بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، خاتم النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد، فهذا هو الدرس السابع عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير آية الكرسي، ونظرا لأهمية هذه الآية وهي أعظم آية من القرآن، سيكون درسنا في هذه المره فيه تأكيد على مجموعة من المعاني السابقة مع إضافة فوائد أخرى في تفسير هذه الآية ومعاني جملها، وننهي بذلك الحديث عن آية الكرسي.
تحدثنا في قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ﴾ [البقرة: 255] أنه لا أحد يشفع عنده من أهل السماوات والأرض يوم القيامة إلا بإذنه وأمره وإرادته، وذلك لكمال سلطانه وهيبته سبحانه. وقلنا: الشفاعة التوسط عند الغير لجلب منفعة أو دفع مضره.
يعلم ما بين أيديهم؛ يعني ما هو حاضر أمامهم وشاهد وما هو في المستقبل مما سيأتي، وما خلفهم؛ أي علم الماضي.
ولا يحيطون بشيء من علمه لها معنيان: علم نفسه؛ فلا يعلمون عن الله من اسمائه وصفاته وأفعاله إلا ما أخبرهم. الثاني: لا يحيطون بشيء من معلومه؛ أي مما يعلمه في السماوات والأرض إلا ما شاء أن يعلمهم إياه.
وسع كرسيه السماوات والأرض؛ شمل واحاط، والكرسي أكبر من السماوات، والعرش أكبر من الكرسي. وقد ورد في الكرسي روايات صحيحة؛ ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة»، حديث صحيح. إذا نسبة السماوات السبع الكون هذا إلى الكرسي كحلقة القيت في صحراء، ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة القيت في صحراء.
وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكرسي موضع قدميه سبحانه وتعالى، والعرش لا يقدر أحد قدره، واسناده صحيح. وروى أبو بكر بن خزيمة في كتاب التوحيد عن ابن مسعود قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيره خمسمائة عام، وبين كل سماء مسيره خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، والله تبارك وتعالى فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه، واسناده حسن.
وروى البيهقي في سننه عن ابن بريدة عن أبيه قال: لما قدم جعفر بن أبى طالب من أرض الحبشة لقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبرني بأعجب شيء رأيته بأرض الحبشة». قال: مرت امرأة على رأسها مكتل فيه طعام، فمر بها رجل على فرس فأصابها فرمى بها، فجعلت أنظر إليها وهي تعيده في متلها تلم الطعام وتجعل في هذا الزنبيل وهي تقول: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فياخذ للمظلوم من الظالم. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فقال: «كيف تقدس أمة لا تأخذ لضعيفها من شديدها حقه وهو غير متعتع»، وصححه الألباني.
والشاهد منه: يوم يضع الملك كرسيه فياخذ للمظلوم من الظالم، كما جاء أيضا: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255].
ولا يؤوده؛ أي لا يثقله ولا يجهده ولا يتعبه ولا يشق عليه حفظهما، حفظ السماوات والأرض. وهو العلي الذي علا وارتفع فوق كل شيء، له علو القهر والغلبه وعلو صفات الكمال والجلال وعلو الذات علو القدر، وهو المتعالي عن الأشباه والانداد. العظيم ذو العظمه في ذاته وسلطانه وصفاته.
نلخص الفوائد ونضيف شيئا ما، ذكرنا النقل عن الشيخ العلامه عبد الرحمن السعدي رحمه الله اشتملت هذه الآية على توحيد الالهيه وتوحيد الربوبيه وتوحيد الاسماء والصفات، وعلى احاطه ملكه واحاطه علمه وسعه سلطانه وجلالته ومجده وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته. فهذه الآية بمفردها عقيدة في اسماء الله وصفاته متضمنه لجميع الاسماء الحسنى والصفات العلى.
وقد اشتملت هذه الآية على فوائد؛ منها كما قلنا اثبات خمسة اسماء لله تعالى، وهي: الله، والحي، والقيوم، والعلي، والعظيم، وما تضمنته من صفات. واثبات انفراد الله تعالى بالالوهيه في قوله: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 255].
واثبات صفة الحياة الكاملة لله تعالى غير المسبوقة بعدم ولا يلحقها زوال ولا فناء ولا توصف بنقص. هو الأول والأخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]، وقال: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27].
وفي الآية ابطال سبيل المشركين الذين اشركوا بالله وجعلوا معه آلهة. وفيها اثبات القيوم لله عز وجل لقوله: القيوم، وهو الوصف الذي ليس لمخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره، فنحن محتاجون إلى العمال، والعمال محتاجون إلينا، الرجال يحتاجون إلى النساء، والنساء يحتاج للرجال، نحن نحتاج إلى الأولاد وأولادنا يحتاجون إلينا، نحن نحتاج إلى المال، والمال في حفظي وتنميته يحتاج إلى جودنا، لكن كل شيء يحتاج إلى الله.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]، غني عن جميع خلقه. وما من أحد يكون قائما على غيره في جميع الأحوال، لكن كل أحد قائم على الله في جميع الأحوال، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: 33]، فلا أحد سواه قائم على كل نفس بما كسبت إلا هو سبحانه.
وفي الآية حاجة المخلوق إلى الخالق لقيومية تعالى على خلقه وهو القائم على كل نفس والمخلوق لا يقوم بنفسه بل هو محتاج إلى غيره، فالله غني عما سواه كل شيء مفتقر إليه.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7] وقوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: 40] فأثبت أنه ينصر؟ يعني ما معنى تنصر الله وهل الله يحتاج إلى نصر؟
فالجواب أن المراد بنصره تعالى نصر دينه، والله لا يحتاج إلى نصر أحد ولا إلى رزق من أحد. ولذلك الحي القيوم هو عز وجل يقوم بخلقه ولا يقومون إلا به، وذلك يجب أن نفهم أن تقرض الله والفهم الصحيح نحن المستفيدون.
والله تعالى لن ينال الله لحومها ولا دماؤها في الأضاحي الهدي ولكن يناله التقوى منكم. نحن نذبح لله على اسمه، لكنه لا يستفيد تعالى منها شيئا، نحن المستفيدون.
ومنها تضمن الآية من فوائد هذه الآية العظيمة لاسم الله الأعظم الثابت في قوله: الحي القيوم. وقد ذكر هذان الاسمان الكريمان في ثلاثة مواضع من القرآن: في البقرة في آية الكرسي هذه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، وفي آل عمران: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]، وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: 111].
قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى، تضمن معاني جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في الحي، وصفة الاحسان والسلطان في القيوم.
ومن فوائد الآية أن الله لا يلحقه نقص ولا يعتريه نقص لكمال حياته وقيوميته؛ فقال في الآية: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]. ومعلوم أن صفات الله المذكورة في الكتاب والسنة على نوعين: الصفات المثبتة، وهناك صفات منفية عنه.
والإيمان بالصفات المنفية يتضمن شيئين: أحدهما الإيمان بانتفاء الصفة المذكورة، لا سنة ولا نوم، والثاني إثبات كمال الضد؛ لأن الكمال قد يطلق باعتبار الأغلب الأكثر وإن كان يرد عليه النقص من بعض الوجوه، لكن إذا نفي النقص فمعناه أن الكمال كمال مطلق لا يرد عليه نقص أبدا بوجه من الوجوه.
الوجوه، فإذا قيل مثلا عن بشر فلان كريم، قد يراد به أنه كريم في الأغلب. فان قيل: كريم لا يبخل أبدا، علم أن كرمه كامل ولا يحصل منه بخل البتة، وفي جميع الحالات هو كريم.
هذا المعنى موجود في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، فهذا النفي يدل على كمال الحياة والقيومية. ومن فوائد الآية إثبات الصفات المنفية في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، وفي قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. والصفات المنفية هي ما نفاه الله عن نفسه، ويتضمن إثبات كمال الضد؛ فإذا قال: لا يظلم، ففيه إثبات كمال العدل، وهكذا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا تعظيمه وخشيته في الغيب والشهادة.
نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله. ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوته؛ إما لبِرّه أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير، يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي -وأنا غلام- فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذن؛ فإني لا أشهَدُ على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر وأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمّت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
الحمد لله، عودة إليكم مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ونحن في فوائد آية الكرسي؛ أعظم آية في كتاب الله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 255]. يستفاد من الآية عموم ملك الله، ويتفرع عن كون الملك لله أننا لا يجوز أن نتصرف في ملكه إلا بما يرضاه. ما دام الملك الكامل له، فنحن عندما يؤتينا مالا وعندما ينعم علينا ويبيح لنا، فلا يصح لنا أن نتصرف في ملكه إلا باذنه وبما يرضيه.
له ما في السماوات وما في الأرض، ملكه تام، وملكنا ناقص. لو ملكنا نحن، ماذا كنا قبل أن نملك؟ معدمين من هذا الشيء. وماذا سيلحق تملكنا؟ سيلحقه فناء، موتنا نحن؛ يعني إما أن يموت المالك، أو يفنى هذا المملوك الممتلك. ومن فوائد الآية أن الحكم الشرعي بين الناس والفصل بينهم يجب أن يكون مستنداً على حكم الله؛ ما دام له ما في السماوات وما في الأرض فالحكم له، فلا يجوز للبشر أن يتخذوا قوانين وضعية مصادمة لأحكامه بغير إذنه، وهذا نوع من الشرك؛ الشرك في الحكم، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]؛ لأن الملك لله، ومن ملك الشيء حكم فيه.
ومن فوائد الآية تسلية أهل المصائب والتذكير بالرضا بقضاء الله عز وجل وقدره؛ لأن من علم أن الملك لله -الملك في الناس، في أموال.. إلى آخره- رضي بقضاء الله وسلم إذا أنزل تعالى في ملكه أمرا من نقص أو أخذ. ولهذا كان في تعزية النبي صلى الله عليه وسلم لابنته: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» رواه البخاري ومسلم. إذن من أيقن أن الملك لله لن يعترض على شيء أخذه الله من ملكه؛ من نفس، أو مال، أو ثمرة. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 155] وهو الذي يملكها عز وجل؛ يعطي منها ما يشاء، ويأخذ منها ما يشاء سبحانه وتعالى.
وفي الآية تحريم الإعجاب والخيلاء بما يملكه الإنسان من الأشياء بحيث يطغى، فيقال له: أنت مزهو، تختال وتتكبر بماذا؟ بما أعطاك الله من ملكه، بما أذن لك في التصرف فيه من ملكه، بما ملكك إياه تمليكاً مؤقتاً مسبوقاً -ما كنت تملكه أصلاً- وملحوقاً بفنائك أو فنائه، تختال على أي شيء؟ ومنها اختصاص الله تعالى بهذا الملك. طيب، هذا الاختصاص من أين يؤخذ؟ من نكتة بديعة في اللغة: ﴿له ما في السماوات﴾؛ ماذا حصل هنا؟ تقديم الخبر. أصل الجمله: "ما في السماوات له"، لكن قدم الخبر: ﴿له ما في السموات﴾، هذا التقديم يفيد الحصر؛ لأن القاعدة تقول: "تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر".
ومنها إثبات أن السماوات متعددة لقوله تعالى: ﴿السماوات﴾، وكونها سبعاً يؤخذ من دليل آخر. قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، نأخذ كمال سلطان الله، وهذا غير عموم الملك، لكن إذا انضمت قوة السلطان إلى عموم الملك صار ذلك أكمل وأعلى. يعني لله المثل الأعلى: بعض البشر يملك ولا يستطيع التصرف في ملكه؛ يعني هو يملك لكن ما عنده سلطان، الله يملك ويتصرف؛ ملك وسلطان سبحانه.
ومنها إثبات الشفاعة بإذن الله، أي بأمره، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وإلا لما صح هذا الاستثناء. ومن شروط إذن الله في الشفاعة -كما قلنا- رضا الله عن الشافع وعن المشفوع له. قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26] وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: 28].
في الآية رد على الخوارج والمعتزلة في إثبات الشفاعة؛ لأن الخوارج والمعتزلة -كما قلنا- ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر، لأن المذهب الفاسد لديهم أن فاعل الكبيرة مخلد في النار لا تنفع فيه الشفاعة. وفيها الرد على من يلجأ إلى المقبورين والأموات ويسألونهم الحاجات ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وما أدراهم أن لهؤلاء شفاعة عند الله، وأن الله سياذن لهم في الشفاعة؟! وفيها تحذير من يتكل في نجاته يوم القيامة على شفاعة غيره، وهذا يوجد عند بعض المتصوفة والمغترين؛ يقول: خلاص ما دام آمنا بشفاعته ونسأله الشفاعة ونرجو، فنحن نعمل ما نشاء!
وأما قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]، فنأخذ -كما قلنا- إثبات علم الله وأنه عام في الماضي والحاضر والمستقبل، والرد على القدرية الغلاة لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. القدرية الغلاة ينكرون علم الله بأفعال خلقه إلا إذا وقعت، تعالى الله عن قولهم! قالوا -يعني-: كيف نقول إنه علم مسبقاً بوقوع أشيام محرمة ولماذا لم يمنعها؟ نقول: وماذا تقولون إذاً في علمه؟ يقولون: لا يعلم إلا عند حصولها! سبحان الله، فررتم من شيء فوقعت فيما هو أسوأ منه بكثير؛ اتهمتم الله بالجهل، بأنه لا يعلم بالشيء إلا إذا حصل! أفلا قلتم: قد علم، ولكن شاء أن يحصل لحكمة الابتلاء، أما فهمتم من اسمه الحكيم وأنه يفعل ما يشاء سبحانه لا يُسأل عما يفعل؟ ألا تعلمون أنه ما خلق إبيس إلا لحكمة؟ سبحان الله! إذن رد على غلاه القدرية.
ومنها أن الله عز وجل لا يُحاط به علماً، كما لا يُحاط به سمعاً ولا بصراً، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103] و﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]. وأننا لا نعلم شيئاً عن معلوماته التي يعلمها إلا ما أخبرنا به وأعلمنا إياه، لأنه قال في الآية: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. وهذا على أحد الوجهين في تفسير الآية؛ فقد قلنا إن قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ لها معنيان: لا يُحيطون بشيء من علم نفسه، ولا يُحيطون بشيء من معلومه سبحانه.
ومنها تحريم تكييف صفات الله. لها كيفية، لكن نحن لا نعلمها، فلا يجوز أن نخترعم كيفية لم يخبرنا ربنا عنها. وإذا ما أعلمنا بكيفية صفاته فإن ادعاءنا لشيء في ذلك قول على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم من أكبر الكبائر. وفي الآية رد على الممثلة وطبعاً المشبهة الذين يمثلون الله بمخلوق أو بشيء أو يشبهون الله بشيء من المخلوقات؛ لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
ومنها إثبات مشيئة الله لقوله: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]. وأما قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255]، ففي ذلك عظم الكرسي وعظمة خالق الكرسي؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظمة خالقه.
ومنها كفر من أنكر السماوات وأنكر الكرسي؛ لأن هذا يستلزم تكذيب خبر الله. وطبعاً لو قال واحد من الذي ينكر السماوات؟ هذا حصل في كلام بعض الفلاسفة، يقولون: ما فوقنا فضاء لا نهاية له ولا حدود، وما في إلا نجوم لكن سماوات ما في. طيب، ﴿وَرَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَجْهَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 28-29] وجعلها أبواباً، وفي كل سماء أهل من الملائكة أهلها. إنكار أي شيء يخبر الله به كفر، سواء اخترعه شخص -يعني قال من عنده هذا الإنكار- أو صدق من أنكر، بشرط أن يكون عالماً بالحق واتضح لديه ما أخبر الله به.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]، ففيه إثبات قوة الله وأنه لا يثقل عليه شيء سبحانه، وحفظ السماوات والأرض يسير عنده، يسير عليه. وهذا من الصفات المنفية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38]، نفي التعب عن الله، لا يثقل عليه، نفي المشقة عنه سبحانه وتعالى. ومنها إثبات ما تضمنه هذه الجمله: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، وهي العلم والقدرة والحياة والرحمة والحكمة والقوة، هذه كلها تتضمنها جملة: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
ومنها أن السماوات والأرض تحتاجان إلى حفظ الله لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، ولولا حفظ الله لهما لفسدتا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 41]، يعني لا يمسكه أحد من بعده، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: 41]. نسأل الله أن يجعلنا من أهل عفوه، إنه سميع مجيب، ونعود إليكم بعد قليل إن شاء الله.
البيهقي هو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، الإمام الحافظ المحدث الفقيه صاحب السنن الكبرى. ومن مصنفاته أيضاً: معرفة السنن والآثار، ودلائل النبوة، وشعب الإيمان، ومناقب الشافعي وغيرها. قيل في حقه: ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منه، إلا أبا بكر البيهقي فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه. توفي رحمه الله سنة ثمان وخمسمائة من الهجرة.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم. فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم. قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبنائهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم.
قال الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب؛ وذلك حتى يتاكد من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بآدابه، فيظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والآداب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالاخلاق والأدب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
الحمد لله، مرحبا بكم أيها الاخوة والأخوات. الجملة الأخيرة من الجمل العشر في هذه الآية وهي: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]، فيها إثبات علو الله تعالى. والعلي صفة تدل على الثبوت والاستمرار. ومن فوائد هذه الجمله الرد على الحلولية الذين يقولون إن الله حل في المخلوقات ويخالط المخلوقات. نقول: هو العلي، عالي عليها، وهو فوقها سبحانه على عرشه، بائن منفصل من خلقه، لم يحل بهم، لا يخالطهم بذاته، بل علمه معهم، وهو معهم أينما كانوا بعلمه، أما بذاته فانه على عرشه فوقهم، فوق سماواته، فوق عرشه سبحانه.
الحلولية والعياذ بالله قالوا: ليس بعال على خلقه، بل هو في كل مكان، ولم يخل منه حتى الحشوش وحتى الاماكن المستقذرة، تعالى الله عن قولهم الباطل. المعطلة النفاة -قالوا يعني حتى لا يقع فيما وقع فيه أولئك- وقعوا في مصيبة أخرى وبدعة أخرى، قالوا: لا يوصف بعلو ولا سفل، ولا يمين ولا شمال، ولا اتصال ولا انفصال. ولذلك إذا أرادوا الحديث عن إلههم ماذا يقولون؟ يقول: هكذا ينزهون الله، لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا قدام ولا وراء، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه. نقول: ما هذا؟ هذا هو العدم المحض، لو أردت أن تصف العدم ما وجدت أبلغ من هذه العبارات وهذا الوصف. ليش؟ لماذا لا تثبت ما أثبته الله لنفسه أنه علي على خلقه؟ أين الله؟ قالت في السماء. فوق السماوات، السماء في اللغة جهة العلو، كل ما علاك فهو سماء، في السماء يعني في العلو، فوق السماوات وفوق العرش.
إذاً الله عز وجل بائن من خلقه، منفصل عنهم، غير مخالط لهم ولا حال بهم سبحانه ولا حال فيهم سبحانه، لا تحيط به المخلوقات. فإن قيل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186] نقول: نعم، قريب منهم بعلمه وعنايته، وهو سبحانه وتعالى قريب بالإجابة، يسأل فيعطي، يسمع مباشرة، قريب منهم يسمع نداءهم، وليس يعني أنه مخالط لهم.
ومنها التحذير من الطغيان على الغير. من أين ناخذها؟ من هذه الجملة الأخيرة في قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. ولذلك ذكر الله الأزواج إذا قادت الزوجات إليهن واطاع النساء أزواجهن أن لا يبغي الزوج على الزوجه التي رجعت إليه وأطاعته، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34].
فإذا أردت أن تتعالى فتذكر أن الله أعل منك، وإذا أردت أن تطغى فتذكر أن الله أقوى منك، وهو العلي العظيم، فيها موعظة لأهل الظلم والطغيان بأن الله علي عظيم قادر على الانتقام منهم.
عظيم، من عرف علوه وعظمته أخبثوا له وتواضعوا. لما نزل قول الله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ اجعلوها في سجودكم. حسن النووي رحمه الله، يقول ابن القيم رحمه الله: وصف الرب بالعلو في هذه الحال -يعني في السجود- في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه، فذكر علو ربه في حال سقوطه.
ومن عرف علو الله خضع لأوامره واذعن لأحكامه وشرعه، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.
ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا. سمعنا وأطعنا، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً. ما هي حال الملائكة؟ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون.
من عرف علو الله فليحذر من العلو في الأرض بغير الحق والفساد فيها، ويتجنب ظلم العباد والغطرسة. الحق، ماذا فعل الله بهم؟ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين.
وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى يهدد وهو العلي العظيم، يهدد كل من بغى وطغى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإخلاص والتدبر في كتابه والتواضع لخلقه والثبات على دينه، وأن يحسن خاتمتنا إنه سميع مجيب كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، تريده سهلاً نوالاً ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صاف صافي ليروي غلة الظمآن. هذا كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن. بشرى نازه أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد