بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيُّها الإخوة والأخوات من الطلبة والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله.
أما بعد، فهذه مادة التفسير من المواد التي تُدرس في أكاديمية زاد، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها علماً نافعاً وعملاً صالحاً.
مادة التفسير شرف هذا العلم؛ علم التفسير هو من موضُوعه وغايته والحاجة إليه؛ أنه القرآن الكريم، هذا هو مُتعلق علم التفسير، والقرآن وتعلُّمه وحفظه وتحفيظه وتفسيره أشرف ما تصُرُف فيه الأوقات، أصحابه كاللجأن على الرؤوس وكالشمس للدنيا، فالقرآن كلام الله ووحيه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، ورسالته إلى خلقه.
القرآن هدىً ورحمةٌ ونورٌ وبلاغٌ وبصائرُ وذكرٌ وفرقانٌ وموعظةٌ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
وأهل القرآن تعلُّماً وتعليماً هم خير الناس، كما قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» رواه البخاري. والمشتغلون بالقرآن حفظاً ودراسةً وفهماً وتدبراً وعِلماً وتعلِيماً هم أهل الله وخاصته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس». قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: «هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته».
والمشتغلون بتعلُّم القرآن وتعليم هذا الكتاب العزيز هم المتاجرون مع الله حقّاً، أحسن تجارةً وأوفاها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 29-30].
كفى أهل القرآن فخراً وشرفاً أن السكينة تتنزل عليهم في مجالسهم العطرة، وتغشاهم الرحمة، وتحفهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده، فأي فضل أعظم من هذا؟ وفي الحديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» رواه مسلم.
كفى أهل القرآن فخراً أن الله تعالى يرفع ذكرهم ويعلي شأنهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين» رواه مسلم. وأول العلم حفظ القرآن وفهمه، قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملةً فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل، فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه. ثم قال رحمه الله: ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكني أقول إن ذلك شرط لمن أحب أن يكون عالماً فقيهاً ناصباً نفسه للعلم. انتهى من جامع بيان العلم.
التعريف بعلم التفسير: التفسير لغةً مأخوذ من الفسر، ومعناه الإبانة والكشف، يقال: أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء إضاءةً لا يشك فيه، فالتفسير كشف المراد عن اللفظ.
واصطلاحاً؛ التفسير بيان كلام الله تعالى، أو علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، كما قال صاحب البرهان في علوم القرآن. ومن أسماء التفسير؛ التأويل، مأخوذ من الأؤول وهو الرجوع، يقال: أول الكلام تأويلاً وتأول أي فسره ودبره، كما في القاموس.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما داعياً له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». ويكثر من استعمال هذه اللفظة "التأويل" بمعنى التفسير؛ شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله، فكثيراً ما يقول في تفسيره: "القول في تأويل قوله تعالى"، "اختلف أهل التأويل في هذه الآية"، ونحو ذلك.
وها هنا مسألة؛ وهي ما معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. والجواب: أن التأويل يطلق على معنيين؛ الأول: حقيقة الشيء وكنه، وما يؤول إليه، أي ظهور المتكلم به إلى الواقع، وارتفع وعلى، فظاهر الآية مراد، استواء يليق بجلاله وعظمته، ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، اليد في اللغة معناها معلوم، والنص على ظاهره؛ يد الله لله يد تليق بجلاله وعظمته ليست كأيدي المخلوقين.
وهكذا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22] جاء تعالى بنفسه مجيئاً يليق بجلاله وعظمته، فنحن على ظاهر النص لا نعدل عنه، لا نصرفه عن ظاهره؛ لا قرينة توجب ذلك، لأن الظاهر صحيح، جاء مجيئاً يليق بجلاله وعظمته، فكما نثبت له إرادةً تليق بجلاله وعظمته، وسَمْعاً يليق بجلاله وعظمته، وبَصَراً يليق بجلاله وعظمته، فكذلك نثبت له يداً تليق بجلاله وعظمته، ووجهاً يليق بجلاله وعظمته، ومجيئاً وإتياناً ونزولاً يليق بجلاله وعظمته، وهكذا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. ومن تأول الاستواء واليد والنزول والمجيء تأويلات أُخرى، فانه تأويل باطل وصرف للفظ عن ظاهره بلا دليل صحيح.
فأهل السنة إذاً يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كالكلام، والسمع، والبصر، والغضب، والرضا، والضحك، والوجه، واليدين على ما يليق بجلاله وعظمته تعالى، ونجري نصوص الصفات على ظاهرها من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل.
ومن أمثلة التأويل الفاسد؛ التأويل بلا دليل، وهذا في الحقيقة نوع من اللعب، يلعبون بآيات الله، يتلاعبون بنصوص الشريعة، كما تأول بعض المبتدعة؛ أولوا قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1] على الرقص الصوفي! وكذلك ما فعله الرافضة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النُّور: 35] قالوا: فاطمة، وفيها مصباح قالوا: الحسن، المصباح في زجاجة قالوا: الحسين، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النُّور: 35] إمام بعد إمام -يعني من أئمتهم الاثني عشر-. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النَّحْل: 68] قالوا: الأئمة. ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 167] قالوا: سبيل الله علي. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 51] قالوا: الجبت أبو بكر والطاغوت عمر. ﴿اجْعَل بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: 94] قالوا: التقية. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: 19] قالوا: علي وفاطمة. ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] قالوا: الحسن والحسين. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] قالوا: عائشة. والشجرة الملعونة في القرآن قالوا المقصود بنو أمية! وهكذا تلاعب بالقران وتحريف للألفاظ، نسأل الله السلامة والعافية.
وتحريف معاني النصوص مع إبقاء اللفظ على ما هو عليه هو طريقتُ اليهود، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 13]، وعند اليهود تحريف اللفظ "حطة" قالوا "حنطة"، وتحريف المعنى يبقون اللفظ ويحرفون المعنى.
وهذا التأويل الفاسد أصل من أصول الإفساد والضلال، قال ابن القيم رحمه الله: أصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل -يعني الفاسد-؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل -يعني هذا الباطل-؟ وهل أُريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ إعلام الموقعين.
وقال رحمه الله: هذا وأصل بلية الإسلامِ ... من تأويل ذي التحريف والبطلانِ وهو الذي قد فرق السبعين بل ... زادت ثلاثاً قول ذي البرهانِ وهو الذي قتل الخليفه جامع الـ ... قرآن ذا النورين والإحسانِ وهو الذي قتل الخليفه بعده ... أعني علياً قاتل الأقرانِ وهو الذي قتل الحسين وأهله ... فغدوا عليه ممزقي اللحمانِ
ومن أمثلة التأويل الفاسد؛ تأويل الباطنية للقرآن، وهو من أخبث التأويل، فقد زعموا أن للدين ظاهراً وباطناً، زعموا أن للآية ظاهراً وباطناً، وأن للحديث ظاهراً وباطناً، وأن الظاهر هذا للعَامَّة والباطن لأئمتهم.
وللخصم من الباطنية كالنص؛ الذين يؤولون الصيام بأنه حفظ أسرار الطائفة، والحج الذهاب إلى شيخ الطائفة، والزكاة رمز لشخصية سلمان، والصلوات الخمس أن تقول: علي، فاطمة، الحسن، الحسين، محسن! ويقولون الجهاد: صب اللعنات على الخصوم وفشو الأسرار، والولاية: الإخلاص للأسرة النصيرية وكراهية خصومها، والقران مدخل لتعليم الإخلاص لعلي، وهكذا.
والمعاصرون أيضاً لهم تأويلات فاسدة للقرآن، كما أول بعضهم الشُّورى في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] بالديمقراطية! وكذلك مانعو الزكاة الذين أولوا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].
بها بأنها تدفع للنبي صلى الله عليه وسلم فقط فإذا مات فلا زكاة. والذين أوّلوا قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، وقول الله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، إن هذا يدل على حرية الاعتقاد لأي دين ولأي ملة في العالم. فلو أكمل الآية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]. وبعضهم يفسر قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] بترك الولاء لأهل الإيمان والبراءة من الشرك.
وبعض يفسر أن هذه أمتكم أمة واحدة بوحدة التراب، والدين لله والوطن للجميع، وكأنه لا شريعة لله تحكم. وهكذا وهكذا من أنواع التلاعبات، نسأل الله السلامة والعافية.
كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيها وتحذيرا خطيرا، وتوجّه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه؛ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا؛ فالآباء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم. فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعاده لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.
إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيرا، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزة من إنتاج مجموعة زاد، تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلاميا والمصنفة منهجيا؛ تخاطب الرجال والنساء، الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر.
مرحبا بكم أيها الأخوة والأخوات وعودة مرة أخرى. المحكم والمتشابه في القرآن الكريم؛ المحكم ما عرف المراد منه ولا يحتمل إلا وجها واحدا، ولا يحتاج إلى بيان لأنه لا شبهة فيه ولا إشكال، مثل الحدود والفرائض والوعد والوعيد والحلال والحرام والأحكام وكل ما يجب العمل به.
والمتشابه ما يحتمل عدة معان تخفى على كثير من الناس أيها المقصود، أو يلتبس معناها على كثيرين لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأذهان غير المراد منها. ويشمل ذلك أيضا ما يحتاج إلى غيره من المحكمات لبيانه، وقيل أيضا المتشابهات هي المنسوخ الذي لا يعمل به، وقيل ما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه غيره، كوقت قيام الساعة وحقيقه الروح ونحو ذلك. والقرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار ثان، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث.
والتوضيح أن الإحكام والتشابه في القرآن الكريم ثلاثة أنواع. النوع الأول: الإحكام العام الذي يصف به القرآن كله، فالقرآن كله محكم بمعنى أنه في غاية الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، في غاية الفصاحage والبلاغة، وأن أخباره صدق كلها، وأحكام القرآن عدل كلها، وليس فيه كذب ولا تناقض ولا لغو ولا سفه. كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: 13-14]. ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. ﴿الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1]. ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4]. بهذا الاعتبار فالقرآن كله محكم.
النوع الثاني: التشابه العام الذي وصف به القرآن، بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الكمال والحسن والصدق والحق؛ فبهذا الاعتبار القرآن كله متشابه، يعني ألفاظه احسن الألفاظ، معانيه أحسن المعاني، يشبه بعضها بعضا يؤيد بعضها بعضا. كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23]. وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
النوع الثالث: أن بعضه محكم وبعضه متشابه. هذا هو المقصود في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. فقد وصفه الله تعالى بأن بعضه محكم وبعضه متشابه. لا خفاء فيه لا يحتمل إلا وجها واحدا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. وكقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]. وكقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3]. وأمثال ذلك.
والتشابه معناه أن تحتمل الآية أكثر من معنى، أو أن يكون معناها مشتبها خفيا على الكثيرين، كتفسير القروء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، هل المقصود بالقرء الطهر أم الحيضة؟ وكذلك كأوائل السور المفتتحه بالحروف: الم، حم، عسق، ونحو ذلك. وأهل العلم الراسخون يؤمنون بالجميع ويعلمون معنى المتشابه ويردونه إلى المحكم، كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. محكمه ومتشابهه حق، ويردون المتشابه إلى المحكم ويعرضون هذا على هذا فيعرفون المقصود.
فلو قال قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: 9]، يقول هذا يدل على تعدد الآلهة، تعالى الله. نقول لا؛ الجمع هنا للتعظيم، أعرضها على قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14]. أعرضها على قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. وهكذا.
استمداد علم التفسير؛ استمد علم التفسير من القرآن الكريم نفسه، ومن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم له، وآثار السلف، ومن اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان والقراءات وأصول الفقه، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ.
حكم التفسير وأقسام الناس فيه؛ لقد انزل الله تعالى كتابه ليتدبره الناس، كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 68]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن بترسل يتدبره. وقال حذيفه رضي الله عنه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فافتتح البقرة إلى أن قال: يقرأ مترسلا؛ إذا مر بايه فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. الحديث رواه مسلم.
وكذلك ما رواه عقبه بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق –هذه اسماء مواضع في المدينه النبوية– فيأتي منه بناقتين كوماوين –يعني سمينتين– في غير إثم ولا قطع رحم؟» فقلنا يا رسول الله نحب ذلك –يعني كلنا يحبه– قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل». ففهم المعنى هو الفقه عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن القرآن نزل للعمل به ولا يمكن ذلك إلا بمعرفه معانيه، وهو السبيل الذي سلكه اعلم الناس بالقرآن وأعظمهم اهتداء بهديه واكثرهم اندفاعا بعلومه، سلف الأمة وعلى راسهم صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. وقال أيضا: والله الذي لا اله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. رواه البخاري ومسلم. وقد ربى ابن مسعود تلاميذه على هذا المنهج الرباني، فيقول أبو عبد الرحمن السلمي المقرئ المعروف الذي اخذ القرآن عن ابن مسعود وغيره: اخذنا القرآن عن قوم وهم عثمان وابن مسعود وأبي بن كعب، أخبرنا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزهن إلى العشر الآخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به. وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم. وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو عبد الرحمن السلمي يعلمنا القرآن خمس آيات خمس آيات.
فهذا إذا منهج متوارث، وكيف يعمل بالقران من لا يفهمه ولا يتدبر معانيه؟ قال سعيد بن جبير رحمه الله: من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان.
كالاعمى أو كالأعراب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: العادة المطرّدة التي جبل الله عليها بني آدم توجب عنايتهم بالقرآن لفظاً ومعنىً، بل إن يكون عنايتهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ كتاباً في الطب أو الحساب أو غير ذلك، فإنه لابد أن يكون راغباً في فهمه وتصور معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم الذي به هداهم الله؟ بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود؛ إذ اللفظ إنما يراد للمعنى. انتهى كلامه رحمه الله.
وقراءة قليل من القرآن بالتدبر أفضل من قراءة كثير من القرآن بلا تدبر. قال رجل لابن عباس: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لئن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول. وقال ابن القيم رحمه الله: قراءة سورة بتدبر ومعرفة وتفهم وجمع القلب عليها أحب إلى الله تعالى من قراءة ختمة سرداً وإن كثر ثواب هذه القراءة، وكذلك صلاة ركعتين يقبل العبد فيهما على الله تعالى بقلبه وجوارحه ويفرغ قلبه كله لله فيهما أحب إلى الله تعالى من مئتي ركعة خالية من ذلك وإن كثر ثوابهما عدداً أيضاً.
ابن مسعود رضي الله عنه قال: قفوا على عجائب القرآن وحركوا به قلوبكم، ولا تنثروا نثر الدقل -يعني الرديء- ولا تهذوه هذ الشعر، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة أن يفرغ منها. وقال الحسن: إن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم يتدبرونها بالليل ويتفكرون فيها بالنهار. فالتدبر لا يكون إلا بعد تفسير ألفاظ القرآن وفهم معانيه، ولذا فالمسلم مأمور بهذا الفهم والتفسير.
تعلم التفسير واجب على الأمة من حيث العموم، فلا يجوز أن تخلو الأمة من عالم بالتفسير يعلمها معاني كلام ربها. أما الأفراد فعلى كل منهم واجب منه، وهو ما يقيمون به فرائضهم ويعرفون به ربهم. ويمكن تقسيم التفسير كما قال ابن عباس إلى أربعة أقسام، وسيأتي شرحها إن شاء الله.
أيها الإخوة والأخوات، قبل أن نغادر مجلسنا هذا تنبيه إلى دخول كل طالب أو طالبة إلى ملفه الشخصي في موقع الأكاديمية للإجابة عن السؤال الأسبوعي الذي سيكون الجواب فيه داخلاً في درجات الأعمال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يرزقنا فهم كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم. استودعكم الله.
الشيخ محمد صالح المنجد