بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوان والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد؛ فقد تقدم الكلام في الدرس الماضي عن عدد من كتب التفسير المعتبرة التي يحسن بالمسلم وطالب العلم على وجه خصوص الرجوع إليها، ونكمل الحديث عن كتابين أيضًا من أهم كتب التفسير؛ فالأول: معالم التنزيل في تفسير القرآن للإامام البغوي رحمه الله تعالى.
وهو الحافظ الفقيه المفسر الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، أبو محمد البغوي، نسبته إلى بغى، من قرى خراسان بين هرات ومرو، ومن مصنفاته في التفسير المشهور المسمى معالم التنزيل في تفسير القرآن، وشرح السنة، ومصابيح السنة، والأنوار في شمائل النبي المختار، والتهذيب في فروع الفقه الشافعي، وغير ذلك من المؤلفات.
قال الذهبي رحمه الله: بورك له في تصانيفه ورزق فيها القبول التام لحسن قصده وصدق نيته وتنافس العلماء في تحصيلها. توفي الإمام البغوي رحمه الله بمرو الروذ، وهي مدينة من مدائن خراسان، وذلك في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة من الهجرة.
ويعتبر تفسير البغوي رحمه الله من كتب التفسير بالمأثور؛ لأن هذا هو الغالب عليه، مع أنه قد جمع إلى التفسير بالمأثور التفسير بالرأي والاجتهاد المقبول. وتأتي أهمية هذا الكتاب من كون صاحبه على عقيدة أهل السنة؛ فقد قال فيه الإامام الذهبي رحمه الله بأنه على منهاج السلف حالا وعقدا، يعني عقيدة، وله القدم الراسخ في التفسير والباع المديد في الفقه رحمه الله.
لكن يلاحظ أنه تأثر بعبارات بعض المتكلمين أو أهل الفلسفة أهل الكلام في الصفات، وطبعا هذه غير صحيحة، وذلك مثل قوله في الرحمة: صفة الرحمة لله والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله. طبعا هذا تأويل مرفوض؛ الرحمة ثابتة لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وتأويلها بإرادة الخير لأهله هذا ليس هو معنى الرحمة في اللغة، وقيل هي ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق.
وهكذا أيضًا مثلا في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] قال: صراط الذين غضبت عليهم، والغضب هو إرادة الانتقام من العصاة. طبعا الغضب ليس هكذا في اللغة، وهذا أيضًا تأويل مرفوض، بل نثبت الغضب لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، نقول: يحب ويرضى ويغضب ويعجب سبحانه وتعالى.
وقد ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله لما سئل عن تفاسير الزمخشري والقرطبي والبغوي، قال: وأما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة البغوي، لكنه مختصر من تفسير الثعلبي، وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع التي فيه وحذف أشياء غير ذلك.
وابن تيمية رحمه الله ذكر أيضًا عن مختصر عن تفسير البغوي أنه مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره من الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة. طبعا من ميزات تفسير البغوي رحمه الله أنه متوسط، يعني لا هو مطول ولا مختصر، وقد ذكر هو في المقدمة كلامًا عن منهجه في هذا، قال: فجمعت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوا كتابًا وسطًا بين الطويل الممل والقصير المخل.
يتميز كتاب البغوي رحمه الله بسهولة العبارة ووضوح المعاني، وقد ذكر هو سبب تأليف الكتاب، ذكر أنه سأله جماعة من أصحابه المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين، كتابًا في معالم التنزيل وتفسيره، فأجبتهم إليه معتمدًا على فضل الله تعالى وتيسيره، ممتثلًا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، يعني في الترحيب بطلبة العلم وإجابة رغباتهم.
قال فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا». وأنه قال إن كتب تفسيره اقتداء بالماضيين من السلف في تدوين العلم، إبقاء على الخلف، وليس على ما فعلوه مزيد، ولكن لا بد في كل زمان من تجديد ما طال به العهد.
لاحظوا العبارة هذه مهمة لكل من سيقدم على التأليف أن يسأل نفسه ما هو الجديد الذي سأضيفه؟ يعني فقط أن يكرر كلام من سبقه؟ لا، فهو البغوي قال تواضعًا: وليس على ما فعلوه مزيد، يعني من قبله من العلماء في التفسير، ولكن لا بد في كل زمان من تجديد ما طال به العهد، فإذا قد يأتي بلغة مناسبة لأهل عصره، يضع فيه تنبيهات على أشياء استجدت في عصره، وهكذا.
وذكر أنه جمع بعون الله وتوفيقه كتابًا وسطًا بين الطويل الممل والقصير المخل، وقدم تفسيره بفصول تشبه علوم القرآن في المقدمة، فمثلا يقول: فصل في فضائل القرآن وتعليمه، فصل في فضائل تلاوة القرآن، فصل في وعيد من قال في القرآن برأيه من غير علم.
ما هو منهج التفسير للبغوي رحمه الله؟ يعد تفسير البغوي من كتب التفسير بالمأثور كما قلنا، لكن هذا هو الأعم الأغلب، وإلا ففيه أمور أخرى غير التفسير المأثور؛ التفسير بالمعاني الجيدة من كلام أهل العلم، يعتمد على القرآن في تفسيره. على سبيل المثال في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: 111] وقال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]، فالحمد قول باللسان، والشكر عمل بالأركان.
مثلا في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] قيل: هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين، الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69].
وأيضًا فإن الإمام البغوي رحمه الله تعالى يعتمد على السنة في تفسيره، ويرد أحاديث بإسناده، وهذه طبعا من جوانب القوة لديه رحمه الله تعالى أن له أسانيد في آثار في تفسير الآيات. فعلى سبيل المثال قال في قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 43] قيل: هذا النداء إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا أن تلكم الجنة، وقيل: هذا النداء يكون في الجنة.
ثم ساق بإسناده قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة إلى أن ذكر في الإسناد إلى الإسناد إلى أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قال: «ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا»، فذلك قوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وأيضًا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قال: لم يخلطوا إيمانهم بشرك أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، وساق بإسناد إلى علقمة عن عبد الله، يعني ابن مسعود رضي الله عنه، قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله فاينا لا يظلم نفسه؟ فقال: «ليس ذلك»، يعني ليس المقصود بالآية أي ظلم، فقال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]».
البغوي رحمه الله أيضًا يعتني بالأحاديث الصحيحة أو المشهورة، فهو محدث له عناية خاصة بكتب السنة، ومن مصنفاته في الحديث: شرح السنة، وكتاب مصابيح السنة، ولذلك يميز جيدًا ولا يذكر الموضوعات ولا الضعاف غالباً، يعني لا يخلو من أحاديث ضعيفة، لكن طبعا يذكر الإسناد، ومن أسند فقد حمل.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن البغوي تفسير مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره من الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة. وهو نفسه البغوي رحمه الله ذكر أن ما ذكره من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الكتاب على وفاق آية أو بيان حكم، فإن الكتاب يطلب بيانه من السنة، وعليها مدار الشرع وأمور الدين، فهي من الكتب المسموعة للحفاظ وأئمة الحديث، وذكر أنه أعرض عن ذكر المناكير وما لا يليق بحال التفسير. نسأل الله تعالى
أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يفقهنا في ديننا. مليار وثلاثمائة مليون طن من الأطعمة تتحول إلى صناديق القمامة سنوياً، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام. ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بسبعمائة وخمسين مليار دولار في كل عام، هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.
يحدث كل هذا في ظل وجود ثمانمائة وسبعين مليوناً من الجائعين يومياً، وصدق من قال: ما رأيت إسرافاً إلا وبجانه حق مضيع. ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعاً بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها تسعة عشر ملياراً من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر مائة طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم. وفي دراسة لإحدى الشركات المتخصصة، وجد أن ثمانين بالمئة من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام، قال تعالى.
فلنتدارك الأمر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثمة دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف، ثم دارت الأيام واشتهرت بالمجاعة والقحط. فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية، أو لنعطيه للمحتاجين بعد أن نغلفه. وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجعله في صندوق، ولنجعله غذاء للطيور والحيوان؛ ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوماً قول الله تعالى.
محمد بن سيرين، الإمام التابعي الكبير المحدث الفقيه، مولى أنس بن مالك رضي الله عنه. قال مورق العجلي: ما رأيت أحداً أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين. اشتهر بتعبير الرؤيا، قال الذهبي: وكان له في ذلك تأييد إلهي، توفي رحمه الله سنة عشر ومائة من الهجرة.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. قناة زاد العلمية، والعلم في كل وقت.
الحمد لله، نكمل في تفسير الإام البغوي رحمه الله، لا يكتفي بإيراد حديث واحد في معنى الآية، بل يتوسع أحياناً فيورد مجموعة أحاديث في الغرض الذي سيقت له الآية. على سبيل المثال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ قال: الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة من قوة، من الآلات التي تكون لكم قوة عليهم، من الخيل والسلاح. ثم ذكر بإسناده: أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر إلى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: «أعِدُّوا لَهُم ما استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ». ثم ساق مجموعة أحاديث في فضل الرمي في سبيل الله.
من منهج البغوي في تفسيره أيضاً أنه كان يورد القراءات ولكن بشكل مختصر، وأشار هو إلى هذا الموضوع لما قال: إن الناس كما أنهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبدون بتلاوة وحفظ حروفه على سنن خط المصحف الإمام الذي اتفقت عليه الصحابة. طبعا هذا الذي أرسل عثمان في الأمصار مرجعاً، فذكر أنه يعني وضع في كتابه قراءات من اشتهر من الأئمة بالقراءة. على سبيل المثال في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قال البغوي: فتلقى، والتلقي هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: التعلم. آدم من ربه كلمات، قال: قرأ العامة آدم برفع الميم، وكلمات بخفض التاء (العامة يعني عامة القراء)، وقال: قرأ ابن كثير آدم بالنصب، كلمات برفع التاء، يعني جاءت الكلمات آدم من الله تعالى وكانت سبب توبته.
أيضاً يذكر الإمام البغوي رحمه الله بعض المسائل الفقهية باختصار؛ مثلاً في قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ يعني الصيد في الإحرام، قال: ومن قَتَلَهُ مِنكم متعمداً، اختلفوا فيما لو قتله خطأً، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة. قال الزهري: على المتعمد بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة، يعني إيجاب الكفارة في قتل صيد الإحرام على المتعمد بنص الكتاب، وعلى المخطئ بما ورد في السنة. وقال سعيد بن جبير (يعني ينقل البغوي ينقل)، قال وقال سعيد بن جبير: لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد. يعني ذكر الخلاف في المسألة.
بالنسبة لقضايا الإعراب ونكت البلاغة، البغوي يتحاشى رحمه الله التوسع ولكن يذكر ما له أهمية في ذلك إذا احتاج للكشف عن معنى الآية. مثال، قال في قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء (وكفلها)، فيكون زكريا في محل النصب، يعني الله عز وجل كفلها زكريا وضمها إليه بما قدر من ظهور نتائج القرعة. قال البغوي أيضاً: وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي كفلها زكريا، فيكون زكريا في محل الرفع، أي ضم زكريا إلى نفسه وقام بأمرها.
طيب، ما هو موقف الإمام البغوي رحمه الله من التفسير بالرأي؟ التفسير بالرأي طبعا قسمان: قسم محمود، وهو التفسير برأي العالم الذي يعرف اللغة العربية ومدلولات الألفاظ، ويلاحظ السياق والسباق؛ فالمحمود التفسير المستمد من القرآن ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبه عالم باللغة العربية وأساليبها وبقواعد الشريعة وأصولها.
ومذموم، هذا القسم الثاني من التفسير بالرأي، وهو التفسير بمجرد الرأي والهوى، لا عن علم باللغة ولا بأساليب القرآن ولا بالنظر في السياق ولا في شواهد هذه الكلمة في لغة العرب، يعني ماذا تعني؟ ولا عنده علم بأصول التفسير ولا أصول الفقه، فهذا كلام يعني كما يفعل بعض من يسمى بالمثقفين اليوم؛ يتحدثون برأيهم، يقول: أنا فهمت كذا، عندي كذا، ومن أنتم حتى يكون لكم كذا.
فالبغوي رحمه الله أجاز التفسير بالرأي المحمود المعتمد على الاجتهاد وفهم اللغة، يعني من صاحب العلم، تفسير من صاحب العلم. وهذا النوع من التفسير بالرأي المحمود موجود في كتاب البغوي. ذكر البغوي رحمه الله (هو نقل، قال: قال شيخنا الإمام رحمه الله): قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه، وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئاً من غير علم.
فأما التأويل، وهو صرف الآية إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وما بعدها (لاحظوا أيها الإاخوة والأخوات مسألة في السياق والسباق، السابق واللاحق، ماذا قبل الآية؟ الآية التي قبل والآية التي بعد، أو الكلمة جاءت في أي سياق، هذا مهم جداً في التفسير)، فقال: أما التأويل (يعني التفسير) وهو صرف الآية إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط، فقد رخص فيه لأهل العلم، أهل العلم تحديدا، هؤلاء الذين عندهم علم بالعربية وشواهد كلام العرب وأصول التفسير.
وقال: أما التفسير، وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها، فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل، يعني هذا ما يمكن يستنبط، هذا حدث، لابد أن ينقل ولابد أن يثبت النقل، هذا فيما يتعلق بأسباب النزول.
إذاً، يمكن تلخيص منهج الإمام البغوي رحمه الله في تفسيره في النقاط التالية: أولاً، يتعرض لتفسير الآية الكريمة بلفظ سهل موجز لا تكلف في لغته ولا تطويل، ويكتفي بالوقوف على الكلمة الغريبة ليكشف عن معناها بالرجوع إلى أصلها ومصدرها، مستدلاً بالآيات والأحاديث وما أثر عن الصحابة والتابعين وأقوال أهل اللغة.
ثانياً، يسلك السبيل القويم في بيان المعاني؛ فيفسر القرآن بالقرآن، مثلاً: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ إذاً ما هو الطارق؟ الله فسره، فسر بنفسه تعالى بأنه النجم الثاقب، ما في مجال لاختراع شيء فيها. يفسر القرآن بالقرآن أو بالحديث أو بأقوال الصحابة، ويستأنس بأقوال التابعين والمجتهدين. ونجد يعتمد الجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد ليوضح معنى كلمة في الآية؛ لأن إذا جمعت الآيات هذه، هذا موضوع مهم، مبدأ مهم في التفسير، جمع الآيات في الموضوع الواحد يفسر بعضها بعضاً، يوضح بعضها بعضاً، تعطي نظرة تكاملية شمولية إذا جمعت، هذا أمر في غاية الأهمية.
ثرالتاً، اعتماد الإمام البغوي على السنة في تفسير القرآن سمة واضحة في تفسيره.
وقد جاء تفسيرا حافلا بالأحاديث التي انتخبها وذكر أسانيدها، وقلّ أن يذكر حديثا بغير إسناد، وكذلك قليلا ما يورد الأحاديث الضعيفة، ويسوق عدة أحاديث أحيانا في الآية الواحدة. رابعا: يتعرض القراءات من غير توسع، خاصة إذا كانت القراءة يترتب عليها معاني إضافية، يعني تنوع في المعنى؛ هذا إثراء، يعني الاعتناء بالقراءات التي تعطي معاني أخرى هذا إثراء في التفسير.
خامسا: يعرض لعقيدة أهل السنة، وأيضا يتعرض لآراء مخالفيهم، وينتصر مبدأ أهل السنة ويدلل عليه بالمنقول والمعقول. سادسا: يظهر بوضوح اهتمام الإام البغوي رحمه الله بالآراء الفقهية، فنجده يبسطها ويرجح الراجح عنده منها، وطبعا هو لأن تفقهه على مذهب الشافعي واضح طبعا ذلك في كلامه، لكن أحيانا يورد الآراء بدون ترجيح. سابعا: يذكر بعض الإسرائيليات ويمر عليها أحيانا دون تعقيب، وذكرنا سابقا أن الإسرائيليات على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: ما كان موافقا للكتاب والسنة قبلناه ولسنا بحاجة إليه. ثانيا: ما كان مخالفا للكتاب والسنة رفضناه. ثالثا: لا يوافق ولا يخالف، يعني في تفصيل معين غير موجود في القرآن والسنة، فلا نصدق ولا نكذب؛ لأنه قد يكون حقا فنكذب به أو يكون باطلا فنصدقه، فهذا هو الموقف من الإسرائيليات.
نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يفتح علينا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا من أهل القرآن.
إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية، الفواصل الدعوية المحترفة إعلاميا والمؤصلة منهجيا. تخاطب الرجال والنساء، الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر.
في كثير من الأحيان يجتهد الوالدان في تطبيق الكثير من الوسائل التربوية الحديثة والقديمة في توجيه أبنائهم نحو الخير، وهذا حسن، إلا أنهم قد يغفلون في غمرة ذلك عن وسيلة هي الأقوى والأكثر فاعلية؛ وهي مداومة الدعاء لهم بالخير والصلاح: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: 40].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]. زاد... تزود.
الحمد لله، نتابع وإياكم أيها الإخوة والأخوات الكلام في بعض كتب تفسير القرآن، نتكلم الآن عن كتاب الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبي رحمه الله. وهو الإمام الفقيه المالكي المفسر المشهور محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي القرطبي، ولد بقرطبة في الأندلس، وتعلم فيها القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية، وتوسع في دراسة الفقه والقراءات والبلاغة وعلوم القرآن، وتعلم الشعر، وانتقل إلى مصر واستقر بمنية بني خصيب -المنيا حاليا- شمال أسيوط. من مصنفاته تفسيره المشهور المسمى الجامع لأحكام القرآن، وله أيضا كتب أخرى مثل الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، وغير ذلك.
قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله: إمام متفنن، أي صاحب عدة فنون، متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور فضله. توفي رحمه الله بالمنيا بمصر في شوال سنة إحدى وستين وستمائة من الهجرة، رحمة الله عليه.
يعتبر تفسير القرطبي من أهم كتب تفسير الأحكام، إذا هذه مدرسة تفسير الأحكام، القرطبي علم واضح فيها. قال الذهبي رحمه الله: وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان، وهو كامل في معناه. وأبرز ما يميزه الاهتمام بأحكام القرآن وهذا ظاهر من اسم الكتاب الجامع لأحكام القرآن.
قال ابن فرحون في وصفه: وهو من أجل التفاسير وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ -وطبعا يعني التوسع في كما يفعل بعض القصاص من هذا شأنه- قال: أسقط منه القصص والتواريخ وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ.
وقد قال القرطبي رحمه الله نفسه في وصف كتابه: رأيت أن أشتغل به مدى عمري، واستفرغ فيه منتي -يعني قوتي مهمتي- بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتا -يعني فوائد- من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات، جامعا بين معانيهما ومبينا ما أشكل منهما بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف.
ما هو منهج الإام القرطبي رحمه الله في تفسيره؟ هو ذكر بنفسه طبعا، لما نتكلم عن مثل هذا أولى من يرجع إليه هو هذا المؤلف نفسه، فقد بين شرطه ومنهجه في مقدمة تفسيره، ويمكن أن يلخص ذلك بالنقاط التالية: أولا: إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها، فيعني الكتب التي أخرجت فيها. ثانيا: الإضراب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما لا بد منه وما لا غنى عنه للتبيين. ثالثا: تفسير آيات الأحكام والتوسع فيها مسائل كثيرة تذكر بمناسبة آية في حكم معين. رابعا: إن لم تتضمن الآية حكما ذكر ما فيها من التفسير والتأويل. خامسا: ذكر أسباب النزول والقراءات والإعراب وبيان غريب الألفاظ مع الاستشهاد بأشعار العرب.
هذا طبعا واضح في تفسير القرطبي. بالنسبة للعقيدة: تأثر الإمام القرطبي رحمه الله بمنهج الأشاعرة ونقل عن أئمتهم كالجويني والباقلاني والرازي، ذلك ينتبه طالب العلم عند مروره في تفسير القرطبي بأيات الصفات يحذر، لا بد أن يدقق هنا حتى لا يروج عليه شيء من الأقوال غير المقبولة في صفات الله تعالى. على سبيل المثال في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]، طبعا تنبيهنا على هذا لا ينقص من قدر الإمام ولا كتابه، وفي عوامل معينة جعلت بعض الأئمة أو بعض العلماء يتأثرون، أخطاء كانت موجودة في أجواء أو بيئات معينة لما نقل مذهب المتكلمين ومذهب السلف في مسألة الاستواء.
طبعا نعرف الحق في المسألة: استوى على العرش استواء حقيقيا يليق بجلاله وعظمته، ونعرف استوى ما معناها في اللغة: صعد، ارتفع، علا، استوى على العرش تعالى. القرطبي رحمه الله قال: فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن... لاحظ كلمة "عبارة عن" هذه معناها فيها عدول عن الظاهر الذي ينبغي أن نأخذ به في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، كلام بليغ عربي في غاية الفصاحة، يعني الله لن يعجزه ولا يعجزه إذا أراد معنى آخر أن يذكر له لفظا يعبر عنه، ما في داعي أن نقول هذه استوى يعني عبارة عن، مثلا استولى، هو هو قال: فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته؛ أي المقصود الهرب من موضوع علو الذات، وهذا الذي يثبته السلف على على عرشه بنفسه تعالى كما أراد كما يليق بجلاله وعظمته.
فهو رحمه الله قال: يعني علوه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته، أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، مع أنه قال أظهر الاقوال -ثم وضع جملة اعتراضية وان كنت لا اقول به ولا اختاره- أظهر الأقوال... لاحظوا: أظهر الأقوال -وإن كنت لا أقول به ولا أختاره- أظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآية والأخبار والفضلاء والأخيار أن الله سبحانه كما أخبر في كتابه بلا كيف -بلا كيف معلوم لنا هناك كيف يعلمه نحن لا نعلمه- بائن من جميع خلقه. هذا جملة مذهب السلف الصالح. وحتى يعني بعض الأئمة تعقبوا على هذه الكلمة، فالإمام السفاريني رحمه الله تعالى مثلا في كتاب لوائح الأنوار علق على كلام القرطبي وقال: قوله: وإن كنت لا أقول به غاية العجب؛ لأنه اعتترف بتظافر الآيات القرآنية عليه ودلالة الأخبار النبوية إليه وتعويل السلف الصالح الأخيار عليه، فكيف يليق من مثله -يعني القرطبي على جلالة قدره وعلو منزلته وعلمه- أن يقول: وإن كنت لا أقول به ولا أختاره، مع الدلالات القرآنية والأحاديث النبوية وكونه معتقد الرعيل الأول؟
يمكن الكلام عن منهجه بالتفصيل في النقاط الآتية، يعني منهج الإمام القرطبي رحمه الله التفسير، طبعا هذا تفسير غني جدا بالفوائد، يعني فعلا فيه علم غزير وجودة في التصنيف، ومن ذلك
إنه يقسم الآية إلى مسائل بحسب الأحكام التي تتضمنها فيقول مثلاً: وفيها سبع وعشرون مسألة، وفيها عشرون مسألة، وهكذا. وهذه المسائل لا تكون كلها في الأحكام الفقهية، بل قد تشتمل على فضائل، وربما ذكر فيها أمور تتعلق بالعقيدة أو مباحث في اللغة أو أبواب البيان ونحو ذلك، لكن أكثرها فقهية وأصولية.
أيضاً يتميز التفسير بمراعاة الدليل وعدم التعصب للمذهب، فبالرغم من أن الإمام القرطبي رحمه الله تعالى مالكي، إلا أنه لم يتعصب لمذهبه المالكي عن كل مسألة يقرر المذهب مهما كان، فلا. ويلاحظ عند ذكره لمسائل الخلاف أنه يتجرد مع الدليل حتى يصل إلى ما يراه أنه الحق، وهذا من مناقبه.
فمثلاً لما تكلم عن مسألة تقديم الحلق على الذبح في يوم النحر، وضح أن ظاهر المذهب المنع من تقديم الحلق على الذبح إن كان عامداً قاصداً في المقال، والصحيح الجواز، يعني حتى لو تعمد الحاج أن يقدم هذا على هذا فله ذلك. لماذا؟ قال لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي: التقديم والتأخير. فقال: «لا حرج» كما في البخاري ومسلم. إذاً لاحظوا أنه خالف مذهبه في هذه المسألة، لماذا؟ لأجل الدليل.
أيضاً مما يتميز به القرطبي رحمه الله في تفسيره أنه يحقق مذهب المالكية؛ لأن المذهب فيه روايات وأقوال، المذهب نفسه فيه المذهب الواحد في روايات وأقوال. طيب، ما هو المعتمد فيها؟ يعني ما هو الذي يصح أن يققال هذا المذهب في المسألة هذه؟ هذا يحتاج إلى تحقيق، تحقيق يحتاج إلى أهل تحقيق، فالإمام القرطبي رحمه الله يذكر روايات مالك في المسألة وقول أئمة المذهب ومن وافق ومن خالف ويرجح.
قد يرجح أيضاً تفسير القرطبي رحمه الله فيه ذكر الشواهد من أقوال العرب وأشعارهم والاهتمام بالإعراب، فمثلاً في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] قال: السنة النعاس، قال زهير بن أبي سلمى: لا سنة في طوال الليل تأخذه، ولا ينام، ولا في أمره فندوا. وفي قوله تعالى أيضاً: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: 48] قال: ذوات ظل وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر: ما هاج شوقك من هديل حمامة تدعو على فنن الغصون حمامة، تدعو أبا فرخين صادف طائراً ذا مخلبين من الصقور قطاماً.
أيضاً الاعتناء بالقراءات الواردة في الآية، يعد تفسير القرطبي رحمه الله من أوسع التفاسير التي اهتمت بالقراءات، ويستقصي القراءات في الكلمة القرآنية وينسب كل قراءة إلى صاحبها ويبين درجة القراءة ويذكر توجيهها؛ يعني ماذا يكون المعنى على هذه القراءة، وماذا سيكون على هذه القراءة، وخاصة إذا كان لهذا تعلق بالمسألة الفقهية.
فمثلاً في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قال قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قرأ الجمهور بكسر الطاء وسكون الياء، وأصله يطوقونه، نقلت الكسرة إلى الطاء وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبله. ومشهور قراءة ابن عباس يطوقونه بفتح الطاء مخففة، يعني الطاء وتشديد الواو، بمعنى يكلفونه؛ إذاً يطوقونه يعني يطيقونه، يطوقونه بالفتح يعني يكلفونه.
وقد روى مجاهد يطيقونه بالياء بعد الطاء، قال: وهي باطلة ومحال؛ لأن الفعل مأخوذ من الطوق، فالواو لازمة واجبة فيه، ولا مدخل للياء في هذا المثال. هذا مثال على إيراد الإمام القرطبي رحمه الله للقراءات والاعتناء بذلك، وخصوصاً عندما تترتب على القضية أحكام فقهية.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا من أهل البصيرة، ونسأله حسن القول وحسن العمل والإخلاص وحسن الخاتمة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، للعلم كالأزهر في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد