بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله في هذه الدوحة من دوحات العلم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا فيها ممن علم وعلم وعمل، إنه هو السميع العليم.
هذا هو الدرس العشرون من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد، وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 285] الآية. وبين أن قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، أي: القرآن والسنة. والمؤمنون كذلك تابعوه وآمنوا. كلٌّ، أي: كل واحد منهم، آمن بالله، أي: بربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه. وملائكته، أي: الكرام المطهرين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وكتبه، أي: المنزلة على الأنبياء ومنها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وخاتمها القرآن الكريم. ورسله، جمع رسول، وهو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، لا نفرق بين أحد من رسله، أي: في الإيمان، بل نؤمن بهم جميعا ولا نكفر ببعض ونؤمن ببعض كما فعلت اليهود والنصارى. وقالوا، أي: الصحابة والمؤمنون: سمعنا، أي: ما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأطعنا، أي: امتثلنا بفعل المأمور وترك المحظور. غفرانك ربنا، أي: نسألك مغفرة الذنوب يا ربنا، واليك المصير، أي: المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.
في هذا الدرس، نتكلم بمشيئة الله تعالى عن تفسير الآية التي تليها، آخر آية في سورة البقرة وهي قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا انت مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286]. لما تمت الاستجابة من الصحابة رضوان الله عليهم وأقروا بالسمع والطاعة أنزل الله التخفيف. فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. إذا كان قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: 284] حتى لو كانت الوساوس والأشياء الخفية والخواطر ستحاسبون عليها، الصحابة لما قالوا سمعنا وأطعنا وأقرها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله التخفيف. قال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، يعني لا يكلف أحدا فوق طاقته، والتكليف الإلزام بما فيه مشقة من جهة اللغة تعريفه. وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7].
فالحمد لله أنه لم يجعل في دينه حرجا ولا إفراطا ولا تفريطا ولا آثارا ولا أغلالا ولا مشاق لا تتحمل ولا تضيق ولا تعسير، كما كان على الأمم الماضية بسبب ذنوبهم وظلمهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]. فمثلا شرع لنا الطهارة بالماء، وكانت الأمم الماضية إذا أصابت النجاسة شيئا من ثيابهم قرضوه بالمقراض. وكان اليهود إذا حاضت المرأة فيهم لم يساكنوها في بيت ولم يؤاكلوها، كما في صحيح مسلم، فكرم الله المرأة المسلمة وأباح تمتع بها في الحيض إلا الجماع. وكانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه فيها فضيحة، أما أمة الإسلام فتوبة واستغفار لا يعلم بها إلا الله الواحد القهار. فأنا فضيحة في التوبة؟ ولا يجب على الإنسان أن يعترف لأحد إلا الله: أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135].
ومن قواعد الشريعة المقررة أن الدين جاء برفع الحرج، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. هذه آيات، وفي الحديث: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» أي غلبه هذا الدين، «فسددوا وقاربوا» رواه البخاري. ومعنى الحديث: لا يتعمقن أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق ويشدد على نفسه إلا غلب وعجز وانقطع. فمن شدد على نفسه وتنطع وتعمق وكلف نفسه فوق طاقتها بما لم يجب عليه فلربما يغلبه ما تحمله فيضعف عن القيام بذلك.
ومن القواعد الفقهية في هذه الشريعة المباركة: رفع الحرج عن المكلفين، المشقة تجلب التيسير، إذا ضاق الأمر اتسع، الضرورات تبيح المحظورات، الضرر يزال، لا ضرر ولا ضرار، ما لا يمكن التحرز منه يكون عفوا، يعني معفيا عنه، وهذا طبعا تفسيره عند العلماء وفق القواعد الشرعية والامور التي يقدرها أهل الفقه والفتوى بقدرها.
وها هنا سؤال، وهو: ما هو الموقف مما لا يستطاع فعله؟ نحن الآن تحت قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، إذا أمر المكلف بأمر واجب فلا يسعه مع القدرة إلا الفعل، يعني إذا كان يقدر ما عنده خيار إلا التنفيذ، هذا مقتضى الإسلام وهو الاستسلام والطاعة. فإن عجز عن فعل وكان واجبا عليه سقط عنه لعدم القدرة، فيجب فعل المستطاع ويسقط غير المستطاع، فلو استطاع بعضه وعجز عن بعضه وجب عليه البعض المستطاع، كمن استطاع غسل بعض أعضاء الوضوء وعجز عن الأعضاء الأخرى أو عضو من الأعضاء تيمم عنه.
قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: 42]، يعني بمقدار ما تسعه طاقتها ولا يعسر على قدرتها. فعليها في هذه الحال أن تتقي الله بحسب استطاعتها، وإذا عجزت عن بعض الواجبات التي يقدر عليها غيرها سقطت عنها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. ومن القواعد: لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة.
وفي الحديث: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم»، طبعا سؤال الجدل والمراوغة والتأخير. «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم» مثل أسئلة بني إسرائيل في البقرة «واختلافهم على أنبيائهم»، إذا ليس المقصود سؤال التعلم والاسترشاد لا، سؤال التنطع والتلكؤ والمراوغة. «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» رواه البخاري ومسلم.
طبعا في من الأسئلة المحرمة في زمن الوحي أن يسأل واحد عن أمر مسكوت عنه، فإذا نزل التحريم بسببه فويل له؛ لأن الله ليس نسيا ولا يعزب عنه شيء ولا يغفل عن شيء. فإذا سكت ربنا عن شيء فلا يجوز السؤال عنه، هذا كان طبعا في زمن الوحي، الآن انقطع الوحي، السؤال لأهل العلم، الأسئلة المفيدة والتي تعني الشخص: احرص على ما ينفعك.
نعود إلى موضوعنا في العجز، كل واجب عجز عنه العبد يسقط عنه، وإذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه فانه يأتي بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه. مثال: من عجز عن القيام في الصلاة صلى جالسا، ومن عجز عن الجلوس صلى مضطجعا، كما في الحديث: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه البخاري.
ومن عجز عن الصيام الواجب كالشيخ الهرم ولم يستطع القضاء لكبر سنه وتدهور صحته، فهذا يسقط عنه الصوم ولا يلزمه وله أن يفطر ما دام الصوم يعسر عليه ويجهده إجهادا عظيما ويطعم عن كل يوم مسكينا. ومن أمثلته أيضا أن الأخرس والعاجز عن الكلام لا يلزمه تحريك لسانه في القراءة للصلاة أو التكبير وهو عاجز عن ذلك لا يخرج صوته فيسقط عنه هذا. وذكر ابن رجب رحمه الله في كتاب القواعد أمثلة. ثم قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286].
فكل نفس لها ما كسبت يعني ثواب ما عملته من خير، وعليها ما اكتسبت يعني وزر ما عملته من شر؛ فليس للإنسان إلا سعيه، لا يأخذ أحد أجر أحد ولا يعذب أحد عن أحد.
وهنا سؤال: ما دلالة التعبير بالكسب مع لفظة «لها»، والاكتساب مع لفظة «عليها»؟ لها ما كسبت من قال لها ما اكتسبت، وعليها ما اكتسبت ما قالوا عليها ما كسبت؟ الجواب والله أعلم أن الكسب يكون في الخير وطرقه أكثر، والاكتساب يكون في الشر وطرقه أضيق. وأضيف الاكتساب إلى الشر لبيان أن النفس مجبولة على فعل الخير؛ أيهما أسهل كسب أم اكتسب؟ كسب أسهل، سبحان الله، كأنه يقول للعباد: فعل الخير عليكم أسهل، والشر ضد فطرتكم وضد الأصل مجبولة عليه نفوسكم، وكأن النفوس لا تفعل الشر إلا بالتكلف، وأما الخير فهو مسهل لها، ولقد يسرنا القرآن للذكر؛ الميل إلى الخير مما أودع في طبع الإنسان ولا يحتاج إلى مشقة، كأنه يعني ضد الطباع ضد الطبع البشري لا العكس هو الصحيح.
فعل الشر ضد ما جبل الله الإنسان عليه من محبة الخير، يعني النفس السليمة والفطرة المستقيمة تجد لذة في عمل الخير، وتجد ميلا إليه تشعر بالميل إلى العبادة، لكن لما تكون الفطرة منتكسة والنفس شريرة والبيئة فاسدة إذا إذا أفسد الأصل صار الميل للشر والنفرة من الخير. عبادة المنعم وشكر المنعم مغروس في الطباع البشرية؛ الله عز وجل أصلاً جعل هذا في الإنسان تسهيلاً عليه، ولذلك قال لها ما كسبت يعني في الخير الذي يحصل حتى لو بنية القلب، مجرد نية القلب تؤجر عليها، ما أسهلها! ما ترى واحد ما عنده مال مر بدار أيتام ومساجد فقال: لو أن لي مال فلان لعملت بعمله، فهما في الأجر سواء؛ لماذا فعلت؟ كلها ألقاظ قالها ما أنفق ما صرف شيئاً، من هم بحسنة فلم يعملها؟ سبحان الله، كيف تكتب الحسنات بسهولة! وأتى باكتسب في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه.
وقال بعضهم: عبر في جانب الخير بالكسب، وفي جانب الشر بالاكتساب تعليماً للأدب في نسبة الخير إلى الله والشر إلى العبد. نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يقينا شر أنفسنا.
استراحة ثم نعود إليكم إن شاء الله.
من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع، فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة؛ فبالجهل تبرجت المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة.
فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
الحمد لله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الأخوة والأخوات، ومع تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] الآية. أرشد تعالى عباده إلى سؤاله وعلمهم أن يقولوا ربنا لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا إن نسينا وتركنا واجبا أو فعلنا محرما نسيانا. ما هو تعريف النسيان؟ ذهول القلب عن معلوم فيغيب عنه ما كان يعلمه من قبل والنسيان معنى واضح بدون تعريف، أو أخطأنا بفعل ما خالف الصواب جهلا ففي فرق بين النسيان والخطأ إذا والخطأ هو ارتكاب المخالفة بغير قصد ولا تعمد كما يحدث في قتل الخطأ مثلا.
ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الخطأ والنسيان؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». رواه ابن ماجه. رفع الله تعالى عن المسلمين المؤاخذة بالنسيان والجهل عند ترك واجب أو فعل محرم ولا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب، بمعنى أنه ليس مطلوبا منه، وأن الواجب ما عاد واجبا وأن المحرم ما عاد محرما؛ كلا، سيبقى الواجب واجبا والمحرم محرما.
فمن ترك الواجب نسيانا أو جهلا وجب عليه قضاؤه ولم يسقط الطلب به، سيبقى قائما، كمن نسي صلاة فعليه أن يصليها إذا ذكرها، وهذا في المأمورات ظاهر. أما المنهيات فمن فعلها جاهلا أو ناسيا فلا إثم عليه ولا كفارة، فمثلا لو أكل وهو صائم ناسيا فلا إثم عليه وأيضا لا قضاء عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه». رواه البخاري ومسلم. وكذلك لو أكل وهو صائم جاهلا فإن صومه صحيح، سواء كان جاهلا بالحكم أو جاهلا بالوقت.
ولكن لو فعل المحرم عالما بتحريمه جاهلا بما يترتب عليه يعني من الإثم أو الكفارة لم يسقط عنه الإثم ولا ما يترتب على فعله، مثل أن يجامع الصائم في نهار رمضان وهو يعلم تحريم ذلك، لكن يقول أنا ما كنت أدري أن فيها عتق رقبة ثم صيام شهرين متتابعين ثم لو كنت أدري أن هذه الكفارة مغلظة هكذا ما فعلتها؟ نقول لا تعفى، أنت تعلم أن ذلك حرام أم لا تعلم؟ إذا عليك التوبة وعليك الكفارة، وقد جاء ذلك في حديث المجامع زوجته في نهار رمضان فقد ألزمه النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة لأنه كان عالما بالحكم بدليل قوله هلكت، هو جاء يقول النبي عليه الصلاة والسلام هلكت. رواه البخاري ومسلم.
فإن قال قائل: إذا كان المأمور لا يسقط بالجهل والنسيان فما الفائدة من عذره بالجهل؟ يعني ما دام واحد مثلا نسي صلاة فنقول لا تسقط عنك الصلاة يجب أن تقضيها؛ طيب إذا ما الذي وضع عنه هنا؟ الجواب: الإثم، لكن رفع الإثم عنه لا يعني رفع الواجب عنه، فالفائدة عدم المؤاخذة، لأنه لو فعل المأمور على وجه المحرم يعلم به لكان آثما لأنه كالمستهزئ بالله وآياته حيث يعلم أن هذا محرم ويتقرب به إلى الله.
طيب ربنا ولا تحمل علينا إصرا ما معناها؟ أي لا تكلفنا بما يشق علينا ويثقل كما احتوى على الذين من قبلنا أي من بني إسرائيل وغيرهم الذين شدد الله عليهم. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به أي ما لا قدرة لنا على تحمله من التكاليف والمصائب والبلاء، طبعا شدد الله عليهم بمراوغتهم وعنادهم واستعصائهم على أنبيائهم، يعني هذا التشديد كان عقوبة لهم على أشياء فعلوها.
ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا فيما قصرنا فيه من حقك، واغفر لنا ذنوبنا واستر سيئاتنا، وارحمنا فيما يستقبل حتى لا نقع في فعل محظور أو ترك واجب. ولذلك فإن المذنب يحتاج إلى ثلاثة أشياء: أولا أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، ثانياً أن يستره عن عباده فلا يفضحه بذنبه بينهم، ثالثاً أن يعصمه من الوقوع في الذنب مرة أخرى. السؤال الآن: ما هو الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة؟ الجواب: العفو أن يسقط عنه العقاب، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صونا له من العذاب النفسي بالتخجيل والفضيحة بين الخلق، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو فإذا عفوت عني فاستره علي، فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة، لأن الآخرة فيها حشر الأولين والآخرين والفضيحة فيها على رؤوس الأشهاد.
إذا هذه يعني اعف عنا واغفر لنا وارحمنا، لما تخلص من هذين العذابين يعني عذاب الله والفضيحة والعذاب الحسي والعذاب النفسي أقبل على طلب الثواب فقال: وارحمنا. إذا درء الأذى أولاً ثم سؤال المحبوب والمطلوب والمرغوب، التخلية قبل التحلية. وارحمنا فإننا لا نقدر على فعل الطاعة وترك المعصية إلا برحمتك.
وهنا سؤال: لماذا قال المؤمنون في دعاءهم ربنا الأدعية الثلاثة المتقدمة، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، ألم يذكروها في قولهم واعف عنا واغفر لنا؟
وارحمنا؟ الجواب: قالوا لأن في الأدعية الثلاثة المتقدمة المطلوب بها الترك، فقرنت بلفظ ربنا. وهذا الدعاء الأخير حذف فيه لفظ ربنا، وظاهره يدل على طلب الفعل، لأن النداء إنما يحتاج إليه عند البعد في قضية المعاصي والسيئات: ربنا ربنا، أما عند القرب: اغفر لنا وارحمنا سلام. وإنما حذف النداء إشعارا بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] ادرأ عنا هذا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، وارفع عنا هذا وادرأ عنا هذا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
كل مكروهات قالوا فيها: ربنا ربنا، لما جاءوا إلى ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: 286] ما ذكر فيها لفظة ربنا صاروا قريبين. لفتة ذكرها بعض المفسرين والله أعلم. ﴿أَنتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: 286] أي ناصرنا وحافظنا ومتولي أمورنا ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] أي بتوليك لنا وتأييدك لنا ومعيتك لنا، انصرنا على من كفر بك وأشرك معك وعاد نبيك وأذى أولياءك، واكتب لنا النصر التام عليهم بالحجة واللسان والسيف والسنان.
وقد جاء في الحديث أن المؤمنين من الصحابة رضي الله عنهم لما دعوا الله بهذه الدعوات ربنا ربنا قال الله: نعم. وفي رواية: قد فعلت، رواه مسلم. فالصحابة الكرام رضي الله عنهم توجهوا إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبَكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284].
وفي هذا سر، فيفهم من هذا أن من شق عليه أمر من الأمور، أو عثرت عليه حاجة، أو نزلت به شدة أو بلية؛ فليرجع إلى ربه ولينطرح بين يديه معتقدا أن الأمور لا يقدر عليها إلا هو، فإن الله لا يخليه من معونته، ويخفف عنه ما نزل به، ويقويه على التحمل.
فإن الصحابة رضي الله عنهم لما شق عليهم المحاسبة على الخواطر وسلموا وأذعنوا لأمر مولاهم، لما قال لهم عليه الصلاة والسلام: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم؟ سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله التخفيف وأسقط عنهم ذلك التكليف العسر الشاق الصعب.
فكل من رجع في أموره إلى مولاه قضيت حوائجه بإذن الله، ومن علامات النجاح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات، نسأل الله أن يقضي لنا الحاجات، وأن يكفر عنا السيئات، وأن يضاعف لنا الحسنات، وأن يرفع لنا الدرجات.
وقفة قصيرة ثم نعود إن شاء الله.
إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك، ويحببك في نبيك، وتزكو به نفسك؛ في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية، والرقائق الإيمانية، والفواصل الدعوية المحترفة إعلاميا والمؤصلة منهجيا. تخاطب الرجال والنساء، الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصص، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر، أول قناة تعليمية شرعية في مجال التعليم الشرعي عن بعد، تبث على القمر الأوروبي هوت بيرد بطريقة مؤصلة ميسرة تفاعلية. قناة زاد العلمية، وتقدم لمشاهديها أكاديمية زاد للعلوم الشرعية، وتهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق شبكة الإنترنت وعن طريق قناة تلفزيونية فضائية. قناة زاد العلمية تأتيكم عبر الترددات التالية: الوطن العربي عبر نايل سات، القارة الأوروبية عبر قمر الهوت بيرد، قناة زاد العلمية.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عاتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للع العالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لححسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
رياض الأصالة زاد المنى تضيء الليالي وتمحو الدجى تفوح بطيب الكتاب المبين على نسمات الهدى والصفاء سبيل رشاد بشير العباد رحيق الجهاد وقطر للزاد الحياة وزاد التقى بزاد الحياة وزاد التقى فاعل خير تنير البلاد من أهل تروي أنين الجواب إذا هزني الشوق نحو قناة يزن يزداد رفيق السرى.
الحمد لله، مرحبا وعودة إليكم مرة أخرى. لما انتهينا من تفسير هذه الآية نريد أن نقف معها وقفات ونأخذ منها ما يستفاد، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286].
في هذه الآية بيان رحمة الله تعالى بعباده حيث لم يكلفهم إلا ما استطاعوه ولو شاء أن يكلفهم ما لا يستطيعون لفعل، وفيها أن التكاليف الشرعية وإن كان في بعضها مشقة، كالوضوء في البرد والقيام من النوم لصلاة الفجر والجهاد في سبيل الله مع ما فيه، إلا أن هذه التكاليف تقع في حدود قدرة البشر وطاقتهم ويمكنهم القيام بها، ولذلك جاهد الصحابة وفتحوا الفتوحات.
فإذا عجز المسلمون لأي سبب شرعي معتبر سقط عنهم هذا التكليف، فإذا كانوا في الاستضعاف سقط عنهم الجهاد مثلا، وفي الآية دليل على قاعدة عظيمة في الشريعة وهي: لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة. لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله، فإن لم يكن له بدل سقط، وإن عجز عن البدل سقط البدل، مثال: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء، لكنه ينتقل إلى التيمم، فإن عجز سقط التيمم أيضا، وتسمى المسألة صلاة فاقد الطهورين.
ومثال سقوط التحريم مع الضرورة: من اضطر إلى أكل ميتة في فلاة لا يجد غيرها وقد أشرف على الهلكة فلا يجد ما يسد رمقه سوى هذه الميتة، فانه يحل له أن يأكل القدر الذي يبقيه ولا يتوسع.
وفيها أن ما لا طاقة للإنسان به فهو غير مكلف به ولا مؤاخذ عليه، كهجوم خواطر الشر أو الوساوس الشيطانية، فانه لا يملك منع ورودها، لكن عليه المجاهدة والمدافعة واشغال النفس بالمفيد.
وفيها أن كسب الإنسان للحسنات وفعله الخير هو في الأصل من سهل وميسور، جعل الله الفطرة مطاوعة وموافقة له، وهذا من إعانة الله للمطيع، حتى إنه ليؤجر على نيته. وأما اكتساب المعصية ففيه معالجة وتكلف؛ لأنه يخرق الشريعة ويخالف الفطرة وتترتب عليه الأضرار وفيه الفضيحة. وفي الآية أن للإنسان ما كسب دون أن ينقص منه شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: 112].
وفي الآية أن للإنسان طاقة محدودة لقوله: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء، في العلم والفهم والحفظ، ويكلف بحسب طاقته. طبعا هذا بخلاف النظرة المادية الإلحادية الموجودة عند بعض الغربيين والمتسربة إلى بعض المسلمين، عندما يقولون: أطلق طاقاتك وأطلق العملاق الذي بداخلك والعقل الباطن، نجد في فحوى الأمر كأنهم يؤلهون الإنسان: أنت تستطيع أن تفعل كل شيء، أنت تستطيع أن تفعل أي شيء. كيف؟ الإنسان له طاقة، نعم، نحن نشجع الناس ونقول: لا تكسلوا ولا تعجزوا وحاولوا واستمروا وخذوا بالأسباب الشرعية والله يعينكم، لكن ما نزرع في الإنسان أنه إله وأنه على كل شيء قدير.
وبكل شيء عليم، لا والله لا هو ولا الدول العظمى ولا القوى الكبرى، البشرية ليست على كل شيء قدير، ولا بكل شيء عليم، ولا على كل شيء حفيظ، الإنسان له طاقة.
وفي الآية أن الله ينسخ ما يشاء ويفعل ما يريد، وفيها أن من رحمة الله بعباده التخفيف ونسخ حكم الأثقل إلى الأخف، هذا من أنواع النسخ، وهذا مثال في الآية الآية مثال له. وفيها رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق حيث علمهم دعاء يدعونه به، واستجاب لهم إياه في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] وفيها أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف المناسب، يعني بالربوبية المناسبة لموضوع السؤال والدعاء، الربوبية التي بها الخلق والتدبير، ولهذا كان أكثر أدعية القرآن مصدرة في وصف الربوبية ربنا، ربي، وأدعية الأنبياء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38] وهكذا.
وفيها استجابة الله لدعاء المؤمنين ورفع المؤاخذة عنهم بالنسيان والجهل والخطأ، لكن لا يلزم من ذلك سقوط الطلب، فلو نسي صلاة فريضة مثلا فلا يسقط عنه قضاؤها إذا تذكرها، مع كونه لا يأثم على هذا النسيان. وفيها ضعف العبد وقصوره فإنه ينسى ويجهل.
وفيها رحمة الله بعباده المسلمين بوضع الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، وضعها عن المسلمين فلم يقبل ممن عبد العجل إلا أن تكون توبتهم قتل النفس، ولم يجوز الله لهم أخذ الغنائم ولا كان التيمم لهم رخصة مشروعة، ولا جعلت لهم الأرض مسجدا ما يستطيع يصلي في أي مكان، الحمد لله على نعمته جعل توبتنا هذا الندم والاستغفار، وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لنا الغنائم ونعم الله كثيرة.
وفي الآية حاجة الإنسان إلى عفو ربه لأنه لا يخلو من التقصير. وفيها أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله سبحانه العافية. وفي الآية رد على المنحرفة المتصوفة الذين قالوا نحن لا نسأل الله تعالى أن يقينا ما يشق علينا لأننا عبيده، وإذا حصل لنا ما يشق فإننا نصبر عليه وفقط، نقول لا، بل نسأل الله أن يرد عنا سوء القضاء، وفي الحديث في الدعاء النبوي: «وأعوذ بك من سوء القضاء»، فنسأل الله دفع البلاء ورفع البلاء ونعوذ به من سوء القضاء، ونقول: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286].
ومنها أنه ينبغي للإنسان سؤال الله العفو، لأن الله قال: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: 286] أن يتبع هذا بسؤال المغفرة وسؤال الرحمة، ففي الآية الجمع بين سؤال العفو والمغفرة والرحمة، وأن هذا من كمالات الدعاء. والانسان إذا لم يغفر له تراكمت عليه الذنوب ورانت على قلبه وربما أوبقته، بل توبقه وتهلكه. ومن فوائد الآية أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله أن يرحمه في مستقبل أمره، فيعفو عما مضى ويغفر ويرحمه المستقبل لقوله تعالى: ﴿وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: 286] وبه نعرف اختلاف هذه الكلمات الثلاث؛ طلب العفو عن التفريط في الطاعات، والمغفرة عن الوقوع في المحرمات، والرحمة فيما يستقبل من الأوقات وأن يوفقه لما فيه عمل الصالحات.
وفي الآية أن الله ولي الذين آمنوا، والمؤمن لا ولي له إلا ربه لقوله تعالى: ﴿أَنتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: 286] وولاية الله نوعان خاصة وعامة، فالولاية الخاصة ولاية الله للمؤمنين كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257] لها مقتضيات يخرجهم من الظلمات إلى النور، نور، والله ولي المؤمنين يثبتهم، يعينهم، ينصرهم، يرسل ملائكته من أجلهم. الولاية العامة يعني أن الله ولي كل أحد متولي جميع أمور الخلق، هذه للجميع للمسلم والكافر، كما قال تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 30]. وفيها أن من نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينصرهم على القوم الكافرين.
هذه بعض الفوائد من هذه الآية، بها نختم هذا المجلس، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من حملة القرآن ومن أهل القرآن وممن أراد بهم خيراً، خيركم من تعلم القرآن وعلمه، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا كتاب الله ربيع قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.
الشيخ محمد صالح المنجد