بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فهذا هو الدرس الحادي والعشرون من سلسلة مادة التفسير في أكاديمية زاد.
وقد سبق في هذا المجلس العلمي الحديث معكم عن تفسير قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286].
وذكرنا أنه لما تمت الاستجابة من الصحابة رضي الله عنهم، وأقروا بالسمع والطاعة وأيقنت القوب وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله التخفيف فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي لا يكلف أحدا فوق طاقته، فكل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي ثواب ما عملته من خير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي وزر ما عملته من شر؛ فليس للإنسان إلا سعيه، لا يأخذ أحد أجر أحد ولا يعذب أحد عن أحد.
ثم أرشد الله تعالى عباده إلى سؤاله وعلمهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ أي لا تعاقبنا ﴿إِن نَّسِينَا﴾ تركنا واجبا أو فعلنا محرما نسيانا، والنسيان ذهول القلب عن معلوم فيغيب عنه ما كان يعلمه من قبل ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ بفعل ما خالف الصواب جهلا منا.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ أي لا تكلفنا بما يشق علينا ويثقل كما حملته على الذين من قبلنا أي من بني إسرائيل وغيرهم الذين شدد الله عليهم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي ما لا قدرة لنا على تحمله من التكاليف والمصائب والبلاء.
﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ فيما قصرنا فيه من حقك، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبنا واستر مساوينا، ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أي فيما يستقبل حتى لا نقع في فعل محظور أو ترك واجب. ﴿أَنتَ مَوْلَانَا﴾ أي ناصرنا وحافظنا ومتولي أمورنا، ﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وهنا نتحدث، بعد أن انتهينا من هذا المقرر، عن تفسير آيتين عظيمتين أخريين من كتاب الله تعالى، وهي قوله عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].
قيل في سبب نزول هذه الآية: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فانزل الله تعالى هذه الآية. هذا ما ذكره الواحدي رحمه الله في أسباب النزول، على أي حال يذكر السبب حتى لو ما عرفنا له إسنادا صحيحا، على أنه مشهور في كتب أهل التفسير.
وعن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فانزل الله عز وجل هذه الآية. وذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في العجاب في بيان الأسباب.
ما معنى الآية؟ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد صلى الله عليه وسلم، معظما لربك ومتوكلا عليه وشاكرا له ومفوضا إليه: ﴿اللَّهُمَّ﴾ لا خلاف أن لفظ اللهم معناها يا الله، ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب، فلا يقال مثلا: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني.
﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي له الملك كله وله التصرف التام وتدبير الأمور، فهو مالك المملوكات ومالك تدبير الخلائق كلها. فمعناها إذا: يا مالك الملك. قل اللهم مالك الملك، هذا نداء، يا مالك الملك، يا مالك العباد وما ملكوا، يا مالك السماوات والأرض. وهذه من أقوال العلماء في التفسير.
ثم فسر هذا الملك والتصرف والتدبير بالتاء والنزع، فقال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء﴾. إذا فسر تعالى قوله مالك الملك بالإيتاء والنزع، تعطي السلطان والغلبة من تشاء وتريد فتملكه وتسلطه على من تشاء، ومن الانبياء من جمع الله له بين النبوة والملك والسلطان كداود وسليمان عليهما السلام، ومنهم من آتاه نبوة ولم ياته ملك ولا سلطان، والنبي صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون ملكا نبيا أو نبيا رسولا فاختار أن يكون نبيا رسولا.
الإيتاء يقابله النزع، ولذلك قال: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء﴾ لأن مالك الملك سبحانه يملك وياخذ ويعطي وينزع، ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء﴾ وتسلبه إياه بالموت أو بتسليط غيره عليه وحرمانه من الملك بأي سبب، وقد يكون ذلك ابتلاء، وقد يكون عقوبة.
يضاف إلى تفسير مالك الملك: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء﴾، والاعزاز التقويه، وقد يكون باعطائه الملك والسلطه، أو النصر والغنيمة، أو الغنى، أو القاء هيبته في قلوب الناس، وأعظم ذلك اعزاز أنبيائه ورسله بالنبوة والرسالة والإيمان والعلم والطاعه، اعزاز العلماء بنصيبهم من هذا الإيمان والعلم والعمل، وفعلا العالم له عزة، له مكانه في قلوب الخلق جعلها الله عز وجل بهذا العلم.
إذا: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء﴾ بسلب ملكه أو ضرب الجزية عليه، وأسوأ الاذلال أن يتخلى عنه سبحانه فيقع في الكفر والرذائل. إذا أنت المعطي وأنت المانع وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن.
وفي هذه الآية تنبيه وارشاد إلى شكر نعمه الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الامه، لأن الله حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي المكي الأمي خاتم الانبياء والمرسلين، وهو رسول الله إلى جميع الثقلين وإلى العالمين جميعا.
جمع الله فيه محاسن من قبله وزاده وخصه بخصائص لم يعطها نبيا قبله من الانبياء ولا رسولا من الرسل عليه الصلاه والسلام، سواء في العلم بالله وشريعته، وحتى يوم القيامة يفتح عليه آية من اسمائه وصفاته والمحامد اشياء ما عرفها احد، يفتح الله على نبيه محامد يناجيه ويخاطبه ويدعوه بها فيقبل شفاعته الشفاعة العظمى.
وكذلك فان الله اطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على امور من الغيوب الماضية والآتية، لان علم الغيب كله ليس الا لله لا لمحمد عليه الصلاه والسلام ولا لغيره، ولكن في امور من الغيب اطلعه عليها؛ أشراط الساعه، ما اخبرنا به عن اليوم الاخر، ماذا يكون في القبر، في اخر الزمان ونحو ذلك.
وكشف الله له عن حقائق الآخرة ما كشف، وأيضا اعطاه مزايا في أمته فنشرها في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها. يعني نحن الآن نجد مسلمين في إندونيسيا وأقصى شرق آسيا، وأقصى شمال آسيا في تلك الجمهوريات، ونجد مسلمين في جنوب إفريقيا وفي أمريكا الجنوبية وفي كندا وشمال الكرة الأرضية وأوروبا وإفريقيا. فعلا نشر الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وأظهر دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع. ما في دين مثل الإسلام، ولا في أحكام مثل هذه الشريعة، ولا في نظام ولا شمولية مثل ما في الإسلام. فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الكريم ما تعاقب الليل والنهار، نسال الله أن يجعلنا من أهل شفاعته وأن يردنا حوضه وأن يرزقنا مرافقته في جنات النعيم.
وقفة قصيره ثم نعود إليكم إن شاء الله.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الادب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الادب قبل العلم، قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبنائهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين.
وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعمم مني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بآدابه، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه.
ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والادب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والآداب، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
من اعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها. فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع، فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأته على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة.
وبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفر من البيت فيتفرق شمل الأسرة. وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة.
فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وأن لا يمنعها الحياء من ذلك، فانه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
قناة زاد العلمية وتقدم لمشاهديها أكاديمية زاد للعلوم الشرعية، وتهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق شبكة الإنترنت وعن طريق قناة تلفزيونية فضائية. قناة زاد العلمية تاتيكم عبر الترددات التالية: الوطن العربي عبر نايل سات، القارة الأوروبية عبر قمر الهوت بيرد.
الحمد لله، مرحباً بكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ومع تفسير قول الله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]. في ختام الآية، لما بين الله أن له الملك التام سبحانه والتصرف الكامل وتدبير الأمور في خلقه: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26]. قال بعدها: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، فأثنى على نفسه: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي المصالح والمنافع الدنيوية والأخروية والحسنات والخير كله.
ولم يذكر الشر هنا مع أنه بيده ويملكه سبحانه، لان المقام مقام ثناء ومدح، وإلا فالأصل بيدك الخير والشر، فحذف الشر كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] يعني والبرد أيضا، الملابس تقيكم من باب اولى فنبه بالشيء على ضده. وهنا أيضا يكفي: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ للدلالة على الأمر الآخر، أنه عز وجل يتصرف فيه وبيده أيضا: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبه في فضله ولانه مقام ترجي، المسلمون يرجون الخير من الله. وقيل: لم يذكر الشر حفظا لآداب الخطاب وتفاؤلاً بذكر الجميل والحذر من السوء.
وها هنا مسألة، وهي: هل يجوز أن ينسب الشر إلى الله تعالى بمعنى أن نقول مثلاً الشر في يديك؟ كان من دعاءه عليه الصلاة والسلام: «لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك» رواه مسلم. لكن ما معنى قوله والشر ليس إليك؟ قالوا فيها عدة أقوال، منها: الشر ليس إليك، ليس واصلاً إليك من أحد، أصلاً لا يستطيع أحد أن ينال الله عز وجل أو يضره شيء. وقيل: إن العبد لا ينسب لله تعالى شر نفسه. وقيل: ليس الشر مما يتقرب به إليك. وقيل: أي ليس مضافاً إليك فتخاطب به تأدباً معك، كما لا يقال يا قاتل الأنبياء ويا مضيق الأرزاق، وإنما يخاطب الله بما يليق بالادب. صحيح هو يضيق الرزق على من يشاء، لكن ليس من الأدب أن يخاطب بـ مضيق الأرزاق مثلاً، وإنما في الخطاب يقال يا رزاق، والنفوس ترجو الخير من الله ولذلك تذكره بالخير الذي عنده، والأ فان زائل الخير والشر كلها سبحانه وتعالى يهيمن عليها ويتصرف فيها.
ويقال كذلك يا كريم يا رحيم، ويقول المذنب ظلمت نفسي ولا يقول أنت قضيت علي بالظلم، مع أنه عز وجل يقضي ويقدر، لكن هذا الأدب مع الله وكذا الذل المعبود. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي فلا يمتنع عليك شيء ولا يعجزك شيء. صدر الله تعالى الآية بتفرده بالملك وانه يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء وليس غيره يفعل ذلك أبداً. فإذاً تفرده بالملك أولاً وتفرده بالتصرف فيه كذلك، وانه سبحانه هو الذي يعز من يشاء بما يشاء من أنواع العز، ويذل من يشاء بسلب ذلك العز منه، وان الخير كله بيديه ليس لاحد معه منه شيء، ثم ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فتناولت الآية إذاً وتصرفه وعموم قدرته، وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده وانها كلها خير.
فسلبه الملك عمن يشاء واذلاله من يشاء خير، وإن كان شرا بالنسبة إلى المسلوب منه، وكذلك قضائه بالأذلال خير وإن كان شرا بالنسبة للذليل، لان تصرفه تعالى دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة لا يخرج عن ذلك، وهذا كله خير يحمد عليه الله عز وجل. وقد يسلب ملكا من شخص يطغى فيزيل عنه سبب الطغيان فيعود إلى ربه، وقد يذل شخصا تفتن به الناس لتزول الفتنة. كما أنه سبحانه يحمد ويثنى عليه بتنزيهه عن الشر وانه ليس اليه، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في دعاء الاستفتاح: «لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك» رواه مسلم.
فتعالى الله عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نسب اليه فهو خير، والشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته واضافته اليه، فلو اضيف اليه لم يكن شرا. وختم الآية بقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكان كالتاكيد لما قبله من كونه مالكا لإيتاء الملك ونزعه والاعزاز والاذلال، فهو على كل شيء قدير. وكل ذي ملك ينتقل ملكه ويزول إلا ملك الله، قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]. ولما حضرت بعض الخلفاء الوفاة أمر بغطاء دابته ففرج له فاضطجع عليه، ثم وضع الرماد على رأسه وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم اليوم من قد زال ملكه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعزنا بطاعته وأن لا يذلنا بمعصيته وأن يجعلنا من أوليائه.
للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديما قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد
وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على امور منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقائه.
ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له، وأن يبكر في الخروج لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها.
ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوي عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».
كما يستحب له السرى، وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحبا له وانيسا، والدعاء قرينا له وسميرا فهو مظنة الإجابة.
إذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها. وإن نزل منزلاً دعا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر؛ كقصر الصلاة الرباعية ركعَتَين، وكذا الجمع إذا كان سائراً، فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً، ويجوز له الجمع.
ويستحب له ألا يطيل في السفر وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته. فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبو عابدون لربنا حامدون.
الحمد لله، مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات، ومع فوائد الآية التي سبق تفسيرها. من فوائد الآية: تعليم العباد شكر النعمة، وذكر نعمة الله على هذه الأمة بنقل النبوة من بني إسرائيل إلى هذا النبي العربي القرشي المكي الأمي الهاشمي خاتم النبيين.
ونحتاج إلى استحضار الآيات التي تسبقها للربط بين هذه وما تقدم، وفيها تفويض الأمور إلى الله، وأنه لا يجوز الاعتراض على الله في نقل الملك أو النبوة إلى من يشاء. ولذلك كان من جهالة بني إسرائيل أنهم اعترضوا على نبيهم لما أخبرهم أن الله قد آتى طالوت الملك، وقالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤتَ سعة من المال؟ حتى موازينهم غير شرعية، وكان عندهم سبط فيه النبوة وسبط فيه الملك. ولما اصطفى الله لهم هذا الرجل وآتاه بسطة في العلم وبسَطة في الجسم قدرة على القيادة، وأنه سوف يقودهم إلى النصر ويخرجهم من الذل ويتفوقون على عدوهم ويسترجعون بيوتهم التي أخرجوا منها، أبوا واعترضوا على الله.
الآية فيها تملك الله عز وجل ونقصان ملك غيره. فملك غيره أما أنه مسبوق بعدم ما كان يملك فصار يملك، وأنه يلحقه نقص فينقُص ملكه، أو زوال فيزول ملكه؛ أما بموت أو بسلب وتسليط غيره عليه. ملك غير الله ينتقل ويزول، وملك الله دائم لا يحول ولا يزول. وفي الآية أن الله تعالى هو الملك المالك، فهو يملك ويتصرف في ملكه، ولذلك جاءت القراءة في سورة الفاتحة الصحيحة: مالك يوم الدين، وأيضاً: ملك يوم الدين، فصفة الملك المطلق لله. والممالك والأكوان كلها علوية وسفلية له، له ملك السماوات والأرض، والتصريف والتدبير كله له تعالى، إليه يرجع الأمر.
وفيها أن الله يذل الجبابرة ويذهب ملكهم، كما فعل بفرعون والنمرود، وأهلك الله من الأمم من أهلك: عاداً وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم فرعون. أهلك الله دولاً قامت، أين ذهبت؟ أين الفينيقيون والبابليون والآشوريون والرومان القدامى؟ ذهبوا، ذهبت ممالكهم، بقيت آثار، بقيت آثار يتعظ بها اللاحق من زوال ملك السابق. وأن تلك ما زالت إلا لشرك وكفر ومعصية، سلط الله تعالى بسببها على أصحابها ما سلط من هزيمة وذل ونزع ملك ونحو ذلك. وأيضاً الآية فيها إشارة إلى أن الله ينزع ملك الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم، وأن الله يعز أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد آتاها ملك فارس كسرى والروم قيصر.
ومن هذه الفوائد أن الله تعالى واهب الملك، المعز المذل، القادر على جميع الأشياء في الدنيا والآخرة. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26]: تعز المهاجرين والأنصار، وتذل فارس والروم، وتسلط هؤلاء الصحابة على أولئك الكفرة. ماذا كان العرب؟ كانوا في ذل وفقر، يأكلون الجعلان، يعبدون الحجر، يسلو بعضهم بعضاً. ملكوا الممالك وصار دينهم مهيمناً سائداً على العراق والشام واليمن ومصر وشمال أفريقيا وما وراء النهر سبحان الله! وقيل في هذا الموضع من الآية: تعز محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين، وتذل مشركي قريش كما أذللت أبا جهل وأصحابه حتى زِلت رؤوسهم وألقوا في القليب. وقيل: تعز من تشاء بالإيمان والهداية، وتذل من تشاء بالكفر والضلال. وقيل: تعز من تشاء بالطاعة، وتذل من تشاء بالمعصية. وقيل: تعز من تشاء بالنصر، وتذل من تشاء بالقهر. وقيل: تعز من تشاء بالغنى، وتذل من تشاء بالفقر. وقيل: تعز من تشاء بالقناعة والرضا، وتذل من تشاء بالحرص والطمع.
ومن فوائد الآية أن العزة قد تكون في الدين وقد تكون في الدنيا. أما في الدين فأشرف أنواع العز عزة الإيمان، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]. وأعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان، وأذل الأشياء الموجبة للمذلة هو الكفر. ومن الاعزاز في الدين الثواب دخول الجنة، وأي عز أعظم من إدخالهم جنته وتمكينهم من النظر إليه؟ اعزاز الدين فيه الكرامة في الدنيا والآخرة.
أما عزة الدنيا، وقالوا بعزة فرعون: عزة زائله يذهب صاحبها ومن معه. عزة الدنيا اليوم كما نراها؛ أبراجاً وناطحات سحاب ومصانع وتقنية وزراعات وأموالاً طائلة وتقدم صحي وتحكم إعلامي وبهرج، لكن هل تبقى وتدوم؟ أبداً. بل سبب للطغيان الذي يأخذ الله أصحابه ولا بد أن يأخذهم سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَزَيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهُّا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: 24]. القسم الأول حصل، بقي حسب السنة الإلهية لهؤلاء الكفرة المسيطرين على العالم اليوم: أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس. الآن عندهم عز الدنيا، لكن: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ [الإسراء: 58]. وأيضاً أن حقاً على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه. وأيضاً فإنه ما من قرية فشا فيها الربا والزنا إلا أحلو بأنفسهم عقاب الله وعذاب الله. وأيضاً فإن من عادة الله أخذ الظلمة طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد.
وأيضاً فإن الله توعد من عمل مثل عمل قوم لوط، فلما أهلكهم بأربع أنواع من العقوبات: الصيحة، وعاليها سافلها، وحجارة من سجيل، وطمس أعينهم، قال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83]. نحن ننتظر موعود الله في هؤلاء الكفرة وسيأتي ولا بد، هذه سنة كونية: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
عزة الدنيا، نعم، فيها أموال وتكثير الحرث والنتاج والقوة والهيمنة والسيطرة والجند والسلاح وقواعد وحاملات طائرات أقمار فضائية واتصالات، لكن الله عز وجل فوق كل ذلك، هذه كلها فتنة وابتلاء، ويجب على المسلمين أن يأخذوا بأسباب القوة ما يقارعون به عدوهم، وألا ينتظروا مجرد أن يقع بالعدو آفة سماوية، ولكن الله على كل شيء قدير. ولو ضعف المسلمون عن مواجهتهم فالله عز وجل يذلهم ويخزيهم ويأخذ أولئك الكفرة.
من فوائد الآية أن الاعزاز والإذلال بيد الله تعالى، وقد جاء في دعاء القنوت: وأنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، والحديث في السنن. وأنه لا يذل من واليت: لا يذل عبادك أبداً، لا يذلون في الآخرة ولا يدخلون النار ولا تسود وجوههم بل يكرمون وإن ابتلوا بما ابتلوا به في الدنيا وسلط عليهم من سلط ولو أهانهم من أهانهم في الدنيا، فإن عزة الإيمان في قلوبهم: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]. ويوم القيامة سيكون العلو والظهور واضحاً، فالله ينصر في الحياة الدنيا وينصر يوم يقوم الأشهاد، وغاية الرفعة والعزة يوم الدين.
لقد ذبح زكريا ويحيى وقطع بالمنشار من قطع، ولكنهم هم أعز عند الله. أحرق أصحاب الأخدود وخلد الله ذكرهم. قال: ولا يعز من عاديت، يعني لا يعز في الآخرة، وحتى في الدنيا وإن كان في الظاهر هو في قوة وهيمنة لكن في الداخل ذليل، ذلة الكفر في نفسه وإن أعطي من نعيم الدنيا وملكها ما أعطي، وكذلك أصحاب المعاصي وإن كانوا في...
الظاهر في قصور وحبور، لكنهم في الباطن في ذل وشقاء؛ فإن له معيشة ضنكا. من فوائد الآية أن العز لله، وقد قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: 111]؛ لا يذل فيحتاج إلى ولي حتى يعتز به أو يعز به، لأنه هو العزيز سبحانه القهار، كل شيء تحت قهره، لا يحتاج إلى ولي ولا نصير ولا وزير ولا مشير سبحانه. وفي الآية الاستغناء بالثناء عن الطلب، الاستغناء بالثناء عن الدعاء. وفيها إثبات اليد لله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: 26]، ولذلك ينبغي أن يُمَالَ الخير إلى الله عز وجل. ومنها أن الله عز وجل لا يمتنع عليه أمر من الأمور، كل الأشياء في طوع مشيئته وقدرته: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]. وفي الآية التحذير من ارتكاب الأسباب التي تزيل النعم.
وفيها أن انتقال الخير إلى الغير لا يجيز رفض الحق، وأنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولو انتقلت النبوة منهم إلى غيرهم. وفيها أن العز الباطن من الإيمان والعلم أقوى وأفضل من العز الظاهر كالسلطان والمال والأعوان؛ فإن ذل الباطن من الكفر والعصيان أسوأ بكثير من الذل الظاهر كالفقر والمسكنة والضعف والمرض والسجن. وفيها أن من الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول الملك: الإيمان والعمل الصالح؛ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 55]، فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب الاستخلاف.
وفيها أن المؤمنين إذا لجأوا إلى الله أذل الله لهم أعداءهم وسلط عليهم وصار الأمر للمسلمين، وأن ما يكون من هزيمة للمسلمين هو حلقة من الحلقات وموجة من الموجات: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز دينه وأن يعزنا بطاعته، ونسأله عز وجل أن يجعلنا يوم القيامة فوق كثير من خلقه، إنه جواد كريم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا النوال ميسرا ياتيك ميسورا مكاني. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن، بشرى لناسه. أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد