بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فهذا هو الدرس السابع في سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسيرين عظيمين: تفسير الإمام السيوطي رحمه الله المسمى الدر المنثور في التفسير بالمأثور، وكذلك تفسير الإمام الشوكاني رحمه الله. وبينا أن التفسير الأول (الدر المنثور) مختصر من تفسير السيوطي نفسه رحمه الله المسمى (ترجمان القرآن)، وأن الدر المنثور يعد أوسع وأجمع كتب التفسير بالمأثور على الإطلاق فيما نعرف، وقد جمع فيه كل أو جل الروايات المثبتة في كتب التفسير بالمأثور السابقة، كتفسير الطبري وأبي حاتم وابن المنذر وغيرها، فلا يكاد يفوت منها شيء.
التفسير الثاني الذي تحدثنا عنه: (فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من التفسير) للإمام الشوكاني رحمه الله. ذكرنا أن الشوكاني جمع فيه بين مدرستين: التفسير بالدراية والتفسير بالرواية؛ فأجاد في باب الدراية، وتوسع في باب الرواية، مع تعرضه للترجيح بين التفاسير المتعارضة ما أمكن.
اليوم بإذن الله نستعرض بعض التفاسير التي يجب أن يتنبه لها طالب العلم وخاصة المبتدئ، يعني مما فيه ملاحظات في جوانب معينة وخصوصاً الجوانب العقدية. هناك جملة من كتب التفسير التي لا يقرأها في العادة المبتدئون من طلبة العلم، تحتوي على مخالفات؛ ليكن هذا مختصراً في هذه الكتب، وشيء من الملاحظات للتنبيه والنصيحة في الدين.
كتاب (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) للثعلبي، مؤلفه أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، المتوفى سنة سبع وعشرين وأربعمئة للهجرة. فيه ملاحظات، منها: الإكثار من ذكر الإسرائيليات فيتوسع فيها توسعاً كبيراً بدون أن يتعقب أو ينبه، مع أن في بعضها غرائب ومنكرات. ولعل السبب في ذلك ولوعه بالقصص وتوسعه في النقل. وابن كثير رحمه الله قال عنه: له التفسير الكبير، وله كتاب العرايس في قصص الأنبياء عليهم السلام وغير ذلك، وكان كثير الحديث واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير.
من الأمثلة: أورد في قصة أهل الكهف قال: كعب الأحبار مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟ لا تخشون إجابتنا، أنا حب أحباء الله، فناموا حتى أحرسكم. طبعا هذا كلام غريب جداً. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143] الآية، قال الثعلبي: قال وهب -طبعا نلاحظ: قال كعب، قال وهب، يبدأ النقل عن بني إسرائيل-: قال وهب: لما سأل موسى الرؤيا أرسل إليه الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق، فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى، فأمر الله ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى أربعة فراسخ من كل ناحية، فمرت به ملائكة سماء الدنيا كتيراً البقر تتبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كأصوات الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى، فهبطوا عليه مثل... إلى آخر الكلام الغريب العجيب.
مما يؤخذ على تفسير الثعلبي رحمه الله: الاغترار بالاحاديث الموضوعة، حتى علق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن البغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره من الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة. وقال عنه في مقدمته في التفسير: والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.
من الأمثلة على الأحاديث الموضوعة المكذوبة في تفسيره: تلك التي أورد في فضائل السور بعد نهاية كل سورة، وقد أورد في نهاية كل سورة حديثاً في فضلها منسوباً إلى أبي بن كعب، وهو موضوع: من قرأ سورة كذا فله كذا وكذا، من قرأ سورة كذا جاء يوم القيامة كذا... كلها أحاديث مخترعة مكذوبة في فضائل السور. وذكر ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة أن تفسير الثعلبي فيه أحاديث موضوعة وأحاديث صحيحة، ومن الموضوع فيه الأحاديث التي في فضائل السور سورة سورة. فمما فيه من الموضوعات في فضائل السور: حديث لكل شيء قلب، وإن قلب القرآن يس، من قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات.
وكذلك من الأحاديث الموضوعة: حديث ابن مسعود مرفوعاً: «يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمئة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، قد حمل السلاح...» إلى آخره. وذكر أهل الحديث أن هذا مكذوب.
وكذلك روى بإسناده في تفسير قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: 29] حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي: «يا علي، أنت في الجنة وشيعتك في الجنة، وسيجيء بعدي قوم يدعون ولايتك، لهم لقب يقال له الرافضة، فإن أدركتموها فاقتلوهم فإنهم مشركون». قال: يا رسول الله، ما علامتهم؟ قال: «يا علي، أنهم ليست لهم جمعة ولا جماعة، يسبون أبا بكر وعمر».
ومما يؤخذ على تفسير الثعلبي رحمه الله أيضا: الاغترار بكثير من الأحاديث الموضوعة على ألسنة الرافضة. فقد أكثر الثعلبي من نقل الأحاديث الموضوعة على ألسنة الشيعة دون الإشارة إلى كونها موضوعة مكذوبة. مثال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]. روى بإسناده إلى أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاتين وإلا صمتا، ورأيت بهاتين وإلا فعميتا، يقول: «علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله». ثم ذكر قصة فيها أن عليا تصدق بخاتم في خنصره وهو راكع، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 25-31]، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص: 35]، اللهم وإنا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أشدد به ظهري. قال أبو ذر: والله ما استتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة حتى أنزل عليه جبريل من عند الله فقال: يا محمد اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...﴾ [المائدة: 55] إلى آخره.
طبعا هذا الحديث موضوع مكذوب، وهو الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها شديد: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلية عظيمة في الدين، ونقل هذا أيضا وترويج هذا حرام لا يجوز. هذه بعض تنبيهات بالنسبة لهذا التفسير، وطبعا هذا التفسير للباحثين والمتقدمين من طلبة العلم أنهم إذا قرأوا فيه وهم يعلمون حاله يستطيعون التمييز، وخصوصا أن كثيرا من هذه الكتب قد طبعت وفيها تحقيقات وتعليقات تبين أحوال مثل هذه الأحاديث. نسأل الله أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يرزقنا تلاوة كتابه وفهمه والعمل به، إنه سميع عليم.
لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة، وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً لمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين.
ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع.
مما أكسَبَها قِیمَةً وامتيازًا واحترامًا لا مثيلَ له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترامَ المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترامَ المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة سنية. ومسؤوليات وقيام المرأة المسلمين بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسرًا وأفرادًا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية، زاد الحاج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرأ كتابًا؟ معاني الأذكار؟ لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.
الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوة والأخوات مرة أخرى. نتحدث أيضًا الآن عن بعض المخالفات في تفسير آخر من التفاسير، وهو روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للعلامة محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، أبو الثناء المفسر المحدث الأديب من أهل بغداد. وقد تقلد الإفتاء ببلده عام ألف ومئتين وثمانية وأربعين للهجرة، وعزل فانقطع عن العلم، ثم سافر إلى الموصل والآستانة وغيرها وعاد إلى بغداد يدون رحلاته ويكمل ما كان قد بدأ به من مصنفاته، فاستمر إلى أن توفي رحمه الله. من كتبه روح المعاني هذا في التفسير، وغرائب الأغتراب، وقد ضمنه تراجم للذين لقيهم، وله أبحاث أخرى ومناظرات. وقد توفي رحمه الله في بغداد سنة ألف ومئتين وسبعين للهجرة.
تفسير الآلوسي تفسير ضخم، من يطلع عليه يجد نفسه أمام موسوعة كبيرة جمع فيها أقوالًا في التفسير كثيرة، ورجع إلى مراجع متعددة. فمن مراجعه مثلًا: تفسير الزمخشري، الرازي، البيضاوي، أبي السعود، ابن عطية، أبي حيان، ابن كثير وغيرهم. لكن يلاحظ على هذا التفسير أنه يوجد فيه مخالفات عقدية واضحة، منها: الميل إلى نقل أباطيل عن الصوفية وتعظيمهم؛ فقد كان يخلع عليهم الألقاب العظيمة كقولهم: روي عن الإمام الرباني سيدي وسندي. طبعا هذه كلمة سندي عن ميت مصيبة، فكيف يكون الولي سندًا وقد شبع موتاً؟! فالله تعالى هو الذي يلجأ إليه، وهو العضد والنصير عز وجل، وأما الأموات فلا يغنُونَ من الله شيئًا ولا يملكون نفعًا ولا ضرًّا.
وعبد القادر الكيلاني أو الجيلاني -رغم أنه من الأئمة ومن الأولياء ومن العباد ومن العلماء- لكن لا يجوز أن نقول: عبد القادر سندي، وعبد القادر عضدي، وعبد القادر نصيري ونحو ذلك. فهذه مثلًا من الكلمات الخطيرة التي وردت في هذا التفسير، لما قد روي عن الإمام الرباني سيدي وسندي عبد القادر الجيلاني أو الكيلاني، وأيضًا مثلًا عبارة من العبارات أوردها قال: سادتنا الصوفية أفاض الله تعالى علينا من فتوحاتهم القدسية. وقال: وإلى ذلك يشير كلام سادتنا النقشبندية بلغنا الله تعالى ببركاتهم كل أمنية. فأكثر النقل عن أئمة من هذا التوجه، أئمة ضلالة فيها بلايا وطوام وتفاسير شاذة. ونقصد بأئمة الضلالة كابن عربي وابن عطاء السكندري وعن أبي العباس المرسي وغيرهم.
على سبيل المثال لما جاء إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۡا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]، قال ابن عطاء -يقصد السكندري الضال هذا-: لو جعلواك الوسيلةَ لدي لوصلوا إلي. فكانت خلاص الآن هذه فتحت الباب للاستنجاد بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته وسؤاله وأن نقول: يا رسول الله افعل لنا كذا وافعل لنا كذا. وفي تفسير معنى طه، سيم، قال: طرب التائبين في ميدان الرحمة. ما هذا الكلام؟! التائبون الآن يتوبون من الطرب فصار الآن لهم يعني طرب.
كذلك مثلًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِل عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: 6]، قال: نقل بعضهم عن فلان أنه قال: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم. يعني كيف هذا؟! كيفها في تفسير قوله تعالى مثلًا: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21]، قال: ويحكى أنه سئل أبو يزيد عن هذه الآية فقال: سقاهم شرابًا طهرهم به عن محبة غيره. ثم قال: إن لله تعالى شرابًا ادخره لأفاضل عباده يتولى سقيهم إياه، فإذا شربوا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا، وإذا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا. هذه عبارات الصوفية، هذه المصيبة. يعني المؤمن إذا سمع الآيات أو إذا وهبه الله علمًا ما يطيش! كيف يطيش؟! بل إن الله عز وجل إذا رزقه علمًا ثبت عقله وربط جأشه وصار عاقلًا يعقل يتوجه إلى ربه، ولا يقال: طاشوا، طاروا، اتصلوا، وصلوا.
ومن البدع الشنيعة التي أظهرها في التفسير: فكرة أنبياء الأولياء، وهذه فكرة مبتدعة كفرية غامضة نقلها في تفسيره وقال: وقد يطلقون على بعض الأولياء انبياء الأولياء. وقال الشعراني في رسالة الفتح في تأويل ما صدر عن الكمل من الشطح: أنبياء الأولياء هم كل ولي أقامه الحق تعالى في تجل من مظهر تجلياته، وقام له محمد صلى الله عليه وسلم مظهر جبريل عليه السلام، فأسماه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إذا فرغ من خطابه وفزع عن قلب هذا الولي عقل صاحب هذا المشهد جميع ما تضمنه ذلك الخطاب، فمثل هذا يعمل بما شاء من الأحاديث! لاحظ شوف الصوفية عندهم هذا المفهوم، مسألة يعني إذا صار فيض على فلان يعمل بما شاء من النصوص، يأخذ هذا ويترك هذا.
هو يقول -شوف، هو ينقل الآن عن الشعراني الضال الزائغ- يقول: مثل هذا يعني الذي بلغ هذا المبلغ عند الصوفية يعمل بما شاء من الأحاديث، لا التفات له إلى تصحيح غيره وتضعيفه، وقد يكون ما قال بعض المحدثين بأنه ضعيف سمعه هذا الولي من الروح الأمين! يعني يجعلون الصوفية يجعلون لبعض أوليائهم اتصالًا مباشرًا بجبريل ويأخذون عنه الآن يعني بعد انقطاع الوحي وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله! والآلوسي لم يتعقب كلام الشعراني الباطل الذي نقله، فكأنما صار مقرًّا له، فقد اختاره ونقله.
مثال آخر في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: 69]، قال: الولاية هي المحيطة العامة والفلك الدائر والدائرة الكبرى والولي من كان على بينة من ربه، إلا أن المذكور منها في هذه الآية أربعة: الصنف الأول الأنبياء والمراد بهم هنا الرسل أهل الشرع، ولا بحث لأهل الله تعالى -يعني الصوفية- عن مقاماتهم وأحوالهم. النبوة العامة مستمرة سارية في أكابر الرجال غير منقطعة دنيا وأخرى، لكن باب الإطلاق قد انسد.
فمفهوم أن هناك نبوة عامة مستمرة بعد نبوة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا هذه مصيبة كبيرة، مصيبة كبيرة أن خلاص هذا فتح باب لأولياء الصوفية أو مشايخ الصوفية أن يفتروا على الوحي ويقول: حدثني قلبي عن ربي، ورأيت في اللوح المحفوظ كذا، وشافهني جبريل بكذا، ويأتون بأحكام تنسخ ما استقرت عليه الشريعة! وهذه كارثة كبرى مصيبة عظيمة.
طبعا بالنسبة للأسماء والصفات، الآلوسي يميل إلى مذهب الأشاعرة، وعلى سبيل المثال في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8]، أي قولوا: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا إلى معالم الحق. من التفويض المتشابه أو التأويل. التفويض أو التأويل هذا عين مذهب الأشاعرة؛ حيث قال صاحب جوهرة التوحيد من يعني في عقيدة الأشاعرة: وكل نص أوهم التشبيه أوله أو فوض ورم تنزيها. خلاص مثلاً: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، هذه آية عنده، عندنا الأشاعرة هذه توهم التشبيه، يعني تشبيه الله بخلقه، وأن يد الله كيد المخلوق، فما هو الحل عندهم؟ أوله أو فوضه.
يد القدرة، اليد القوة؛ أو فوض خلاص نقول هذه كلمة ما نعرف معناها نتوقف! ماذا؟ طيب هذه نزل القرآن، نزل بلسان عربي مبين، كيف يعني ما نعرف معناها؟ اليد في اللغة معروفة المعنى.
لكن يد الله يد حقيقية، صفة لله، لكن لا تشابه أيدي المخلوقين، يليق بجلاله وعظمته. ما الفرق بينه وبين الوجه؟ ما الفرق بينه وبين السمع والبصر؟ إذا أثبت السمع والبصر لله وأنه سميع بصير، له سمع حقيقي وبصر حقيقي، أستقول إن سمعه لا يشبه سمع المخلوقين وتقول إن بصره لا يشبه بصر المخلوقين؟ كذلك تقول: له يد لا تشبه أيدي المخلوقين، له وجه لا يشبه وجوه المخلوقين. أما أن تهرب وتقول: أوله، وقل هذا معناه الرضا، وهذا أو نقول: هذا نمسك عن الكلام. ما له معنى؟ معلوم، لا نعلم المعنى، لا نعرف المعنى، نفوض المعنى! والا صار خلاص صار القرآن طلاسم.
على أي حال، هو يتوجه في مسائل الصفات إلى مذهب الأشاعرة؛ مثلاً في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمِلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، جعل بعضهم القدوم في حق عز وجل عبارة عن حكمه، وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي قدم ملائكتنا. لماذا؟ ليش؟ لماذا هذا التأويل الباطل؟ يعني إذا أثبت الله تعالى لنفسه أنه يأتي أو يجيء: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، ﴿يَوْمَ يَأْتِي رَبُّكَ﴾ [الأنعام: 158]، خلاص نحن نسلم ونستسلم ونؤمن بكلام الله على مراد الله، ونعرف معنى الاتيان والمجيء في اللغة، وهذا نزل بلسان عربي مبين.
فنثبت لله الإتيان؛ لكن ليس كإتيان البشر، ونثبت لله المجيء؛ لكن ليس كمجيء البشر، ونثبت لله الاستواء؛ لكن ليس كاستواء البشر، ونثبت لله النزول؛ لكن ليس كنزول البشر. فالله ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته، يأتي يوم القيامة ويجيء مجيئاً يليق بجلاله وعظمته. هذا هو المذهب الحق في قوله تعالى مثلاً: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، الألوسي نقل عن الكشاف المعتزلي -طبعا الزمخشري صاحب الكشاف- قال في الكشاف لما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10]، أكده على طريقة التخييل، فقال: يد الله فوق أيديهم، وأنه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام.
هذه المصيبة؛ عندما يقولون: لا يد لله، اليد معناها القدرة، معناها القوة، ما في يد حقيقية. لماذا قالوا؟ حتى ننزه الله عن الجوارح وصفات الأجسام. طيب ولماذا لا تثبتون له يداً تليق بجلاله وعظمته؟ يثبتون له ذاتاً أم لا؟ تثبتون لله نفساً أم لا؟ ﴿تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]. ماذا تقولون عن الذات وعن النفس؟ يقول: له ذات تليق بجلاله وعظمته، وله نفس تليق بجلاله وعظمته. كذلك قولوا: له يد تليق بجلاله وعظمته. القول في الصفات كالقول في الذات؛ سواء كانت صفات الذات كالاليد والوجه، أو كانت صفات الفعل؛ المجيء، الإتيان، الغضب، الرضا. لابد أن نثبت، والقول في الصفات كالقول في الصفات الأخرى، القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر؛ إذا كنت تثبت له السمع والبصر، اثبت له اليد، اثبت له الوجه سبحانه وتعالى. ما الفرق؟
الألوسي يقول مثلاً، وروى فلان عن فلان: اليد القوة؛ أي قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم. كل هذا فراراً من إثبات اليد لله في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]. يقول: ثق بنصرة الله لا بنصرتهم وإن بايعوك. المعنى صحيح، لكن ليس هو تفسير الآية. المشكلة يأتون بمعاني أحياناً يعني جملة صحيحة؛ ثق بنصرة الله لا بنصرتهم وإن بايعوه، صحيح توكل على الله، ولكن ليس هذا معنى قول الله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]. يقول مثلاً كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18]: قال الفوقية بمعنى الفوقية في الفضل؛ يعني لا يريد أن يثبت فوقية الذات، أنه تعالى بذاته فوق خلقه.
لماذا؟ لماذا؟ لماذا الفرار من إثبات فوقية الله وعلو الله على خلقه؟ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وعرشه فوق سماواته، وسماواته فوق خلقه، علا على عرشه وارتفع سبحانه علواً يليق بجلاله وعظمته، نحن نثبت لله الفوقية، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم من فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 50]. فلماذا يلجأ هؤلاء إلى إنكار الفوقية، وإنكار علو الله على خلقه، ويقولون هكذا حصرناه؟ يا جماعة كيف يعني؟ اثبت العلو لله، إيش المخلوقون هؤلاء كلهم؟ ولا ولا ذرة، ولا كل الكون هذا بالنسبة لله إيش؟ ولا ذرة، ثم تقول: إذا أثبتنا علو حصرناه؟ من نحن؟ ما شأننا بالنسبة إليه تعالى؟ ولا شيء.
ما السماوات والأرض، والسماوات السبع والاراضون ومن فيهن بالنسبة للكرسي كحلقة ألقت في فلاة، والكرسي بالنسبة للعرش أيضاً كحلقة ألقت في فلاة. التصورات هذه التدخل بالعقول في عالم الغيب الذي يؤدي إلى مفاهيم أشياء فاسدة، يفرون منها بطرق فاسدة، والنتيجة إبطال معاني النصوص التي وردت عن الله ورسوله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يوحده ويؤمن به وبما أخبرنا عن نفسه كما يريد عز وجل، والله تعالى أعلم.
لم يكن العرب أهل علم بالحساب، ففي التقويم الشهري كانوا يعتمدون سير القمر ومنازله لحساب الأشهر. فجاء الإسلام وأقره لوضوحه وسهولة الأخذ به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 20]. فهو المعتبر في توقيت الفرائض من صيام وزكاة وحج، وبه تحسب الأعياد، وهو المعتمد في عدد النساء كثلاثة أشهر وأربعة أشهر وعشرة أيام، والكفارات كشهرين متتابعين، وكحول زكاة المال، كلها بالأشهر القمرية. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189].
قال ابن تيمية: فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور؛ لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار. قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم الشهر فعدوا». وأما التقويم السنوي فلم يكن للعرب قبل الإسلام تقويم خاص بهم يجمعهم، كما عند الأمم الأخرى، فكانوا يؤرخون بالحوادث الفريدة والوقائع المشهورة عندهم كحادثة الفيل وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعتمد التقويم بأشهره القمرية المعهودة لدى العرب، على أن تكون بداية التأريخ من السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، لأن الهجرة بداية عز الإسلام وقوته، فكان اختياراً مسدداً.
فعن سهل بن سعد قال: ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة. واستقر الرأي على أن يكون أول السنة شهر الله المحرم، بعد أن ينتهي الناس من موسم الحج ويستريحوا من عناء السفر بعده، وابتدأ العمل بالتقويم الهجري عام سبعة عشر هجرياً. فالعمل بالتقويم الهجري تمسك بالشرع واعتزاز بالهوية وتميز واستقلالية.
إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علماً وتنهل خيراً، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك، ويحبك في نبيك، وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلامياً والمؤصلة منهجياً، تخاطب الرجال والنساء، الكبار والصغار، تدعو البعيد، تؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر.
الحمد لله، حياكم الله أيها الأخوة والأخوات مرة أخرى. وكنا نتكلم عن المخالفات في تفسير الألوسي رحمه الله، وقلنا إنه أدخل في تفسيره التفسير الإشاري الصوفي الباطني. وهذا حقيقة أنه من أخطر البدع التي ظهرت في تاريخ الإسلام، الحركات الباطنية التي تدعي أن للنصوص ظاهراً وباطناً؛ ظاهراً للعامة، يعني من كذا من أمثالنا يعني، وباطناً يقولون لهم ولأئمتهم، لأئمة الصوفية وأئمة الرافضة، يقولون: الظاهر للعوام، والباطن للخواص.
والإمام عبد القهر البغدادي رحمه الله في الفرق بين الفرق قال: ضرر الباطني على المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان، لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يوماً، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر. والتفسير الإشاري الصوفي الباطني جزء من فكر خبيث من الفكر الباطني الذي دخل على عقيدة المسلمين وأفسد ما أفسد، جاء ببلايا وطامات. والمشكلة أن بعض المؤلفين يحسنون الظن ببعض أئمة هذا التوجه الباطني، ولذلك يقولون عنه، وما انتشر الفكر الباطني إلا من بوابتين؛ التصوف والتشيع.
الألوسي رحمه الله إذا انتهى من التفسير الظاهر للآية يتحدث أحياناً عن التفسير الباطن، هنا مكمن الخطر؛ مثلاً في تفسير قوله تعالى الم في صدر سورة آل عمران، قال: ومن باب الإشارة، خلاص إذا قال كلمة الإشارة الآن سيدخل في التفسير الإشاري في الباطن، ومن باب الإشارة ذكر بعض ساداتنا فيه أنه أُشير به إلى كل الوجود من حيث هو كل، لأن الألف إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود وهو مرتبة الإطلاق، طبعا هذه كلها مصطلحات صوفية، واللام إلى العقل المسمى بجبريل الذي هو وسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى، والميم إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو آخر الوجود وبه تتم دائرته ولهذا كان الختم.
يعني الم أولها الألف وآخرها الميم على هاء، طبعا نلاحظ أن الكلام الإشاري الصوفي كلام فيه غموض في غموض، وطبعا فيه خطورة في غلو فيه شركيات وفيه طبعا معاني باطلة، مثلاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204].
قال: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا يدعي المحبة ويتكلم في دقائق الأسرار ويظهر خصائص الأحوال وهو في مقام النفس الأمارة، ويشهد الله على ما في قلبه من المعارف والإخلاص بزعمه، وهو ألد الخصام شديد الخصومة لأهل الله، وإذا تولى ساعة في الأرض أن يفسد فيها بإلقائه الشبه على ضعفاء المريدين، ويهلك الحرث ويحصد بمنجل تمويهاته زرع الإيمان النابت في رياض قلوب السالكين، ويقطع نسل المرشدين.
طبعا هذا أين هذا من المعنى الصحيح للآية، معنى الآية بلسان عربي مبين واضح، ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى ساعة في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد، يعني ما تحتاج يعني معناها واضح.
لكن عندما تصرف وتؤول بهذه التأويلات ويقال هذا الباطن ذاك الذي فهمتموه أنتم أهل الظاهر المساكين العامة، أما الخواص والأولياء لهم مفاهيم أخرى من الآيات لا يعرفها إلا هم يعيشون في عالم آخر، سبحان الله.
مثلاً في تفسير قوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] ماذا قال في التفسير؟ فخذ أربعة من الطير إشارة إلى طيور الباطن التي في قفص الجسم، وهي أربعة من أطيار الغيب؛ العقل والقلب والنفس والروح، فصرهن إليك يعني ضمهن وأذبههن، فاذبح طير العقل بسكين المحبة على باب الملكوت، التفسير الإشاري الباطني هذا فاذبح طير العقل بسكين المحبة على باب الملكوت، واذبح طير القلب بسكين الشوق على باب الجبروت، واذبح طير النفس بسكين العشق في ميادين الفردانية، واذبح طير الروح بسكين العجز في تيه عزة أسرار ربانية.
ممكن بعض العامة نسمع يقول إيش الكلام الكبير هذا، لكنه في الحقيقة أهاطيل، أربعة أربعة من الطيور المعينة مثل الحمامة والغراب، طيب أمر الله إبراهيم أن يأخذها ويذبحها ويفرقها ويدعوها تأتيه سعياً، وآية على إعادة الله للموتى من هذه الأطيار بعد أن تفرقت، فاجتمع بعضها إلى بعض، رأى إبراهيم عليه السلام كيف يأتي رأس هذا إلى ذنبه وريشه وقدميه، طيب المسألة واضحة يعني كيفية إحياء أهل الموتى والكلام هذا الذي يقوله هؤلاء الصوفية اذبحوا سكين هذه فعلاً يعني هذه مشكلة حقيقية.
وذاك الذي يقرأ أحياناً في بعض التفاسير ويجد أشياء غريبة فعلاً ينبغي أن يتوقف لينظر هل هذا هل هذا الحق؟ هل هذا ما فسر به أئمة؛ يعني مثلاً ابن مسعود، ابن عباس، سعيد بن جبير، عكرمة، مجاهد، ومن بعده، هكذا فسروا الآيات؟
ولذلك من أين مثلاً اكتسب مثل تفسير ابن كثير شهرته ومكانته؟ أنه يفسر صح، يفسر القرآن بالقرآن، يفسر القرآن بالسنة، يفسر القرآن بأقوال الصحابة، يفسر القرآن بأقوال التابعين أهل العلم ومن بعدهم وما تقتضيه اللغة العربية في كلماتها وما يقتضيه السياق، أما هذه الخزعبلات ما لها دخل في التفسير.
نأخذ مثالاً آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذْتُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون﴾ [البقرة: 55]، ماذا قال؟ فأخذتكم صاعقة الموت الذي هو الفناء في التجلي الذاتي، طبعا الفناء هذه رتبة عند الصوفية والتجلي أيضاً، التجليات هم يريدون فتح الباب لادعاء اخذ علوم من غير الوحي، فيقول فاض علي وتجلى لي ولما وصلت لمرحلة الفناء التحت مع الملكوت وأخذت عنه ثم بعثناكم قال بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء، يعني بعد ما رجع من رحلة الفناء هذا الولي الصوفي بعثناكم رجعتم من مرحلة الفناء إلى البقاء، ترى هذا كلام والمصيبة طبعا أن هؤلاء الصوفية عندهم عقيدة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، كل ما ترى بعينك فهو الله، الله هو الكون، الله هو السماوات والأرض والهواء.
مصيبة في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] يقول من باب الإشارة؛ لأن خلاص دخلنا في التفسير الإشاري الآن، أن الصفا أي الروح الصافية عن دون المخالفات، والمروة النفس القائمة بخدمة مولاها من أعلام دين الله ومناسكه القلبية والقالبية، فمن بلغ مقام الوحدة الذاتية ودخل بيت الحضرة الإلهية بالفناء عن السوى، إيش الفناء عن السوى هذا هما هذه عقيدة الحلول والاتحاد أن الله حل في المخلوقات تعالى الله عن قولهم بالفناء عن السوى أوزار الحظر بتوحيد الصفات واتزر بأنوار الجلال والجمال فلا حرج عليه حينئذ أن يطوف بهما ويرجع إلى مقامهما بالوجود الموهوب بعد التمكين المطلوب.
الصفا الجبل المعروف والمروة الجبل المعروف والسعي بينهما هو المطلوب، كل الكلام هذا يعني تم اختراعه ويقال عنه تفسير إشاري كأنه تفسير الخاصة وخاصة الخاصة، مصيبة وطبعا أهل الحلول والاتحاد الذين يقولون الله حل في المخلوقات تعالى الله عن قولهم واتحد وحل وما ترى بعينك فهو الله، ما يؤمنون أنه أن هناك رباً استوى على عرشه بائن من خلقه منفصل عنهم، لا يؤمنون بهذا، يسمون عقيدتهم وحدة وتوحيد تمويهاً.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله فيهم قال: هؤلاء موهوا على المسلمين التوحيد بالاتحاد الذي سموه توحيداً وحقيقة جحود الخالق، يعني من يتأمل في كلامهم ينتهي إلى أنهم بالأخير ما في خالق، خلاص لما يقول لك السماوات والأرض والكون والهواء هي الله، إيش معناها؟ يعني ما في خالق، خلاص.
في تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253]، ايش نقل من التفسير الإشاري للألوسي؟ قال: رفع بعضهم درجات بفنائه عن ظلمة الوجود بالكلية وبقائه في حضرة الأنوار الإلهية وبلوغه مقام قاب قوسين.
في تفسير آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] قال: لا موجود في سائر العوالم حقيقة إلا هو، يعني هذه عقيدة لا موجود في سائر العوالم حقيقة إلا هو، هذا وعقيدتهم الذين يقولون أنت وانا والجدار والارض هذه يعني أوهام، أنت تتوهم أنك موجود لا لا هذا كله هو الله ونحن مجرد صور وهمية هذه، ويقول: إذ لا موجود في سائر العوالم حقيقة إلا هو، هذه عقيدتهم، وقال: القيوم القائم بتدبير الأعيان الثابتة بظهوره فيها، تعالى الله عن قولهم لظهوره فيها هذه هي عقيدة الله تجلى وظهر في الأشخاص والجمادات والنباتات والأشجار، ظهر بهذه الاشكال، وذاك يقولون إن فرعون كان محقاً لما قال أنا ربكم الأعلى، بس موسى ما فهم عليه، تعالى الله عن قولهم، يعني عندهم أن فرعون جزء من الذات الإلهية، وأن كل الأشكال والصور هي الله، تعالى الله عن قوله.
على خطورة الأشياء التي نقلها الألوسي رحمه الله في تفسيره، لكن للإنصاف ما كان دائماً مطرداً مع كل أطروحات القوم، بل كان أحياناً يستنكر منها؛ فمثلاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60] قال في بيان معنى البحرين: قيل هما مجاز عن موسى والخضر.
لأنّهما بحرا علم، والمراد بملتقاهما مكان يتفق فيه اجتماعهما. وهو تأويل صوفي والسياق ينبو عنه، هذا كلام الألوسي، للحق، للإنصاف، للعدل ما وافق عليه. إيش تقول؟ مجمع البحرين، البحر البحرين، يعني موسى والخضر.
بحران حقيقيان، البحر الذي فيه الماء أمر الله موسى أن يمشي حتى يبلغ مجمع البحرين، هناك يبحث عن الخضر سيجده بحر الماء المعروف. ولذلك يعني هنا الألوسي رحمه الله رفض هذا.
يشيع طبعا في تفسيره الأقطاب، النقباء، الأوتاد، وهذه طبعا مراتب عند الصوفية، عندهم الغوث الأعظم، أقطاب، بعدها أقطاب، الأوتاد، النقباء، هذه مراتب. مصيبة غلاة الصوفية أنهم يؤمنون أن الغوث الأعظم والقطب الأعظم أو الأقطاب والأوتاد والأولياء يتصرفون في الكون، وأن الله أوكل كان إليهم التصرف في الكون، وهذه مصيبة عدوان على التوحيد وادعاء أن هناك قطباً أوكل الله إليه التصرف في المطر وفي الرزق وفي المغفرة للعباد، سبحان الله، يعني شيء من أعظم الباطل.
ولما جاء على قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، قال: ذكر غير واحد من ساداتنا الصوفية أن النقباء أنواع، منهم الأولياء نفعنا الله تعالى ببركتهم. ففي الفتوحات، طبعا هذا الكتاب خطير جداً، كتب الشرك لابن عربي، وليس ابن العربي، لابن عربي الزنديق، أن هناك اثني عشر نقيباً في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون على عدد بروج الفلك الاثني عشر برجاً، كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله فيه من الأسرار والتأثيرات، وأنه لا يستخرجون خبايا النفوس إلى آخر الكلام. وما انتقد الكلام مع الأسف لما مر به، وأورد في مسألة الغيب، وحكي عن الباز قدس سره أن الليل والنهار يأتيان فيخبران بما يحدث فيهما، وعن بعض العارفين أنه يشاهد أعمال العباد كيف تصعد إلى السماء ويرى البلاء النازل منها.
فطبعا كلام خطير فيه عدوان على ربوبية الله وعلى علم الله واختصاص الله بعلم الغيب، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 5]. فكيف يكون هناك أولياء يدبرون معه؟ آلهة مع الله؟ هذه بعض التنبيهات في هذا المقام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يرزقنا البصيرة، وأن يجعلنا ممن يحيا على التوحيد ويموت عليه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد. يأتيك ميسوراً بأي مكان صافي.
الشيخ محمد صالح المنجد