تسجيل الدخول

المحاضرة 23 - تفسير خواتيم سورة آل عمران (2)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذا المجلس من مجالس القرآن، ومع الدرس الثالث من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.

وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن تفسير خواتيم سورة آل عمران، وقلنا إن هناك في سورة آل عمران عشر آيات في آخرها، آخر عشر آيات، آيات عظمى جدا.

وذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي في إيجادهما وإنشائهما على هذه الصفات من الإبداع والإحكام، ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَنَهَارٍ﴾ أي تعاقبهما وتفاوتهما، ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي واضحة وبراهين قاطعة وساطعة على قدرته تعالى وربوبيته عز وجل ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي لأصحاب العقول الصافية النقية، وهم الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم مضطجعين ومستلقين فلا يغفلون عن ذكره، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض استدلالا واعتبارا في صنعهما واتقانهما وما أبدع الله فيهما، فيقودهم هذا إلى تعظيم خالقهما وليدلهم على كمال قدرته، فيكون التعظيم وتكون الخخشية.

ويقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾ أي عبثا ضائعا بلا حكمة، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي ننزهك عن هذا الععبث والباطل وعن كل عيب ونقص، ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي ليكون ما وفقتنا إليه واقيا وحاميا ودافعا عنا عذاب جهنم.

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي أهنته وأذللته غاية الإذلال، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي يمنعون عنهم عذاب الله.

ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ من هو المنادي؟ محمد صلى الله عليه وسلم، ماذا يقول؟ ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ أي استجبنا للنداء واتبعنا المنادي وبادرنا فيما أمرنا به من التوحيد والطاعة وأقررنا مع الانقياد والتسليم.

جاء الطلب الآن في دعائهم: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي اعف عنها وتجاوز وامح آثارها، ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أي استرها، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أي اجعلنا في حكمهم وجملتهم مصاحبين لهم.

ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

فلما جمع أولُو الألباب شروط الاستجابة في دعائهم لربهم من الاقبال عليه بالعباده والتفكر وطلب الوقاية من عذابه، وتوسلوا في دعائهم بايمانهم، وسألوا ربهم مغفرة الذنوب وتكفير السيئات والوفاء مع الأبرار، وسالوه انجاز وعده والنجاة من خزي يوم القيامة، وجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، استجاب الله دعاءهم فقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾.

فاستجاب لهم ربهم أي أجابهم: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾ لا أبطل ولا أحبط ﴿عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُمْ﴾.

هنا سؤال: قد يقول قائل إن هؤلاء المؤمنين طلبوا أولا غفران الذنوب ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، وثانيا إعطاء الثواب ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾، وقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُمْ﴾ هذه إجابة لهم في إعطاء الثواب، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب؟ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُمْ﴾ هذا في إعطاء الثواب، فأين جواب ما سألوه من ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾؟

والجواب أنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العذاب، فصار قوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُمْ﴾ متضمنا إجابة الدعاء في المطلوبين: اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا.

وهذا وجه، ووجه آخر أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُمْ﴾ لا أضيع دعاءكم، كل الدعاء، سواء ما كان فيه مغفرة الذنوب وتكفير السيئات والوفاء مع الأبرار، وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة؛ لا أضيع عمل عامل منكم يعني كل هذه الأشياء التي سألتموني اياها أعطيتكم اياها. فمعنى ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُمْ﴾ وهو هذا الدعاء الذي سألوه بكل ما فيه، أجابهم أنه قد حصل مطلوبكم في كل ما سألتموه.

فالله تعالى لا يضيع عمل عامل، سواء كان من ذكر أو أنثى، ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ ما معناها؟ يعني الذكور والإناث في الثواب سواء إذا كانوا في التمسك بالطاعة سواء، فهم يشتركون في الدين والنصرة والموالاة والأصل ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾.

فإذا كل ما طلبه الشرع من الذكور والإناث فانهما أي الجنسين سواء في ثوابه، يعني إذا صامت الأنثى وصام الذكر الأجر واحد، إذا قال سبحان الله وقالت سبحان الله الأجر واحد وهكذا تلاوة القرآن مثلا.

لكن قد يطلب الله من الذكور أشياء لا يطلبها من الإناث، كصلاة الجمعة مثلا، الجهاد في سبيل الله مثلا؛ ويطلب من الإناث أشياء لا يطلبون من الذكور كالحجاب مثلا. لكن في الأشياء الأخرى المطلوبة من الجنسين الأجر واحد: ﴿مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾.

ثم ذكر الله تعالى لهم خمسة أوصاف لهؤلاء المؤمنين من أولي الألباب المذكورين في آخر سورة آل عمران الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض والذين دعوا بهذه الأدعية، ذكر سبحانه وتعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ وتركوا دار الشرك إلى دار الإيمان وفارقوا الأموال والأصحاب والأحباب والخلان والجيران في مرضاه الرحمن.

هاجروا، الوصف الثاني: ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ بقهر الكفار ومضايقتهم حتى ألجأوهم إلى الخروج من بلدهم، والخروج من الديار صعب جدا جدا على النفس، هذه دار بناها إنسان تكلف فيها ألفها وعاش فيها، الآن يخرجون منها، يحصل الآن في العراق والشام إخراج من الديار قهرا. فالذين هاجروا الوصف الأول، وأخرجوا من ديارهم الوصف الثاني.

وأوذوا في سبيل الوصف الثالث بانواع الإيذاء بسبب إيمانهم، وقاتلوا الوصف الرابع قاتلوا أعداء الله جهادا في سبيل الله لأعلاء كلمته لا رياء ولا سمعة ولا عصبية ولا ليقال فلان جريء شجاع ولا لأجل مغانم.

قال في الوصف الخامس: ﴿وَقُتِلُوا﴾ وفي قراءة: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وقاتلوا وقتلوا كل ذلك في المعركة وكانوا صابرين.

فجمع هؤلاء بين الإيمان والهجرة ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال طلبا لمرضاة الرحمن وجاهدوا في سبيل الله، ما هو جزاؤهم؟ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ وأمحون ذنوبهم وأسترها، ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي خلالها وتحت أشجارها وقصورها ومساكنها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ أي بأنواعها من الماء واللبن والعسل والخمر، ﴿ثَوَابًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي من فضله وإحسانه، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ أي الجزاء الموفور في الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

طيب ما هو الثواب؟ ما يعطاه الإنسان، فمن أراده فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه بما يقدر عليه الععبد.

لهذه الآية سبب نزول لطيف، قالت أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة -لأن أم سلمة من المهاجرات الأول من مكة، وقصتها في الهجرة مؤلمة، كيف فرقوا بينها وبين زوجها وقضية الولد والآل- فانزل الله تعالى: ﴿إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ وهذا حديث صحيح رواه الترمذي، وكانت أم سلمة أول ضعينة، يعني امرأة قدمت المدينة مهاجرة من مكة.

هذه الآية فيها فوائد: أولا: سرعة استجابة الله عز وجل للدعاء. ثانيا: كرم الله وسعة عطائه بإيتاء المؤمنين كلما سألوه على كثرة مطلوباتهم، كما تدل عليه لفظة ﴿فَاسْتَجَابَ﴾ التي تزيد في حروفها على لفظة أجابه، فالاستجابة أقوى، استجاب أقوى من أجابه. وفيها أنه لا يضيع عمل عامل عند الله، وأن الله يضمن الأجور، في الدنيا الناس تضيع أجورهم، شركات تفلس، البنوك تغلق، المدخرات تتبخر، الله لا يضيع عنده شيء سبحانه. وفي الآية فضل الهجرة لما فيها من الألم والمشقة والتضحية، والهجرة الشرعية تشمل هجر ما حرم الله، والهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، والهجرة من بلد الفسق إلى بلد الطاعة، طبعا هذا يشمل الهجرة أيضا من بلد البدعة إلى بلد السنة. الأول واجب على الجميع، اللي هو هجر ما حرم الله، والبقية واجبة على من عجز عن إظهار دينه.

وخشي على نفسه الفتنة، اللي هي الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، ومن بلد البدعة إلى بلد السنة، ومن بلد المعصية إلى بلد طاعة، مثل قاتل المئة هاجر من بلد المعصية إلى بلد الطاعة ومات في الطريق.

وفي الآية أن مفارقة الإنسان داره بإذاء العدو، سواء طرد منها مباشرة أو ضايقه الاعداء حتى أخرجوه، فيها اجر عظيم لما في ذلك من تجرع مرارة الظلم، وألم ما ألفه وأحبه، وفي سبيل الله، ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. وفيها أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام أجرها عظيماً، سواء حصلت اختياره أو اضطراراً. وفيها احتساب أجر الإذاء في سبيل الله؛ فإنه مهما تنوع واشتد فلا يضيع أجره عند الله. وفيها فضل الجهاد في سبيل الله والثبات في المعركة ومقاتلة الكفار، سواء قتل أو قتل.

وفيها أن الأعمال العظيمة تكفر السيئات بأنواعها، وإذا اجتمع ذكر مغفرة الذنوب وتكفير السيئات في سياق واحد فلا بد من فرق، قالوا: المغفرة تكون في الكبائر، وتكفير السيئات يكون في الصغائر. فقوله: ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193] ايش الفرق بين اغفر وكفر، وذنوبنا وسيئاتنا؟ وإذا أفرد ذكر السيئات في السياق ولم تقرن بها الذنوب يحتمل أن يراد بها كل أنواع السيئات، كهذه الآية: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [آل عمران: 195]. ولو قرنت؛ يعني وجد ذكر السيئات مع الذنوب مع بعض فقد تقدم ما المقصود، قال بعضهم: هذه الكبائر وهذه الصغائر، قال بعضهم: هذا عن الذي ذهب في الماضي، وهذا عن الذي سيحصل في المستقبل، إلى آخره.

وفي الآية أن الجنات أنواع؛ جنات تجري من تحتها الأنهار، وكذلك الأنهار أنواعها، نسأل الله أن يعطينا من فضله. وفيها تفخيم ثواب أهل الإيمان وتعظيمه؛ لأنه قال: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 195]، وإذا كان من عند الله أعظم وأنعَم وأكرم. وفيها استواء الذكر والأُنثى في الجزاء والحسنات وفي إجابة الدعوات، فليس معناها أنها أنثى أن تكون أنقص، وفيها أن الذكر لا يزيد على الأنثى في الثواب إذا كان عملهما واحداً.

وفيها أن تفوق الرجال على النساء في العقل وقوة الجسد والميراث ونحو ذلك، لا دخل له في التفاضل عند الله في الثواب، يعني هو ممكن يكون أكمل عقلاً وأقوى جسداً، ويأخذ في الميراث ضعفها، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وممكن هي تدخل الجنة وهو يدخل النار. وفيها أن لكل واحد من الأعمال الخمسة الشريفة المذكورة في الآية تأثيراً عظيماً في حصول الأجر والثواب المترتب عليها، ما هي الأشياء الخَمسة؟ الهجرة، الإخراج من الديار، الإيذاء، القتال، والقتل، ﴿وَقَتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ [آل عمران: 195].

وفيها أن معرفة الأجر وذكره يزيد المؤمن صبراً وإقداماً على الأعمال الصالحة، ولو كانت شاقة، ذكر الأجر يهون مشقة العمل. وفيها فضل القتل والقتال في سبيل الله. وفيها التشويق إلى الجنة بذكر الدرجات والأنواع. وفيها أن العطية تعظم بحسب معطيها. وفيها أن لا يغتر الرجل بقوته ورئاسته على المرأة، وكذلك فإن فيها رفع قدر النساء المسلمات في أنفسهن وفي نفوس الرجال، وأن الإيمان يجب أن يقترن بالعمل الصالح.

وفيها فضل المهاجرين الأولين والمهاجرات من الصحابة. وفيها فضل من جمع بين الهجرة والجهاد والشهادة، كمصعب بن عمير رضي الله عنه. وفيها أن الأعمال الصالحة من أعظم أسباب استجابة الدعاء، نسأل الله أن يجعلنا من أهل هذه العطايا، إنه سميع مجيب. وقفة قصيرة ثم نعود إن شاء الله.

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]. التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأولين وأسباب التمكين وزوال الدول؛ من يعتبر بدروسه نجى، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثولات والوقائع، قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].

ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه، فاذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم، حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعاده والتمكين، واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير. وأن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء، إنما هو جراء أعمال العباد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ؛ الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحداً، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

الحمد لله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات. نحن الآن في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. هذه الآية تفسر لنا الواقع الآن تفسيراً عظيماً، هذه الآية تجيب على شبهات كثيرة يطرحها بعض المسلمين، هذه الآية فيها بلسم وشفاء لكثير من الخواطر التي تقول: إذا كنا نحن أهل الإسلام أهل الحق لماذا سلط الله الكفار علينا؟ لماذا يتقلب الكفار في البلاد ويحומونها؟ لماذا هم الآن جرءاء علينا وأخرجونا من ديارنا وقصفونا وقتلونا وشردونا ونهبونا وظلمونا؟ إذا كان هؤلاء كفروا به فلماذا لهم التقدم والقوه الاقتصادية والعسكريه والإعلامية؟ وعندههم تقنية، عندهم زراعة وخيرات وأمطار، عندهم رخاء وعندنا شدة وخراب ودمار، حالنا كئيبة كما نراها، تشريد، تهجير، تقتل، فقر، تخلف، وهم فيما هم فيه من النعيم، ما معنى هذا؟

طبعا المؤمن يعرف أن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل، ويؤمن أن له الحكمة البالغة، ويؤمن أن وراء هذه الأقدار وراءها حكم عظيمة لله، ويعرف المؤمن أن المسلمين إذا ابتعدوا عن دينهم فالله يعاقبهم، وأنهم إذا أعرضوا عن دينهم سلط الله عليهم عدوهم. ويرى المؤمن في الواقع انطباق السنن الإلهية علينا نحن المسلمين: «وإذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً»؛ أشياء رآها في الواقع، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، ﴿وَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]، رأيناها في الواقع ورأينا نتيجة تقصير المسلمين في حمل دينهم، لما فرطوا ماذا حصل لهم؟ ما نراه الآن.

لكن لماذا يسلط الله الكفار؟ الآيات هذه فيها والله فيها علاج نفسي عظيم وبيان وشفاء كبير للغاية. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. ما علاقتها بما قبلها؟ لما ذكر تعالى إيذاء الكفار للمسلمين وأخراجهم من ديارهم وقتالهم إياهم، وكان كفار مكة في الحرم كانوا في يعني كانت قريش المشركة في مكة والحرم تجبى إليه ثمرات كل شيء؛ اقتصاديا كان كفار قريش أقوى، وسلاحا وعدد وعتاد، وكان المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة في فقر، الوضع الاقتصادي للمدينة أقل بكثير من الوضع الاقتصادي لمكة، فالله سل نبيه والمؤمنين وذكر ما أعد لهم من الثواب، وكان من المناسب أن يتبع ذلك بذكر ما أعد للكافرين من العذاب في الآخرة.

فقال تعالى يسلي المؤمنين عما هم فيه من الشدة، ومعهم نبيهم صلى الله عليه وسلم على رأسهم سيد الخطاب: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ يعني لا يخدعنك وأنت ترى حال الفريقين، ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾. ما معنى تقلب؟ تنقلهم في المكاسب والتجارات والقوة والسيطرة والهيمنة وحسن المعايش واللذات، يعني عندهم الآن يقول الناس: عندهم المباني أحسن، والزراعة أحسن، والتعليم أحسن، والصحة أحسن، والنظام أحسن، والإدارة أحسن، والملاحة أحسن، والمراكب أحسن، والآلات والمعدات والتقنيات. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ لا يغرنكم يا أيها المسلمون ترف هؤلاء الكفار، لا يخدعنكم ألوان النعيم التي يتقلبون فيها، لا تقع في حيرة، شبهة لماذا يتقلبون في الغبطة والسرور؟ فإن الله الذي مكنهم من هذا التقلب في عالم الصناعات.

والماديات قادر على إفقارهم وسلبهم إياها، وقادر على أخذهم وما يملكون، وإذهاب نعيمهم ومحو ثرواتهم. يا جماعة، ما الحربين العالميين ما الحربان العالميتان ببعيد عنا؟ الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية يعني مركزها الرئيسي كانت في عقر ديار الكفار. ماذا حصل لهم؟ ماذا حصل يعني في اليابان وروسيا وأوروبا ألمانيا بريطانيا فرنسا إلى آخره؟ ماذا حصل؟ دمار، قتل، عشرات الملايين، صح ولا لا؟ حصل أو لم يحصل؟

هذا الانهيار الاقتصادي في عام 2008 الذي حاولوا استدراكه، لكن ما وقعت بهم مجزرة مالية، خسائر هائله يعني انهارت شركات ومصانع وبنوك. هل بعيد أن يحصل لهم ما هو أشد منها؟ أبداً، بل إن الأدلة دالة على أن الله سينزل بهم عذاباً أليماً. يعني ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: 58]. فلا بد أن يحل بهم هذا، ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ [الرعد: 31]. لابد أن يصيبهم هذا، حقاً على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه. ارتفعوا ولا لا؟ بقي أن يضعهم.

ما قال في كتابه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 24] يتحكمون في كل شيء، أقمار فضائية يتحكمون في كل شيء، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: 24]. ما أخبر عليه الصلاة والسلام أنه ما من قرية فشا فيها الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله. ما ذكر الله عن قوم لوط لما ضربهم بالصيحة وحجارة من سجيل منضود، وطمسنا أعينهم، قلب عليها سافلها، ما قال في آخر الآيات: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83]؟ وهؤلاء الآن شرعوا اللواط الفاحشة، وجعل لها حماية وقوانين، وأسرة من رجل ورجل، وامرأة وامرأة، ألن ينزل بهم عذاب الله؟

لما أهلك قوم عاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك صوت عذاب، أليس هؤلاء قوم عاد الجدد الآن الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد حسب السنة الإلهية، ألن يحل بهم عذاب الله؟ الناس يقولون: طيب متى؟ طيب ما حصل شيء حتى الآن، طيب كل النكبات علينا وهؤلاء فيما هم فيه من النعيم. نقول: ﴿وَلَٰكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: 51]، وإلا فالانتقام آت قادم لا محالة.

نعود للآية التي نحن فيها: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران: 196]. ترى الآية هذه موجهه لنا نحن الآن، يعني لابد أن نعيشها، لابد حتى تثبتنا. في ناس الآن من المسلمين بعضهم أصيب بالإلحاد، بعضهم يعني والعياذ بالله كفروا، ما ثبتوا، ما تحمل ما تحملت عقولهم، إيمانهم ضعيف وعلمهم قليل. فلما حصل ما حصل قالوا: هذا الدين إذاً ليس كذا، وهذا ليس وبدأت الشكوك والوساوس تشتغل في بعضهم. لكن المؤمن الذي يقرأ القرآن لا يمكن لا يمكن أن ينطلي عليه ما يحصل أبداً، لأنه ينظر بنور الله من خلال الآيات. هذه فائدة القرآن، يثبتنا، يجيب عن خطرات ووساوس الشيطان وشبهاته. الكفار فيما هم فيه، ونحن فيما نحن فيه، ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: 196-197].

المتاع ما تحصل به اللذة والمتعة والانبساط، سواء كانت متعة نفسية أو جسدية، والله قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12]. وفي النهاية والنار مثوى لهم. الله قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: 196-197]. يعني كل هذه التي نراها الآن أقمار فضائية وناطحات سحاب وثروات هائله واقتصاديات ضخمة وتقنيات مذهلة وتقدم إداري وإعلامي، نقول: متاع قليل. كل شيء زائل فهو قليل، اليس كذلك؟ الدنيا كلها زائله، ولذلك متاع الدنيا قليل، قليل مقارنة بما عند الله في الآخرة.

قال تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: 197]. مأواهم يعني مرجعهم ومنزلهم جهنم التي ينتقلون إليها بعد تقلبهم في الدنيا ويستقرون فيها. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 197] أي الفراش. والمهاد مكان الاستقرار، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: 6] يعني ممهدة للخلق ساكنة ثابته. وفي الآيتين من الفوائد بيان النظرة الصحيحة لمتاع الدنيا، حتى لا يحصل بها الاغترار ولا يصح أن نعطيها حجماً أكبر من حجمها، ولا ننشغل بها عن الدار الآخرة.

وفي الآية جواب عن شبهات وشفاء للصدور، كقول البعض: لم قدم الله الكفار بالمال والثروات والتقدم والازدهار ورغد العيش والبيئة الصحية والتطور التقني والاختراعات الحديثة مع أنهم مشركون كفرة، يجعلون له الولد بل يجحدونه ويلحدون وينكرونه ويكذبون نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويسبونه ويعتدون على أهل الإسلام ويظلمونهم؟ وأهل الإسلام يؤمنون بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم ويصلون ويقيمون الشعائر، وكثير منهم في فقر وجوع وتخلف ومصائب وابتلاءات وأوضاع معيشية صعبة، فأين الحكمة في هذا؟

والجواب: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. فالله تعالى أعطى الكفار ما أعطاهم استدراجاً لهم ليغتروا بما هم فيه، وليكون منهم العلو والفساد في الأرض. بعدين يا إخواني، إذا كان الكفار ما أعطوا هذا، أين الابتلاء؟ أين الاختبار؟ يعني لو كان دائماً المسلمين دائماً لهم القوة والغلبة في الدنيا والأجر والجنة في الآخرة، يعني أين الاختبار؟ أين الامتحان؟ أين المحكات التي يعرف فيها ثبات من يثبت، وهلاك من يهلك؟ ومن من المسلمين عنده فقه وعلم وإيمان يثبته، ومن عنده جهل وضعف ويغتر بالظاهر وينحرف ويزل زل يهلك؟ واضح فيها حكمة إلهية: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].

ثم يعني كيف سيعود المسلمين؟ كيف سيعود المسلمون إلى دينهم ويعرفون خطأ أنفسهم واستدراك ما فاتهم إذا ما حصل مثل هذا التسليط للعدو؟ وكيف سيكون منهم شهداء، وكيف وكيف؟ ولذلك، ولذلك الجواب واضح في الآية. والله الذي لا إله إلا هو، كأن الآيات هذه نزلت فينا اليوم، فينا اليوم: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. مزيد من الرد على هذه الشبهة من خلال الآيات بعد أن شاء الله تعالى. نعود إليكم.

«إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه». أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرّاً دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فإن هذا لون من ألحاق الأذى بالمسلم، لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غماً وحزناً. لذا حرم الإسلام التناجي، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].

الحمد لله، حياكم الله، مرحباً بكم مرة أخرى، ومع هذه الآية العظيمة التي تصف الواقع ونحن الآن نعيشه لحظة بلحظة، والأخبار تتوالى علينا في مصائب المسلمين، ونرى تفوق الكافرين والهيمنة، والله يقول: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. سيؤذن الله بهلاكهم وزوالهم، وياخذهم، وسيححل بهم بطشه وانتقامه. يعطيهم ما يعطيهم مهلة واستدراجاً، ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178]. كيف سيزدادون إثماً إذا ما فتح عليهم؟ وكيف نحن سنؤجر على الابتلاء إذا ما ضيق علينا؟

طبيعة الدنيا؛ الدنيا سجن المؤمن وجنه الكافر. يعني هل يعني فعلاً بعض الناس يقول كأنه يريد أن أن يكون دائماً يكون المسلمون دائماً يعني في قوة الدنيا، وال يعني لهم الآخرة والدنيا دائماً؟ لا، الحكمة تقتضي أن هذا ال يعني الدنيا هذه دار ابتلاء، لابد أن يكون فيها شدة، لابد أن يكون فيها ابتلاء، اسمها دنيا. لو كانت الدنيا عند الله تزن جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء. لكن هو يعطيهم؛ يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب.

وبالمناسبه، ليست الدنيا دائماً للكفار؛ بالله ما انتصر المسلمون في الفتوحات الإسلامية؟ ما فتحوا بلاد فارس والروم؟ ما كسروا كسرى وقصر وقيصر؟ ما استولى المسلمون على خزائن كسرى من الذهب وخزائن قيصر من الفضة؟ ما اخذوا بلاد المقوقس والقبط في مصر؟ وما اخذوا بلاد المغرب؟ ما اخذوا السند والهند؟ ما وصلوا إلى أذربيجان وما وراء النهر؟ يعني ملكوا ولا لا؟ أما دخلت جيوش العثمانيين أوروبا؟ إلى الآن وجود المسلمين الجغرافي في

إندونيسيا وآسيا الوسطى والجمهوريات هناك وتركيا وجزء من أوروبا مع المسلمين موجودون في البوسنة والهرسك ومقدونيا وكوسوفو، يعني في وجود إسلامي، المسلمون وصلوا هناك أفريقيا. طيب، كم في منها شعوب إسلامية إذا نحن ملكنا نحن هيمننا وسيطرنا، كان في عهد الراشدين وبني أمية وبني العباس والمماليك والدولة العثمانية؟ فمن قال يعني نحن ما ملكنا أبدا أبدا، في الدنيا ما صار في كان هناك للمسلمين عزة وقوة؟ نحن الآن يعني في مرحلة تعتبر استثنائية بالنسبة للتاريخ الإسلامي، ولذلك يجب أن توضع الصورة، توضع الأمور في نصابها وننظر للصورة كلها.

لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وسيكون عذابهم يوم القيامة موفوراً وبئس المهاد، وأي نعيم سيبقى لهم إذا جاءت الآخرة غمسة واحدة في النار تنسي كل نعيم كان للكفار؟ وما قيمة التقلب في البلاد والترف والنعيم الدنيوي إذا جاء العذاب المهين المقيم العظيم الأليم؟ وما هم فيه الآن متاع قليل زائل، يعني أموالهم أما تذهب عنهم أو يذهب عنها، يعني أغنى كافر يموت أو يفلس أو يرحل المال عنه أو هو يرحل عن المال.

فماذا الكفار في الدنيا من الناحية الأخرى لا يخلو أمرهم من شدائد تصيبهم وقوارع تحل بهم، يعني ما يجيهم أعاصير، ما يجيهم زلازل، ما يجيهم أمراض وأوبئة شديدة، ما يجيهم مصائب في أموالهم، ما يجيهم إفلاسات، ما يجيهم حروب في بلادهم، ما تقاتلوا فيما بينهم، ما يكونوا أولاد وبالاً عليهم؟ ألم يقل الله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَّةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 55].

وأهل الإيمان كما قلنا في المقابل لا يخلو أمر في الدنيا من تمكين ونصر وعلو وغنى وفتح وحياة سعيدة وثراء، ما المسلمون الآن ما عندهم ثراء، ما في عندهم أبدا لا ما عندهم أموال إطلاقا؟ كم موجودات البنوك، المصارف الإسلامية، كيف التريليون يعني في المبالغ هائلة؟ والاسلام مع بلاء الدنيا ثم النعيم في الآخرة خير من الكفر مع النعيم الزائل ثم العذاب الأبدي في الآخرة.

سبحان الله العظيم، الشبهة هذه التي تثار الآن والاعتراض على قضاء الله وقدره واتهام الله بالظلم نعوذ بالله من الخذلان، يعني شيء فظيع الإيمان لو فقط الواحد يقرأ هذه أواخر آل عمران لا إله إلا الله في الآيتين. إن عطاء الله للعبد في الدنيا من الرخاء وسعة الرزق ونحوه ليس دليلاً على رضاه، فقد يستدرج الله المرء باغداق النعم عليه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178].

الآية فيها أنه مهما أعطي الإنسان من الدنيا فانه قليل، الآية فيها أن الابتلاء قبل التمكين، ولا يمكن المسلم حتى يبتلى، النبي عليه الصلاة والسلام 13 سنة في مكة في الاستضعاف والقهر وحصار الشعب وقتل أصحاب من قتل، وفي أحد ايش صار؟ ثم فتح مكة عام كم؟ تسعة. الله يعطي الكافر في الدنيا الأمن ورخاء وصحه ومال ليزدادوا إثماً، وفي على المسلمين خوف وابتلاءات وتمحيص ورفع للدرجات، في تحذير لنا في الآية من الاغترار بالدنيا، وفي أن من ظن الشيء الضار نافعاً فهو مغرور، لا يغرنك.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل العاقبة لأهل الإسلام خيراً، نسأله أن يعجل الفرج لأهل الإيمان، نسأله أن يرفع البأس عن المستضعفين من المسلمين، نسأل الله أن يعجل باهلاك العدو، نسأل الله أن ينقذ المسلمين في العراق والشام وسائر الأرض، إنه سميع مجيب كريم، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.