سورة البقرة، وهي قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون. فإن هنالك نصوصا خاصة في فضل الآيتين الأخيرتين، وهذه أولاهما: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير. فيخبر تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أنه قد آمن، وحق له أن يؤمن، كيف لا وهذه الآيات البينات والمعجزات الباهرات تترى يراها.

وبين ربنا تعالى في هذه الآية أربعة أركان من أركان الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله. فقال: آمن الرسول، أي محمد صلى الله عليه وسلم، بما أنزل إليه من ربه، ما هو الذي أنزل؟ القرآن والسنة. والمؤمنون، أي كذلك تابعوه على الإيمان وآمنوا. يؤمنون بالمرسل، وهو الله، والمرسل، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والمرسل به، وهو الوحي كتابا وسنة.

فإن قال قائل: كيف قال: والمؤمنون؟ فوصفهم بالإيمان مع أنهم مؤمنون أصلا بالفعل؟ فنقول: هذا من باب التحقيق، آمن المؤمنون. فالمؤمنون حققوا الإيمان، وليس إيمانا ظاهرا ولا ضعيفا. كل آمن، كل واحد منهم آمن بالله ربا وإلها معبودا، وآمن باسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه. فإذا الربوبية الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، لا بد أن نؤمن بذلك. واللوهية أن نؤمن بأنه الإاله الحق لا معبود بحق إلا هو، وكل معبود سواه باطل. ونؤمن باسمائه وصفاته له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العلى.

وقوله: رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا، جمعت أنواع التوحيد الثلاثة. نؤمن بأنه تعالى مع خلقه بعلمه، وهو على عرشه، أي فوق الخلق بذاته، قد علا عليهم، يعلم أحوالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويدبر أمورهم، يرزق الفقير، ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

قال في الآية: وملائكته. إذا هذا أيضا ركن من أركان الإيمان يؤمن به المؤمنون، يؤمنون بالملائكة الكرام المطهرين، المخلوقين من نور، لا يعصون الله ما أمرهم، منهم السفراء بينه وبين رسله، عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. ولهم وظائف عديدة، مع قيامهم بعباده الله، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، مخلوقون من نور، حجبهم عنا وربما كشفهم لبعض عباده. ونؤمن بأن الملائكة لهم أعمال قد كلفوا بها؛ فجبريل موكل بالوحي ينزل به من عند الله على من يشاء من الأنبياء ورسله، وميكائيل الموكل بالمطر والنبات، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور حين الصعق والنشور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، وملك الجبال الموكل بها، والملائكة الموكلون بالأجنة في الأرحام، وآخرون موكلون بحفظ بني آدم المعقبات، وآخرون موكلون بكتابة الأعمال، لكل شخص ملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وآخرون موكلون بسؤال الميت بعد الانتهاء من دفنه منكر ونكير، وخزنة للنار ومالك رئيسهم، وملائكة في الجنة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم. وظائف كثيرة نؤمن بها، نؤمن بمن عرفنا من الملائكه ومن لم نعرف اسمه.

وقال تعالى في الآية: وكتبه. أي المنزلة على الأنبياء، منها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، وخاتمها القرآن الكريم. نؤمن بالكتاب والزبر، الزبر هذه الكتب، سواء عرفنا أسماءها أو لم نعرف، عرفنا على من أنزلت أو لم نعرف. أنزل الله مع كل رسول كتابا، قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وخاتمه محمد صلى الله عليه وسلم معه أعظم الآيات، هذا القرآن كلام الله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه.

ثم قال تعالى: ورسله. جمع رسول، وهو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. فنؤمن أن الله تعالى بعث إلى خلقه رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما. قال تعالى: لا نفرق بين أحد من رسله. يعني في الإيمان، بل نؤمن بهم كلهم، ولا نكفر ببعض ونؤمن ببعض كما فعلت اليهود والنصارى. فمن كفر بنبي واحد فقد كفر بجميع الرسل، ومن كفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كفر بجميع الرسل، حتى لو زعم أنه مؤمن بموسى أو بعيسى. وقد قال تعالى: كذبت قوم نوح المرسلين، جعله مكذبا لجميع الرسل مع أنه لم يسبق نوحا رسول، لكن المكذب برسول مكذب بجميع الرسل.

السؤال الآن: هل قوله تعالى: لا نفرق بين أحد من رسله، يعني عدم التفاضل بين الأنبياء وأن بعضهم افضل من بعض؟ الجواب لا. قال تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات. فأفضلهم أولو العزم: محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم نوح، وعيسى ابن مريم، وهؤلاء المذكورون في قوله تعالى: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا.

وهنا لطيفة من اللطائف، وهي أن قوله تعالى: لا نفرق بين أحد من رسله، الفعل هذا فيه إلتفات، من أي شيء إلى أي شيء؟ الأفعال السابقة: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن، ثم قال: لا نفرق. فكان الأسلوب أسلوب غيبة، وصار لا نفرق أسلوب تكلم، من الغيبة إلى التكلم، من آمن إلى نفرق. ولو كان السياق على النهج السابق لقال: لا يفرقون بين أحد من رسله، لكنه قال: لا نفرق. فما فائدة الالتفات؟ لو كان الكلام على وتيرة واحدة قد يغيب فكر الإنسان، فيأتي الالتفات منبها وقارعا للذهن، وهذا من فوائد البلاغة. وأيضا من الفوائد أن هذا الالتفات والانتقال من الغيبة إلى التكلم كأنه يقول: هؤلاء المؤمنون، يقول هؤلاء المؤمنون: لا نفرق بقلوبنا وألسنتنا بين أحد من رسله، فالكل عندنا حق، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المؤمنين.

وقفة قصيرة ثم نعود إليكم إن شاء الله.

أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوه الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى الي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لححسن التأليف. فأخلص النية، واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى وقدمنا

الحمد لله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات. نعود إلى درسنا في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]. وقالوا؛ أي الصحابة والمؤمنون. سمعنا؛ أي ما أمرتنا به ونهيتنا عنه. وأطعنا؛ أي امتثلنا بفعل المأمور وترك المحظور. ومن صفات المؤمنين السمع والطاعة، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]. وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

الناس في باب السمع والطاعة على ثلاثة أقسام: الأول؛ من لا يسمع ولا يطيع بل هو معرض، لا يرفع لأمر الله ورسوله رأسا. الثاني؛ من يسمع ولا يطيع بل هو مستكبر اتخذ آيات الله هزوا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: 7] مع أنه سمع، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93]، طبعا هذا أعظم جرما من الأول. القسم الثالث؛ من يسمع ويطيع، وهؤلاء هم المؤمنون الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71].

إذا؛ من الناس من يسمع ولا يطيع فهو معرض، ومنهم من لا يسمع ولا يطيع فهو مستكبر، ومنهم من يسمع ويطيع وهم المؤمنون حقا. قال تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾؛ أي نسألك مغفرة الذنوب. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.

ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب الحديث. وقد سبق؛ إذا الله تعالى نسخها، فانزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] قال: نعم، الحديث رواه مسلم.

الآية هذه فيها دليل على أن من أهم أدعية المؤمنين طلب المغفرة، وهذا طبعا من جوامع الكلم النبوي، وهو قول: غفرانك. هذه غفرانك وردت في الآية: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، ووردت في الأحاديث أيضا. كل أحد محتاج إلى مغفرة الله حتى النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا لما قال: «لن يدخل أحدا عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة» رواه البخاري ومسلم. قال الله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1-2] وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19].

والإنسان قد يكون بعد الذنب أعلى مقاما منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئا للحالة التي كان عليها، ومعتقدا أن أموره ماشية كما يقولون. فإذا أذنب وأحس بذنبه رجع إلى الله وأناب وأخبت، فيزداد إيمانا فيزداد مقاما عند ربه. ولهذا قال الله تعالى في آدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهَ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: 121-122]، فجعل الاجتباء بعد المعصية وبعد التوبة من المعصية؛ فتاب عليه. وهذا يقع كثيرا؛ يعني أن بعض الناس إذا أذنب انكسر، وعرف قدر نفسه، وأنه ضعيف، وأنه محتاج إلى الله في التثبيت، فيرجع إلى ربه ويندم ويتوب ويستغفر، يحس بالخطأ والتقصير في جنب الله، فيمكن أن يكون بعد هذا مقام بعد الذنب أعلى من مقام قبل الذنب.

قد يسأل سائل فيقول: لماذا طلب المؤمنون المغفرة وقدموا بين يديها السمع والطاعة: سمعنا وأطعنا غفرانك؟ الجواب: لما علموا أنهم لا يخلون من تقصير، وأن الرب يغفر لمن يشاء قالوا: غفرانك؛ أي اغفر لنا، غفرانك؛ أو نسألك غفرانك. وأيضا؛ طلب الغفران إنما يجيء بعد تقديم الاستسلام وإعلان السمع والطاعة ابتداء بلا علاج، بلا أي عناد أو نكران، هذا أبلغ.

وأيضا؛ تقديم السمع والطاعة على طلب المغفرة من باب تقديم التوسل بالأعمال الصالحة قبل ذكر المطلوب. وأيضا؛ تقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران من باب تقديم الوسيلة على المسؤول، فهذا أدعى في الإجابة والقبول. وكان سبب طلب المغفرة أنهم لما علموا أنهم لم يوفوا مقام الإيمان حقه مع طاعتهم وانقيادهم، وأن غلبات الطباع ودواعي النفس البشرية تؤدي للتقصير، ولا يلم شعث هذا إلا مغفرة الله عز وجل، فلذلك سألوه غفرانه. يعني كان العبد يقول: مهما عملت ومهما عبدت ومهما فعلت أنا مقصر، يعتور عبادتي ما يعتورها ملل، سآمة، عجب، إلى آخره.

وقد يدعي العبد ادعاء يقول: أنا سامع مطيع، وهو مقصر في هذا؛ فيحتاج إلى طلب المغفره. هو لابد أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت. يعني هو يقول: أنا على عهدك ووعدك، لكن يحصل مني مخالفة أم لا؟ غاية كل مؤمن المغفرة، ولذلك قالوا: غفرانك ربنا، واعترفوا أن مصيرهم ومردهم إلى الله ولا بد من الرجوع إليه، فقالوا: وإليك المصير؛ فاعترفوا برجوعهم إلى ربهم. لاحظوا ماذا تضمنت هذه الكلمات من المعاني الجميلة: الإيمان بالله، وكذلك الدخول تحت طاعته وعبوديته، اعتراف المؤمنين بربوبيتهم وأنهم مضطرون إلى مغفرته، وأنهم مقصرون في حقه، وأنهم راجعون إليه.

نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يردنا إليه ردا جميلا، وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. نعود اليكم بعد قليل ان شاء الله، ففوائد عديدة وآثار حميدة. وقديما قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائدي. تفرج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبه ماجدي.

وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور؛ منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبه وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقائه. ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له، وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس. وقد دعا

لأمتها بالبركة في بكورها، وابتداء بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».

كما يستحب له السرى، وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وأنيساً، والدعاء قريناً له وسميراً فهو مظنة الإجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعاها قائلاً: «اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها».

وإن نزل منزلاً دعا وقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»؛ فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك. وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين وكذا الجمع إذا كان سائرا، فإن كان نازلا في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصرا ويجوز له الجمع.

ويستحب له ألا يطيل في السفر وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.

تعويد الآباء والأمهات أولادهم والاهتمام بذلك من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: «إن أباكما أي إبراهيم عليه السلام كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق؛ أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، أي ذوات السموم، ومن كل عين لامة، أي العين التي تصيب بسوء أو كل داء وآفة». رواه البخاري.

من اعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمراه الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لابنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذه.

فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وأن يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى أيها الأخوة والأخوات، نتابع درسنا ونأخذ الآن الفوائد من الآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].

أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف بالإيمان بما أنزل إليه، وهذا يقتضي تحمله أعباء الرسالة وقيامه بالتبليغ والعمل.

ثانياً: أن القرآن كلام الله، لقوله تعالى: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ والمنزل هو الوحي، والكلام لا يقوم بنفسه لابد من متكلم، وعلى هذا ففي الآية دليل على أن القرآن كلام الله وهو الوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: إثبات علو الله على خلقه، لأن النزول لابد أن يكون من أعلى بما أنزل إليه من فوق، وهذا يدل على أن الله عز وجل فوق مخلوقاته على عرشه.

وفيها إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: الرسول، وقوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ على من يقود آراء بشرية؛ بعضهم يقول يحاول أن يقول إن هذه الاحاديث آراء شخصية للنبي صلى الله عليه وسلم، سبحان الله! فرية عظيمة يريدون إسقاط حجية ودلالة وإلزام الوحي هذا، يقولون آراء شخصية.

ومن فوائد الآية عظم ربوبية الله وخصوصيتها بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ربنا عن: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾، ويتفرع على ذلك أن الله تعالى سينصره، لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك؛ الله رب الجميع، لكن لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام ربي وربنا في ربوبية خاصة تقتضي نصراً وتأييداً، لاسيما وأنه سوف يبلغ ما أنزل إليه من ربه، بل فيها إشارة إلى أن من بلغ دين الله كان له معية خاصة من الله.

وفيها أن المؤمنين تبع للنبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي كذلك اقتفوا أثره وساروا على نهجه وامنوا مثله، وهذا يدل على اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يستقلون بشريعة دونه. وفي الآية أنه كلما زاد الإيمان زاد الاتباع، فكلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالرسول صلى الله عليه وسلم كان أشد اتباعاً له، لأن الله قال: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي آمنوا أيضاً بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من ربه، وعلى هذا فكل من كان أقوى إيماناً كان أشد اتباعاً.

ومن الفوائد أن إيمان النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين شامل لكل أصول الدين: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ طبعا وما فيه الكتب وما يقتضي هذا الإيمان من الأعمال والأقوال قلبيّاً ولسانيّاً وبالجوارح.

طيب، لو قال قائل: الآية ما فيها ذكر الإيمان باليوم الآخر ولا الإيمان بالقدر؟ فالجواب أنها داخلة في قوله: بما أنزل إليه من ربه، ثانياً أن الإيمان بالكتب والرسل متضمن الإيمان باليوم الآخر والقدر.

وفي الآية فضل أركان الإيمان المذكورة، وفي الآية إثبات الملائكة وجود الملائكة، وفيها أنه يجب أن نؤمن بالرسل والكتب على وجه الإجمال وإن لم نعرف كل التفاصيل. ومنها أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق، لا تقول مثلاً نؤمن محمد صلى الله عليه وسلم ولا نؤمن بعيسى، ولذلك لماذا كان المؤمنون أولى بالحق باليهود والنصارى؟ لأنه كما جاء في المناظرة، قال المسلم: أنتم يا أيها اليهود تؤمنون بموسى وتكفرون بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم يا أيها النصارى تؤمنون بموسى وعيسى وتكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم، ونحن المسلمون نؤمن بموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فنحن أولى بالحق منكم نحن لا نفرق بين الرسل.

وفيها التوسل إلى الله بالعمل الصالح من السمع والطاعة قبل سؤاله ودعائه، نقدم عملاً صالحاً سواء كان قلبياً أو بالجوارح، فإن التوسل مثلاً بالإيمان: آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين؛ توسل عظيم، والتوسل بعمل صالح قبل الطلب في الدعاء أدعى لقبول الدعاء والإجابة. ولاحظوا ماذا كان قبل؟ غفرانك سمعنا وأطعنا.

وفي الآية تواضع الصحابه رضي الله عنهم لله، لأنه لما ذلت ألسنتهم بقولهم سمعنا وأطعنا وسألوا المغفرة خشية التقصير أجاب الله بعد ذلك. وفيها أن استسلام العبد لله من أسباب ثناء الله عليه والتخفيف عنه، فإن الصحابة رضوان الله عليهم لما استسلموا بقولهم سمعنا وأطعنا أنزل الله التخفيف في الآية التي بعدها.

وفيها الفرق العظيم بين الصحابة وبني إسرائيل، بين أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام وأصحاب موسى عليه السلام، فإن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا سمعنا وأطعنا، واليهود قالوا سمعنا وعصينا. وفيها فضل هذه الأعمال العظيمة وهي الإيمان والذل لله.

طبعاً من أصحاب موسى عليه السلام أمة يهدون بالحق وبه يعدلون يعني بلا شك فيهم شهداء وعلماء وصلحاء وزهاد وعباد، لكن كثير منهم فيهم هذه المصائب العظيمة وأحبارهم.

من أشد الناس على أنبيائهم إلا من رحم الله. الآية فيها فضل الأعمال العظيمة هذه؛ الإيمان والذل لله بالسمع والطاعة والدعاء وطلب المغفرة والإقرار بالمصير إلى الله يوم القيامة. وفيها أن المرجع في الحكم في الدنيا إلى الله وحده، وفيها أن الإيمان بكل ركن من أركان الإيمان يؤدي إلى الآخر، وفيها أن العبد مهما امتثل لأمر الله فلا يخلو من تقصير ولذلك يحتاج إلى سؤال المغفرة، وفيها أنه ينبغي أن يكون المؤمنون على قلب واحد ونهج واحد.

وفيها إثبات أن المصير إلى الله عز وجل في كل شيء لقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ [غافر: 43]. والمراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة والمصير إلى الله في الدنيا؛ لأن الله نواصينا بيده إذا شاء أخذنا، مصيرنا إليه في الدنيا؛ أمرضنا شفانا، أفقرنا أغنانا، أخذنا أبقانا، المصير إليه.

يحكم بين الناس في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه﴾ [الشورى: 10]. ولذلك أنزل شريعة نحن ملزمون بها، تمرد الكفرة والعلمانيون على ذلك وقالوا لا حكم له في الدنيا؛ لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الاجتماع ولا في الإعلام ولا في التعليم، ولا سبحان الله.

طبعا في الآخرة الفصل والحكم لله، لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم. وقال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الممتحنة: 3]. وقال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: 113].

نسأل الله أن ينجينا يوم الدين، وأن يرزقنا العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ونسأله سبحانه أن يجعلنا من أهل القرآن إنه رحيم رحمن. إلى درسنا القادم نلقاكم بإذن الله، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان وتريده سهلا النوال ميسرا ياتيك ميسورا بأي مكان

زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف صفا ليروي غلة الظمآن هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القرآن

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان ثان