تسجيل الدخول

المحاضرة 10 - تفسير الآية الأولى من سورة الفاتحة

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله في هذا الدرس العاشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرسين الماضيين الكلام عن مناهج المفسرين في التفسير بالماثور والتفسير بالرأي. وعرفنا أن التفسير بالماثور ما جاء في القرآن الكريم نفسه من تفسير آياته باياته، وما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الآيات، أو عن الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، وكذلك التابعين والسلف. ثم تكلمنا عن التفسير بالرأي وانقسامه إلى رأي مذموم ورأي محمود.

وأن الرأي المحمود هو ما اعتمد فيه المفسر على الاجتهاد والاستنباط وإعمال العقل بناء على علمه بالتفسير المأثور السابق، والأصول الشرعية واللغوية، وأصول الفقه والبيان والبلاغة والبديع ونحو ذلك من العلوم. ونبدأ بمشيئة الله تعالى سلسلة الدروس التطبيقية في التفسير في تفسير سورة الفاتحة، ونرى كيف سنطبق ما تقدم من قواعد التفسير في تفسير الآيات والسور.

أما سورة الفاتحة فإنها سورة مكية، وهي سبع آيات؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]. وقد اختلف العلماء في البسمله هل هي آية من الفاتحة أو من أول كل سورة أو ليست آية مطلقا؟ فقد قال كثيرون إنها آية نزلت للفصل بين السور، واتفقوا على أن سورة براءة ليست البسمله منها إجماعًا، كما أجمع على أنها بعض آية في سورة النمل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30].

واختلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل العلم أن البسمله ليست من القرآن، وقال قوم هي منه في الفاتحة فقط، وقيل هي آية من كل سورة من أول كل سورة، وهو الذي رجحه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أنها من القرآن حيث كتبت آية من كتاب الله من أول كل سورة، وليست من السورة بمعنى أنها آية من القرآن مستقلة تنزل للفصل بين السور تجعل للفصل بين السور، وهذا مذهب ابن المبارك رحمه الله والإمام أحمد وغيرهما.

وهذا القول أعدل الاقوال؛ فإن كتابتها في المصحف بقلم القرآن تدل على أنها من القرآن؛ إذ لو لم تكن من القرآن لما أثبتها الصحابة في المصحف، وهذا إجماع منهم، وكتابتها مفردة مفصولة عما قبلها وما بعدها تدل على أنها ليست من السورة. ويدل على ذلك ما رواه أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي تبارك الذي بيده الملك». ولو عدينا آيات سورة الملك سنجدها ثلاثين من غير البسمله.

ولا منافاة في أن الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أغفى إغفاءة فقال: «لقد نزلت علي آنفا سورة»، وقرا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1-2]، ففيه مشروعية قراءة البسمله في أول السورة. ومثل حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، رواه أبو داود، ففيه أنها تنزل للفصل بين السور وليست آية من كل سورة.

ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها له ولعبدي ما سأل. يقول العبد: الحمد لله رب العالمين...» الحديث، فبدأ بالحمد ولم يذكر البسمله.

وأما أسماء سورة الفاتحة فإنه يطلق عليها وتسمى بالحمد والسبع المثاني وأم الكتاب وأم القرآن؛ لأنها اشتملت على مقاصد القرآن كله، ولان معاني الكتاب العزيز ترجع إليها. وأما فضلها فهي السبع المثاني التي تثنى وتكرر في كل صلاة، والتي قال الله تعالى عنها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]. وسماها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة كما في الحديث: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فاذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، واذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، واذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي» وقال مرة: «فوض إلي عبدي، فاذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: أي ربنا عز وجل، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال».

فإذا الأيات قبل إياك نعبد وإياك نستعين لله تعالى؛ تحميد وتمجيد وتفويض، وما بعد إياك نعبد وإياك نستعين هي أدعية للعبد، والآية في وسط الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] بيني وبين عبدي. في الحديث: «فاذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»، رواه مسلم.

وهي أعظم سورة في القرآن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا سعيد بن المعلى رضي الله عنه بذلك وقال له: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن»، ثم قال له: «الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته»، رواه البخاري. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن»، رواه الترمذي والنسائي وهو حديث صحيح.

والرقية بالفاتحه نافعه جدا ومفيده غاية الإفادة؛ كما فعل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك كما في الحديث الذي في الصحيحين؛ فقد رقى لديغا بسوره الفاتحه فبرأ مع أن اللديغ كافر. وقد فتح باب من السماء فنزل منه ملك إلى الأرض لم ينزل قط إلا ذلك اليوم، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته»، رواه مسلم.

ولا تجزئ الصلاة دون قراءتها لما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاة لم يقرا فيها بأم القرآن فهي خداج -ثلاثا- غير تمام»، هذا معنى خداج، والحديث رواه مسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، رواه البخاري ومسلم.

ما هي موضوعات سورة الفاتحة؟ جاءت السورة كالمقدمة لكتاب الله فحوت جميع مقاصده، وهي منزلة من القرآن منزلة الديباجة للكتاب أو المقدمة للخطبة. ومن موضوعاتها: الثناء على الله تعالى، والتوكل عليه، وتقوية الرجاء برحمته، والاستعانة به، واستمداد التوفيق منه سبحانه، والتذكير باليوم الآخر وأنه لا يملك فيه أحد شيئا إلا الله عز وجل. وفيها طلب الهداية والثبات من الله وحده، وإفراد الله عز وجل بالعبادة والاستعانة، وتخليص العبادة من الشرك، والاستقامة على الدين، وطلب الهداية للصراط المستقيم من الله، وطلب الأمان من غضب الله والضلال عن سبيله، ومجانبة سبيل اليهود والنصارى وعدم التشبه بهم. نسال الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حلاوة التدبر في كتابه.

للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديما قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد

وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه. ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها.

ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون».

اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل.

كما يستحب له السرى، وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحبا له وأنيسا، والدعاء قرينا له وسميرا فهو مظنة الإجابة.

وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلا: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها.

وإن نزل منزلا دعا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.

وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائرا، فإن كان نازلا في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصرا ويجوز له الجمع.

ويستحب له ألا يطيل في السفر وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته. فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.

مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية آداب وأحكام، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرا كتابا، معاني الأذكار، اترك أثرا قبل الرحيل، وكتاب بدعة إعادة فهم النص. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية: قناة زاد العلمية.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم مرة أخرى أيها الأخوة والأخوات، ونبدا بتفسير البسمله مستعينين بالله تعالى: قال بسم الله الرحمن الرحيم افتتح به كتاب الله بالبسمله، واتفق العلماء على أن هذه البسمله بعض آية من سورة النمل.

تقدم الخلاف في اعتبارها آية من سورة أو آية من السور، وترجح أن آية مستقلة من القرآن نزلت للفصل بين السور. وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم رواه أبو داود وهو حديث صحيح.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكرها في أول صلاته، فقد سئل انس رضي الله عنه كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم. طبعا المد هذا المد الطبيعي، بسم الله الله حركتان، رحمن حركتان، والرحيم المد العارض للسكون يمكن أن يمد بأكثر من ذلك. الحديث السابق رواه البخاري رحمه الله.

وقد ذهب كثير من العلماء إلى عدم الجهر بها قبل الفاتحة في الصلاه وهو الثابت عن الخلفاء الأربعة. ونقل ابن قدامة رحمه الله في المغني أن الرواية لم تختلف عن أحمد بأن الجهر بها غير مسنون، وكذلك قال الترمذي رحمه الله: وعليه العمل، يعني على إخفائها عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وليس هذا مجال بحث المسألة فقها، لكن هذا مما وقع فيه الخلاف الجهر بالبسمله، وليس ذلك مجالا للانكار والطعن والتفرقة، ولكنه مجال المباحثة بين أهل العلم.

وقوله بسم الله، هذه الباء للاستعانة، أي أبتدئ قراءتي مستعينا بالله عز وجل. وقيل لالتماس البركة، أي متبركا بذكر اسمه في أول تلاوته، وتقديما لذكر اسمه قبل البدء بالعمل.

ولفظ الجلالة الله، قال كثير من العلماء إنها الاسم الأعظم، وهو اسم لا يسمى به غيره سبحانه، وهو أكثر الأسماء ورودا وتكرارا في الكتاب والسنة. وهو مشتق من أله ياله ومعناه العبادة بمحبة وذل وخضوع. وأصل هذه اللفظة الإله، فلما حذفت الهمزة من وسط الكلمه والتقت اللام الأولى من أل باللام الثانية الإله الإله أدغمتا فصارتا في اللفظ حرفا واحدا مشددا وفخم تعظيما، الله.

الرحمن الرحيم اسمان عظيمان من الأسماء لله عز وجل، يدلان على ذاته وعلى صفة الرحمة وأنها رحمة حقيقية تليق به عز وجل. وإذا اجتمع الاسمان فلا بد من فرق بينهما، فما هو الفرق بين الرحمن والرحيم؟

أما الرحمن فانه يدل على الرحمة التي هي صفته، والرحيم يدل على فعله المتعدي بإيصال الرحمة إلى المرحومين. فالرحمن صفة ذاتية لله تعالى، والرحيم فعله وإيصال تلك الرحمة إلى المخلوقين. والرحمن اسم مختص بالله سبحانه لا يسمى به غيره، ولما حاول مسيلمة الكذاب أن يتسمى برحمن اليمامة أخزاه الله وهزمه وقتله. أما الرحيم فانه يمكن أن يطلق على أحد البشر رحيم.

اسم الرحمن أنكره مشرك العرب كما قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60]. ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتبه في صدر عهد الحديبية أبى ذلك ممثل المشركين وأصر على رفض كتابته، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه الرحمن الرحيم وأن أبوا وعاندوا. وعلى أي حال فإن إنكارهم هذا إنكار جحود واستهزاء، وإلا فإن الاسم كان معروفا في بعض أشعارهم في الجاهلية.

ومن القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها الإيمان بأسمائه تعالى وصفاته وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم ذو الرحمة التي اتصف بها المتعلقة والواصلة للمرحوم. فالنعم كلها أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء يقال في العليم إنه ذو علم يعلم به كل شيء، وفي القدير ذو قدرة يقدر على كل شيء، والحكيم ذو حكمة فلا يقع منه فعل أو خلق إلا وقد سبقته حكمته تعالى وأن فعله مبني على حكمته، وسميع ذو سمع فلا يغيب عن سمعه شيء في الأرض ولا في السماء، وبصير ذو بصر فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيرى كل شيء سبحانه.

إذا الرحمن الرحيم اسمان من أسمائه دالان على ذاته من جهة، وعلى صفة الرحمة من جهة أخرى، وعلى أثر هذه الرحمة وهو الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة. فمن أثر الرحمة مثلا أنه أنزل علينا القرآن ولم يتركنا هملا. هذه الرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقية دل عليها الأثر والنظر. أما الأثر فهو ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات الرحمة لله وهو كثير جدا، وأما النظر فكل ما حصل من نعمة أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمته تعالى.

وقد أنكر قوم من الضلال وصفه تعالى بالرحمه وأن الرحمة حقيقية وحرفوها إلى الإنعام والإكرام وإرادة الإنعام، زعم منهم أن العقل يستحيل فيه أن يوصف الله بالرحمة، وقالوا لأن الرحمة انعطاف ولين وخضوع ورقة وأن هذا لا يليق بالله. ورد عليهم من وجهين: أولا أننا لا نسلم بأن الرحمة دائما خضوع وانكسار، وأن بعض الاقوياء من البشر كبعض الملوك وأصحاب النفوذ والسلطان عندهم رحمة دون أن يكون منهم خضوع وذل وانكسار. الوجه الثاني: أنه لو كان هذا من لوازم الرحمة فإنها في المخلوق، أما رحمة الخالق تعالى فهي تليق بعظمته وجلاله وسلطانه ليس فيها نقص بوجه من الوجوه.

ثم نقول إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله تعالى، وإلا بماذا نفسر ما نشاهده في مخلوقاته من الرحمة فيما بينها، حتى أن الفرس لترفع رجلها عن ولدها خشية أن تطأه، ويدر اللبن من ثدي الأم رحمة بابنها، ولان الرحمة كمال والله أحق بالكمال. ثم إنما نشاهده من الرحمة من آثار رحمة الله، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها فمن رحمته أنزال المطر وإزالة الجدب وما أشبه ذلك.

وبالمناسبة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة الفاتحة آية آية ويقف عند رؤوس الآي. ومن فوائد وقوف المصلي على رؤوس الآيات في سورة الفاتحة ما يتعلق بإجابة الله تعالى له: إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الرحماء، وممن شملتهم رحمته عز وجل. وصلى الله على نبينا محمد. هل أنت حريص على تصحيح عبادتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بلا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11].

وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف.

فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لاجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيها وتحذيرا خطيرا، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا. فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، لكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بححسن تربيتهم وصلاح نشأتهم.

فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعاده لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية. إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلاميا والمؤصلة منهجيا، تخاطب الرجال والنساء الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل دراميه شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر.

بسم الله والحمد لله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الاخوه والاخوات. الحمد لله رب العالمين؛ فيها إثبات كل المحامد لله، والحمد عند وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. كمال الذات، كمال الصفات، والمحبة والتعظيم مع اعتقاد الكمال، لابد من هذه حتى يسمى حمدا. وقد يمدح الإنسان شخصا وهو لا يحبه، فلا يسمى حمدا، يسمى مدحا. بعض الشعراء يفعلون هذا ولا يحبون الشخص وإنما يريدون ماله. وعندما نمدح ربنا ونثني عليه ونحن نحبه ونعظمه ونذكر كماله، هذا حمد. حمدنا لربنا حمد محبة وتعظيم. واللام في قولنا الحمد للاستغراق، استغراق جميع أنواع المحامد.

وبهذا نعرف الفرق بين الحمد والمدح. المدح وصف الممدوح بالكمال والثناء عليه وبالصفات الحميدة، لكن قد لا يحبه ولا يعظمه وإنما لغرض. ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد أن الصواب في الفرق بين الحمد والمدح أن يققال: الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارا مجردا من حب وإرادة، أو مقرونا بحبه وإرادته. فإن كان الأول فهو المدح، وإن كان الثاني فهو الحمد. فالحمد اخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه. واللام في قوله لله، إذا الحمد لله، هذه اللام لام الاختصاص، لام الاستحقاق. فنحن نثني عليه بصفات كماله، فله الحمد الكامل بجميع الوجوه.

الحمد لله رب العالمين، فيها ثناء على الله وأنه مستحق للحمد وأنه مختص بالحمد الكامل. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات». وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال». ومن المواضع التي يشرع فيها حمد الله ويتاكد فيها عند الرفع من الركوع؛ وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد». وعند النوم: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وأوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي». وعند الاستيقاظ من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور. الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره». وعند العطاس: الحمد لله. وعند الأكل والشرب: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكل فيحمده عليها أو يشرب الشرب فيحمده عليها».

صيغ الحمد عظيمة في الشريعة: «من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه». «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا» رواه البخاري. وأيضا من صيغ الحمد الواردة بعد الطعام: «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا». والله يا إخواني الواحد لما يتأمل كيف أن بعض الناس مقصوصة أمعاؤهم، بعضهم يحتاج إلى كيس للإخراج، بعضهم عنده والعياذ بالله -نسأل الله السلامة والعافية- سرطان في القولون؛ فالمخرج غير مهيا، متعطل. وعند لبس الثوب: «الحمد لله الذي كساني هذا من غير حول مني ولا قوة». ومواضع كثيرة.

الآية هذه تعلمنا تحقيق التوحيد باثبات اختصاص الله تعالى بجميع المحامد وهذا لا يشارك فيه غيره. ونجد في الآية وصف الله سبحانه وتعالى بأنه رب العالمين؛ الحمد لله رب العالمين، وصف بالربوبية تنبيه على أهمية هذا النوع من التوحيد الذي أنكره الملاحدة. الله يثني على نفسه وهو أهل للثناء، ويمدح نفسه وهو أهل للمدح والحمد، وله الكبرياء والعظمه سبحانه. أما المخلوق إذا أثنى على نفسه هذا عيب فيه. الآية فيها تعليم العباد حمده بالاقتداء به سبحانه، وفضل افتتاح الكلام بحمد الله، وفضل التحميد كما قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الدعاء الحمد لله».

رب العالمين، الرب المتصرف. رب العالمين، السيد المهيمن. رب العالمين الذي أوجدها. العالمين جمع عالم، قيل إنه لم يرد في اللغة إلا نادرا جمع عالم، فاعل على فاعلين، عالم عالمين، ياسم ياسمين نادر. العالمين كل العوالم، عالم الانس، عالم الجن، عالم الطير، عالم الوحش، عالم البحار، عالم الملائكة. الحمد لله رب العالمين، ربها وخالقها والمهيمن عليها والمتصرف فيها، والذي يربها ويربيها ويقوم بشؤونها ومصالحها سبحانه وتعالى. إنها لآية عظيمة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الحامدين وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.