تسجيل الدخول

المحاضرة 22 - تفسير خواتيم سورة آل عمران (1)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله في هذا الدرس المباشر الثاني والعشرين من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.

وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]. وذكرنا أن قوله تعالى: قل اللهم، أي يا الله، مالك الملك، أي لك الملك كله، ولك التصرف التام وتدبير الأمور، فربنا مالك المملوكات ومدبر الخلائق جميعا.

والمعنى يا مالك الملك يا مالك العباد وما ملكوا، وقيل يا مالك السماوات والأرض. تؤتي الملك من تشاء، أي تعطي السلطان والغلبة من تشاء وتريد من خلقك فتملك وتسلطه على من تشاء. وتنزع الملك ممن تشاء، أي تمنعه وتسلبه ممن تشاء بالموت أو تسليط غيره عليه ونحو ذلك، وقد يكون هذا النزع ابتلاء وقد يكون عقوبة.

وتعز من تشاء باعطائه الملك والسلطان أو النصر والغنيمة أو الغنى أو بإلقاء هيبته في القلوب، وأعظم من ذلك الإعزاز بالنبوة والرسالة والإعزاز بالإيمان والعلم والطاعة، إذ أن أهل العلم جعل الله لهم سلطانا في قلوب الناس. وتذل من تشاء بسلب ملكه أو ضرب الجزية عليه، وأسوأ الإذلال ما يكون بالكفر والوقوع في الشرك والمعصية. بيدك الخير، أي المصالح والمنافع الدنيوية والأخروية.

ننتقل الآن عن تفسير خواتيم سورة آل عمران من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إلى آخر الدعاء الوارد في هذه الآيات. قوله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، لما ذكر تعالى في الآية التي قبلها أنه مالك السماوات والأرض عندما قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 189]، ذكر أن في خلقهما دلالات واضحة لذوي العقول.

ولما كان في بداية هذه السورة الرد على شبهات النصارى وفد نجران الذين جاؤوا في العهد النبوي إلى النبي صلى الله عليه وسلم والرد على غيرهم من أهل الباطل في سورة آل عمران، والسورة حفلت بالردود على أهل الكتاب عموما في شركهم وكفرهم، ختمها ربنا تعالى بذكر ما يدل على التوحيد والألوهية.

وقد روى ابن حبان عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقال ابن عمير: أخبرنا باعجب شيء رايتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكتت ثم قالت: لما كانت ليلة من الليالي، قال: «يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي». قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي. قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حجره. قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته. قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض.

فجاء بلال يؤذن للصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، لما تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً! لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية». وهذا الحديث رواه ابن حبان وهو في صحيح الترغيب.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، مرة من المرات استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده النوم يعني آثار النوم، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ، يعني وعاء أو قربة معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي. الحديث رواه البخاري ومسلم.

فاذا اردت يا عبد الله، وإذا أردتِ يا أمة الله، سنة من السنن قلّ من يعمل بها وقلّ من يعرفها، فإنك إذا استيقظت من الليل لقيامه فاجلس وامسح النوم عن وجهك بيدك، ثم اقرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران آخر عشر، ثم توضأ وأحسن الوضوء وقف لصلاة الليل. وهذه سنة من السنن الثابتة في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن ينبغي إذا عرفنا سنة أن نعمل بها ولو مرّة، وربما لم يسمع بها الكثير.

كثيرون يقومون الليل لكن لم يسمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم مرة قام من الليل وقعد مسح النوم عن عينيه وقرأ آخر عشر آيات من سورة آل عمران ثم قام للوضوء والصلاة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يعني في إيجادهما وإنشائهما على هذه الصفات من الإبداع والإحكام. وهذا الكلام مهم الآن يا أيها الإخوة والأخوات، لأن الحديث شديد: «أنزل علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبر فيها»، فإذاً لابد أن نعرف المعنى حتى نتدبر لأن المسألة فيها تهديد.

ما معنى السماوات؟ كيف يكون التفكر في السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الشمس والقمر والنجوم والكواكب السيارة والثابتة والزينة؟ وفي خلق السماوات والأرض في انخفاضها وبسطها وتذليلها وما فيها من البحار والجبال والقفار والنبات والاشجار والثمار وأنواع المعادن والحيوان وغير ذلك.

قوله: واختلاف الليل والنهار، يعني تعاقبهما وتفاوتهما في الظلمة والنور والطول والقصر، وكذلك في اختلافهما حرا وبردا ورخاء وشدة وعزا وذلا وهزيمة ونصرا وسعة وضيقا وصحة ومرضا. الليل يطلب النهار والنهار يطلب الليل، يطلبه حثيثا، يغشي الليل النهار والنهار الليل، فيأكل النهار من الليل ويأكل الليل من النهار.

والذين صعدوا إلى الفضاء وكانوا في المحطات الفضائية أي فوق الأرض، شاهدوا هذا التعاقب سبحان الله لليل والنهار، وصوروه ونشرت الصور في مواقع ناسا وغيرها، ورأى الناس كيف يكون تعاقب الليل والنهار نحن نرى على الأرض ويرى كذلك من الفضاء الخارجي وقد رايناه في هذا الزمان بالصور التي أرسلت ومقاطع الفيديو التي صورت تعاقب الليل والنهار على مدار الكرة الأرضية.

حث العباد على التفكر في السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والتبصر بالآيات وتدبر خلق الله سبحانه، في هذا التفكر آيات واضحة وبراهين قاطعة ساطعة لأولي الألباب على قدرته وربوبيته سبحانه وتعالى. والليل والنهار مستودعان الأعمال الصالحة وحتى الشر، كل واحد حسب ما يضع في خزانته، الليل والنهار خزائن تملأ بالأعمال ما يفعل فيهما من خير أو شر، يقصر النهار فيعين على الصيام ويطول فيلذ العبد بالقيام.

وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ لم يقل على ماذا، أبهم، لم يقل لآيات على كذا وكذا، وإنما قال: ﴿لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وأنت تفهم يا أيها السامع، لآيات من كثرتها وعمومها، لآيات عجيبة تبهر الناظرين، لآيات تقنع المتفكرين وتجذب أفئدة الصادقين، لآيات تنبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية.

فأما تفصيل ما اشتملت عليه فان المخلوق يدرك ذلك ويحيط ببعضه، وعموما فما فيهما من العظمة والسعة وانتظام السير والحركة يدل على عظمه خالقها وعظمه سلطانه وشمول قدرته. ما في السماوات والأرض من الأحكام والاتقان وبديع الصنع ولطائف الفعل دال على حكمته تعالى في وضع الأشياء في مواضعها وسعة علمه واتقانه الذي أتقن كل شيء خلقه صنع الله.

وما فيها من المنافع للخلق يدل على رحمة الله وعموم فضله وشمول بره ووجوب شكره، وكل ذلك يدل على تعلق القلب بهذا الخالق العظيم وبذل الجهد في إرضائه، وأن لا يشرك به أحد يراه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وموتا وحياة ونشورا.

وقوله: ﴿لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أي لأصحاب العقول الصافيه النقية، وسمي العقل لبّا لأنه خالص الإنسان كما أن اللب خالص الحبة. أولو الألباب هم الذين يعلمون الحق فيتبعونه، ولا يكون للإنسان لبّ حتى يستجيب للحق ويتبعه وإلا فلو عرفه وعصاه لم يكن ذا لبّ. فخصّ الله بالايات لأولي الألباب فقط، وهم اهل العقول المنتفعون بها الذين ينظرون بعقولهم لا بمجرد أبصارهم. وفي هذه الآية من الفوائد الاستدلال بالصنع على عظمه الصانع وأن خلقه تعالى إبداع على غير مثال.

سابق وقد سئل بعضهم بم عرفت ربك؟ فقال: إن البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على اللطيف الخبير؟

وفي الآية أن السماوات آية من وجوه متعددة؛ في علوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها وتفاوت مشارقها ومغاربها، فلا ذرة فيها تنفك عن حكمة، بل هي أحكم خلقاً وأتقن صنعاً وأجمع للعجائب من بدن الإنسان. قال تعالى: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: 27-28].

وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: 57]. فالارض والبحار والهواء وكل ما تحت السماوات بالاضافة إلى السماوات خلق عظيم. وقل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكر السماوات، إما إخباراً عن عظمها وسعتها، أو أقساماً بها، أو دعوة إلى النظر فيها، أو إرشاد للعباد أن يستدلوا بها على عظم بانيها ورافع الذي رفع سمكها فسواها، أو استدلالاً منه تعالى بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، أو استدلالاً بحسنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور والتشقق فيها على قوته وحكمته وقدرته وعلى ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن إدراكها.

وفي الآية أنه لا يستفيد ويعتبر من آيات الله الكونية إلا أولو العقول الخالصة من أصحاب عقول الرشد، ولذلك كثير من علماء الفلك الكفار ما اهتدوا لأنهم ما نظروا بعقل البصيرة وإنما نظروا بالبصر فقط؛ ينظرون من خلال المراصد الفضائية ويشاهدون المجموعات النجمية تتحرك أشياء هائله ألوان مبهرة أشكال بديعة لكن ما انتفعوا بذلك، والعقل عقل إدراك وتدبير؛ تدبير المعيشة، وعقل رشد يهدي إلى الحق. وقد يكون الرجل من الأذكياء لكنه ليس عنده عقل رشد يهتدي به إلى الحق ويقبله ويستجيب له. نسأل الله أن يجعلنا من أولي الألباب وأن يرزقنا التدبر والنظر في خلقه وأن يزيد إيماننا.

وقفة قصيرة ثم نعود إليكم لإكمال تفسير الآية إن شاء الله. لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت عبد الملك وزبيدة بنت جعفر.

حييكم الله مرة أخرى أيها الأخوة والأخوات. الحمد لله. تفسير قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]. بين تعالى أن في خلق السماوات والأارض آيات لأولي الألباب، ثم ذكر أن أولي الألباب يعبدونه فكرا وذكرا قياماً وقعوداً وعلى سائر أحوالهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ فلا يقطعون له ذكراً، يذكرونه بسرائر وضمائرهم وبقلوبهم وألسنتهم باستحضار خشيته وعظمته سبحانه، وبالسنة تهليلاً وتسبيحاً وتحميماً ونحو ذلك، وبالجودة واجتناب معصيته، فيذكرون أمره ونهيه، وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان معاً.

يذكرون الله تعالى قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم أي حال كونهم مضطجعين ومستلقين، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ قال قتادة: هذه حالاتك كلها يا ابن آدم، اذكر الله وأنت قائم، فإن لم تستطع فاذكره وأنت قاعد، فإن لم تستطع فاذكره وأنت على جنب، يسر من الله وتخفيف. قال عز وجل في صفات أولي الألباب: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾، والفكر نظر العقل وتردد القلب النظر والتدبر لطلب المعاني، فالقلب ينظر هنا وهناك وهناك ويقلب النظر وترتيب أمور في الذهن يتوصل بها إلى المطلوب ويتفكرون.

ومن اللطائف أن الله لما ذكر دلائل الإلهية والقدرة والحكمة وهذا يتصل بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية، وهذا يتعلق بتوحيد الألوهية، وأصناف العبودية ثلاثة: التصديق بالقلب، الإقرار باللسان، العمل بالجوارح. فقال: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ هذه عبودية اللسان، ﴿قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ هذه عبودية الجوارح والأعضاء، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه عبودية القلب سبحانه. تأمل في الآية عبودية القلب واللسان والجوارح، والإنسان ليس إلا هذا المجموع، فإذا كان اللسان مستغرقاً في الذكر، والأركان مستغرقة في الشكر، والجنان مستغرقاً في الفكر، كان هذا العبد يعيش مع الله، يعيش مع الله.

هكذا نريد أن نكون أيها الأخوة والأخوات، هكذا نعيش مع الله، اللسان ذكراً والقلب فكراً والجوارح تعبده. الآية الأولى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ دالة على كمال الربوبية، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ دال على كمال العبودية، وفي خلق السماوات والأرض استدلالاً واعتباراً في صنعهما واتقانه وما أبدع الله فيهما ليقودهم ذلك إلى تعظيم الخالق فيزدادون شكراً له ويعظمونه ويخشونه.

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً﴾ هذا الذي نشاهده في السماء والأرض ما خلقته باطلاً عبثاً ضائعاً بلا حكمة سدى لعباً، بل خلقته لأمر عظيم جليل، خلقته بالحق لتجزي الذين أساءوا بما عملوا وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ما خلق الله هذه عبثاً لعباً، لو أردنا أن نتخذ له لاتخذناه لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه.

هؤلاء أولو الألباب لما نظروا هذا النظر وقاموا بهذه الأعمال والعبوة انتهى إلى أنهم سبحوا هم سبحانك فقنا عذاب النار. شوف كيف يقود التفكر إلى أي شيء؛ ﴿سُبْحَانَكَ مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ أنت منزه عن أن تخلقه باطلاً، أنت منزه عن العبث، أنت منزه أن تخلق الخلق سدى. سبحانك ننزه عن كل عيب ونقص، والتسبيح هو التنزيه والتقديس والتبرء من النقائص والعيوب.

لكن تسبيح أولي الألباب المتفكرين أي فيه طلب من الله، طلب ماذا؟ التوفيق للعمل الصالح والهداية إليه والوقاية من النار ودخول الجنة، ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فيكون ما وفقت إليه واقياً وحامياً ودافعاً عنا عذاب النار، وهذا يتضمن سؤال الجنة لأن الله إذا وقاهم النار ستحصل لهم الجنة بالتأكيد، لكن لما قام في قلوبهم من الخوف دعوا الله بالوقاية من عذاب النار.

بات ابن عباس عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقام النبي صلى الله عليه وسلم من آخر الليل فخرج فنظر في السماء ثم تلا هذه الآية -وهذه سنة أخرى في العشر آيات هذه من سورة آل عمران، قام من آخر الليل فخرج فنظر في السماء هذه سنة أخرى أن يخرج إلى مكان يرى فيه السماء وينظر إلى السماء ثم تلا هذه الآية في آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191] يعني سبحانك فقنا عذاب النار- ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ ثم قام صلى ثم اضطجع ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية ثم رجع.

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: 192]. لما ذكر تعالى دعاء المؤمنين بالوقاية من النار اتبعه بذكر التعليل لهذا الدعاء، فحكى عن دعائهم: ربنا، يعني يا ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته أهنته وأذللته غاية الإذلال؛ الخزي، وما للظالمين من أنصار يمنعون عنهم عذاب الله.

إذاً: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191]. لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبع ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي ليكون موقع السؤال أعظم مثل: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً أنها ساءت مستقراً ومقامه، ومن سأل ربه شيئاً فإنه يشرح عظم المطلوب وقوته فيكون أكمل في الدعاء وأخلص في الطلب وأشد، والدعاء لا يتصل بالإجابة إلا إذا كان مقروناً بالإخلاص، فهذا تعليم من الله لعباده في كيفية إراد الدعاء: ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك

تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار. وفي الآيتين من الفوائد: التفكر عبادة، أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين؛ فإذا تفكروا في خلق السماوات والأرض عرفوا أن الله لم يخلقهما باطلاً. وفيها بيان السبب الذي حمل المؤمنين على الدعاء بالوقاية من النار، وفيها أن الظلم سبب لدخول النار وما للظالمين من أنصار، وفيها أن خالق الأكوان لا يمكن لأحد أن ينصر عليه، وفيها أن ظلم النفس وظلم الغير عاقبة وخيمة وما للظالمين، وفيها أن أهل النار لا يجدون أعواناً يرونهم منها ولا صرف عنهم عذابها ولا يخرجونهم إذا سقط فيها.

وفيها أيضاً آداب الدعاء وفقهه، مثل التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، وبعمل الصالح الذي يخدمه العبد، والاستعاذة بالله من النار، وعدم الاعتداء في الدعاء. نسأل الله أن يقينا عذاب جهنم وأن يدخلنا الجنة مع الأبرار. وقفة قصيرة ثم نعود إليكم إن شاء الله.

ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوته، أما لبرا أو أدبا أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير، يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي -وأنا غلام- فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهَدُ على جور.

ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.

ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

الحمد لله، مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات، والان مع تفسير قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193]. لما سأل المؤمنون ربهم الوقاية من النار أتبعوا ذلك بسؤال مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، متوسلين في دعائهم بإيمانهم؛ يعني سألوا الله بأي شيء؟ بايمانهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾.

والنداء: رفع الصوت، ينادي لأي شيء؟ للايمان. هذا تفسير لنداء المنادي، واللام في قوله: ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ للإصاق مباشرة للإيمان. عادة يأتي النداء إلى، ينادي إلى الإيمان، والتعبير باللام بدلا من إلى دلالة على قرب الإيمان؛ لأن إلى عادة تدل على البعد، ينادي للإيمان مباشرة دعاؤه إليه. أن هذه تفسيرية، ﴿آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ صدقوا به ووحدوه، فالإيمان بالله هو الإقرار المتضمن للقبول والاذعان وهو قول واعتقاد.

﴿فَآمَنَّا﴾ يعني استجبنا لنداء المنادي واتبعنا المنادي وبدرنا إلى ذلك فيما أمرنا به من التوحيد والطاعة وأقررنا مع الانقياد. وأكثر المفسرين على أن المنادي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سماه الله تعالى في القرآن أيضا داعيا فقال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: 45-46] في سورة الأحزاب.

﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾ وهذا الكلام من المؤمنين من أولي الألباب فيه إخبار بمنة الله عليهم، فتوسلوا إلى الله بالإيمان بما جاء به المنادي. طيب، يتوسلون لأي مطلوب؟ التوسل هذه وسيلة، ذكروا إيمانهم توسلا إلى الله لأجل ماذا؟ مغفرة الذنوب، ولذلك جاء الطلب أن يغفر لهم ذنوبهم وأن يكفر عنهم سيئاتهم، والحسنات يذهبن السيئات والإيمان رأس الحسنات. فلما اكتمل التوسل بالإيمان جاء الطلب في الدعاء فقالوا: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ اعف عنا، تجاوز، امح الأثر. والذنوب هي المعاصي وتشمل الكبائر.

﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أي استرها، والغفر والكفر متقاربان في المعنى يدلان على الستر والتغطية. سمي الكافر كافرا لانه يغطي حقيقة الربوبية والألوهية ويجحد هذا، ويسمى أيضا الزارع كافرا لأنه يغطي البذر بتراب الأرض، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29]. وقيل في الفرق بين الذنوب والسيئات -يعني لو قال واحد ربنا فاغفر لنا ذنوبنا كفر عنا سيئاتنا ما هو الفرق بين اغفر وكفر وذنوبنا وسيئاتنا ما هو الفرق؟- قيل: يعني بعض المفسرين قالوا الذنوب هي الكبائر والسيئات هي الصغائر. وقيل: الذنوب ما مضى ما تقدم في الماضي والسيئات ما سيكون في المستقبل. وقيل: الذنوب ما كان في حق الله والسيئات ما كان في حق العباد. وقيل: الذنب ما يفعله العبد مع علمه بتحريمه والسيئة ما يفعلها مع الجهل بحكمها. وقيل: الذنوب والسيئات بمعنى واحد وان التكرار للمبالغة والتاكيد.

طلبوا من ربهم مغفرة الذنوب لأنه لا بد فيها من التوبة، وتكفير السيئات لأنها تزول بالحسنات الماحية. إذن من الفرق بين المغفرة والتكفير: فاغفر وكفر، أن المغفرة لا تكون إلا من توبة، وتكفير السيئات التكفير يكون بالححسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المؤمنين ونحو ذلك؛ ففي ذنوب تكفرها التوبة، وفي سيئات تكفرها الحسنات الماحية ودعاء المؤمنين والمصائب. ولما كانت الوفاة على الدين والسنة وعمل الخير أمرا عظيما سألوها ربهم -هؤلاء أولو الألباب أدعيتهم ليست أي عبثا ولا عشوائية واعتباطية لا- فقالوا: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ اقبضنا مع الأبرار واجعلنا معهم وفي جملتهم وعلى أعمالهم مصاحبين لهم، مع الأبرار في البرزخ، في المحشر، في الجنة. هذا دعاء عظيم يتضمن التوفيق لفعل الخير وترك الشر، لأن هذا الذي يكون به العبد مع الأبرار ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.

فيها فائدة عظيمة جدا في قضية سؤال الله الثبات إلى الممات. وفي الآية تصدير الدعاء بالنداء ﴿رَبَّنَا﴾ يعني يا ربنا، دلالة على كمال التوجه إلى الله، وفيها التحدث بنعمه الله في مقدمة الدعاء، وفيها دليل على نوع من أنواع التوسل المشروع في الدعاء وهو التوسل إلى الله بالعمل الصالح، كما توسل أصحاب الغار الثلاثة: واحد توسل إلى الله ببر ولديه، وواحد توسل إلى الله بترك الفاحشة، وواحد توسل إلى الله بالقيام على حق العامل وتنمية الأمانة حتى جاء صاحبها استلم الأصل والنماء.

طبعا من أنواع التوسل: التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته؛ اللهم إن أسألك بأنك أنت الله الحي القيوم يا ذا الجلال والإكرام. ومن التوسل إلى الله: التوسل بدعاء الصالحين الأحياء. ومن التوسل إلى الله: بحالة الداعي كذكر الافتقار إلى الله، لاحظ في كلام موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]. أين التوسل؟ ذكر حاله، ذكر فقره، هذا توسل إلى الله. وكما قال أيوب عليه السلام: ﴿أَنَّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. ماذا فعل أيوب في هذا الدعاء؟ توسل إلى الله بذكر حاله وافتقاره وحاجته إلى ربه: أنا وضعي كذا، ﴿أَنَّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

في الآية أهمية النداء بالخير لما يترتب عليه من استجابة المدعوين وهدايتهم، يعني ينبغي علينا أن نكون منادين للخير كما نادى عليه الصلاة والسلام. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾، أولو الألباب يسمعون مباشرة، يسمعون الخير ويستجيبون له. حصل هذا للصصحابة وحتى للجن من الصحابة: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَروهُ قَالُوا أَنصِتُوا﴾ [الأحقاف: 29]. فجمعوا بين الاستماع والإنصات، كما قال الله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]. والاستماع والإنصات أن يقصد السماع ويركز ولا ينشغل، يكف الشواغل والتشويش، استمعوا وأنصتوا. والسماع من النبي عليه الصلاه والسلام الفائدة العظيمة للصصحابة، نحن ماذا لنا منها؟ السماع من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم من العلماء، إذا قال الاولون من المؤمنين ربنا.

أننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان، نحن كيف نعمل بها الآن؟ أننا إذا سمعنا العلماء ينادون إلى الإيمان نستجيب، وإذا سمعنا الكتاب والسنة الوحي النازل يتلى ويقرأ نستجيب. وفي الآية أن الإيمان ليس هو الإقرار فقط ولا التصديق فقط، بل لا بد من الانقياد والاذعان والعمل؛ آمنوا وعملوا الصالحات. وفيها أن تكفير السيئة يشمل الكفارة العامة كتكفير بالصلاة والوضوء والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، والكفارة الخاصة مثل كفارة الظهار، كفارة الجماع في نهار رمضان، كفارة صيد المحرم، كفارة النخامة في المسجد وكفارتها دفنها.

وفي الآية فضل صحبة الأخيار بعد الموت لدرجة أنهم سألوا ذلك: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193]، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]. وفي الآية فضل الموت على مثل أعمال الصالحين كما قال يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. وفي الآية الاستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته وأن هذا سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات.

وفيها حذر المؤمنين من الفضيحة في الآخرة، وفيها بذل الجهد في الدعوة إلى الله ومن ذلك رفع الصوت لإسماع الناس. وفيها أن هذا الإيمان تستجيب له قلوب أولي الألباب. وسؤال الله الموت على عمل الأخيار ليس استعجالاً بطلب الموت، لكن سؤال أن يكون مع الابرار. وفيها فضل المبادرة والسبق إلى الإيمان، والعلاقة بين التفكر والخوف؛ ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]، والمؤمنون يذكرونه ويسبحونه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياكم على طاعته، نسأله عز وجل أن يهدينا سواء السبيل، وأن يتوفانا مع الأبرار ويقينا عذاب النار أنه سميع مجيب. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً النوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآني. هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا زادت أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.