بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله.
تقدم الكلام في الدرس الماضي على عدد من كتب التفسير المعتبرة التي يحسن بالمسلم وطالب العلم خصوصا أن يقتنيها وأن يرجع إليها.
ونتحدث اليوم عن كتابين من التفسير: الأول: (الدر المنثور) للسيوطي، وهو أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر السيوطي المصري، الإام الحافظ المشهور الملقب بابن الكتب، وذلك لأن أباه أمر أمه أن تحضر كتابا فجاءها المخاض عند الكتب فوضعته بينها، هكذا ولد وهكذا نشأ وهكذا عاش.
سافر في طلب العلم إلى الحجاز والشام واليمن والهند والمغرب وغيرها، وصنف المصنفات العديدة التي جاوزت الستمائة مصنف، منها: (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)، و(الإتقان في علوم القرآن)، و(الجامع الكبير في الحديث)، و(الألفية) في علم الحديث، و(تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) في المصطلح، و(الأشباه والنظائر)، وتاريخ الخلفاء وغير ذلك. توفي رحمه الله سنة إحدى وتسعين وتسعمائة من الهجرة، وصلي عليه بجامع الأَفاريق تحت القلعة، ودفن بشرقي باب القرافة.
أما كتابه (الدر المنثور)، فإن السيوطي رحمه الله مع تبحره في شتى العلوم وتصنيفه في مختلف الفنون، فانه كانت له عناية خاصة بالتفسير وله فيه عدة مؤلفات بعضها تم وبعضها لم يتم.
وقد قال السيوطي رحمه الله تعالى: وقد شرعت في تفسير جامع لجميع ما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة والأقوال المقولة والاستنباطات والإشارات والتعاريب واللغات ونكت البلاغة ومحاسن البدائع وغير ذلك، بحيث لا يحتاج معه إلى غيره أصلا، وسميته بـ(مجمع البحرين ومطلع البدرين)، وهو الذي جعلت هذا الكتاب يعني (الإتقان) مقدمة له، والظاهر والله أعلم أن هذا الكتاب لم يكتمل، أعني (مجمع البحرين).
وقال أيضا رحمه الله: وقد جمعت كتابا مسندا فيه تفاسير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه فيه بضعة حديث ما بين مرفوع وموقوف وقد تم ولله الحمد في اربع مجلدات وسميته (ترجمان القرآن).
ثم اختصر السيوطي (الدر المنثور) من (ترجمان القرآن)، فقال: فلما ألفت كتاب (ترجمان القرآن) وهو التفسير المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وتم بحمد الله في مجلدات، فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها واردات، رايت قصور أكثر الهمم عن تحصيله ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله، فخلصت منه هذا المختصر مقتصرا فيه على متن الأثر مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته (الدر المنثور في التفسير بالمأثور).
لكن ما هي مصادر السيوطي رحمه الله في كتاب (الدر المنثور)؟ بلغت المصادر التي اعتمد عليها السيوطي في (الدر المنثور) ما يزيد على أربعمائة كتاب، منها القديم الذي يرجع إلى القرن الثاني كتفسير مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، ومنها ما يرجع إلى القرن التاسع وطبقة شيوخ شيوخه كالحافظ ابن حجر.
وشملت هذه المصادر شتى فنون التراث من كتب التفسير وعلوم القرآن والصحاح والسنن والجوامع والمسانيد والأجزاء الحديثية والعقيدة وكتب المغازي والسير واللغة والتاريخ وغير ذلك.
أما أهمية هذا الكتاب، فإن (الدر المنثور) أوسع وأجمع كتب التفسير بالمأثور على الإطلاق، فلا يكاد يوجد حديث أو رواية أو قول مأثور عن السلف في تفسير آية إلا وهو موجود في (الدر المنثور)، حتى قال الإام الشوكاني رحمه الله: واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بـ(الدر المنثور) قد اشتمل على غالب ما في تفاسير السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتفاسير الصحابه ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر.
وقد جمع رحمه الله كل أو جل الروايات المثبتة في كتب التفسير بالمأثور السابقة، كتفسير الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرها، فلا يكاد يفوته شيء منها.
ومن أهمية كتاب (الدر المنثور) أنه نقل عن كتب مفقودة، كتفسير ابن جرير وتفسير مالك بن أنس وتفسير وكيع بن الجراح وتفسير سفيان بن عيينة وتفسير محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري وسنن الأثرم وغيرها، ونقل من كتب لم يوجد منها إلا قطعة صغيرة، كتفسير ابن المنذر وصحيح أبي عوانة وتهذيب الآثار للطبري وغير ذلك.
ما هو منهج السيوطي رحمه الله في (الدر المنثور)؟ يعتبر (الدر المنثور) ألاصق الكتب بمدرسة التفسير بالمأثور، بل هو خالص في ذلك، لا يكاد يخلطه بالرأي ولا غيره.
يتوسع السيوطي جدا في جمع الأحاديث والآثار الواردة في تفسير الآية، فكتابه من أهم المراجع لمن أراد الوقوف على الآثار الواردة في تفسير الآية.
لكن لم يقتصر السيوطي رحمه الله على الصحيح فيما جمع في هذا التفسير، وإنما خلط فيه بين الصحيح وغيره، فالكتاب يحتاج إلى تصفية وبيان ما لا يصح، وهذه طبعا وظيفه من يأتي للعناية بالكتاب وإخراجه وتحقيقه وبيان صحة مروياته.
يذكر السيوطي الآثار المروية في معنى الآية أو جزء الآية مباشرة، دون أن يقدم لها بمعنا إجمالي، بخلاف ما فعله ابن جرير رحمه الله مثلا، حيث كان الطبري يذكر جزء الآية ويذكر معناه الإجمالي ثم يؤيد ذلك بما يرويه من الآثار، ثم يرجح الآثر، كل هذا لم يفعله السيوطي رحمه الله، وإنما جمعها كلها بدون هذه التقسيمات.
ومما ينتبه إليه أن السيوطي رحمه الله لم يهتم في تفسيره باللغة والنحو، فلا يوجد فيه إعراب ولا نكت بلاغية ولا محسنات بديعية ولا استنباط من اللغة، وكل ما فيه هو سرد الروايات عن السلف في التفسير دون تعقيب عليها.
كذلك لم يهتم السيوطي رحمه الله بذكر المسائل الفقهية، اللهم إلا ما نقله من الآثار الواردة في الآية عن السلف دون تعريج على الخلاف أو الترجيح. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يفقهنا في ديننا.
مليار و300 مليون طن من الأطعمة تحول إلى صناديق القمامة سنويا، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بـ 750 مليار دولار في كل عام، هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.
يحدث كل هذا في ظل وجود 870 مليونا من الجائعين يوميا، وصدق من قال: ما رأيت إسرافا إلا وبجانبه حق مضيع. ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعا بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها 19 مليارا من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر 100 طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم.
وفي دراسة لأحدى الشركات المتخصصة، وجد أن 80% من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فلنتدارك الأمر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثمت دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف ثم دارت الأيام واشتهرت بالمجاعة والقحط.
فلنحرص جميعا على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبه التالية أو لنعطه للمحتاجين بعد أن نغلفه، وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجمعه في صندوق ولنجعله غذاء للطيور والحيوان، ففي كل كبد رطبة أجر، ولنتذكر دوما قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].
كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيها وتحذيرا خطيرا، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا.
فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم.
وصلاح نشاتهم، فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرق وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.
للتعامل مع الطفل العنيد، الابتعاد عن أسباب العناد أولاً قبل البحث عن علاج، إعطاؤه الأشياء التي ليس منها مشكلة فليس جميع الأشياء ممنوعة. إذا حصل المنع فلا بد من الحزم وعدم التأثر بردة الفعل، ليكن المربي أكثر حرصاً وإصراراً على تربية الطفل وتأديبه من الطفل على تحقيق مطلوبه.
الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى. ثاني الكتب التي ندرسها اليوم: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من التفسير للإلام الشوكاني رحمه الله، وهو الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني. ولد بهجرة شوكان من بلاد خولان باليمن، ونشأ في صنعاء في بيت علم وفضل فكان والده من العلماء المشهورين في عصره. وللشوكاني مؤلفات كثيرة، منها: نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار في الفقه، الأحاديث الفقهية، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، وغيرها.
توفي الإمام الشوكاني رحمه الله ليلة الأربعاء لثلاث بقينا من شهر جمادى الآخرة عام ألفين وخمسين للهجره، وقد صلي عليه في الجامع الكبير بصنعاء. أما تفسيره المسمى بفتح القدير، فإن كتب التفسير عموماً كما تقدم تنقسم إلى قسمين: التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي. تأتي أهمية تفسير فتح القدير أنه جمع بين المدرستين، التفسير بالدراية والتفسير بالرواية، فأجاد في باب الدراية وتوسع في باب الرواية.
وقال هو عن تفسيره: فهذا التفسير اشتمل على ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد مع زوائد فوائد وقواعد شوارد، فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة، انظر تفاسير المعتمدين على الرواية ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب وعجب العجاب.
أما مصادر الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره فقد اعتمد على أقوال أبي جعفر النحاس، وابن عطية الدمشقي، وابن عطية الأندلسي، والقرطبي، والزمخشري وغيرهم. وأما منهجه في فتح القدير فانه الجمع بين الرواية والدراية، وواضح من اسم الكتاب أنه قصد الجمع بينهما وعدم الاقتصار على أحدهما. وقد ذكر في مقدمة التفسير أن بعض المفسرين اقتصر على جانب الرواية وبعضهم الآخر اقتصر على جانب الدراية، ثم قال: وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي وطنت نفسي عليه، والمسلك الذي عزمت على سلوكه إن شاء الله، مع تعرضي للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لي وجهه، وأخذي من بيان المعنى العربي والعرابي والبياني بأوفر نصيب.
ومن طريقته رحمه الله أنه يذكر مجموعة من الآيات ثم يفسرها تفسيراً عاماً، ثم يذكر بعد الفراغ من ذلك الروايات التفسيرية الواردة عن السلف في مجموع الآيات، ويذكر المناسبات بين الآيات، ويرجح ويستظهر ويستنبط، ويعطي نفسه حرية واسعة في الاستنباط، ويستبعد بعض الأشياء ويستغرب ويستنكر، وهو الذي بلغ رتبه الاجتهاد.
ومثال ما تقدم عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: لما فرغ الله سبحانه من أقاصيص الكفرة وبين حال السعداء والأشقياء، سل رسوله صلى الله عليه وسلم بشرح أحوال الكفره من قومه في ضمن النهي له عن الامتراء في أن ما يعبدونه غير نافع ولا ضار ولا تأثير له في شيء. واصبر على ما أمرت به من الاستقامة وعدم الطغيان والركون إلى الذين ظلموا. وقيل إن المراد الصبر على ما أمر به دون ما نهي عنه لأنه لا مشقة في اجتنابه، وفيه نظر. يقول الشوكاني: وفيه نظر، فإن المشقة في اجتناب المنهي عنه كائنة، وعلى فرض كونها دون مشقة امتثال الأمر فذلك لا يخرجها عن مطلق المشقة. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يوفيهم أجورهم ولا يضيع منها شيئاً فلا يهمله ولا يبخسه بنقص.
وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ قال -يعني ابن عباس-: ما قدر لهم من خير أو شر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال: من العذاب. وأخرج عن أبي العالية قال: من الرزق.
وإن لموفوهم نصيبهم، نصيبهم من ماذا؟ ذكر الأقوال: ما قدر لهم من خير أو شر، نصيب من العذاب، نصيب من الرزق. وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال: الصلوات الخمس. ما هي الحسنات في هذه الآية؟ الصلوات الخمس. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له كأنه يسأل عن كفارتها، فأنزلت عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذه؟ يعني لي خاصة؟ قال: «هي لمن عمل بها من أمتي». والحديث رواه البخاري ومسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال: هم الذين يذكرون الله في السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء.
ما هو موقف الإمام الشوكاني رحمه الله من الأسانيد؟ الحقيقة أنه يعزو الأحاديث والآثار لمن أخرجها دون ذكر إسناد، وقد يذكر ما في الإسناد أي من ضعف، ويورد ما يقويه، وقد يذكر الحديث دون بيان حال إسناده اكتفاء بالعزو إلى مخرجه، ولا يخلو الكتاب من أحاديث منكرة أو شديدة الضعف. والكتاب حقق في نحو تسع عشرة رسالة ما بين ماجستير ودكتوراه في الجامعة الإسلامية، وهو بحاجة إلى طباعة وتدقيق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا ويرفعنا بالقران العظيم إنه عليم حكيم.
هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات، أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانه؟ فلتسال نفسك: هل ساقترض لامر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي ساقترضه سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين وكم سيستغرق من الوقت؟
واعلم أن الدين وإن كان جائزاً إلا أن أمره خطير، ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلي على من مات وعليه دين. فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وأخلاف الوعد والمشكلات الأسرية. ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريجه كربة مسلم. ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة، ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».
البخاري هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، الإمام الحافظ المحدث الفقيه، صاحب الجامع الصحيح أصي كتاب بعد كتاب الله تعالى. قال رحمه الله: صنفت الصحيح في ست عشرة سنة وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى. وقال رحمه الله: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. ومن مصنفاته أيضاً: التاريخ الكبير، والأدب المفرد، والقراءة خلف الإمام، وغيرها من المصنفات. توفي رحمه الله سنة ست وخمسين ومائتين من الهجرة. إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما
الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات مرة أخرى. في التفاسير، يحتاج الباحث وطالب العلم إلى التدقيق في موضوع موقف المفسر من آيات الصفات، وما هي عقيدته في ذلك؛ لأنه إذا قرأ يحتاج أن يعرف هل المفسر هذا على طريقة السلف في الأسماء والصفات أو ماذا، حتى لا يروج عليه شيء من الباطل أو يقع في شيء من الخطأ. فإذا سأل سائل: ما هو موقف الإام الشوكاني رحمه الله من آيات الصفات؟
الإمام الشوكاني رحمه الله على وجه العموم ممن ناصروا مذهب السلف ودعوا إليه، ويظهر هذا في كلامه على قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]، فقد قال: قد اختلف العلماء في معنى هذا على أربعة عشر قولاً، وأحقها وأولاها بالصواب مذهب السلف الصالح: أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف، يعني على العرش، بلا كيف على الوجه الذي يليق به، يعني بلا كيف معلوم لنا، كيفية الاستواء معلومة لله، لكن نحن الكيفية ليست معلومة بالنسبة لنا. قال: مذهب السلف الصالح أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف على الوجه الذي يليق به، مع تنزهه عما لا يجوز عليه. مع ذلك، يعني قلنا إنه الشوكاني رحمه الله مع منهج السلف عموماً؛ لأنه وقع له في بعض الصفات تأويل الأشاعره، قد يكون في هذا تابعاً للقرطبي أو غيره؛ فعلى سبيل المثال أول صفة الغضب، والاستهزاء، والحياء، والوجه، والاتيان، والمجيء، واليد، والعين، ونحوها تأويل غير مقبول.
فمثلاً في تفسير قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، قال: أي جاء أمره وقضاؤه وظهرت آياته، وقيل المعنى: أنها زالت الشبه في ذلك اليوم، وظهرت المعارف وصارت ضرورية. طبعا ما هو الحق؟ وجاء ربك، ياتي الله سبحانه وتعالى بنفسه اتيانا يليق بجلاله وعظمته، ما المانع؟ ما المانع أن يقول جاء الله، أتى ربنا مجيئا واتيانا يليق بجلاله وعظمته؟ وأولئك أهل علم الكلام الذين يقولون إذا اثبتنا المجيء واثبتنا الاتيان دخلنا في موضوع انتقال الأجسام، والله منزه، وليس بجسم؛ الكلام الذي يدخلون فيه ويصادمون فيه ظاهر النص وهو من الترهات. فالله عز وجل له الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته، نثبتها على ظاهر النص كما اثبتها سبحانه.
وفي قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، قال يعني الشوكاني: والمعنى أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت. وقال الكلبي: المعنى أن نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. طبعا هذا أيضا تأويل باطل، يد الله حقيقة، الله عز وجل له يد حقيقية تليق بجلاله وعظمته ليست كأيدي المخلوقين، وهو سبحانه وتعالى فوق عباده، ويد الله فوق أيدي العباد.
ما هو موقف الإمام الشوكاني رحمه الله من الأحكام الفقهية؟ الشوكاني إمام علامة فقيه مجتهد، وله مؤلفات فقهية عظيمة مثل نيل الأوطار والدر الضحية، وقد اعتنى بآيات الأحكام وأورد أقوال الفقهاء مع الاستدلال والترجيح. مثال في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، قال: استدل بهذه الآية على وجوب العمرة؛ لأن الأمر بإتمامهما، يعني الحج والعمرة، أمر بهما، يعني جميعا، وبذلك قال علي وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والشافعي وأحمد. وقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي -كما حكاه ابن المنذر عنهم- أنها سنة العمرة. ثم شرع في إيراد الأدلة ومناقشتها.
وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11]، قال: وقد اختلف العلماء في الجد هل هو بمنزلة الأب فتسقط به الإخوة أم لا؟ فذهب أبو بكر الصديق وابن عباس وعبد الله بن الزبير وعائشة إلى أنهم بمنزلة الأب، واحتجوا بمثل قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78]، يعني على تسمية الجد أباً. ثم قال: وذهب علي بن ابي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الجد مع الإخوة لأبوين أو لأب، ولا ينقص معهم من الثلث، إلى آخر كلامه.
ناتي إلى موقف الإمام الشوكاني رحمه الله من الإسرائيليات. الشوكاني رحمه الله في الجمله قليل النقل، لكنه قد ينقل مضامين بعضها؛ في تفسير الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: 175]، قال: قيل هو بلعم بن باعوراء، وكان قد حفظ بعض الكتب المنزلة، وقيل كان قد أوتي النبوة وكان مجاب الدعوة، بعثه الله إلى مدين يدعوهم إلى الإيمان فأعطوه العطية الواسعة فاتبع دينهم وترك ما بعث به. فلما أقبل موسى في بني إسرائيل لقتال الجبارين، سأل الجبارون بلعم بن باعوراء أن يدعو على موسى، فقام ليدعو عليه فتحول لسانه بالدعاء لأصحابه. فقيل له في ذلك فقال: لا أقدر على أكثر مما تسمعون. واندلع لسانه على صدره فقال: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، وسأموكر لكم، واني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنا، فإن وقعوا فيه هلكوا. فوقع بنو إسرائيل في الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات سبعون ألفا.
طبعا بلا شك أنكم استنكرتم هذا القول الأخير، يعني نبي انتكس وأخذ رشوة! الشوكاني رحمه الله علق قال: وهذه قصة منكرة؛ إذ كيف يجوز على نبي أن يترك النبوة لأجل المال ثم هو يامر بالفاحشه؟ فمثل هذه القصص تنزه عنها كتب التفسير. هذا كلامه.
أما عن موقف الإمام الشوكاني رحمه الله من اللغة والنحو، فانه يهتم باللغة كثيرا، ويحتكم إلى أئمتها كالمبرد وأبي عبيدة والفراء وغيرهم، ويذكر وجوه الإعراب ويستشهد كثيرا بالشواهد الشعرية. وقال الشوكاني في مقدمة تفسيره: مع تعرضي للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن، وأخذ من بيان المعنى العربي والعرابي والبياني بأوفر نصيب. مثال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: 61]، قال: وجمله وأنتم سامدون في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة لتقرير ما فيها، والسمود الغفلة والسهو عن الشيء. وقال في الصحاح: سمد سمودا رفع رأسه تكبرا فهو سامد. وقال ابن الأعرابى: السمود اللهو والسامد اللاهي. يقال للقينة -يعني المغنية المطربة، القينة في لغة العرب المغنية- يقال للقينة اسمدينا، يعني الهينا بالغناء. وقال المبرد: سامدون خامدون. فاستشهد أو نقل كلام أئمة اللغة في المعاني المتعددة لقوله سامدون.
أما بالنسبة للقراات، فإن الإمام الشوكاني رحمه الله يهتم بذكر القراءات وتوجيهها؛ فعلى سبيل المثال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: 111]، قال: قرأ نافع وابن كثير وأبو بكر وإن بالتخفيف، على أنها أن المخففة من الثقيلة، وعملت في كلا (نصبتها)، وقد جوز عملها الخليل وسيبويه، أي مع التخفيف. فإن التثقيل إن كلا واضحة، لكن على قراءة إن هل تبقى كلا منصوبة؟ فذكر من جوز عمل إن المخففة بالنصب. وقال أيضا: وقد جوز البصريون أيضا تخفيف أن مع إعمالها، وأنكر ذلك الكسائي وقال: ما أدري على أي شيء قرئ وإن كلا.
كيف تخفف وتعمل في نفس الوقت؟ كيف تخفف وتعمل بالنصب في الوقت نفسه؟ ثم قال: وزعم الفراء أن انتصاب كلا بقوله ليوفينهم، يعني ليس انتصاب كلا بأن، وإنما انتصابها يكون حينئذ بالفعل ليوفينهم كلا، والتقدير: وإن ليوفينهم كلا. وأنكر ذلك عليه جميع النحويين. يقول الشوكاني: وقرأ الباقون بتشديد أن ونصبوا بها كلا وإن كلا. وهذا واضح، قال: وعلى كلا القراءتين فالتنوين في كلا عوض عن المضاف إليه، أي: وإن كل المختلفين، أو وإن كل المختلفين.
هذه أيها الأخوة والأخوات جملة من أهم التفاسير التي يجدر بطالب العلم أن يكون على دراية وعلم بها. تحدثنا بادئ ذي بدء عن تفسير الطبري شيخ المفسرين، مرورا بتفسير ابن كثير والبغوي والقرطبي والدر المنثور وفتح القدير، وهناك جملة كبيرة أخرى من التفاسير، كتفسير ابن أبي حاتم، وتفسير المحرر الوجيز لابن عطية، ومحاسن التأويل للقاسمي، والتسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي، وتفسير أبي حيان، وأبي السعود المسمى بإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، وتفسير الجصاص، وابن العربي المسمى بأحكام القرآن، وغير ذلك الكثير يضيق الوقت عن استعراضها.
وهناك تفاسير طبعا معاصرة، ومن أفضلها في الاختصار والوضوح تفسير الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله المسمى بتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. وهناك تفاسير أخرى، الشيخ ابن عثيمين رحمه الله صدرت مجلدات كثيرة في تفسير سور كثيرة من القرآن، العلامة الشنقيطي رحمه الله فسر أكثر القرآن في أضواء البيان وغيره.
سنتحدث بمشيئة الله في الدرس القادم عن ملاحظات في التفاسير تكلم العلماء عنها لأجل أن يتنبه طالب العلم إليها ولأجل أن يتنبه طالب العلم لها وأن يعرفها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا وأن يتوب علينا وأن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يجعل كتابه العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا، إنه علي عليم حكيم.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهلا النوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف صف ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد