تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - نشأة عِلم التفسير ومراحله

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد؛ فهذا هو الدرس الثاني في سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي بيان معنى التفسير في لغة العرب وعند أهل التفسير، وبيان التأويل المقبول والتأويل المذموم وننماذج من التأويلات الباطلة.

حديثنا في هذا الدرس عن نشأة علم التفسير. لقد مر التفسير بأطوار كثيرة حتى اتخذ هذه الصورة التي نجده عليها الآن في بطون المؤلفات والتصانيف الكثيرة، المطبوع منها والمخطوط. فقد نشأ التفسير مبكرا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان أول شارح لكتاب الله، يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].

فلما لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، بدأ الصحابة رضي الله عنهم في القيام بهذا العبء الثقيل مما تعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم. والمفسرون من الصحابة كثر، إلا أن مشاهيرهم عشرة؛ وهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم.

أما الخلفاء فأكثر من روي عنه التفسير منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والرواية عن الثلاثة قليلة جدا، ولعل السبب في ذلك تقدم وفاتهم. أما أغزر مادة في التفسير فهو ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ كيف لا وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». وممن فسر القرآن أيضا من الصحابة غير هؤلاء العشرة: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأم المؤمنين عائشة، إلا أن ما روي عنهم قليل بالنسبة إلى هؤلاء العشرة.

وتلقى أقوال الصحابة نفر من كرام التابعين في الأمصار الإسلامية المختلفة؛ لأن الصحابة انتشروا في الفتوحات، فنشأت في مكة طبقة للمفسرين، وفي المدينة طبقة ثانية، وفي العراق طبقة ثالثة، وهكذا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: التفسير أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس وأمثالهم، هذه مدرسة. قال شيخ الإسلام أيضا وكذلك أهل الكوفة أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم. وأيضا علماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم، الذي اخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضا ابن عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب.

أي أخذ تابعو التابعين عنهم، فجمعوا أقوال من تقدمهم وصنفوا التفاسير، كما فعل سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد بن حميد، فكانوا بذلك مقدمة وراهاصات للتأليف. وبعد ذلك اتجه العلماء في تفاسيرهم اتجاهات متنوعة، وبدأ التفنن في التأليف، فظهر التصنيف في التفسير بالمأثور، وهو امتداد للتفاسير السابقة المسندة إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم. وظهر التفسير بالرأي، وفيه تعددت المناهج؛ فحمد بعضها وذم بعضها تبعا لقربه من هداية القرآن أو بعده عنها.

وقد مر التفسير بمناهج متعددة، أولها تفسير القرآن بالقرآن؛ فالقرآن كلام الله تعالى، وتفسير القرآن بالقرآن أبلغ التفاسير؛ لأن الله تعالى هو الذي أنزله وهو أعلم بما أراد به. وأصح الطرق أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان يفسر في مكان آخر، وما اختصر في موضع يبسط في موضع آخر، فإن لم نجد فالسنة؛ لأنها شارحة للقرآن وموضحة له.

من تفسير القرآن بالقرآن ما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَْلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس هو كما تظنون» -يعني هم ظنوا عموم الظلم- قال: «إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]».

وأيضا ما فسر به النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59] بالآية الأخرى؛ كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير» رواه البخاري.

ما هي الكتب التي اعتنت بتفسير القرآن بالقرآن؟ ابن كثير رحمه الله، مثال من المتاخرين مثلا تفسير العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، وقد قدم له بمقدمة مهمة في أنواع بيان القرآن للقرآن.

مثال آخر على تفسير القرآن بالقرآن، مثلا في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6] ما هو الصراط المستقيم؟ هو تعالى فسره: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]. من هم المنعم عليهم؟ صراط الذين أنعمت عليهم هو تعالى فسره أيضا في الآية الأخرى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69].

مثال آخر، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]. من هم أولياء الله؟ فسر ذلك في الآية التي تليها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63].

مثال آخر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: 2-3]؛ والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق، ما هو الطارق؟ جاء في الآية التي تليها: النجم الثاقب، إذا هذا هو الطارق النجم الثاقب الذي يطرق.

تفسير القرآن بالقرآن قد يكون بيانا لفظ مجمل يحتاج إلى بيان، مثل: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1]، قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ مجمل لم يبين هنا، لكن بينه الله تعالى في آية أخرى فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3].

مثال على هذا أيضا قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37]. ما هي الكلمات؟ فسرت في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].

أيضا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: 115]. ما هو هذا العهد؟ بين في آية أخرى كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 35]، فهذا النهي هو عهده إلى آدم يأكل من كل الأشجار إلا هذه.

مثال آخر قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 14]. ما هي الأطوار؟ مبينة ومفسرة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 12-14].

ننتقل إلى نوع آخر من تفسير القرآن بالقرآن، وهو تقييد اللفظ المطلق. مثال، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: 90]، لكن ما المقصود؟ لأننا نعلم أن الله يقبل التوبة من جميع الذنوب، فما هي التوبة التي لا تقبل؟ يجيب عن هذا السؤال آية أخرى تقيد المطلق؛ لن تقبل توبته مطلقة، لكن قيدتها آية أخرى وهي: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 18]، إذا المقصود بالتوبة التي لا تقبل التوبة عند الموت.

مثال آخر على تقييد المطلق قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: 173]، ظاهر الآية أن كل الدم حرام، لكن جاء تقييده في موضع آخر بالدم المسفوح.

فعلِم أن غير المسفوح من الدماء ليس بحرام. التقييد ورد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾. معنى ذلك أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح طاهر وليس بنجس ولا حرام.

وقد يكون تفسير القرآن بالقرآن ثالثاً، يعني نوعاً ثالثاً بتخصيص العام. والعام هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، إذاً العام له أفراد، العام يشمل كل الأفراد. والتخصيص هذا يبين يفسر في حالات معينة. وقد ذكر كثير من العلماء أن ألفاظ القرآن على عمومها حتى يأتي ما يخصصها. فلنضرب أمثلة على تخصيص العام: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. المطلقات هذه ما هي لفظة عامة؟ يعني تشمل جميع المطلقات، يعني حتى الحوامل، يعني حتى الصغار، يعني حتى الآيس التي لا تحيض. لكن نجد أن هنالك تخصيصات فسرت بينت؛ فمثلاً قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فخص من عموم المطلقات أولات الأحمال.

مثلاً قوله تعالى: ﴿حُرُّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ هذا عام في جميع الميتات. ثم خصه بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فأباح الصيد الذي يموت في فم الجارح المعلم، يعني مثل الكلب المعلم، مثل الصقر المعلم. لو الصقر قبض عليها فماتت في فمه، هل هي ميتة محرمة أم جائزة؟ على العموم إذا قلنا على العام محرمة، لكن قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يدل على التخصيص.

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ استِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مَّبِينًا﴾ هذا عام، سواء رضيت المرأة أم لا. لكن خصها بحالة خاصة يجوز فيها الأخذ، وهي: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾. وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.

وأخيراً: تفسير لفظة بلفظة، بأن يرد في سياق ما لفظ غريب ثم يذكر في موضع آخر بمعناه أشهر من ذلك اللفظ. مثلاً قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ سجيل تحتاج إلى تفسير؛ فسرت في موضع آخر: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ والآيتان وردتا في شأن قوم لوط غير الآية التي جاءت في أصحاب الفيل.

وقريب منه تفسير معنى بمعناً، مثل تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾. ما معنى لو تسوى بهم الأرض؟ المعنى مذكور في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتني كُنتُ تُرَاباً﴾. فهذا تفسير معنى بمعناً. نسأل الله تعالى أن يفقهنا في كتابه.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تفسير القرآن أنواع كما ذكرنا، ومنه تفسير القرآن بالقران وذكرناه. تفسير القرآن بالسنة النبوية سنتحدث عنه الآن. بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن عن الله تعالى، وكان جبريل يقرأه عليه وكان صلى الله عليه وسلم لا يعي ما يقول جبريل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 16-19].

النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بمراد الله، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّضَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ هذه من وظائف النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فكان عليه الصلاة والسلام يبين المراد بالآية، تارة يفسر مجملها، أو يقيد مطلقها، أو يخصص عمومها ونحو ذلك. السنة وحي كالقوران، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» يعني كأنه يقول بإلغاء السنة لا عبرة بها. رد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث على هذا الزاعم، الزعم الباطل، فقال: «وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله». هذا الحديث الصحيح في بيان أن المصدر واحد، فالكتاب والسنة كلاهما وحي، والسنة الصحيحة بأقسامها المتواترة والآحاد واجبه الاتباع كالقوران، وكل منهما يصدق الآخر. فالسنة مبينة ومفصّلة لما أُجْمِلَ من القرآن، وقد تأتي السنة بحكم لم يرد في القرآن، فهذا من تتمة الوحي.

وقد روي عن حسان بن عطية رحمه الله تعالى أنه قال: كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن.

فلنضرب أمثلة على تفسير القرآن بالسنة: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ إقامة الصلاة مجملة، إيتاء الزكاة مجملة. لكن كيف تكون إقامة الصلاة؟ متى؟ كم ركعة؟ ما هي الشروط؟ ما هي الأركان؟ ما هي الواجبات؟ آتوا الزكاة: من أي المال نخرج؟ كم نخرج؟ لمن نعطي؟ ونحو ذلك.

فسر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى مثلاً: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ بالرمي، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «وأعدّوا لهم ما استطعت من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» رواه مسلم.

فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة الواردة في قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة. كما جاء في الحديث: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾» رواه مسلم.

فسر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ يعني من هو المغضوب عليهم؟ من هم الضالون؟ فجاء في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى» حديث صحيح. لماذا صار اليهود مغضوباً عليهم؟ لأنهم علموا الحق وتركوه فاستحقوا غضب الله. لماذا وصف النصارى بالضالين؟ لأنهم هاموا في الضلالة وتاهوا في الجهالة وفقدوا العلم.

وفسر النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في موضع آخر البشرى في الحياة الدنيا الواردة في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فقد سئل أبو الدرداء رضي الله عنه: ما معناها؟ ما المقصود بها؟ لهم البشرى في الحياة الدنيا ما المقصود؟ هل ينزل وحي؟ هل ينزل ملك؟ لا. فقال: ما سألني عنها أحد غيرك -يقول السائل- إلا رجل واحد منذ سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت» ما هي البشرى؟ قال عليه الصلاة والسلام لأبي الدرداء: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» رواه الترمذي وحديث صحيح.

مثال آخر على تفسير السنة للقرآن: فسر النبي صلى الله عليه وسلم تبرئة الله تعالى لموسى عليه السلام في الآية الواردة في آخر سورة الأحزاب: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾. طيب ماذا قالوا؟ كيف برأه الله؟ جاء ذلك في حديث صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إن موسى كان رجلاً حييّاً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياءً منه» وهذا يذكرنا بعثمان بن عفان رضي الله عنه. «فإذا من آذى من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده! أما برص وأاما أدرة» وهي انتفاخ في الأنثيين يعني في منطقة العورة. «يقاتلهم الله، يقاتلهم الله، حتى نبيهم ما تركوه، قالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده! أما برص وأما أدرة وأما آفة». وإان

الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلى موسى عليه السلام يوما وحده، ابتعد فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، وهكذا أرشدنا عليه الصلاة والسلام إذا أراد الواحد أن يقضي الحاجة أو يغتسل يبتعد عن الناس حتى لا يرى.

فلما فرغ موسى عليه السلام من الاغتسال أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فجأة الحجر الذي وضع عليه ثوبه جرى وذهب بثوبه، صار موسى بدون ثياب، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوب حجر، ثوبي حجر، ويعدو وراءه حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون ما في آفة ولا برص ولا شيء، وقام الحجر يعني توقف عن الهرب بالثوب، فأخذ ثوبه موسى عليه السلام فلبسه أولا وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله يقول نبينا عليه الصلاة والسلام إن بالحجر لندبا من أثر ضربة ثلاثا أو أربعا أو خمسا.

النبي عليه الصلاة والسلام يصف المشهد كأنه يراه، يقول في الحديث: فذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69]، والحديث في الصحيحين.

فسر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]، ما هو المستقر؟ عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، ويقال لها في ذلك اليوم: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾». روى البخاري ومسلم.

فسر النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بالعبادة فقال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يعني عن دعائي والطلب مني ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يفسر للصحابة ما أشكل عليهم، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون: يا أخت هارون، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا يعني النصارى استشكل عليه قالوا: عندكم في الآية في القرآن: ﴿يَا أُخْتَ هَارُون﴾ [مريم: 28] على مريم، ومريم بينها وبين هارون أخو موسى بينها وبينها هارون عليه السلام كذا وكذا مدة طويلة، فكيف تكون يا أخت هارون؟ فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين قبلهم». رواه مسلم. يعني هذا هارون أخو مريم غير هارون ليس بهارون أخي موسى، لكن اسم على اسم يسمون على أنبيائهم.

ودخل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت لبعض نسائه فقال: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من حصباء من الحصى فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا لمسجد المدينة». رواه مسلم، المسجد النبوي. وقد قال جماعة من السلف هو مسجد قباء، قال ابن كثير رحمه الله: لا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق الأولى والحرى.

وكذلك جاء عن مسروق قال: سألنا عبد الله يعني ابن مسعود عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] يعني ما نوع الحياة هذه؟ كيف يكونون أحياء؟ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، نحن سألنا قبلكم نفس السؤال، شوف كيف تتوارد الأسئلة على أذهان التابعين مثل ما تواردت على أذهان الصحابة، هكذا خلف عن سلف، المنهج واحد، والمشرع واحد والروي.

أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال يعني عليه الصلاة والسلام قال للصحابه: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل». الحديث.

فسر النبي عليه الصلاة والسلام الخيط الأسود في الآية بما جاء كما جاء في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] قلت: يا رسول الله، إن يجعل تحت وسادتي عقالين يعني حبلين عقالا أبيض وعقالا أسود أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن وسادتك لعريض» وهذا تنبيه على غفلته «إنما هو سواد الليل وبياض النهار». رواه البخاري ومسلم. يعني كأنه غفل عن المقصود فالامر ليس كذلك، ما هو ليس للحبل، وإنما الليل والنهار.

تفسير آخر النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ القرى الظالمة، جاء في حديث أبي موسى قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم في كتابه وأن يرزقنا العمل به، إنه سميع مجيب.

مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم الشام، كيف تقرا كتابا، معاني الأذكار، اترك أثرا قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأخوه والاخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله. تكلمنا عن تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وضربنا أمثلة، ونتابع معكم إن شاء الله مزيدا من الأمثلة على تفسير القرآن بالسنة.

فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى اتخاذ أهل الكتاب الأحبار والرهبان أربابا من دون الله. فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]. كيف ما معناها؟ يعني كيف تتخذوهم أربابا؟ هل هل كانوا يصلون لهم؟ يسجدون لهم؟ أو ماذا؟ قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلُّوه، واذا حرموا عليهم شيئا حرموه». هذا يجيب على تساؤل قد يطرحه البعض يقول: النصارى لا يعبدون الأحبار والرهبان، يعبدون عيسى مثلا، فكيف ما معنى الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾؟

فنقول: الرب يشرع من حقه تعالى التحليل والتحريم، فإذا نازعه هذا الحق أحد واتبع صارت عبادة، لأن طاعة الأحبار والرهبان في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله عبادة لهؤلاء الرهبان والأحبار. فبينه عليه الصلاة والسلام.

وصف النبي صلى الله عليه وسلم صراط الله المستقيم، فروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما»، قال: ثم خط عن يمينه وشماله يعني خطوطا، ثم قال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].

وصف النبي صلى الله عليه وسلم أيضا معنى الود الذي يجعله الله تعالى للذين آمنوا وعملوا الصالحات، كما قال في الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]. كيف يجعله وأين يجعله؟ فسره في الحديث قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبه، قال: فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾».

في المقابل قال: «وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل: إني قد أبغضت فلانا، فينادي في السماء» يعني يبغضه جبريل ويبغض أهل السماء، «فينادي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض». حديث صحيح.

من أمثلة تفسير القرآن بالسنة أيضا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على استاههم فبدلوا».

وقالوا حطة حبة في شعره -رواه البخاري ومسلم- بدلاً من أن يقولوا حطة؛ يعني حط عنا ذنوبنا يا ربنا، استهزؤوا فقالوا حنطة في شعيرة؛ حنطة حمراء فيها شعيرة ونحو ذلك بالكلام الفارغ.

من أمثلة التفسير النبوي لكتاب الله؛ ما رواه جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة وكانت في منتصف الشهر وكان القمر بدراً، فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون -يعني لا يحصل لكم مشقة ولا تعب، أو لا يحصل لكم نقص أو ظلم في رؤيته- لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا». سبحان الله، كان المحافظة على صلاة الفجر والعصر من أسباب رؤية الله يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]. هذا في الصحيحين. طيب، إذاً: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ما المقصود به؟ صلاة الفجر وصلاة العصر.

ومن أمثلته أيضاً ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا؛ فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعطه منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال -يعني للمشترين للزبائن-: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا، فصدقه رجل». ثم قرأ عليه الصلاة والسلام هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77].

من الأمثلة أيضاً ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حَبْر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم، أنا نجد -يعني عندهم في كتبهم من بقايا التوراة التي ما مسها التحريف من البقايا- يا أبا القاسم، أنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والاراضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تعجباً مما قال الحَبْر تصديقاً له -هذا ضحك تصديق إقرار- ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].

ويدخل في تفسير القرآن بالسنة كذلك أن يتاول النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فيعمل بما أمر به؛ يعني يقوم بأفعال تكون مفسرة للخطاب القراني وموضحة. ومن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتاول القرآن. ما معنى يتاول القرآن؟ يعني يعمل بما أمر به في القرآن، في أي آية؟ في قوله تعالى مثلاً: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر: 3] ولذلك كان يقول في الركوع والسجود: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». هذا العمل منه تبيين للمقصود بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ تبييناً عملياً.

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العمل بكتابه وتدبره وتعلمه وتعليه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.