تسجيل الدخول

المحاضرة 4 - تفسيرا الطبري وابن كثير

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فهذا هو الدرس الرابع في سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الحديث عن نشأة التفسير، وأنه مر بخمس مراحل، وهي: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير الصحابة للقران، وتفسير التابعين للقران، وتفسير العلماء.

ألف عدد كبير من أهل العلم في تفسير القرآن، ودرجوا على النهج السابق؛ يفسرون كتاب الله تعالى من خلال القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين. فإذا لم يوجد شيء من ذلك، فسره أهل العلم منهم بالنظر في اللغة ومعانيها وأساليبها، والسابق للآية واللاحق والسياق، وهكذا. ودونت تفاسيرهم في مؤلفات خاصة، جمعوا فيها ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابه والتابعين، وما اجتهدوا فيه بأنفسهم.

ومن أشهر التفاسير: تفسير الطبري، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، وغير هؤلاء قديماً وحديثاً. نستعرض في هذا الدرس مناهج بعض الأئمة في تفسيرهم، ونبدأ بشيخ المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى.

هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، الإمام المجتهد، المفسر، الفقيه، المؤرخ. ولد أبو جعفر بمدينة آمل في طبرستان في سنة 224 للهجره، ونشا بها، وأخذ عن علمائها، ورحل لطلب العلم إلى الري، وبغداد، والبصرة، والكوفة، ومصر وغيرها. يقول رحمه الله: حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس إماماً أنا ابن ثمان سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين. ورأى لي أبي في النوم أنني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معي شيء مملوء حجارة وأنا أرمي بين يديه. فقال له المعبر: إنه إن كبر نصح في دينه وذب عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم. فحرص أبي على معونتي في طلب العلم وأنا حينئذ صبي صغير.

الطبري رحمه الله من كبار أئمة أهل السنة والجماعة، المتبعين لعقيدة السلف الصالح في التوحيد وأصول الإيمان، وتفسيره مليء بهذا، بل تفسيره من مصادر أهل السنة والجماعة في التفسير. للامام الطبري رحمه الله مؤلفات كثيرة مشهورة أخرى، مثل: تهذيب الآثار، وصحيح السنة، وتاريخ الأمم والملوك، والتبصير في أصول الدين، وغير ذلك من الكتب والمؤلفات والمصنفات الفريدة والنافعة. توفي رحمه الله تعالى سنة 310 من الهجرة عن 86 سنة.

ولنعرف الآن بأعظم كتبه وأشهرها، وهو التفسير الذي سماه رحمه الله تعالى: جامع البيان عن تأويل آي القرآن. يعتبر تفسير الطبري رحمه الله هذا من أعظم كتب التفسير بالمأثور على الإطلاق، ومن أعظم كتب التفسير على منهج السلف. وقال الذهبي رحمه الله: تفسير ابن جرير مشحون بأقوال السلف على الإثبات، أي إثبات الصفات ومنهج أهل السنة والجماعة في ذلك. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصح تفسير محمد بن جرير الطبري؛ فانه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين.

الحقيقة أن الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله بذل جهدا مضنيا في تأليف تفسيره، واعتنى به أيما عناية، حتى قال: استخرت الله وسألته العون على ما نويته من تصنيف التفسير قبل أن أعمله ثلاث سنين، فأعني. إذا حصلت هناك روية وتفكير وتهيؤ لهذا، واستعداد نفسي، ولجوء إلى الله مدة قبل الشروع في العمل لتصحيح النية. ويعد تفسير الطبري رحمه الله من أنفس كتب التفسير، حتى قال فيه الخطيب البغدادي رحمه الله: لم يصنف أحد مثله. وقال أبو حامد الاسفرايني الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً. والإمام ابن خزيمة يقول عنه: لقد نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير. نسال الله تعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يفقهنا في ديننا.

ما هو منهج الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره؟ كان للإمام الطبري في تفسيره منهج واضح المعالم، ومن أبرز هذه المعالم: أولاً، أنه قدم لتفسيره بمقدمة علمية عظيمة، ذكر فيها بعض مسائل علوم القرآن. ومما ذكره في هذه المقدمة العلمية: النهي عن تأويل القرآن بالرأي، والمقصود به طبعاً الرأي المجرد عن العلم، والحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة. من كان من قدماء المفسرين محموداً علمه بالتفسير، ومن كان منهم مذموماً علمه بذلك.

ثانياً، من منهجه أيضاً: الجمع بين الرواية والدراية، فيتميز تفسير الطبري رحمه الله بالجمع بينهما في بيان معاني الآيات. ومن منهجه أيضاً: ثالثاً، التفسير بالمأثور؛ فكان الطبري رحمه الله يعتمد على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويروي الأحاديث الواردة في معنى الآية بإسناده. وقد صرح هو بذلك نفسه في مقدمة تفسيره فقال: أحق المفسرين بإصابة الحق ما كان تأويله من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه.

وكان رحمه الله يعتمد على أقوال الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وكان لا يفرق بين طبقات السلف في إيراد الآثار، فقد يقدم قول أتباع التابعين على التابعين، ويقدم أقوال التابعين على بعض الصحابة في الذكر. مثال ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾، فانه قد روى في تفسير هذه الآية بإسناده عن قتادة في معنى أنداداً أي: آلهةً، ثم روى عن ابن عباس وابن مسعود: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، ثم روى عن ابن زيد: الأنداد الآلهة التي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له يعني مثل ما جعلوا لله جعلوا لها، ثم روى عن ابن عباس في تفسير الأنداد: أشباه.

ولم يكن من منهجه نقد أسانيد التفسير ولم يكن يعلق عليها بتصحيح أو تضعيف إلا فيما ندر، وكانه كان يعتبر ذكر الإسناد خروجا من عهده روي، كما هو متقرر؛ من أسند فقد حمل، يعني: إذا أسند لك الأثر فقد حملك المسؤولية في البحث عن صحته ومعرفة صحته، ومن روى الإسناد فقد أبْرأ ذمته، ولمن يريد النظر في هذا الإسناد والبحث أن ينظر فهو بين يديه. وربما كان يرى أن أسانيد التفسير لا ينبغي أن يششد فيها، كما هو منهج كثير من العلماء.

لكن ما هو موقف الإمام الطبري رحمه الله من الإسرائيليات؟ يأتي بها أحياناً وتعقب بالنقد، ولكن ليس هذا هو الأغلب؛ الأغلب أنه يسوقها بالسند إلى من ذكرها طبعاً ونقلها عن بني إسرائيل، ويترك التعقب، كما فعل في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. فقد روى بإسناده آثاراً في تحديد هذا البعض من البقرة التي ضرب به قتيل، ثم قال: والصواب أن يقال: أمرهم الله جل ثناء أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيي المضروب، ولا دلالة في الآية ولا خبر تقوم به حجة على أي أبعاض التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به، وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب وغضروف الكتف وغير ذلك من أبعاض، ولا يضر الجهل بأي ذلك ضرب القتيل ولا ينفع العلم به، ولا ينفع العلم به مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله. ولا مانع من الاستئناس بالإسرائيليات عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: «وحدث عن بني إسرائيل ولا حرج».

ثانياً، من منهج الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره أنه إذا لم يكن هناك خلاف بين أهل التأويل، فسر تفسيراً إجمالياً، ثم أيد ما قال بما ينقله بإسناد من قول أهل التأويل من الصحابة والتابعين وأتباعهم. مثال: قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾، يقول: وجعلنا النهار لكم ضياءً لتنتشر فيه لمعاش، وتتصرف فيه لمصالح دنياكم وابتغاء فضل الله فيه. وجعل جل ثناؤه النهار إذ كان سبباً لتصرف عباده لطلب المعاش فيه معاشاً، ثم روى بإسناد عن مجاهد أنه قال:

قوله: النهار معاش أي يبتغون فيه من فضل الله. وإذا كان بين أهل التأويل خلاف، فيذكر التفسير إجمالاً، ثم ينص على وجود الخلاف، فيقول: واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا فيه. ومن عادته أن يترجم لكل قول بقوله، فقال بعضهم، ثم يقول: ذكر من قال ذلك، ثم يذكر أقوالهم مسنداً إليهم بما وصله عنهم من أسانيد.

ثم يقول: وقال غيرهم أو قال آخرون، ثم يذكر أقوالهم، ويرجح ما يراه صواباً، ويذكر مستنده في الترجيح. وطبعاً العجب العجاب أن يورد ابن جرير بإسناده كل هذه الأقوال، وسياتي المزيد من منهجه رحمه الله تعالى.

الحمد لله، إتماماً لموضوعنا في منهج الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره؛ ذكرنا أنه قدم بمقدمة علمية عظيمة فيها بعض مسائل علوم القرآن، وأنه جمع بين الرواية والدراية في تفسيره، وأنه جعله على منهج التفسير بالمأثور وبما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه والتابعين وتابعيهم، وأنه لا يذكر بالترتيب التاريخي للروات دائماً، وأنه رحمه الله تعالى يذكر بعض الإسرائيليات وقليلاً ما يتعقبها، وأنه إذا لم يكن هناك خلاف بين أهل التأويل فسره تفسيراً إجمالياً ثم أيد ما ذكره بنقلات.

فإذاً، متى يذكر ابن جرير رحمه الله الأقوال؟ عندما يوجد خلاف في التفسير أو اتجاهات في التفسير، فيذكر المعنى الأول ومن قال به، المعنى الثاني ومن قال به، وإذا كان معنى واحداً ذكره وذكر من قال به بالأسانيد. وهذه من أعظم انجازات وميزات ابن جرير رحمه الله؛ أن الأقوال التي يردها له هو شخصياً أسانيد. وكان رحمه الله تعالى رابعاً يرجح بين الأقوال بدلالة السنة.

مثال لما ذكر رحمه الله الخلاف في ذي القربى في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41]. قال: وأولى الاقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: سهم ذي القربى كان لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وحلفائهم من بني المطلب؛ لأن حليف القوم منهم، ولصحة الخبر الذي ذكرناه بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. طبعا يشير إلى حديث: «إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد».

خامساً، كان رحمه الله يرجح على أساس المعروف من كلام العرب، ويهتم كثيراً بالشواهد الشعرية، وتفسيره من أكثر التفاسير اهتماماً باللغة العربية، ومن أكثرها اعتناء بالشواهد الشعرية، لكن ذلك لا يغلب على الآثار التي يسوقها. وطبعاً لماذا اهتم ابن جرير رحمه الله بالشواهد الشعرية؟ لأنه قد جاء عن إمام التفسير وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر؛ فانه ديوان العرب. والحديث رواه الحاكم. وطبعاً لأنه نزل بلغَتِهم، لأن القرآن نزل بلغة العرب.

فعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22]. قال: والأنداد جمع ند، والند العدل والمثل، كما قال حسان بن ثابت: أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء. يعني بقوله: ولست له بند، لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظير الشيء وشبيهاً فهو له ند. هذا إذا أخذه من بيت الشعر العربي.

سادساً، كان رحمه الله يرجح بين القراءات، وربما خطأ شيئاً من ذلك لأنه لم يثبت عنده تواتره، وهذا العذر له رحمه الله إذا لم يعتمد قراءة هي متواترة. في الحقيقة لأننا يجب أن ناخذ بعين الاعتبار متى عاش ابن جرير رحمه الله، لأنه يعتبر نوعاً ما من المتقدمين، ومتى استقرت أمور القراءات في تصنيفها ومؤلفاتها.

هو على سبيل المثال قال: والقراءة التي لا أستجيش غيرها، وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم بفتح الزي، ونصب قتلا، وخفض أولادهم، ورفع الشركاء بفعلهم. يعني من هو الفاعل؟ الشركاء، ماذا يكون؟ مرفوعاً؛ لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتل أولادهم. وإنما قلت: لا أستجيش القراءة بغيرها لإجماع الحجة من القراء عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالف من القراءة.

مع أن ابن عامر، وهو من السبعة، قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: 137]. فإذاً هذا يعني القراءة بالمبني، الفعل المبني للمفعول، وكذلك زين ثابتة، وليس فقط زينة؛ إذا كانت زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم، فزين فعل ماض، شركاؤهم فاعل تأخر ذكره، قتل مفعول به مقدم، قتل مضاف أولادي مضاف إليه. مع أن قراءة الإمام ابن عامر رحمه الله وهو أحد القراء السبعة متواترة في بناء الفعل للمفعول أو للمجهول، وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم على بناء الفعل زين للمجهول أو للمفعول، وقتل نائب فاعل مرفوع، وشركاؤهم مضاف إليه. وحصل الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به أولادهم. هذا يعني مثال على أن ابن جرير رحمه الله قد يخطئ قراءة لم يطلع على تواترها، ن ظن أن هذا عذره في ذلك، نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما جهلنا وأن يفقهنا في ديننا.

مكي بن أبي طالب الإمام المقرئ المفسر اللغوي الكبير، أستاذ القراء والمجود القيرواني، ثم الأندلسي القرطبي، هو صاحب التفسير المسمى: الهداية إلى بلوغ النهاية. ومن مصنفاته أيضاً: مشكل إعراب القرآن، والكشف عن وجوه القراءات وعللها، وغيرها. توفي رحمه الله سنة سبع وثلاثين وأربعمائة من الهجرة.

الحمد لله، نتابع في التفاسير العظيمة المشهورة؛ التفسير الثاني: تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، بعد ما ذكرنا تفسير الإمام ابن جرير، والعلاقة بينهما كبيرة.

الإمام ابن كثير الدمشقي هو الحافظ المفسر المؤرخ الفقيه إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي نسبة إلى بصرى ثم الدمشقي أبو الفداء القرشي. لازم الحافظ المزي رحمه الله وتزوج ابنتته، وسمع عليه أكثر تصانيفه، وأخذ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولازمه. ومن مؤلفاته العظيمة: البداية والنهاية، جامع المسانيد والسنن، اختصار علوم الحديث، طبقات الشافعيين، وغير ذلك. توفي رحمه الله تعالى بدمشق يوم الخميس الخامس عشر من شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة من الهجرة.

ويعد تفسير ابن كثير رحمه الله من أعظم التفاسير حقيقة، حتى قال عنه الإمام السيوطي في ترجمة ابن كثير: له التفسير الذي لم يؤلف على نمطه مثله. ولا يخفى على العموم في زماننا أن تفسير ابن كثير رحمه الله من أوسع التفاسير انتشاراً، وأن الله كتب له قبولاً عظيماً بين العامة والخاصة. والامام ابن حجر رحمه الله قال: سارت تصانيفه في البلاد في حياته يعني ابن كثير، وانتفع بها الناس بعد وفاته.

تفسير ابن كثير رحمه الله طبعاً تفسير علمي، لكن هو بالنسبة لطلبه العلم يعتبر سهلاً العبارة، واضحاً، قريباً من الفهم، ولذلك يوصي به العلماء في المراحل الأولى من الطلب، بالنسبة طبعاً لطلبه العلم. ينتمي تفسير ابن كثير رحمه الله إلى مدرسة التفسير

بالمأثور الاعتماد على الأدلة على الآثار على الركن القوي، تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنة، تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين السلف. وينقل كثيراً من تفسيري ابن جرير وأبي حاتم، وينقل أيضاً من تفسير ابن مردويه، ويعتمد على تفسير الطبري اعتماداً كبيرا، وكثيراً ما يوافقه في ترجيحاته واختياراته.

من أهم ما يميز تفسير ابن كثير رحمه الله، صحة الاعتقاد؛ لا سيما في آيات الصفات، سلك فيها مسلك السلف الصالح بخلاف من ذهب إلى أنواع التحريف والتأويل الباطل فيها. أيضاً يعتبر تفسير ابن كثير رحمه الله متوسطا؛ فليس بالطويل المسهب، ولا بالمختصر الشديد؛ فتفسير ابن جرير الطبري مثلاً تفسير مطول، وتفسير ابن كثير تفسير متوسط.

أثنى الكثير من العلماء عليه ممن هو بعد ابن كثير مباشرة أو من المعاصرين وما بينهما، قال الشوكاني رحمه الله: وله التفسير المشهور، وهو في مجلدات، وقد جمع فأوعى، ونقل المذاهب والأخبار والآثار، وتكلم بأحسن كلام وأنفاسه، وهو من احسن التفاسير إن لم يكن أحسنها. وقال أحمد شاكر في هذا التفسير عن الحافظ ابن كثير: تفسير الحافظ ابن كثير أحسن التفاسير التي رأينا، وأجودها، وأدقها بعد تفسير إمام المفسرين ابن جرير الطبري.

اختصر تفسير ابن كثير عدة مختصرات، ومن أجودها علمياً وأعظمها تنقيحاً -بدا بعدد من المشروعات الكبيرة، بدأ فيها متوازية ما أتم عدداً منها، وله مؤلفات طبعا كاملة- هذا المختصر للعلامة أحمد شاكر، مختصر ابن كثير طبع منه خمسة أجزاء فقط من أول التفسير؛ يعني من الفاتحة حتى نهاية الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 8]. طبعاً ليس العبرة بعدد المجلدات؛ يعني قد يقول قائل: يعني خمس مجلدات في هذا فقط، يعني السبع الطوال ما انتهت، كم سيكون مقارنة بالأصل؟ لكن هذا يعود طبعاً إلى مقاس الحروف، ومقاس الصفحة، والحواشي طبعاً التي ذكرها العلامة أحمد شاكر رحمه الله.

هناك مختصرات أخرى لتفسير ابن كثير معاصرة؛ كتيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير للشيخ محمد نسيب الرفاعي رحمه الله، ومختصر تفسير ابن كثير أيضاً للشيخ محمد كريم سعيد راجح، ولباب التفسير من ابن كثير للدكتور عبد الله بن محمد آل الشيخ، وغيرها. ويبقى اختصار العلامة أحمد شاكر أقربها إلى روح تفسير ابن كثير ولفظه ومعناه، بالإضافة إلى ما اشتمل عليه من تحقيقات وتخريجات جيدة.

طبعاً قد يعبث بعضهم بتفسير ابن كثير؛ أي بحذف أشياء من منهجه في العقيدة، وإضافة تعليقات ليست على منهج أهل السنة والجماعة، فينبغي لطالب العلم أن ينتبه؛ بعض من يتدخل في تفسير ابن كثير بزعم الاختصار قد يكون له مآرب أخرى منحرفه. منهج تفسير ابن كثير رحمه الله، كما قلنا: من ينتمي إلى مدرسة التفسير بالمأثور، فلذلك يعتمد على القرآن والسنة وأقوال السلف في تفسيره، وأوضح هذا هو بنفسه في مقدمة التفسير، فقال: فان قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فانه قد فسر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، فاذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والاحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح؛ لا سيما علماؤهم وكبرائهم كالأئمة الأربعة، الخلفاء الراشدين، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.

فاذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك الى أقوال التابعين؛ كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم.

فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي يقول ابن كثير فحرام. وهذه مشكلة كثير من المثقفين اليوم؛ يفسر الآية بما يخطر بباله هو، ماذا يعني له، ماذا يمكن أن يوجد هو من ارتباطات بين النظريات الحديثة والقرآن. هذه مشكلة عظيمة؛ أن بعض الناس ممن يظن نفسه من المثقفين، على ما يخطر له هو وعلى ما يقول يعني هذه قناعتي، من أنتم حتى يكون لكم عنده التفسير بمجرد رأي؟ حرام.

لكن تفسير القرآن بكلام العلماء المستند إلى علمهم باللغة العربية، أصول التفسير، أصول الفقه؛ أي النظر في السابق واللاحق، وسياق الآية، وأقوال العلماء الآخرين، هذا غير هذا، هذا رأي العالم. فرق بين رأي العالم، ورأي الجاهل، ورأي المثقف الذي ليس بمتخصص في العلوم الشرعية ولا متقن فيها. ثم هذا كلام الله، كلام الله لابد أن يكون عندنا فيه الورع.

ابن كثير رحمه الله يذكر الروايات بأسانيد في الغالب، ويخرجها، ويعتمد كثيراً على مسند الإمام أحمد؛ حتى إنه كثيراً ما يبدأ به، فيسوق الحديث عن أحمد رحمه الله باسناده ومتنه، ثم يعزوه لمن خرجه من بقية أصحاب الكتب، ولو كان في الصحيحين مثلاً، جاء في تفسير ابن كثير قال: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة». قلت: ثم أي؟ قال: «ثم حيث أدركت الصلاة فصلي، فكلها مسجد». وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به. إذاً بدأ بالإمام أحمد.

ابن كثير رحمه الله يحكم على كثير من الروايات بنفسه، أو ينقل أحكام العلماء عليها، واذا كانت الرواية ضعيفة فكثيراً ما يبين ضعفها وعلتها، كما إنه يسكت عن كثير من الروايات أيضاً ولا يبين حكمها، وهذا واضح في الروايات التي ينقلها عن ابن أبي حاتم مثلاً. ونعود مرة أخرى: من أسند فقد حمل؛ إذا ساق لك الاسناد فقد حملك المسؤولية.

ما هو موقف ابن كثير رحمه الله من الإسرائيليات؟ يورد الحافظ ابن كثير رحمه الله أحياناً بعض الإسرائيليات من باب الاستئناس وليس للاعتماد أو الاستشهاد، وقد قال هو بنفسه: الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فانها على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما علمنا صحته مما بايدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح؛ يعني رواية إسرائيلية موافقة للقرآن وموافقة للسنة.

الثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا؛ مما يخالف رواية إسرائيلية مخالفة للكتاب، مخالفة للسنة الصحيحة، وقد تكون طبعاً أيضاً مستنكرة استنكارا واضحاً من الثوابت الماخوذة من القرآن والسنة.

ثالثا: ما هو مسكوت عنه؛ لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته.

إذاً هذا هو النوع الثالث من الروايات الإسرائيلية.

وابن كثير رحمه الله لما ساق روايات في أن الذبيح هو إسحاق، قال: هذه الروايات والله، هذه الاقوال والله أعلم، كل مأخوذ عن كعب الأحبار؛ فانه لما أسلم في الدولة العمرية، جعل يحدث عمر رضي الله عنه عن كتبه، فترخيماع ما عنده، وليس للأمة حاجة في هذا.

لكن ما هو موقف ابن كثير رحمه الله من الأمور العقدية؟ أحياناً تاتي تفصيلات في مسائل عقدية، له فيها أشياء مواقف جيده، يعني مثلاً: هل في الجن رسل أم لا؟ هو يعقد مباحث في مسائل، يصل إلى مسألة بمناسبة الآية، شيء ورد في الآية، فيفرض لها فصلا، بحثا؛ يفعل هذا أحياناً ليس كثيراً كما ربما يفعله القرطبي رحمه الله، لكن يقع ابن كثير رحمه الله هذا في سورة الاحقاف على سبيل المثال عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَروهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29]. قال: وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نُذر وليس فيهم رسل. وفي الجن نُذر وليس فيهم رسل، ولا شك أن الجن لم يبعث الله تعالى منهم رسولاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ﴾ [يوسف: 109]. وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يعني يراهم الناس، وقال عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.

والسلام، وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب. طبعا ذرية إراهيم بشر من الإنس؛ قال: فكل نبي بعثه الله تعالى بعد إراهيم فمن ذريته وسلالته. فأما قوله تبارك وتعالى في الأنعام: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130]، قد يفهم البعض أن هذه قد تدل على أن من الجن رسلا. قال: فالمراد من مجموع الجنسين: ألم يأتيكم رسل منكم؛ من مجموع الجنسين، لا من كل واحد منهما. قال: فالمراد من مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما، وهو الإنس، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]، يخرج ممكن يكون يخرج من أحدهما.

ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرا عنهم: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِعْقِدِ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: 30]، ولم يذكر عيسى؛ لأن عيسى عليه السلام أنزل عليه الإنجيل في مواعظ وترقيق، وقليل من التحليل والتحريم، فهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعموم هو التوراة، هذا طبعا كتاب بني إسرائيل الأصلي.

كان ابن كثير رحمه الله يعتني بذكر الأحكام الفقهية عند تفسير آيات الأحكام، ويذكر أقوال العلماء مشفوعة بأدلة كل منهم، ثم يرجح من أقواله ما يؤيده الدليل من وجهة نظره. مثلا في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] قال: ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: فعدة من أيام أخر. والصحيح قول الجمهور: إن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان قال: فمنا الصائم ومن المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. فلو كان الإفطار هو الواجب لانكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائما؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحه رضي الله عنه. هذا مثال على أي ترجيحات ابن كثير رحمه الله الفقهية.

مثال آخر، مثلا في من هم الصابئون؟ قال رحمه الله تعالى: اختلف فيهم، قيل: هم قوم بين المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين. وقيل: إنهم كالمجوس، وقيل: هم قوم بجهينة وبطحاء الموصل يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول لا إله إلا الله، قال: ولم يؤمنوا برسول. فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم يعني في قول لا إله إلا الله. وقيل: الذين لم تبلغهم دعوة نبي. ثم قال ابن كثير رحمه الله: وأظهر الاقوال والله أعلم قول مجاهد ومتابعيه وبن منبه أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقفون عنده. ولهذا كان المشركون ينبذون من أسلم بالصابئين؛ أهل الأرض في ذلك الوقت.

أخيرا، أي العناية باللغة والبلاغة؛ يعتني ابن كثير رحمه الله بالمباحث اللغوية أحيانا. ومن ذلك قوله في معنى الهداية: قد تعدى بنفسها كما في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو أعطنا. وقد تعد بالى كقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 123]، وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، أرشدنا أدلنا. وقد تعد باللام كقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: 43] أي وفقنا له وجعلنا أهلا له. ومن ذلك نقله عن قتادة قوله: وإنما قدم إياك نعبد على واياك نستعين؛ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا تلاوة كتابه وتفسيره ومعرفه معانيه والعمل به وتدبره ومدارسته والتحاكم إليه والشفاء به. نسأل عز وجل أن يجعلنا من أهل القرآن العظيم، وأن يرفعنا به درجات يوم الدين، وأن يجعله شفيعا لنا، وأن يحسن خاتمتنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، تريده سهلا نوالا ميسرا، ياتيك ميسورا بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. القرآن بشرى لنا، زاد أكاديمية بالعلم كالازهار في البستان.