بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجماعين. أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله. هذا هو الدرس الحادي عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير سورة الفاتحة في مطلعها، وقد بينا أسماءها وفضلها وأنها أعظم سورة في القرآن، وما أنزل الله تعالى في التوراة والإنجيل مثلها.
ثم تكلمنا عن موضوعاتها وأنها جاءت كالمتلك لكتاب الله تعالى فحو جميع مقاصده وأغراضه على جهة الإجمال. وبدأنا في تفسير البسملة وبينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بها، وأن قوله تعالى بسم الله أي أبتدي قراءة بسم الله أو ابتداء القراءة بسم الله للاستعانه به سبحانه والتماس البركة بتقديم ذكره قبل العمل. وأن قوله الرحمن الرحيم مبالغة من الرحمة، وكلاهما يدلان على ذاته؛ يعني الاسمان الرحمن الرحيم يدلان على ذاته وعلى صفة الرحمة، وأنها رحمة حقيقية تليق بجلاله وعظمته.
وإذا اجتمع هذان الاسمان فإنه لابد من فرق بينهما في المعنى؛ فالرحمن يدل على الرحمة التي هي صفته، والرحيم يدل على فعله المتعدي بايصال الرحمة إلى المرحوم. والرحمن اسم مختص بالله تعالى لا يسمى به غيره، بخلاف الرحيم؛ فأنت تصف مثلا فلانا من الخلق بأنه رحيم إذا كان يتصف بهذه الصفة، لكن الرحمن لا يطلق إلا على الله تعالى. وقول الله تعالى الحمد لله فيه اثبات كل المحامد؛ لأن ال هذه للاستغراق، الحمد كل أنواع المحامد. والحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
الآن نفصل في قوله رب العالمين الحمد لله رب العالمين. الرب هو الخالق المالك المدبر المربي لعباده، إذا اجتمع فيه الخلق والملك والتدبير، فهو الخالق لكل شيء، المالك لكل شيء، المدبر لجميع الأمور. والعالمين جمع عالم وهو كل ما سوى الله عز وجل من الملائكة والانس والجن والطير وغيره. فإذا عالم الملائكة، عالم الوحش، عالم الطير، عالم الانس، عالم الجن، عالم البحار الأسماك، وهكذا عوالم خلقها الله. الحمد لله رب العالمين، وصفوا بالعالم لأنهم علم على خالقهم. لماذا سمي مثلا عالم الانس، عالم الجن، عالم؛ لأنهم علم على خالقهم سبحانه. ففي كل شيء من المخلوقات آية تدل على الخالق على قدرته وحكمته ورحمته وعزته وغير ذلك من معاني ربوبيته.
وفي هذه الآية من الفوائد إثبات ربوبية الله تعالى لجميع أصناف الخليقة، وتربية الله لخلقه عموما بهدايته لهم لما فيه مصالحهم، وكذلك تربية لاوليائه خصوصا بهدايتهم إلى الصراط المستقيم وتعليمهم وتوفيقهم لعبادته. فتربو تعالى لخلق نوعان: عامة وخاصة. فالعامة هي خلق للمخلوقين ورزقه لهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم، والخاصة تربيته لاوليائه بالإيمان والتوفيق وتكميل تزكيتهم وتفقهه ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائله بينهم وبينه، يدفع عنهم كيد شياطين الانس والجن، يحميهم من الغوائل التي تحول بينهم وبينه سبحانه. فحققيقة هذه التربية الخاصة التوفيق لكل خير والعصمة من الشر. ولعل هذا المعنى هو السر في كوني أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب ربي ربنا؛ فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
وقد دل قوله رب العالمين على انفراده بالخلق والتدبير والنعم وفقر العالم اليه العالمين جميعا بكل وجه واعتبار يعتمدون عليه ويحتاجون اليه، فقد كمل في غناه وقوي في تدبيره وتفضل بنعمه. وفي الآية أيضا من الفوائد أن من اسماء الله الرب ولا يطلق على غير الله إلا بالإضافة مثل رب الدار مثلا. وفيها إثبات عظمة الله بخلقه للعوالم المختلفة في السماوات والأرض التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا هو سبحانه. ومن تامل في عالم الحيوان وعالم البحار وعالم الكواكب سيجد صنعة باهرة.
وبمناسبة ذكرنا لكلمه الرب فانه يحسن أن نشير شيئا ما إلى توحيد الربوبية. توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير، إفراد الله بأفعاله لا يفعلها إلا هو؛ لا يحيي إلا هو، لا يميت إلا هو، لا ينزل الغيث إلا هو، لا يرزق إلا هو، لا يشفي إلا هو. توحيد الربوبية اعتقاد العبد واقراره إقرارا جازما أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، وانه رب كل شيء ومليكه وخالقه ورازقه، وانه النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار. ربى خلقه بالنعم، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء واتباعهم بالإيمان الهدايه جميل الأخلاق العلم النافع الأعمال الصالحة، ووفقهم إليها هداهم إليها؛ هذه هي التربية النافعه للقلوب والأرواح المثمرة لسعادة الدارين. فهو سبحانه له الأمر كله وبيده الخير كله والقادر على كل شيء، ليس له في ذلك شريك، فلا خالق ولا رازق ولا مدبر لكل شيء إلا هو سبحانه.
وبهذه المناسبة نتذكر بأن بعض الأفلام والألعاب الإلكترونية فيها عدوان صارخ على توحيد الربوبية؛ يعني بعض الأفلام فيها تصوير أشخاص أو شخصيات ترسل الصواعق وتسبب الزلازل وترسل الرياح وتنزل المطر ونحو ذلك. وكثير من الألعاب فيها إحياء الموتى وشفاء المرضى، طبعا هذا إشراك بالله وعدوان على توحيد الربوبية. طبعا يدخل في توحيد الربوبية الإيمان بالقدر؛ لأن الله تعالى هو رب كل شيء وهو خالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته تحت قهره.
هذا النوع من التوحيد توحيد الربوبية كان يقر به المشركون إجمالا، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 9]. وفرعون زعم أنه الرب، طبعا أنكر توحيد الربوبية وقال أنا ربكم الأعلى مكابرة منه وعناد. فهو في حقيقة نفسه وقراره نفسه يعلم أن الله تعالى الرب الخالق، هو في نفسه مقر أن الله عز وجل الرب وحده، ولذا قال له موسى: لقد علمت يعني يا فرعون في حقيقة نفسك في قراره نفسك قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر واني لاظنك يا فرعون مثبورا يعني مصروفا ممنوعا على الخير أو هالكا. فالإقرار بربوبيته تعالى لا يكفي في تحقيق الإسلام بل لا بد معه الإتيان بلازمه وهو توحيد الألوهية؛ إفراد الله تعالى بالعبادة.
طبعا نحن في هذا الزمن يوجد ملاحدة ينكرون وجود الله، ويوجد ملاحدة يقرون بوجوده لكن يقولون ما له علاقة بالخلق يعني ليس هو الذي يسير ويدبر، ومنهم من يقول خلقهم وتركهم ولا شان له بهم، ومنهم من ينكر أن له حكما فيهم وانه يجب عليهم أن يتبعوا شرعه، فيقولون خلاص انقطعت علاقة المخلوقين بالخالق بخلقه له. طبعا هذا كله من أنواع الكفر العظيمة. وكفار قريش والعرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية أن الله خلق السماوات والأرض، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون الله، لكن كانوا ينكرون تفرده بالعبادة فيعبدون معه غيره اللات والعزة الأوثان الأصنام. ولذلك لو أن رجلا أقر بما يستحقه الله تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه وأقر بانه وحده خالق كل شيء، لا يكون مسلما موحدا ولا مؤمنا حتى يشهد أن لا اله إلا الله ويقر بانه وحده الاله المستحق للعبادة فقط، ويلتزم بعباده الله وحده لا شريك له. والإله بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة وليس فقط أنه الخالق. نسال الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ويرحمنا ويوفقنا لما يحب ويرضى.
للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديما قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلى وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبه ماجد. وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور منها: صلاح النية بالسفر بان يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الديون والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقائه، ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها.
بكورها، ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».
كما يستحب له الدلجة، وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحبا له وانيسا، والدعاء قرينا له وسميرا فهو مظنة الإجابة.
وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها. وإن نزل منزلاً دعا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائراً، فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً ويجوز له الجمع. ويستحب له ألا يطيل في السفر وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون».
الحمد لله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الإخوان والأخوات، وحديثنا الآن في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾.
إذاً، الحمد لله رب العالمين عرفنا تفسيرها، الرحمن الرحيم وقد تقدم في البسمله ذكر معنى هذين الاسمين وأن كلاهما مبالغة من الرحمة، فالرحمن يدل على صفته صفة الرحمة، والرحيم يدل على فعله وهو إيصال الرحمة إلى الخلق. والرحمن يدل على ذاته ويدل على صفة الرحمة، وهو رحمن بجميع الخلق وكل النعم من آثار رحمته.
والرحيم صيغة مبالغة على وزن فعيل تقال لمن كثرت منه الرحمة، ويدل على الرحمة المتعلقة بفعله، وهو رحيم بالمؤمنين بهدايته لهم ولطفه بهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء علمه معاذ رضي الله عنه: «رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما»، حديث حسن.
ورحمته سبحانه عامة شاملة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. ولا يستطيع أحد أن يحجبها عن عباده، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2].
فنجد في كلام بعض العامة الكلام المنكر: لا يرحم الناس ولا يخلي رحمة ربهم تنزل عليهم، هذا لا يملك لنفسه شيئاً، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. ولذلك ما يستطيع أحد أن يمنع رحمة الله عن خلقه إذا أراد الله رحمة خلاص فلا ممسك له.
تقدم معنا أن رحمة الله عز وجل بعباده نوعان: رحمه عامة لجميع الخلائق بإيجادهم وتربيتهم ورزقهم وإمدادهم بالنعم والعطايا وتصحيح أبدانهم وتسخير المخلوقات من نبات وحيوان وجماد لهم، خلق لنا كل ما في السماوات والأرض جميعاً منه. وقال الله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: 7]. هذه الرحمة العامة التي تشمل كل المخلوقات، يعني لو قال قائل حتى الكفار؟ نقول: نعم؛ لأن من الذي ينعم عليهم بالنفس والطعام والشراب والصحة والأولاد والرزق والمال؟ الله عز وجل، فرحمته واصلة إلى الكفار.
والله تعالى قرن الرحمة مع العلم فقال في دعاء الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾، فكل شيء وصله علم الله وهو واصل لكل شيء، فإن رحمته وصلت إليه؛ لأن الله قرن بينهما في الحكم، فكما يعلم الكافر يرحم الكافر أيضاً، لكن رحمته للكافر رحمة جسدية بدنية دنيوية، ليست الرحمة الخاصة.
النوع الثاني: الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين، هذه الرحمة الخاصة؛ فيرحم الله تعالى في الدنيا بالتوفيق إلى الهداية، ويدافع عنهم وينصرهم على الكافرين، ويرزقهم الحياة الطيبة، ويبارك لهم فيما أعطاهم، ويفتح عليهم بانواع الفتوح والعلوم والفهم والتوفيق، هذه النعم الإلهية والعطايا الربانية هذه التي تؤدي إلى دخول الجنة وتنجي من النار. والله يرحم المؤمنين أيضاً بالعفو عن سيئاتهم، والمغفرة أن يغفر لهم، أن يرضى عنهم، أن يدخلهم الجنة، أن يعتقهم من النار، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43].
وقد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي وجد صبياً في السبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» رواه البخاري ومسلم.
وإذا نظرنا أيها الإخوان والأخوات إلى ما في الوجود من آثار رحمة الله الخاصة والعامة سنجد العجب العجاب، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم، وبرحمته أنزل علينا كتابه، وبرحمته أنقذنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العماية وأرشدنا من الغي، برحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما ذكره لنا، برحمته علمنا ما لم نكن نعلم وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا وعرفنا ما الصلاة وما الصيام وما الزكاة عرفنا كيف نعبده. وبرحمته اطلع الشمس والقمر وجعل الليل والنهار وبسط الأرض وجعلها مهاداً وفراشاً وقراراً وكفة للأحياء والأموات، وبرحمته أنشأ السحاب وأمطر المطر وأطلع الفواكه والأقواس والمرعى والثمار، ومن رحمته سخر لنا الخيل والإبل والانعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر، وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها، الأم ترحم ولدها، حتى الحيوان ترفع الفرس رجلها عن وليدها خشية أن تطأه.
والرحمة المضافة إلى الله نوعان: النوع الأول: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به كسائر صفاته، يجب إثباته لله عز وجل من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، هو الرحمن الرحيم.
والثانية: رحمة مخلوقة أنزل الله عز وجل منها جزءاً يتراحم به الخلائق فيما بينهم، كما في حديث: «جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» رواه البخاري ومسلم.
فهذه الرحمة المخلوقة أثر من آثار رحمته التي هي صفة ذاتية فعلية له سبحانه، إذاً لا يشكل علينا أمر الرحمات، يعني لله رحمة ذاتية فعلية هذه ليست مخلوقة من صفاته سبحانه، وهناك رحمة خلقها عز وجل جعلها مائة جزء أمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل رحمة واحدة بها يتراحم الخلق في الأرض، فإذاً هناك رحمة مخلوقة ورحمة غير مخلوقة.
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، هذه الآية فيها من الفوائد إثبات هذين الاسمين الكريمين لله، وإثبات ما تضمنا من الوصف والفعل، وكذلك بيان أن ربوبيته متضمنة لرحمته الواسعة الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، وجارية على وجه الرحمة والرفق واللين لا على وجه الشدة والعذاب.
لأنه تعالى لما قال: رب العالمين، كان سائلاً يسأل: ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية بطش وانتقام، أو ربوبية رحمة وإنعام؟ فجاء الجواب: الرحمن الرحيم.
وسبحان الله، كثير من الكفار الذين دخلوا في الإسلام أو قرأوا تفسير معاني الآيات وأخذوا ترجمة معاني القرآن وبداوا بالبداية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3]، كان مما أثر فيهم هذا، أنه يصف نفسه في ابتداء كتابه وتعريف نفسه لخلقه بأنه الرحمن الرحيم، وليس القوي الجبار ذو العذاب الأليم والبطش الشديد والجبروت والقوة وأنه ذو انتقام؛ لا، أول ما عرف نفسه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾.
وكذلك فيها أن الرب القادر القوي المالك المتصرف رحمن رحيم، هذا يعني ذكر الرحمة بعد القدرة.
والقوة، واتباع هذا بهذا، حتى يعلم العباد رحمة ربهم، فيكون ذلك مرغباً لهم في طاعته واتباعه سبحانه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته وأن يغفر لنا، إنه هو الرحمن الرحيم الغفور الودود.
ربما يسأل المتربي أسئلة لا فائدة منها، والأسلوب الحكيم للمربي الانتقال السلس بلا توبيف إلى الأنفع له، وهو حينئذ سيفهم التوجيه الضمني (أعن بما يفيدك). سأل بعضهم الإمام زاهد عمر بن ذر عن القدر فقال له عمر: ها هنا ما يشغل عن القدر. قال: ما هو؟ قال: ليلة صبيحتها القيامة. فبكيا جميعاً.
من نعم الله تعالى على عباده نعمه أنزال المطر، فقد وصفه الله عز وجل بأنه ماء طهور فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]. كما وصفه بأنه ماء مبارك في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: 9].
وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول المطر سنن قولية؛ فمن سننه القولية قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم صيباً نافعاً»، وقوله: «مطرنا بفضل الله ورحمته»، ويدعو الإنسان بما شاء. قال صلى الله عليه وسلم: «ثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر».
وكان عليه الصلاة والسلام إذا خشي ضرر المطر قال: «اللهم حوالينا ولا علينا». ومن سننه الفعلية أنه عليه الصلاة والسلام كان يكشف بعض بدنه ليصيبه المطر ويقول: «لأنه حديث عهد بربه». رياض الآصال تزاد المنى، تضيء الليالي وتمحو الدجى، تفوح بطيب الكتاب المبين، على نسمات الهدى والصفا، سبيل الرشاد بشير العباد، رحيق الشهاد وقطر الندى، هي الزاد زاد الهدى والدنى، لزاد الحياة وزاد التقى.
مشاعل خير تنير البلاد، مناهل تروي أنين الجوى، إذا هزني الشوق نحو السنا، قناة يزاد رفيق السرى، قناة يزاد رفيق السرى، قناة زاد العلمية.
الحمد لله، مرحبا بكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات في تفسير سورة الفاتحة. الرحمن الرحيم، عرفنا معناها ومن فوائد هذه الآية أي ذكر هذه الصفة العظيمة لله، وقد أوجب على نفسه الرحمة، كتب ربكم على نفسه الرحمة، ومن رحمته أن رحمته سبقت غضبه. وهذا في كتاب مكتوب عند الله، كما جاء في الصحيحين: «أن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي»، فهو مكتوب عنده فوق العرش.
وأنه تعالى برحمته أسبغ النعم على العباد، وجعل لهم الليل للراحة والنهار للمعاش، كما قال: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَل لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: 73]. هذه فيها لف ونشر مرتب، الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله، يعني الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبتغوا من فضله، ولا لعلكم تشكرون.
وأنزل الأمطار وأنبت النبات برحمته أيضاً، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: 28]. وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر». قال بعضهم: هذه رحمة وضعها الله. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا. نسبوا المطر إلى النجوم، كأن النجوم هي التي أو الأنواء هي التي تنزل المطر، وهذا كفر. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: 75] حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: 82]، والحديث رواه مسلم.
والله تعالى عم العباد بنعم لا يستطيعون إحصاءها، ﴿وَإِن تَعُدُِّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 18]. وبرحمته حرس عباده مما يؤذيهم، ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ﴾ [الأنبياء: 42]، هل يحفظكم أحد غيره؟ لا حافظ إلا هو سبحانه، وجعل معقبات للإنسان، ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11]. قال ابن عباس: ملائكة يحفظونه من الأمام ومن الخلف، فاذا جاء قدره خلوا عنه فوقع المقدور.
لكن كم مرة كدنا أن نهلك فنجانا الله! حادث سيارة، سقوط، أمراض، نحن نعيش الآن -يقول بعض علماء البيولوجيا- نحن نعيش مع أكثر من سبعة آلاف نوع من الجراثيم في منازلنا، أشياء لا ترى بالعين، لكن الله عز وجل يسلم لك.
يا كريم الحمد لك يا كريم الحمد، من رجاك نال الرجاء وفاز حين دعاك، يا رب مهما احتجت من شيء فما لي في قضاء حوائجي إلاك، وإذا تهمني الخطوب فليس لي في كشف نازلة الخطوب سواك، أنت القريب المستجيب فكل ما في الكون من خير فيوض نداك.
وبرحمته سبحانه علم عباده القرآن ويسره لهم، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مْن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. أرسل محمد صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما أنزل إليهم من ربهم، وعلمنا البيان الذي هو النطق باللسان كي نتلو كتابه، ولم يجعلنا كالبهائم العجماوات والجمادات، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4].
وبرحمته يقبل التوبة، يعلم أن الله هو يقبل التوبة عن عباده، ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]. وهذه ذنوب العباد صاعدة إلى الله والنعم نازلة من عنده، ولو بلغت ذنوبهم عنان السماء ثم لقوه بلا شرك غفر لهم سبحانه.
الهي عبدك العاصي اتاك مقرا بالذنوب وقد دعاك، فان تغفر فانت لذاك اهل، وان تطرد فمن يعفو سواك؟ «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السحاب ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض -يعني ملء الأرض مثلها وما يقاربها- لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة».
ابن عباس رضي الله عنه يلفت النظر إلى معنى يقول: دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة. قال تعالى بعد ما ذكر هذه الأصناف من البشر ومقولاتهم الكفرية: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 74].
دعا فرعون إلى التوبة وفرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، وبعد علق ابن عباس قال: من أيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله. ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.
بل إن الله دعا المنافقين النفاق الأكبر إلى التوبة فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ أَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 145-146].
أصحاب الأخدود خدوا الأخاديد وحفروها في الأرض وملوها حطباً وناراً، وألقوا عباد الله الموحدين فيها، ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله، ومع ذلك دعاهم إلى التوبة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، يعني لو تابوا تغير الحال. ولذلك يقول حسن البصري رحمه الله: انظر إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!
قاتل المئة اللي قتل مئة نفس، لما خرج إلى أرض الطاعة وتارك أرض المعصية، أوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي. لما قبض في الطريق في بين القريتين واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وأرسل ملكاً يحكم بينهم: قيسوا يعني إلى أيهما أقرب اجعلوا من أهلها. فأوحى الله إلى هذه -يعني قرية السوء- تباعدي، وإلى هذه أن تقربي، ووجُد أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعل من أهلها.
ماذا نريد بعد ذلك؟ إلهي لا تعذبني فاني مقر بالذي قد كان مني، وما لي حيله إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني، فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومني، يظن الناس بي خيراً واني لشر الناس إن لم تعف عني.
من رحمته أنه طمع المذنبين فيها إذا تابوا وأنابوا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
الرَّحِيمِ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزُّمر: 54]. الله قريب، رحمة الله قريب من المحسنين. في الحديث: «إن الله يقبل توبة الععبد ما لم يغرغر». إنما يرحم الله من عباده الرحماء، من أراد الرحمة رحمه الله، فليرحم عباد الله، «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
نسأل الله تعالى أن يرحمنا، وأن يغفر لنا، وأن يتوب علينا، وأن يرزقنا تدبر كتابه، ويزيدنا علماً، إنه هو العليم الحكيم الغفور الرحيم. وصلى الله على نبينا محمد.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان.
زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد