تسجيل الدخول

الدرس 11 - من حديث 517 إلى 569

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وبعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

أهلاً وسهلاً ومرحباً بالمتابعين الكرام، هذا هو الدرس العاشر من اجتماعنا على قراءة مختصر الإمام البخاري مختصر صحيح البخاري للزبيدي أو الزبيدي على خلاف في ضبط اسمه.

وقد وصلنا بحمد الله تبارك وتعالى إلى أبواب صلاة الخوف، وسبق أن ذكرت لكم أن طالب العلم في دراسته لمثل هذه المصنفات من أهم ما يعتني به أن يعرف كتب الإسلام، يعني أن يعرف أبواب دين الإسلام. سبق معنا بدء الوحي، والعلم، والإيمان، والعلم، والطهارة وما فيها من أبواب، ثم الصلاة، وقد وصلنا بحمد الله إلى أبواب صلاة الخوف.

تفضل يا أسامة. كتاب صلاة الخوف. باب صلاة الخوف. عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فوازانا العدو فصاففنا لهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي لنا، قامت طائفة معه تصلي وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا.

كانت طائفتي التي لم تصلي فجاؤوا، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ركعة وسجد سجدتين، ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين.

نعم، أبواب صلاة الخوف. أول ما أحب أن ينبه الوالد الكريم عليه ولده، أو الإمام في المسجد، أو المعلم؛ أنبه أن الله تبارك وتعالى لم يترك الإنسان سدى. الله تبارك وتعالى كما أنه خلق وله في عبده أمر، فكذلك له هداية تبارك وتعالى. الله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ودين الإسلام دين تام، دين كامل.

الله تبارك وتعالى لم يترك عبده المسلم بلا هداية في أي حال من أحواله، وهذا ما ذكره الشافعي رحمه الله في بداية كتاب الرسالة، وهذه الجملة كثيراً ما أكررها لأن هذه الجملة تأسيسية في دين الإسلام. قال الشافعي رحمه الله: وليست تنزل بأحد من أهل دين الإسلام نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها.

هذا معناه له أكثر من دلالة؛ الدلالة الأولى: أن الله تبارك وتعالى كما أن له الخلق فله الأمر، وكذلك عليه الهداية. والعبد المسلم كما يقول: إياك نعبد وإياك نستعين، فإنه كذلك يقول: اهدنا الصراط المستقيم.

والله تبارك وتعالى له فيك أمر وله هداية سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى كما أنه ذكر حال المؤمن في حال الأمن والسعة والاطمئنان، فإنه ذكر حاله في وقت الخوف. والله تبارك وتعالى عظم شأن الصلاة، والله سبحانه وتعالى ذكر كما في القرآن ذكر الأنبياء الكرام في سورة مريم، ثم ختم هذه السورة بأنهم خروا سجداً وبكياً.

ثم قال: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً. والله سبحانه وتعالى عظم شأن الصلاة، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

ولما ذكر الله تبارك وتعالى حال الكفار وما دخلوا به النار كما في سورة المدثر: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 43]. إذاً، الصلاة من أعظم عبادات الإسلام، وقد بني عليه الإسلام.

كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة. فأول ما ينبغي، أو عموماً أول ما ينبغي أن يبينه الوالد لولده، أو المعلم لمن يعلمهم، أو المربي؛ أن يبين لهم أن ربهم تبارك وتعالى له الخلق والأمر، وأن يبين لهم عظم قدر الصلاة في دين الإسلام.

الصلاة لا يحل لعبد أن يتركها، لا في مرض، ولا ضيق، ولا خوف، ولا سفر، ولا حضر. فالصلاة هي شريعة، ولكن لابد للعبد أن يتعلم فقه كل وقت؛ فصلاتك عندك صلاة الخوف، وعندك صلاة الاستسقاء، وعندك صلاة الكسوف، وهذا ما سيأتي معنا إن شاء الله تبارك وتعالى في هذا الكتاب.

أبواب صلاة الخوف. الخوف حال بخلاف الاطمئنان أو الأمن، ويكون الخوف إما من عدو متربص، يعني كل ما يخاف منه؛ مثلاً عدو في القتال، أو قاطع طريق، أو أسد، أو نمر، يعني كل ما يخشى منه، وكل حال يجعلك غير آمن في أداء الصلاة؛ لأن الصلاة لها صفة، والله سبحانه وتعالى ذكر هذه الصفة، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

في هذا الحال الذي هي أبواب الصلاة، عندنا حالات في القتال: أما أن نكون في حال المواجهة مع العدو، أو نكون طالبين للعدو، يعني في سيرنا للعدو. والبخاري رحمه الله ذكر أبواباً كثيرة، ولكن المختصر هنا اكتفى بثلاثة أبواب.

طبعا هناك تفاصيل كثيرة، أحب أن أنبه على هذا المعنى يا شباب أننا في هذا الكتاب نذكر الأحاديث مختصرة، والتعليقات كذلك مختصرة؛ بحيث يكون عندك دراسة أفقية لهذه الأبواب، ومن أراد التوسع يرجع إلى جمع الأدلة والآيات والأحاديث في الباب، ومن كتب يدرسها من كتب السنن وكذلك من كتب الفقه.

في هذا الحديث عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فوازينا، يعني واجهنا أو قابلنا، يعني كان العدو في مواجهة المسلمين. قال: فوازينا العدو فصاففنا لهم، يعني صاروا صفوفاً، اجتمعوا على إمام واحد في جماعة واحدة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي لنا. لاحظ أنهم صلوا جماعة في وقت الخوف.

فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، يعني وجاه العدو. طبعا بيختلف صلاة الخوف أن يكون العدو بينك وبين القبلة، أو أن يكون العدو من خلفك وتكون القبلة في غير جهة العدو. كل هذا له حالات، والذي يهمنا في هذا الأمر ثلاثة أشياء:

الامر الأول: أن الله تبارك وتعالى لم يجعل الخوف سببا في ترك الصلاة في وقتها؛ لأن أعظم معنى في الصلاة هو الوقت، لذلك مثل إنسان إذا كان فاقدا للماء فانه يصلي متيمما، واذا كان فاقدا للطهورين الماء والتراب فانه يصلي على حاله، واضح؟ عند كثير من الفقهاء وإلا ففي مسألة خلاف. المهم أن أعظم ما يراعى في الصلاة هو الوقت، لذلك الامام مالك قدم كتاب الموطأ بوقوت الصلاة، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].

يبقى هذا هو الأمر الأول هو تعظيم قدر الصلاة. والامر الثاني في مسألة صلاة الخوف أن صلاة الخوف ليست محصورة في الخوف من العبد، وإنما يدخل فيها الخوف من قاطع الطريق، أو الخوف من الأسد، أو النمر، أو أي حيوان مفترس، أو أي شيء يخشى منه، يعني لا تكون فيه آمنا.

الأمر الثالث: أن المراد من صلاة الخوف هو ألا يخدع العدو المسلمين، يعني أن يكون المسلم في احتياط من أمره، ألا يكون سهلاً أن يهجم عليه العدو وهو لا ينتبه لذلك. فمن هنا خفف الله تبارك وتعالى عنا في ذلك، فهذا الذي يذكر في صفة هذه الصلاة هو صورة من صور صلاة الخوف، ليس هو الصورة الوحيدة لصلاة الخوف، وسبق أن درسنا صوراً من صلاة الخوف وردت في كتاب الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله.

قال فقامت طائفة معه. يبقى طائفة صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم، والطائفة الاخرى لم تصلي. وطبعا اصل صلاة الخوف ذكرت في القرآن وكنت احب من المختصر ان يذكر الايات كما ذكرها البخاري ولكنه اقتصر على الاحاديث.

والبخاري رحمه الله ارى انه اقتدى بالشافعي رحمه الله في كتاب الام. الشافعي في كتاب الام لا يترك بابا من ابواب الدين وفيه اية او حتى لو كانت الاية تدل من وجه بعيد على المعنى لابد ان يبدأ بالقرآن ليبين ان اصل الهدى في كل باب من ابواب الدين هو كتاب الله. وطبعا عندنا ذكرت صلاة الخوف في سورة النساء.

قال فقامت طائفة معه واقبلت طائفة على العدو يعني كانت تجاه العدو. وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه وسجد سجدتين. يعني النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعة واحدة ثم انصرف. يعني الطائفة التي كانت معه صرفت لتكون مقابلا للعدو.

وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل. يعني اريد منك ان تتصور هذه الصلاة، فجاؤوا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ركعة وسجدا سجدتين. اذا عندنا كل طائفة صلت ركعة واحدة والنبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ثم سلم، كده انتهت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.

فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين. طبعا الامام الشافعي رأى ان الصلاة على هذه الصفة ليست هي اتم الصلوات، وانها تكون في بعض الحالات، والسبب في ذلك ان بعد صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ستكون كلتا الطائفتين تصلي فيكون من الذي يحرس المسلمين حينئذ.

لكنه عموما صحح هذه كاحدى صفات صلوات الخوف. اذا عندنا الصفة تختلف باختلاف الملابسات واحوال المسلمين من الاعداء. قال ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين. اذا هذه صورة احدى صور صلاة الخوف.

وفي عندنا فوائد من هذا الحديث، الفائدة الاولى كما قلنا ان الصلاة لا تسقط حال الخوف، بل صلاة الجماعة كذلك لا تسقط. والامر الثاني ان المراد من هذه الصلاة هو الانتباه للعدو اثناء الحرب حتى حال الصلاة. والامر الذي بعد ذلك ان صلاة الخوف تختلف صفاتها باختلاف ملابسات من تخاف منه او من تخشاه. اتفضل اكمل يا اسامة.

باب صلاة الخوف رجالا وركبانا. عن ابن عمر رضي الله عنهما في رواية قال عن النبي صلى الله عليه وسلم وان كانوا اكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا. نعم تمام بارك الله فيك. هنا تكلم عن باب صلاة الخوف رجالا. رجالا جمع راجل يعني مشاة، يعني هو واقف على رجليه. وركبان يعني راكب على البعير او على الخيل. يبقى لاحظ الصفة الاولى.

الصفة الاولى هي ان هو يكون واقف يعني الصلاة المعروفة. لكن في الصفة الثانية رجالا او ركبانا يعني تختلف الصلاة باختلاف الحال. قال وعنه يعني عن عبدالله بن عمر في رواية لنفس الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وان كانوا اكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا.

يعني يصلي على حاله في وقته بحسب الامكان. وفي صحيح مسلم قال ابن عمر بعد ما ذكر نفس هذا الحديث قال فان كان خوف اكثر من ذلك يعني اذا كان الخوف ابلغ من ذلك فصلي راكبا او قائما تومئ ايماء. تمام فهذا اللفظ اظنه يفسر هذه الرواية، لانه قال وان كانوا اكثر من ذلك الرواية الاصح والله اعلم هي وان كان فاذا كان خوف اكثر من ذلك.

فهو لا يتكلم هنا عن عدد المصلين وانما يتكلم عن الخوف يعني قدر الخوف. فهذا فيه طبعا كما قلنا عدم سقوط الصلاة في اي حال وان يراعى فيها وقتها. والامر الثاني جواز صلاة الخوف على الدابة، وطبعا ما يدخل فيها سواء كان السيارة او الطائرة او غير ذلك مما لا يتمكن فيه المسلم من الصلاة على الارض. اكمل.

باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وايماء. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الاحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». فادرك بعضهم العصر في الطريق. فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم.

في الحديث الفائت اللي هو خمسمية واربعة عشر. في رواية عند البخاري في كتاب التفسير ارى ان هذه الرواية متممة، وفي رأيي ان المختصر لهذا الكتاب كأنه يذكر الروايات بالدور وعنده يعني اذا كان سيقتصر على رواية واحدة فكان الاولى ان يذكر هذه الرواية اللي فيها فاذا كان خوف هو اشد من ذلك صلوا رجالا قياما على اقدامهم او ركبان مستقبلي القبلة او غير مستقبليها.

قال مالك قال نافع لا ارى عبدالله بن عمر ذكر ذلك الا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني جعل ذلك كأنه حديث مرفوع لان حصل خلاف هل هذا من كلام عبدالله بن عمر فيكون موقوفا عليه اجتهادا منه او هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا احب ان اذكر هذه الفائدة، اذا كان عندنا حديث فيه اكثر من رواية وانت تريد ان تذكر رواية واحدة ان تأتي باللفظ التام الكامل افضل.

لكن هنا الرواية التي ذكرها المختصر رحمه الله لا ارى انها من حيث اللفظ او من حيث التمام لا ارى انها تعبر عن الباب، بخلاف الرواية التي في كتاب التفسير. طيب هذا الباب الثالث في ابواب صلاة الخوف صلاة الطالب. يعني انت الطالب، انت الملاحق للعدو تطلب ادراك العدو وهو الذي يفر منك. احنا عندنا حالتان: ان تكون وجاه العدو او ان يكون طالبا لك او ان تكون طالبا له، هذه الحالات.

يبقى انت طالب والمطلوب اللي هو العدو راكبا وايماء، يعني كيفما تيسر على الحالة التي تتيسر لك. قال وعنه يعني عن عبدالله بن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الاحزاب غزوة الاحزاب. وطبعا بعد ما هزم الاحزاب النبي صلى الله عليه وسلم طلب محاصرة بني قريظة اليهود يعني وكانوا قد اخلفوا العهد.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». طبعا في خلاف في الروايات العصر او الظهر، يعني في الروايات بعض الروايات تقول للعصر او الظهر، واظن ان هذا الخلاف لا يؤثر على فقه الحديث ولكن الرواية الاقرب والله اعلم هي الظهر.

قال فادرك بعضهم العصر في الطريق، يعني العصر دخل وقته وهم في الطريق لم يصلوا الى بني قريظة. فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، يعني هم حصل عندهم خلاف. وهذا يؤكد ان نفس الكلام يكون واحدا ويختلف فهم المراد منه.

بعضهم ظن هل النبي صلى الله عليه وسلم يريد يطلب منهم الاسراع تمام؟ قال لهم لا يصلين احد العصر او الظهر على خلاف في الرواية الا في بني قريظة ام انه بالفعل اراد منهم الا يصلوا الا في بني قريظة في اي وقت وصلوا؟ فبعضهم قال لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك.

يعني قالوا ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد منا ان احنا لا نصلي العصر الا فيها، وانما قصد الاسراع. فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، اذا حصل منهم اختلاف، حصل منهم اختلاف فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعنف احدا. وهذا من اهم الاحاديث في اختلاف الصحابة رضي الله عنهم وان الكلام يكون واحدا ومن متكلم واحد.

واحد ويختلف في فهمه. وجه الشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنف من آخر الصلاة اجتهاداً منه أن ذلك مراده، ولا الطائفة الأولى، فمن صلى في الوقت الذي صلى في الوقت واضح أن هو صلى راكباً وهذا هو وجه استدلال البخاري أنه كان في طريقه، يعني كان طالبا فكان في طريقه فصلى راكباً. وطبعا إذا صلى راكباً فسيصلي إيماء بلا شك، يعني لن يركع ولن يسجد وإنما سيومئ، فهذا هو وجه استدلال الإمام عليه رحمة الله.

طبعا جاء حديث آخر في سنن أبي داود عن عبدالله بن عبدالله بن أنيس الجهني في الصلاة إيماء وهو يمشي ويصلي، يعني هذا ورد، ولكن هذه أظن أن البخاري لم يذكره لأنه لم يصح على شرطه. أظن بهذا انتهى باب صلاة الخوف، ندخل في الباب الذي بعده، اتفضل.

باب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما. فلما غفل غمزتهما فخرجتَا».

هذا أيضا من الأمور المهمة التي يبينها الوالد لولده أن الله تبارك وتعالى جعل لنا عيدين، وتلاحظ أن كل عيد منهما بعد عبادة؛ أو بعد عبادة الحج، عبادة الصيام بعدها عيد الفطر وهو من أعظم ما بني عليه الإسلام الصيام، وكذلك عبادة الحج بعدها طبعا عيد الأضحى أو في في أثنائها يكون عيد الأضحى. عيد الفطر وعيد الأضحى هما عيد أهل الإسلام، يكون فيهما فرح وطاعة وصلة للأرحام وذكر الله تبارك وتعالى وتكبير الله تبارك وتعالى.

احنا عندنا الصلوات الخمس، وفي عندنا صلوات مستحبة مثل صلاة الوتر وقيام الليل والضحى وصلاة العيدين، وعندنا صلوات لها أوقات مثل الكسوف ومثل الاستسقاء، فهذا مهم أن يعرفه الوالد وأن يعرفه كذلك الإمام ليعلم الناس فقه كل مناسبة.

أحب أن أنبه هنا في مسألة العيدين بأن الوالد الكريم مهم أن ينبه ولده على هذا، وهو أن ينبهه على أعياد المسلمين؛ المسلمون لهم أعياد ولا يحل للمسلم أن يحتفل بأعياد غير المسلمين، لا سيما أن هذه الأعياد تكون مرتبطة بمناسبات دينية تخالف دين الإسلام، مثل العيد المسمى برأس السنة أو عيد شم النسيم، كل هذا له مناسبات لا يشرع للمؤمن أن يحتفل معهم فيها.

من المخالفات أيضا أن كثيرا من المسلمين يحتفلوا بعيد الإسلام؛ عيد الفطر أو عيد الأضحى بشرب الخمر أو بمظاهر من الفواحش أو نحو ذلك، فهذا لا يعد احتفالا يرضي الله تبارك وتعالى. في هذا الحديث بيان ما يرخص فيه يوم العيد من اللعب والفرح والتسلية، ومن الأمور التي أحب من الوالد أن يعلمها ولده أن يعلمه كيف يلعب كيف يفرح، لأن كثيرا من الناس يهمل ذلك عند ولده، مثلا ولده عنده فترة في اليوم يريد أن يتسلى فيها فهو لا يهتم ما الذي يتسلى به الولد.

الصواب أن تجعل ولدك يعلم كيف يتسلى، ممكن مثلا يتسلى بما فيه مهارة: صناعة، زراعة، قراءة، لعبة، وأنه كذلك لا يسرف في المباح، هذا أمر خطير جدا يقع فيه المسلم أو يقع فيه الشباب كثيرا والأبناء، أن هو يظن أنه ما دام الأمر مباحا يفعله. وأنا كتبت منشورا عن هذه الفكرة، رأيت بعض الشباب يتمرن ثلاث تمرينات في اليوم في الجيم، يعني بيروح الجيم ثلاث تمرينات وباقي اليوم نايم ما بيعملش حاجة، لأنه طبعا مش هتقدر حياته.

فلأ، في فرق بين أنك أنت تأخذ من هذه الأشياء بقدر ما تعيش، تهتم بشكلك، تهتم بلبسك، تهتم بمنزلك، بنظافتك، برائحتك، بالنادي، باللياقة، لكن كل هذا بقدر، وكل هذا ليخدم المشاريع النافعة، أن تطور نفسك في عملك، أن تحافظ على صلوات الجماعة، أن تحافظ على السنن، أن تحافظ على عائلتك وأن تعلمهم وأن تتعلم شيئا، أن تحفظ القرآن، أن تطلب العلم. فلابد أن تفرق بين الوسائل ثم الغايات والأهداف مراتب، والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن ندعو بهذا الدعاء: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي». فلا يحل لإنسان أن يضيع عصمة أمره لينظر إلى كماليات معاشه، فهذا أمر مهم جدا.

إذن كتاب العيدين يقصد به فقه العيدين، وهذا مهم أنك أنت تتعلم فقه هذه المناسبة، فقه الجمعة، فقه العيدين، وكل عيد له فقهه، فقه الصلوات: صلاة العيد، صلاة الكسوف، صلاة الاستسقاء، صلاة الخوف، كل هذا له فقه. الله سبحانه وتعالى لم يتركنا سدى ولم يتركنا بلا هداية تبارك وتعالى.

قال باب الحراب، الحراب اللي هي مفردها حربة وهي تستعمل في الحرب، والدرق وهذه مفردها درقة وهي عاملة زي الترس من الجلد. قال عن عائشة قال يوم يوم العيد، كأنه يباح يعني: عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان، يعني بنت لم تبلغ، عندها بنتان لم تبلغا تغنيان بغناء بعاث. بغناء بعاث يعني قيل إن هو هذا كأنه يوم من أيام الحروب وفيه أشعار فيها قبائل قتال بين القبائل ونحو ذلك، حرب كانت مشهورة بين الأوس والخزرج قبل الهجرة.

قالت: فاضطجع على الفراش وحول وجهه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم حول وجهه، لم ينظر إلى الجاريتين وهما تغنيان، قالت: وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني كأن هذا كان معروفا بهذا اللقب، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما. النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يترك الجاريتين تغنيان هذا الغناء. فلما غفل غمزتهما عائشة هي التي تقول هذا. وفي رواية جاءت: وعندي جاريتان ليستا بمغنيتين، يعني مش شغلتهم الغناء.

طيب نرجع تاني للرواية فقال: دعهما. فلما غفل غمزتهما عائشة غمزت الجاريتين فخرجتا، يعني خرجت الجاريتان. في رواية جاءت: وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقالت: نعم، فأقامني وراءه، خده على خدي وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة». يعني كأنه يقول باللعب؛ عليكم باللعب الذي أنتم فيه، يعني أبقوا كما أنتم.

قالت عائشة: حتى مللت، يعني خلاص عائشة رضي الله عنها خلاص نظرت وانتهى الامر، قال: حسبك؟ يعني خلاص انتهيتي؟ قالت: نعم، قال: فاذهبي. ففي هذا الحديث بيان ما يجوز أو ما يرخص فيه يوم العيد من اللعب والفرح والتسلية، ولا يصح أبدا أن يؤخذ من هذا الحديث جواز الغناء بكل صوره، بل يبقى هذا الحديث مقيداً، والذي يجعل هذا الحديث حجة على كل ما مثلا الحفلات التي فيها مجون أو رقص أو نحو ذلك من المنكر فقد كذب.

لأن الكذب ليس فقط في نسبة الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يقله لك، ولكن كذلك الكذب في التفسير، ومن أعظم الكذب الكذب في تفسير القرآن أو شرح الأحاديث، فالذي استدل بآية على غير ما نزلت له أو على غير ما تدل عليه، أو استدل بحديث على غير ما يدل عليه فقد كذب تماما كما يكذب من ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل. طيب أكمل يا أسامة.

باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. وفي رواية عنه قال: ويأكلهن وترا.

هذا متعلق بعيد الفطر. يعني هو الآن لا يتكلم عن صلاة العيدين فقط، لا، يتكلم عن فقه أو السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين. أنا أريد منك أن تتخيل مسلما يحرص على جمع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال: في نومه صلى الله عليه وسلم، وفي قيامه، وفي صلاته، وفي صيامه، ومع أهله، ومع أبنائه وبناته، ومع جيرانه، ومع أصحابه، ومع أعدائه وخصومه، ومع المنافقين.

وهذا في رأيي هو أجمل ما فعله البخاري في دين الإسلام؛ أن هو صنف هذا الكتاب وسماه هذا الاسم، والتزم بمضمونه: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. ركز في هذه الثلاثة أمور: وسننه وأيامه. والله هذه الثلاثية من أعظم ما يعيش لها المسلم؛ أن هو يعرف أن الله تبارك وتعالى له فيه أمر في كل حال من أحواله هذا أولا، ثانيا أن يطلب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال من تلك الأحوال، ثالثا أن يجاهد نفسه في العمل بها. هذا لا يكون إلا بالعلم، ويكون كذلك بتقييد هذه الأمور. أحيانا الإنسان ينسى، لكن أنت مثلا لو كلما تعلمت سنة كتبتها أمامك، اتعلمت مثلا حديث النوم، أذكار في النوم، أذكار عند رؤية المطر، أذكار مثلا عند الريح، أذكار عند في الاستسقاء، أذكار مثلا كيف نعبد الله تبارك وتعالى في حال الخوف أو في حال المرض.

والله من عاش لهذا الأمر فقد نال أعظم ما في هذه الدنيا؛ أن يعيش على هدي النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الخطبة: «أحسن الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم»، والهدي هنا هو العمل.

طيب، من سنن الفطر الأكل يوم الفطر قبل الخروج، يعني قبل الخروج إلى صلاة عيد الفطر. عن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. يبقى كما أننا تعبدنا لله تبارك وتعالى بالصيام، فإننا يستحب لنا أن نبدأ بالآية؟ بالإفطار، ولو حتى بالتمر قبل أن نذهب إلى الصلاة. وفي رواية: ويأكلهن وترا. الله سبحانه وتعالى وتر يحب الوتر، يعني يكون العدد فردي؛ ثلاثة، خمسة، سبعة، وهكذا.

طيب، أكمل باب سنة العيدين لأهل الإسلام. عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: «إن أول ما نبدأ به في اليوم هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا».

الآن هو يتكلم عن عيد الأضحى، قال: سنة العيدين لأهل الإسلام. قال عن البراء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي». لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس في كل مناسبة فقهها، فكذلك مثلا أنا أريد منه، أكيد معنا شباب منكم أئمة مساجد أو خطباء، فأرى أن الخطيب يجب قبل هذه المناسبات أن يعلمها للناس؛ في رمضان، في عيد الفطر، في عيد الأضحى، قبل الاستسقاء، في صلاة الخوف، يجب أن يكون عنده برنامج. والله أنا أعرف أئمة ليس عنده برنامج، لا يكلم الناس إلا عن مثلا التخويف من النار، أو يكلمهم مثلا أحيانا عن بر الوالدين أو عن الصدقة. لأ، لازم يكون أنت كخطيب أو إمام عندك خطة واضحة، يعني لازم ترسم أمامك أبواب دين الإسلام، تمام، وتحضر هذه الابواب بصورة تليق بالمتلقي، وتبدأ بقى توزع هذه الموضوعات على السنة، إما أنك أنت تسير مثلا بترتيب مثل كتاب البخاري أو مثلا كتاب عمدة الأحكام أو غير ذلك، تبدأ بقى أنت عندك خطة، تقول: أنا الآن، احنا اقتربنا من شهر رمضان، باقي مثلا عندنا شهران، يبقى من هنا إلى أن يأتي شهر رمضان نتكلم عما يخص شهر رمضان: الصيام، وكذلك مثلا قيام الليل، فقه رمضان وزكاة الفطر، وغير ذلك. وهكذا.

طيب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: «إن أول ما نبدأ به»، يعني إيه؟ يعني في هذا اليوم ليوم الأضحى، في يومنا هذا أن نصلي. في الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، يبقى الصلاة أولا، ثم بعد ذلك النحر، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا. يبقى طلب اصابة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إصابة السنة لا تأتي إلا بالعلم بها.

فالبخاري لما صنف هذا الكتاب أراد أن تتعلم سنن النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر من أمور حياته، فيبقى في كلمة: فقد أصاب سنتنا، ليس معناها أنك أنت يباح لك أن تفعل غير ذلك، بل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». يبقى الواجب العلم بالسنة، وثانيا اتباع هذه السنة والاستقامة عليها وألا تحدث. لذلك كان الصحابة رضي الله عنهم، كما سيأتي معنا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، كان الصحابة ينكرون على أولياء، هم الأمراء والملوك والحكام، إذا خالفوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أو في صلاة العيد أو في الخطبة أو في غير ذلك.

أكمل يوم النحر. وعنه رضي الله عنه قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى بعد الصلاة فقال: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فإنه قبل الصلاة ولا نسك له». قال أبو بردة بن نيار: قالوا البراء يا رسول الله، فإني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي فذبحت وتغديت قبل أن آتي الصلاة. قال: «شاة شاة لحم». قال يا رسول الله، فإن عندنا عناقا لنا جذعة هي أحب إلي من شاتين، افتجزي عني؟ قال: «نعم، ولن تجزي عن أحد من بعدك».

هذا البخاري رحمه الله بين في أن أول ما يبدأ به في يوم عيد الأضحى هو الصلاة، وهذا موافق للآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، ثم نرجع فننحر. هذا هو الحديث الأول، فمن فعل فقد أصاب سنتنا. طيب، من ذبح قبل الصلاة فهذه ليست أضحية، كمن عجل الصلاة قبل وقتها، فعبادة الأضحية لها وقت، زي بالضبط الحج لها وقت، والصلاة لها وقت، والصيام له وقت.

تمام، قال: وعنه، يعني عن البراء، قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى، يعني في عيد الأضحى، بعد الصلاة فقال: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا قد أصاب النسك»، يعني هذا هو هذه هي السنة، «ومن نسك قبل الصلاة»، يعني ذبح أو نحر، «فإنه قبل الصلاة ولا نسك له»، يعني إيه قبل الصلاة؟ يعني ليس نسكا، يعني هذا أكل.

تمام، فقال أبو بردة بن نيار، هذا هو خال البراء رضي الله عنه: يا رسول الله، فإني نسكت شاتي قبل الصلاة. طب ما الذي حمله على ذلك؟ وقال: وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب وأحببت أن تكون شاتي أول شيء تذبح في بيتي. يعني كان عنده نية حسنة، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم فبين له قال: فذبحت شاتي وتغديت قبل أن آتي الصلاة. قال: «شاتك شاة لحم»، يعني إيه؟ يعني ليست نسكا. فقال: يا رسول الله، فإن عندي عناقا، اللي هو أنثى ولد الماعز، جذع، يعني صغيرة، يعني تكون ستة أشهر، قال: أحب إلي من شاتين، افتجزي عني؟ يعني هو أهم حاجة أن هي هل هذه تكون أضحية؟ قال: «نعم، ولن تجزئ عن أحد بعدك».

طبعا في خلاف بين أهل العلم؛ هل هذا الحديث خاص بالصحابي الكريم، أم أنه كل من كان على مثل حاله تجزئ عنه؟ خلاف، ابن تيمية رحمه الله يرى أنه ليس هناك حكم في الشريعة يخص شخصاً بعينه، وإنما يكون هذا الحكم له ولكل من على مثل، مثلاً رضاع الكبير ومثل هذا الحديث، وتفصيل هذا له موضع آخر. النسك طبعا مفروض به، المقصود به الذبح، هذا فيه كذلك في هذا الحديث المبادرة، أن الصحابي الكريم أراد أن يبادر، أراد أن يبادر بهذا العمل، ولكن العلم بالسنة -كما قلت لكم قبل ذلك- يمنع الإنسان من الوقوع في الخطأ.

وكثير من الناس، أنا مثلاً شفت شخص بعد صلاة الفجر يصلي، من بعد صلاة الفجر إلى أن تشرق الشمس، ويتعب في هذا، فلما سألته قلت له إن هذا الوقت منهي فيه الصلاة، قال: أنا أول مرة أعرف! لأجل ذلك أنا دائماً أحث الوالدين وأحث إمام المسجد أن هو يقوم بتعليم الناس؛ لأن كثير من الناس يكون عنده نية خير لكنه يجهل السنة.

أكمل يا أسامة، الخروج إلى المصلى. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً وضعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى، فلما أتينا المصلى إلى منبر بناه كثير بن الصلب، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله! فقال أبو سعيد: قد ذهب ما تعلم؟ فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة. نعم.

هنا البخاري رحمه الله ذكر هذا الحديث، الخروج إلى المصلى بغير منبر هو الأصل في صلاة العيد، أنها تصلى في ساحة أو مصلى، ولعل في ذلك إعلاناً بالتكبير وإظهاراً لشعائر الإسلام. طبعا خطبة الجمعة بتكون على المنبر، فهو أراد أن يفرق بينهما، أن الخطبة بتكون ليست في المسجد الأصل فيها يعني، وهي لا تحتاج منبراً.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، طبعا وجه الاستشهاد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضر منبراً في هذه الصلاة. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم. شف دقة وصف الصحابة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم! وأنا من خلال مثلاً قراءتي في كتب السنن، من أول الموطأ إلى كتاب المجتبى للنسائي، حاولت أن أجمع دقة وصف الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، اجتمع معي بحث نفيس جداً، أنهم كانوا يحفظون للنبي صلى الله عليه وسلم السكتة، كما حفظها أبو هريرة رضي الله عنه في دعاء الاستفتاح، وغير ذلك من الدقائق، مثلاً يقول: تبسم تبسم المغضب، وضع يده اليمنى على خده، وصف دقيق جداً! فهنا وصف كذلك، قال: فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، هذه الثلاثة يعظ ويوصي ويأمر، وهذه وسط دور الخطيب أو الإمام، الموعظة فيها شيء من التخويف، والوصية فيها خلاصة أمور الإسلام، والأمر اللي هو الأمر بالمعروف.

قال: فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف، تمام كده؟ وفي الرواية الأخرى اللي هو كان ينصرف إلى النساء ويخصهن بموعظة كما جاء معنا. فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان -اللي هو مروان بن الحكم الأموي- لاحظ أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يذكر سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أن هذه كانت سنة الصحابة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي إلى غير هؤلاء.

قال: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان -اللي هو مروان بن الحكم الأموي- وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر -لا يذكر هذا- فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه، وطبعا إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فهذا أول شيء أنكره عليه؛ أن هو أصلاً النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخطب على منبر، ولو كان يخطب على منبر لذكره الصحابة.

تمام، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، وهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الخلفاء، المفروض أن هو يصلي أولاً ثم يخطب. قال: فجبذت بثوبه، اللي هو أنكر عليه لينبهه وليذكره، وهذا فيه الإنكار على الأمراء وبيان السنة، يعني بمثل ما فعل، وإن كان ذلك له فقه، يعني قال: فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله! هذا إنكار آخر، يعني يجعل الميزان هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما خالفها أو أُدعي أن سنته لا تناسب هذا العصر ينكر، لابد أن ينكر، ويكون الحكم هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الهدي.

فقال يا أبا سعيد: قد ذهب ما تعلم! يعني هذا له وقته وهذا له وقته، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، هذا عظيم جداً أن هو يقول: ما علمته من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكان عليه الصحابة الكرام خير مما لا أعلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركنا على المحجة البيضاء وسنته خير العمل، فلماذا تغيرها أنت؟ فقال: إن الناس -شف الحجة بقى- إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة، يعني بيقول: لو أنا قدمت الصلاة كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء ثم أخرت الخطبة لن يجلس أحد، فيجعل ذلك حجة لمخالفة السنة، يريد أن يلزمهم بالاستماع إلى الخطبة، وهذه ليست حجة.

قال: فجعلتها قبل الصلاة. هذا فيه طبعا أن خطبة العيد تكون بعد الصلاة، وخطبة العيد تكون في المصلى واقفاً من غير منبر، وفيها كذلك الاستحباب في استحباب الخروج لصلاة العيد في المصليات أو الساحات، في كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيه كذلك أن الفصل والحكم بين الناس هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه كذلك ثبات العالم في بيان السنة.

وابن تيمية له كلمة جميلة جداً؛ أن بيان الحق عند التباسه واشتباهه على الناس خير ما عُبد الله تبارك وتعالى به، وهذا هو الذي جاء به المرسلون، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى آخر الآية.

أكمل يا أسامة، باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة، عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى.

نعم، طبعا هو يريد هنا أن يقول إن صلاة العيد بغير أذان ولا إقامة، بخلاف الصلوات المفروضة، فذكر رواية ابن عباس وجابر قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، هذا فيه اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم مشروعية الأذان لصلاة العيدين.

أكمل، باب الخطبة بعد العيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكل كانوا يصلون قبل الخطبة. نعم، واضح كلمة الخطبة بعد العيد يعني بعد صلاة العيد، هذا فيه إنكار على من خالف تلك السنة بحجة أن يستمع الناس لخطبته.

أكمل، باب فضل العمل في أيام التشريق، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذا»

قالوا ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء».

طبعاً فضل أيام التشريق؛ اللي هو حادي عشر والثاني عشر وثالث عشر من ذي الحجة. طبعاً مهم جداً المؤمن يعرف الأوقات؛ اللي هي الأزمنة والأمكنة التي تتضاعف فيها الحسنات، وإلا لو لم يكن لذلك فائدة، يعني بعض الناس يقول: لأ، المهم أن الإنسان يكون مخلصاً في دعائه. نعم، لكن إذا لم يكن لها فائدة فلماذا يخخبرنا الله تبارك وتعالى بها أو النبي صلى الله عليه وسلم؟ لابد أن لها فائدة.

فالله سبحانه وتعالى مثلاً في الحديث الصحيح ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ يعني هل هذا الوقت يتساوى مع غيره؟ لأ. كذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة، أو في السجود، أو مثلاً قبل التسليم من التشهد، هذه أوقات يعني يتحرى العبد فيها الدعاء كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه العشر». يعني يقصد اللي هو العشر الأول من ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد؟ هذا يدل على فضل الجهاد، وأن الصحابة كان مستقراً عنده أن الجهاد من أكبر الأعمال. قال: «ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه فلم يرجع بشيء».

يبقى مهم جداً هذا الأمر؛ أنك أنت تتعلم الأوقات، وكذلك تعلم ولدك أن يعظم هذه الأوقات، وأن يبالغ فيها في العبادة.

باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن التلبية: كيف كنتم تصنعون مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه.

نعم، التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة. حديث أنس رضي الله عنه أنه سئل عن التلبية؛ لبيك اللهم لبيك إلى آخره، لبيك لا شريك لك. قال: كيف كنتم تصنعون مع النبي صلى الله عليه وسلم؟

لاحظ أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون، يعني أحياناً الصحابة كانوا يحدثون من أنفسهم وكانوا يسألون، وهذا يدل على فائدة لطالب العلم؛ أن العالم قد يبذل لك العلم دون سؤال، وقد تستخرج منه العلم بسؤال، وأنا في رأيي أن من أعظم ما يتميز به طالب العلم أن يتعلم من يسأل وكيف يسأل وعن أي شيء يسأل.

أحياناً الطالب يسأل عن أمر يمكنه الجواب بسهولة، كان يأتينا مثلاً أحياناً شيخ يأتي من مسافة بعيدة جداً، ويأتي مثلاً من ربما الإسكندرية، من محافظة بعيدة إلى محافظة هي محافظة الإسماعيلية، وأجد بعض الناس ممكن يسألوا سؤالاً طويلاً في أمر ممكن يسأل فيه إمام المسجد. لأ، لابد أن تتعلم كيف تسأل وعن ماذا تسأل.

فهو يسأل هنا الصحابي الكريم عن التلبية: كيف كنتم تصنعون مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه. تمام؟ يعني لا ينكر على هذا في مشروعية التكبير والتلبية في الحج، يعني يقول له: هل كنتم تكبرون أم تلبون؟ فينبغي هذا وينبغي هذا.

باب النحر والذبح يوم النحر بالمصلى. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينحر أو يذبح بالمصلى. النحر اللي هو كل الإبل؛ اللي هو يعني كل ما له رقبة طويلة، والذبح بيكون للبقر والغنم؛ اللي هو بيكون له رقبة قصيرة، يعني من الحيوانات.

يوم النحر بالمصلى، المصلى اللي هو يكون فضاء أو ساحة يعني أو مكان واسع، هذا فيه إظهار شعيرة الذبح والنحر. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينحر ويذبح بالمصلى، يعني يكون هذا من المستحبات أنك أنت تظهر هذه الشعيرة.

نعم، رأيك يجوز للإنسان أن هو ينحر أمام منزله، ولكن الأجمل أن هو يكون في ساحة يعني بجوار الصلاة تكون مخصصة للذبح، وفي كذلك إظهار هذه السنة والاقتداء بها وتعليم الناس هذه السنة.

باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد. عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق. نعم، يعني اختلف في هذا في السبب، بعضهم قال: الطريق يشهد لك، وبعضهم قال: عشان تسلم على الناس، يعني أنت قابلت ناس في الذهاب تقابل ناس في الإياب، الله أعلم، المهم أن هي سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنك أنت تذهب من طريق وترجع من طريق آخر.

قالت عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد وزجرهم عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهم أمناً بني أرفدة».

باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى. نعم، لأن الباب الباب هو هن مختصر الباب الأصلي في البخاري كالتالي: إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا عيدنا أهل الإسلام». وامر انس بن مالك مولاهم ابن ابي عتبة بالزاوية، فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل مصر وتكبيرهم. قال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام. وقال عطاء: إذا فاته العيد يصلي.

هو كأن هذا هو وجه الاستشهاد، أنه إذا فاته صلاة العيد يصلي ركعتين. قال: حديث عائشة في أمر الحبشة تقدم هذا، وزad في هذه الرواية قالت: فزجرهم عمر. يعني تزدجر الحبش الذين كانوا يلعبون، سبق معنا هذا الحديث رقم خمسمائة وستة عشر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهم أمناً» يعني يؤمنهم. يعني آمنون بني أرفدة، هذا نداء، وبنو أرفدة هذا مما يلقب به الحبشة، واختلف في سبب ذلك، قيل: هذا جد لهم، أو نحو ذلك.

طيب هو لعله أراد البخاري أن اسم العيد يشمل اليوم كله، يعني إيه؟ يعني أن من فاته الصلاة يمكن أن يصليها إذا ذكرها، فمن فاته صلاة العيد ممكن يكون واحد راحت عليه نومة مثلاً، فيمكن أن يصليها وحده.

كده احنا أنهينا الكلام عن العيدين، ندخل في الوتر. كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى».

بارك الله فيك. طيب، الوتر هذا من أسماء الله تبارك وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله وتر يحب الوتر». هو علم العبد بأن ربه تبارك وتعالى الوتر هو الواحد القهار تبارك وتعالى، فيه أثر، ولابد أن تفهم أن أسماء الله هذه الأسماء كل اسم منها يزيدك علماً بالله وتعظيماً وخوفاً ورجاءً إلى آخر أبواب أعمال القلوب.

فمثلاً اسم الوتر هو بمعنى الواحد، كأن هذا والله سبحانه وتعالى وتر يحب الوتر. فلماذا ذكر الوتر مع أن هذا الوتر يدخل في قيام الليل؟ يعني هو سيذكره مرة أخرى حينما يتكلم عن صلاة التهجد، لأن الوتر مخصوص، وعدد من أهل العلم كان يذم من يتعمد أو يواظب على ترك الوتر، فلذلك اهتم البخاري أن يجعل له كتاباً خاصاً.

هل يصلى الوتر قبل النوم؟ طبعا الوتر أقله ركعة. هل يصلى قبل النوم أو يصلى بعده بعد ما تستيقظ؟ يعني الإنسان من أدرى بنفسه، من كان يعرف أنه سيستيقظ قبل الفجر قبيل الفجر وهذا ما استحبه لك وأشدد لك عليه، أنك أنت استيقظ قبل الفجر ولو بربع ساعة، وتذكر فيها الله تبارك وتعالى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآيات وأنا أحب أن تكتب هذه الآية.

عندك وعند أبنائك، مثلاً على السرير أو على المكتب، بحيث أن أبناءك أول ما يستيقظوا يستفتحوا بالعشر الأواخر من آل عمران. والله هذه الآيات إذا تدبرتها ستجد فيها الخير كله.

لأن هذه الآيات تبدأ معنا في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب إلى آخرها تتكلم عن التفكر. ثم تتكلم في خلاصتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. أنا أريد أن تعلم ولدك هذه الآيات، أن هو يستيقظ قبيل الفجر ويتلو هذه الآيات ويصلي ركعة الوتر أو يصلي ركعتين ويصلي ركعة الوتر. فبحسب الحال، إذا كان عندك يقين أن أنت تستيقظ، يبقى الأولى أنك أنت تجعلها قبيل الفجر، واذا كان عندك شك، يبقى تصليها قبل أن تنام.

قال: «باب ما جاء في الوتر»، عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، يعني صلاة الليل هي تبدأ من بعد العشاء إلى الفجر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى، يعني ركعتان ركعتان ركعتان، فاذا خشي أحدكم الصبح»، اللي هو صلاة الفجر، خشية أن الوقت يدخل، «صلى واحدة توتر له ما قد صلى»، يعني هذا هو الوتر، يبقى تصلي مثنى مثنى وبعد ذلك تختم بماذا؟ تختم الوتر.

كذلك من الفوائد العظيمة مما يؤكد لك قيمة هذه الصلاة، حديث عن عائشة رضي الله عنها، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشي، يعني كأنها نائمة عائشة رضي الله عنها والنبي صلى الله عليه وسلم كانها في قبلته، فإذا أراد أن يوتر -هو بيتركها نائمة كل هذه المدة- فإذا أراد أن يوتر أوقظني فأوترت، وهذا مما يؤكد الوتر ويجعله سنة مؤكدة. الوتر وركعتا الفجر من أعظم السنن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليها.

فأنت مثلاً ممكن الوالد لو أنت هتصلي مثلاً نصف ساعة أو ساعة، وأنه من المستحب أنك أنت توقظ أبناءك والزوجة الكريمة أن هي توتر معك، توتر معك أو أن هي توتر مفردة، المهم أنك أنت لا تفوت هذه الركعة أو هذه السنة.

وعنها رضي الله عنها -عن عائشة رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته تعني بالليل، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة.

أم المؤمنين رضي الله عنها تصف لنا صلاة الليل للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، قالت: كان يصلي إحدى عشرة ركعة. هل هذه السنة توقيت من النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز للمرء أن يقل أو يزيد عنها؟ الاقرب والذي رأيت عليه أكثر أهل العلم أن ليس كذلك ليس توقيتاً، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد عن ذلك، وكانت هذه سنته، لكنها لها صفة. بعض الناس مثلاً يأتي في رمضان لا يزيد عن إحدى عشرة ركعة، يصلي مثلاً ركعة بـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1] وهكذا، ويظن أن هذه السنة، لا ليس كذلك، أو يجعل بدعة أن تزيد أو تنقص عنها وهذا ليس صحيحاً.

وابن تيمية رحمه الله له بحث كبير طويل في هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت لنا عدد ركعات في رمضان، وكان الصحابة بعضهم يصلي ثلاثة وعشرين ركعة أو أكثر من ذلك. المهم أن تعلم أن صلاة الليل -ركز في هذا دي فائدة مهمة- صلاة الليل فيها وقت وليس فيها عدد ركعات، يعني المناط في صلاة الليل هو الوقت: ﴿قُمِ اللَّهَ لِلْقَيْلِ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 2-4]، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في قيام داوود عليه السلام.

يبقى الوقت، ممكن واحد مثلاً يصلي يقول: أنا والله بقرأ بجزء يومياً، وواحد تاني يقول: أنا بصلي مثلاً حداشر ركعة، لا الأقرب أنك أنت تضبط هذا بالوقت، بصلي نصف ساعة، ساعة، عشر دقائق، هذا هو الأدق والله أعلم. يعني أنا لما بحثت في هذا الأمر وجدت أن الأحاديث لا تتكلم عن عدد آيات ولا تتكلم عن عدد ركعات، وإنما تتكلم عن وقت. فلذلك لا أرى صحيحاً أن يحكم على من زاد على إحدى عشرة ركعة بأنها بدعة، أو قلل عن إحدى عشرة أنها بدعة، ويرى أن الأمر عادي، صلاة الليل مثنى مثنى.

عائشة رضي الله عنها تتكلم هنا عن صفة الصلاة، لو أن أحدا أخذ فقط عدد الركعات دون أن يأخذ هذه الصفة ويظن أنه أصاب السنة فقد أخطأ. لكن تريد أن تأخذ السنة خذها كاملة، النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بهذا القدر. فلما أنت مثلاً تصلي إحدى عشرة ركعة -بعض الناس في رمضان ماذا كان يفعل؟ كنت أراه وهو نفسه يقول: احنا عندنا مثلاً الامام كان يصلي بالناس ركعات وبعدين الناس تنام مثلاً ساعة وتقوم مرة أخرى عشان تصلي، فيقول: هذه بدعة- هي طبعا ليست بدعة، وإنما هو يتبع فيها بعض المتأخرين الكرام الذين أفتوا بهذا.

فهو يقول: أنا هو بيصلي مثلاً ربع ساعة في الليل حداشر ركعة وخلاص ويبقى هكذا، لا، هو ورد آثارة عن الصحابة ثبتت وأهل العلم لم يوقتوا هذا اللي هو الإحدى عشرة ركعة. المهم قالت: قبل أن يرفع رأسه ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر اللي هو سنة الفجر اللي هي النافلة، وهذا لها أجر عظيم، ثم يضطجع على شقه الأيمن كأنه نوع من الراحة، حتى يأتيه المؤذن للصلاة لصلاة الفجر.

عنها رضي الله عنها قالت: كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهى وتره إلى السحر. يعني ساعات الوتر من أول الليل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر، ولكن طبعا الأفضل أن تختم الصلاة بالوتر، والأفضل أن تكون قبيل الفجر مباشرة.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». فيه الأفضل، الأول شوف البخاري، ترتيب البخاري جميل جداً، الناس بتقول فقه البخاري في تراجمه، هذا تقصير، فقه البخاري في كل حرف في الكتاب، فقه البخاري في تقسيم هذا الكتاب إلى كتب، فقه البخاري في اختيار الأبواب، فقه البخاري في ترتيب الأبواب، في عناوين، في الأدلة التي يذكرها تحت الأبواب، في الأحاديث والألفاظ التي يذكرها، كل شيء ذكره البخاري يدل على فقهه.

فهو ذكر أولاً أن الوقت من أول الليل إلى آخره، لكن الأفضل: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا»، هذا هو الأفضل أن يكون في آخر الصلوات.

باب الوتر على الدابة، وعنه رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير. هذا الحديث له قصة أحب أن أذكرها لكم، لأن هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، وهذا يدل على أن مصاحبة أهل العلم الذين يتحدثون بالسنن من أعظم أبواب العلم والهدى، الحديث من حديث سعيد بن يسار المدني قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة فلما خشيت الصبح -خشي من

الصبح يدخل عليه نزل من على الدابة فأوتر، ثم لحقته. فقال: أين كنت؟ عبدالله بن عمر يقول لسعيد بن يسار: أين كنت؟ قال: خشيت الصبح فنزلت فأوترت. فقال: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله.

قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير. هذا الأثر عظيم جدا؛ لماذا؟ لأن هذا فيه أكثر من معنى. أولا: أن سعيد بن يسار لما صاحب عبدالله بن عمر تعلم منه سنن النبي صلى الله عليه وسلم، هو كان يظن أن الوتر لا يصلى على الأرض وكان حريصا على أن يصلي الوتر، هذا فيه أيضا تأكيد صلاة الوتر.

لكن عبدالله بن عمر -شف قبل أن يذكر له الحديث- قال له: أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ هذا يدل على أن الإنسان كلما كان أعلم بالنبي صلى الله عليه وسلم كلما كان أقدر على العمل بسنته؛ لأنه يعرف سنن النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال. هذا فيه كذلك الحرص على الوتر حتى في السفر، لاحظ أنهم كانوا مسافرين، يبقى هذه فائدة أخرى أن فيها الوتر يكون في السفر. طبعا الشاهد من هذا أن الوتر في السفر أول شيء الوتر في السفر.

ثانيا: هو أنه لا يشترط فيه القبلة، لاحظ أن صلاة النافلة مثلا أنت راكب سيارة أو طيارة أو راكب دابة وتريد أن تصلي الوتر، لا يشترط فيها القبلة حتى لو أمكنك إيقاف السيارة. افهم هذا؛ فيه بعض الناس مثلا يقول: طيب ما أنا قادر في أي وقت أو أوقف الأتوبيس أو أوقف كذا؟ لا. النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الدابة.

لماذا توقف السيارة؟ يعني لماذا؟ بالعكس، أنا أرى أن هذا فيه إشاعة للسنة بين الناس، أنك تعرفهم أن هذه سنة، حتى لو كنت تستطيع أنك توقف هذه المركبة وتصلي. طبعا هذا في السنة وليس في صلاة الفريضة.

تفضل: باب القنوت قبل الركوع وبعده. عن أنس رضي الله عنه أنه سئل: أقنت النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح؟ قال: نعم. فقيل له: أو قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيرا. هو باين هنا أن القنوت -الذي هو الدعاء يعني- قبل الركوع وبعده، أن هو ينفع هذا وينفع هذا. فذكر هذا الحديث: أقنت النبي صلى الله عليه وسلم في الصبح يعني هل دعا؟ قال: نعم. فقيل: أقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيرا، بعد ما قال سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، بدأ يدعو.

أكمل: عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن القنوت فقال: قد كان القنوت. فقيل له: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قال: فإن فلانا أخبر عنك أنك قلت بعد الركوع. فقال: كذب، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا، أراه كان بعث قوما يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو.

وفي رواية عنه رضي الله عنه قال: قنت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان.

وعنه رضي الله عنه قال: كان القنوت في المغرب والفجر.

هو الآن يتكلم عن القنوت، وهو الدعاء الذي في الصلاة، وهذا الدعاء مشروع عند النوازل العامة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورد في القنوت أنه يكون بعد القيام من الركوع، ووردت بعض الآثار أنه يكون قبلها؛ يعني بعد قراءة الفاتحة والسورة قبل الركوع. ولكن هذه الروايات التي ذكرها البخاري فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت بعد القيام من الركوع.

كتاب الاستسقاء. باب الاستسقاء. عن عبدالله بن زيد رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي وحول رداءه. وفي رواية عنه قال: وصلى ركعتين.

كتاب الاستسقاء خاص بصلاة لها ظرف محدد وهو طلب السقيا؛ وهو سؤال الله سبحانه وتعالى أن ينزل المطر، وكلمة الاستسقاء فيها الاستفعال، ويأتي كثيرا للطلب مثل الاستغاثة، والاستشفاع. فهذا الاستسقاء -كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: 60]- يعني سأل ربه أن يسقي قومه، وذكر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بهذه النعمة. وهذا يدل على أن المؤمن له أو عليه في كل حال سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: باب الاستسقاء وخروج النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء. عن عبدالله بن زيد -وهو عبدالله بن زيد بن عاصم الأنصاري رضي الله عنه- قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي. يستسقي يعني يطلب أو يسأل ربه السقيا. وحول رداءه. طبعا لاحظ أن هذا الاستسقاء إما أن يكون بالدعاء فقط، وإما أن يكون كما حصل على المنبر حديث مر معنا في الجمعة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ودخل الرجل وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالسقيا، ويمكن أن يكون بالصلاة؛ يعني هو بالدعاء أو بالصلاة.

قال: يستسقي وحول رداءه. يستسقي قلنا هو الدعاء لطلب نزول المطر عند حصول الجدب أو القحط. حول رداءه يعني فبعهما على كتفيه؛ يعني جعل ما على يمينه على شماله والعكس. وطبعا اختلف في مشروعية هذا: هل هو للإمام فقط أو للإمام والمأموم؟ يعني لأن فيه رواية أخرى أنهم حولوا أرضيتهم، الروايات التي جاءت فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم حول رداءه، ولكن هل هذا يشرع كذلك للمأموم؟ هذا فيه خلاف؛ يعني هل يحول المأمومون أرضيتهم؟ هذا فيه خلاف، لا أعلم رواية ورد فيها أنهم حولوا أرضيتهم، وإنما هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: وفي رواية عنه -يعني عن عبدالله بن زيد- قال: وصلى ركعتين؛ يعني صلى لنا ركعتين. وفي رواية أن هو جهر بالقراءة.

يبقى نحن عندنا صلاة الاستسقاء الآن أنها تكون لطلب السقيا، والنبي صلى الله عليه وسلم خرج فيها، خرج يستسقي وحول رداءه، وأنها ركعتان وفيها جهر بالقراءة كما سيأتي. وطبعا تقدم الخطبة على الصلاة أو تؤخر كما في حال العيدين، هذا فيه خلاف.

في هذا الحديث استحباب الخروج للمصلى لصلاة الاستسقاء، وفي كذلك التضرع لله تبارك وتعالى. اختلف العلماء في سبب تحويل الرداء؛ بعضهم قال: تفاؤلا بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث، أو من الضيق إلى الشدة، الله أعلم. المهم أن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

في رواية من طريق إسحاق بن عبدالله عن أنس: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم هلاك المال وجهد العيال ونحو ذلك، فدعا الله يستسقي، ولم يذكر أنه حول رداءه ولا استقبل القبلة، هذه ستأتي معنا إن شاء الله.

طيب، كده الباب الأول أظن انتهى. عندنا باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. تفضل: باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف.

عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمستضعفين من المؤمنين وعلى مضر تقدم، وقال في آخر هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله».

أكمل. عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا قال: «اللهم سبعا كسبع يوسف»، فأخذتهم سنة حصت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف.

وينظر أحدهم من السماء فيرى الدخان من الجوع. فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد فادعوا الله لهم. قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: 10-11] إلى قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: 16].

يوم بدر. وقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآية الروم. نعم. طبعا في هذا الباب يبين البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الذين يصدون عن سبيل الله، وهذا يدل على مشروعية ذلك، والدعاء عليهم بكل ما من شأنه أن يضعفهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». يعني هي سنين ولكن لما أضيفت إلى يوسف فحذفت النون للإضافة، وطبعا سنين يوسف عليه السلام التي ذكرت في سورة يوسف: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: 47] إلى آخر الآيات.

قال عن أبي هريرة حديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمستضعفين من المؤمنين وعلى مضر. تقدم هذا الحديث سبق، وهو لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام» إلى آخر الحديث. وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنينك سني يوسف». فذكر هذه الرواية والرواية التي بعدها حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدباراً قال: «اللهم سبعاً كسبع يوسف». فأخذتهم سنة حصت كل شيء. حصت يعني استأصلت، لم تبق شيئاً، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان يعني من الجوع بسبب الجوع يعني. بعضهم قال: إن هي دي الآية، التي هي: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: 10].

قال فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادعُ الله. يعني شف لاحظ، هو يعرف أولاً أنه رسول الله تمام، ويعرف أن الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يدعى في حال الشدة والكرب: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام: 64]، وكذلك يعرف صدق النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرسل من ربه. ومع ذلك لم يكن يؤمن به، وإن كان طبعا بعد ذلك آمن به، قال: فادعُ الله لهم. قال الله عز وجل: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: 10]. بعض الناس فسرها أن هذا هو الدخان، يعني اختلف في هذا الدخان: هل هو ما رآه هؤلاء من الجوع، أنه ينظر كأن فيه بخاراً في الجو بسبب الجوع يعني يخيل له ذلك؟ إلى قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: 16]، فقال: فالبطشة يوم بدر، يعني ما نزل بالمشركين يوم بدر.

قال: فقد مضت الدخان. يعني اختلف في هذا الدخان: هل هو ما أصابهم؟ أو هو يوم فتح مكة؟ أو أنه شيء من أشراط الساعة لم يأت بعد؟ اختلف في ذلك. والبطشة خلاص اللي هي يوم بدر. واللزام الذي جاء في سورة الفرقان: ﴿فَقَدْ كَذَبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: 77]، أو هو ما نزل بالمشركين يوم بدر من قتل أو أسر، أو هو ما توعدهم الله تبارك وتعالى به يوم القيامة. وآية غلبت الروم. وجه الشاهد طبعا كلمة إدباراً، أنهم في أول الحديث لما رأى من الناس إدباراً، أنهم يعني أعرضوا عن الدخول في الإسلام. سنة كلمة سنة يعني عاماً، عاماً يكون فيه مجاعة. هذا طبعا فيه مشروعية الدعاء للمؤمنين، ومشروعية الدعاء على الكافرين الذين يصدون عن سبيل الله. وفي كذلك من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أكمل عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب، وهو قول أبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، ثمال اليتامى عصمة للارامل. الله ما شاء الله صلى الله عليه وسلم.

طب أنت عندك الباب؟ أنا عندي الباب الذي هو سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا. أليس عندك هذا يا أسامة؟ غير موجود شيخنا. آه، لا هو هذا موجود، والمراد منه أن الناس يسألون الإمام أن يستسقي لهم. وجه الاستشهاد يستسقى الغمام، يعني يطلبون السقيا من الإمام. عن ابن عمر قال: ربما ذكرت قول الشاعر، وهو الشاعر هنا أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب. كلمة يجيش يعني يمتلئ، يمتلئ الإناء ماء، والميزاب هو الموضع المرتفع الذي ينحدر منه الماء. وهو قول أبي طالب: وأبيض، يعني لها روايات، وأبيض وأبيض على حسب السياق: هل ستفبتدأ بها أم ستذكر الشعر كاملاً؟ وأبيض يستسقى الغمام، هذا هو وجه الاستشهاد. يستسقى الغمام يعني أن الناس يطلبون دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، يطلبون منه الدعاء. الغمام بوجهه، ثمال اليتامى، الثمال هو القائم عليهم القائم بأمرهم مطعمهم. وكلمة بوجهه يعني بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، يعني هو يدعو ربه تبارك وتعالى ليسقي الناس. ثمال اليتامى عصمة للارامل، رويت عصمة أو عصمة أو عصمة على خلاف هذا. كلمة عصمة معناها الذي يمنعهم ما يضرهم. والارامل يقصد بها المساكين من رجال أو نساء، بعضهم يخصها بمن مات زوجه أو ماتت زوجته حتى لو كان غنياً يطلق عليه الأرمل.

وجه الاستشهاد من هذا الحديث طبعا سيظهر من الحديث الذي بعده، قال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا قحط استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.

طبعا البخاري ذكر هذه الرواية لتفسر الرواية الأولى، لأن الرواية الأولى قد يظن فيها أن الناس يستسقون بذات النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في الرواية الثانية واضح أنهم يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم يعني بدعائه، وإلا لو كانوا يتوسلون بذاته فبعد موته كانوا سيتوسلون أيضاً بذاته، لكن الوسيلة هنا بمعنى السبب، أنهم يتوسلون إلى الله بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، يعني بدعائه فاسقنا، قال: فيسقون.

هذا فيه طبعا تواضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لم يتوسل وفي الناس من هو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه كذلك حب عمر رضي الله عنه وتقديره لآل البيت؛ لأنه كان يتوسل بدعاء العباس رضي الله عنه، وفيه كذلك أن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً. فهذه الكلمة واضحة خالص التي هي وأبيض يستسقى الغمام بوجهه.

باب الاستسقاء في المسجد الجامع. حديث أنس رضي الله عنه في الرجل الذي دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فسأله دعاء بالغيث. تكرر كثيراً، وفي هذه الرواية: والله ما رأينا الشمس ستاً. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعُ الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والآجام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس. هو الاقرب عندي والله فادعو يعني فادعو الله يمسكها؛ لأن هو لم يرد أن يمسكها هذه مرتبة أو هي جواب للأمر، مثلاً عندنا ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: 26] ساقتل، هذه آية جواب للطلب، ممكن. وهي ممكن تنفع فادعُ الله يمسكها، ممكن. والله أعلم.

هذا البخاري ذكره ليبين أن الاستسقاء إما أن يكون بالصلاة وإما أن يكون بالدعاء.

وهذا الدعاء في كل الأوقات، فالنبي صلى الله عليه وسلم استسقى بدعائه كما في هذا الحديث، واستسقى بالصلاة. هذا الحديث مر معنا فيه بعض الألفاظ، منها مثلا هذا يعني يبين حال الدعاء إذا تسبب عن الأمطار أضرار، يعني إذا تسببت الأمطار في أضرار فانت لا تدعو الله أن يوقف المطر أو أن يقطعه، لا، وإنما تدعو أن يصرف الله شر هذه الأمطار عنكم وأن يكون لكم خيرها، وهذا مهم. اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام -اللي هي الجبال الصغيرة- والجبال والضراب -اللي هو أشبه بالتل، تل يعني- وبطون الأودية ومنابت الشجر. قال: انقطعت وخرجنا نمشي في الشمس.

أكمل هذا، طبعا لاحظ أن هنا الاستسقاء كان بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أيضا يبين أو يفسر الأحاديث السابقة.

تفضل: الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة. وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». نعم، هنا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلب السقيا لهذا الرجل السائل في صلاة الجمعة لم يستقبل القبلة، لأنه كان مستقبلا للناس والناس هم الذين كانوا مستقبلين للقبلة، فيبين مشروعية الدعاء وأنت على المنبر أمام الناس بالسقيا، ولا يشترط في هذا أن تستقبل القبلة.

تفضل: كيف حول النبي صلى الله عليه وسلم ظهره إلى الناس؟ حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الاستسقاء تقدم. وفي هذه الرواية قال: فحول الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة. نعم، هنا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يصلي، لاحظ هو لما النبي صلى الله عليه وسلم دعا على المنبر لم يكن مستقبلا القبلة تماما، ولكن هنا في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حول إلى الناس ظهره، تمام؟ مستقبل القبلة يدعو وحول رداءه، وصلى ركعتين ويجهر فيهما سواء كانت بقى هذه الصلاة بالليل أو بالنهار، المهم أن الصلاة ركعتان ويجهر فيها بالقراءة، الخطبة بتكون قبل الصلاة.

تفضل: باب رفع الإمام يدعو بالاستسقاء. عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، إنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه. نعم، لعل البخاري هنا رحمه الله أراد أن يبين أن الإمام -يقصد على المنبر- يعني النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه كان يرفع يديه في الدعاء في غير هذا الموضع، ولكن كأنه يقصد حاجة من الاثنين: أما أن هذا على المنبر أن الإمام على المنبر لا يشرع له رفع اليدين في الدعاء إلا في الاستسقاء، أو يقصد هنا المبالغة في رفع اليدين، واضح؟ فقال عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فانه يرفع حتى يرى بياض إبطيه. فكأنه يقصد المبالغة في رفع اليدين، وهذا فيه تضرع وفيه ذل لله تبارك وتعالى عند الشدائد.

أكمل: باب ما يقال إذا أمطرت. عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: «صيبا نافعا». نعم، الصيب هو السحاب يعني الذي فيه المطر، وكلمة صيبا نافعا هذا يدل على أن المطر قد لا يكون نافعا، وقد لا يكون نافعا ويكون على كثير من الناس ضررا، فأنت تسأل ربك أن يجعله خيرا، وهذا مهم، وأنا أريد منك أن تلاحظ هذا. لو أن شخصا تعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وادعيته في كل موقف، لن يبقى له حال لا يذكر فيه ربه. تخيل النبي صلى الله عليه وسلم يعلمك دعاء وأنت تدخل دورة المياه، ودعاء وأنت تأتي أهلك، ودعاء وأنت مثلا تذهب إلى المسجد، ودعاء إذا هبت الريح، ودعاء إذا نزل المطر، ودعاء في الاستسقاء وغير ذلك، والله هذا من اعظم ما يكون، ولعل هذا من أعظم الأمور التي يبقى بها المؤمن ذاكرا. عكس ذلك الغفلة: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف: 36]. فذكر الرحمن من أعظم ما يعين على ذلك الأذكار، أن تتعلم ما الذي كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال من أحواله، فهنا إذا رأى المطر ماذا كان يقول؟ اللهم إيه، كان يقول: «صيبا نافعا». كلمة صيبا يعني اجعله اجعل هذا المطر صيبا نافعا، لأن الشيء يمكن أن يكون خيرا ويمكن أن يكون شرا، فأنت تدعو خيره وتسأل ربك خيره وتسأل ربك أن يصرف عنك شره.

أكمل: إذا هبت الريح. عن أنس رضي الله عنه يقول: كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، إذا هبت الريح، الريح هذه قد تهب بخير وقد تهب بشر، وكما جاء في سورة الأحقاف: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَل هو مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: 24]. هذا من الأمور المهمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى على أمته، وكان يعلم سننا من الله تبارك وتعالى في خلقه، ويعلم أن ذلك قد يكون خيرا وقد يكون شرا. قال: عرف ذلك في وجهه، يعني يكون شفقة ويذكر ربه تبارك وتعالى، هذا يستفاد منه الخوف من الله، وهذا يستفاد منه عدم الأمن من مكر الله تبارك وتعالى.

أكمل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا». عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور». نعم، هذا فيه أيضا تأكيد على المعنى، أن الريح يمكن أن تكون خيرا ويمكن أن تكون شرا، تمام؟ وكلمة نصرت فيها تعليم من النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن الناصر له هو الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 10]، وإن كان الله سبحانه وتعالى ينصر بالملائكة وينصر بالرعب وينصر بالريح ونحو ذلك، لكنه تبارك وتعالى النصر منه تبارك وتعالى وحده. الصبا اللي هي الريح الشرقية، الدبور اللي هي ريح من جهة الغرب، وهي التي هلك بها قوم عاد كما ذكر في سورة الأحقاف. وطبعا هذا يؤكد ماذا؟ يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ أمته بما حل بالأمم السابقة، وفي كذلك أن الله سبحانه وتعالى ينصر بأسباب منها الريح، ومنها أنه يعاقب ويهلك بهذه الأشياء. فالمؤمن حينما يرى هذا يتذكر. وسبحان الله! أنا أريد منك أن تتخيل هذا، يعني أنت ما تتخيل مثلا إذا الشمس انكسفت أو خسف القمر لك عبادة، وإذا هبت الريح لك عبادة، الله سبحانه وتعالى له عليك عبادة، وإذا نزل المطر في كل حال من أحوال المؤمن عبادة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191].

لاحظ كلمة يذكرون، يعني لا يغفلون. لذلك ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: 28]. فالمؤمن إما أن يكون ذاكرا شاكرا، وإما أن يكون غافلا كافرا. والغفلة تورث الكفر، ما معنى الغفلة؟ أن يغفل عما أراد الله منه أن يتذكر به، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]. الله سبحانه وتعالى حينما تستمع آية أو يحصل موقف أو مشهد أمامك، يريد الله منك أن تعتبر بهذا المشهد.

تحرك له، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَوَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾، ما يُوعظُونَ بِهِ هَذا لا يُرادُ مِنهُ مُجَرَّدُ الِاسْتِماعِ، لا يُرادُ مِنهُ أَنْ تَتَحَرَّكَ بِهِ وَأَنْ تَعْمَلَ بِهِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا.

فَهذا فِيهِ كَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَبِّهُ عَلى هَذا الْأَمْرِ وَيَعِظُ أُمَّتَهُ بِما حَلَّ بِالْأُمَمِ السَّابِقَةِ حَتَّى لَا يَعْمَلُوا بِعَمَلِهِمْ فَيَنَالَهُمْ ما أَصابَهُمْ.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شامِنا وَفِي يَمَنِنا». قالوا: وَفي نَجْدِنا؟ قالَ: «اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شامِنا وَفِي يَمَنِنا». قالوا: وَفِي نَجْدِنا؟ قالَ: «هُناكَ الزَّلازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِها يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ».

فِي هَذا الْبابِ، اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى لَهُ آياتٌ، وَهَذِهِ الْآياتُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى يُخَوِّفُ بِها عِبادَهُ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. هَذِهِ الْآياتُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى يُرِي هَذِهِ الْآياتِ عِبادَهُ لِيَتَّعِظوا، لِيَخافوا، لِيَتوبوا. لِذَلِكَ رَبُّنا قالَ: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: 43]. يَعْنى هَذا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي، ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: 76].

فَواجِبٌ عَلى الْمُؤْمِنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الْآياتِ حَتَّى وَإِنْ حَلَّتْ بِغَيْرِهِ، لَا يَلْزَمُ أَنْ تَحُلَّ بِكَ، يَعْنى مَثَلًا عَرَفْتَ أَنَّ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ حَصَلَ لَهُمْ زِلْزالٌ أَوْ بُرْكانٌ أَوْ مَثَلًا مُصيبَةٌ كَبِيرَةٌ أَوْ انْتَشَرَ فِيهِمْ فِيروسٌ مُعَيَّنٌ، هَذِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى يُخَوِّفُكَ بِها؛ لِماذا؟ لِتَتَضَرَّعَ وَلِتَرْجِعَ وَلِتَتوبَ. أَمَّا الْكافِرُ فَيَكُونُ غافِلًا، لَا يَرْجِعُ هَذا لِلَّهِ وَلَا يَتَّعِظُ بِهِ، كَما قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]. وَقالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 96-97].

إِنَّما الْمُؤْمِنُ تَنْفَعُهُ الْآيَةُ الْواحِدَةُ، سَواءٌ كانَتْ آيَةً كَوْنِيَّةً أَوْ آيَةً شَرْعِيَّةً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. وَكَذَلِكَ لَما يَرى خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَوْ يَرى زِلْزالًا أَوْ رِيحًا أَوْ مَطَرًا، لَا بُدَّ أَنْ يَتَذَكَّرَ رَبَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى المُدَبِّرَ لِهذا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَغْفِرَهُ وَأَنْ يَتوبَ إِلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

إِذاً، الْمُؤْمِنُ لَهُ عِنْدَ الْآياتِ عِباداتٌ، أَعْظَمُها الذِّكْرُ وَالِاسْتِغْفارُ وَالتَّوْبَةُ وَالتَّضَرُّعُ لِلَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى وَالِاسْتِكانَةُ. فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَهَذا الْحَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شامِنا وَفِي يَمَنِنا»، قالوا: وَفي نَجْدِنا؟ هذا يُسَمُّوهُ عَطْفَ التَّلَقِّيَنِ؛ يَعْنى مَثَلًا رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قالوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؛ كَأَنَّهُمْ يُلَقِّنُونَ الْمُتَكَلِّمَ هَذَا الْعَطْفَ. قالَ: «اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِي شامِنا وَفِي يَمَنِنا»، قالوا: وَفي نَجْدِنا؟ قالَ: «هُناكَ الزَّلازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِها يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ». هَذا فِيهِ طَبْعاً اسْتِحبابُ الدُّعاءِ بِالْبَرَكَةِ، وَكَذَلِكَ فِي خَشْيَةِ أَنْ تُصابَ بِالْفِتَنِ.

وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَفاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ ما يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلا يَعْلَمُ أَحَدٌ ما يَكُونُ فِي الْأَرْحامِ، وَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَما يَدْرِي أَحَدٌ مَتى يَجِيءُ الْمَطَرُ».

اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَاللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى هُوَ الْعالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّما يَتَعَلَّمُ عِبادُهُ بِقَدْرِ ما شاءَ اللَّهُ، اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى قالَ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]. فَكُلُّ عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ؛ الْمَلائِكَةُ قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32]. وَكَذَلِكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، وَقالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]. فَكُلُّ عِلْمٍ فِي الْوُجُودِ؛ كُلُّ أَصْنافِ الْعِلْمِ، الْعِلْمُ الدِّينِيُّ عِلْمُ الْوَحْيِ أَوْ عِلْمُ الْكيمياءِ الْفيزياءِ، أَيُّ عِلْمٍ فِي الدُّنْيا هُوَ مِنَ اللَّهِ. فَاللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى هُوَ الْمُعَلِّمُ تَبارَكَ وَتَعالى، وَلا يَتَعَلَّمُ الْعِبادُ إِلَّا بِالْقَدْرِ الَّذِي شاءَهُ اللَّهُ، وَهَذا الْعِلْمُ كُلُّهُ قَلِيلٌ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّها لَا يَعْلَمُها إِلَّا اللَّهُ هَذِهِ الْأُمُورُ؛ مَفاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُها إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ ما يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلا يَعْلَمُ أَحَدٌ ما يَكُونُ فِي الْأَرْحامِ -يَعْنى ذَكَرًا أَوْ أُنْثى أَوْ شَقِيًّا أَوْ سَعِيداً-، وَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً -أَنْتَ نَفْسُكَ لَا تَعْرِفُ ما الَّذِي سَيَحْصُلُ فِي الْغَدِ وَلا أَنْتَ ماذا سَتَفْعَلُ-، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَما يَدْرِي أَحَدٌ مَتى يَجِيءُ الْمَطَرُ.

وَجْهُ الِاسْتِدْلالِ فِي ذَلِكَ؛ أَنْ يَنْسُبَ الْعَبْدُ الْمَطَرَ لِتَدْبِيرِ اللَّهِ وَلِعِلْمِ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى، حَتَّى لَوْ كانَ بَعْضُ النَّاسِ مَثَلًا يَتَوَقَّعُ سُقُوطَ الْأَمْطارِ هَذا مُجَرَّدُ تَوَقُّعٍ، وَكَثِيرًا ما يَكُونُ فِي السَّماءِ سَحابٌ وَلا تُمْطِرُ، وَيُمْكِنُ أَنْ تُمْطِرَ فَجْأَةً دُونَ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ. فَتَمامُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ إِنَّما هُوَ مِنَ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَوْ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنا- فَصَلَّى بِنا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذا رَأَيْتُمُوهُما فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكَشَفَ ما بِكُمْ». وَفِي رِوايَةٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ».

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ماتَ إِبْراهِيمُ، فَقالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْراهِيمَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، فَإِذا رَأَيْتُمُوهُما فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ».

اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الْآياتِ فِي الْقُرْآنِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْأَنْبِياءَ كانوا يَعِظُونَ أَقْوامَهُمْ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآياتِ، كَما جاءَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ، قِصَّةِ إِبْراهِيمَ وَغَيْرِهِما عَلَيْهِمُ السَّلامُ. آياتُ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى هَذِهِ يَذْكُرُها اللَّهُ لِيُعَظَّمَ اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى، وَيَذْكُرُها كَأَنَّها نِعْمَةٌ، وَيَذْكُرُها كَذَلِكَ يُخَوِّفُ بِها عِبادَهُ، وَكَذَلِكَ يَذْكُرُ حالَها يَوْمَ الْقِيامَةِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: 1-2]. فَأَنا حاوَلْتُ أَنْ أَجْمَعَ ذِكْرَ هَذِهِ الْآياتِ فِي الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ باباً عَظِيمًا، خُصُوصاً ما مِنْها فِي الْقُرْآنِ الْمَكِّيِّ؛ تُذْكَرُ أَنَّها نِعْمَةٌ وَتُذْكَرُ لِيُعَظَّمَ الْخالِقُ لَها تَبارَكَ وَتَعالى الْمُدَبِّرُ لَها، وَتُذْكَرُ كَذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، وَتُذْكَرُ كَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَيُذْكَرُ كُلُّ آيَةٍ مِنْها وَما فِيها مِنْ وَجْهِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى، وَلَعَلَّنا إِنْ شاءَ اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى سَنَتَكَلَّمُ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْ هَذا فِي دَرْسِ مُحْكَماءِ الْقُرْآنِ.

خُسُوفُ الْقَمَرِ؛ يَعْنى إِيهِ؟ الْخُسُوفُ وَالْكُسُوفُ كَثِيرًا ما يَأْتِيانِ بِمَعْنى واحِدٍ، وَلَكِنِ الْأَشْهَرُ أَنَّ خُسُوفَ الْقَمَرِ هُوَ نُقْصانُ الْقَمَرِ، هُوَ أَنْ يَحْجُبَ نُورَهُ، وَكُسُوفُ الشَّمْسِ احْتِجابُ ضَوْءِ الشَّمْسِ جُزْئِيًّا أَوْ كُلِّيًّا. وَاللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى ذَكَرَ الْآياتِ فِي الْقُرْآنِ، لَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَ هَذِهِ الْفائِدَةَ؛ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْأُمِّ كَثِيرًا ما يُذْكَرُ الْآياتُ قَبْلَ الْأَحادِيثِ فِي أَيِّ بابٍ.

فَطَيِّبٌ، هُنا حِينَما جاءَ لِلْكُسُوفِ -طَيِّبٌ، الْكُسُوفُ لَمْ تَأْتِ آيَةٌ عَنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ أَوْ أَحْكامِ صَلاةِ الْكُسُوفِ-، فالْتَمَسَ الشَّافِعِيُّ آيَةً فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 37-38]. لَا يَسْأَمُونَ يَعْنى لَا يَمَلُّونَ، فَهُوَ يُحاوِلُ أَنْ يَلْتَمِسَ أَقْرَبَ الْآياتِ لِيَجْعَلَ الْقُرْآنَ مُقَدَّماً فِي كُلِّ بابٍ.

الله سبحانه وتعالى ذكر أنه يخوف عباده بهذه الآيات، لكن هل كل العباد يخافون منها؟ لا، الله سبحانه وتعالى ذكر من تزيده هذه الآيات طغياناً. قال: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60]. يعني تمادي في الكفر.

هذا يدل على أن المؤمن إذا كان غافلاً عن تلك الآيات فلابد أن يخاف على نفسه، وكثير من الناس ممكن يرى هذه الآيات ولا يتحرك فيه شيء، لا لابد أن تحدث فيك هذه الآيات موعظة. هذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم. المؤمن وحده هو الذي يهتدي بالآيات وينتفع بها. يجب أن يتعلم إمام المسجد والخطيب فقه هذه الأمور، وكثير من الناس مثلاً أحياناً فجأة يفاجأ أن في صلاة كسوف أو خسوف وهو لا يعرف فقهاً ولا يعرف كيف تصلى، وطبعاً من باب أولى أنه لا يعلم الناس. لذلك لابد أنك كوالد أن تتعلمها وأن تعلمها ولدك، وأنت كإمام مسجد أو مسئول من ناس أو درس لابد أن تعلمها لتلاميذك.

قال عن أبي بكر عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه». يعني أسرع النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً إلى الصلاة حتى دخل المسجد. تلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعين بالصبر وبالصلاة أيضاً كما أمر الله عز وجل. قال: «فدخلنا فصلى بنا ركعتين» طبعاً كان انكسفت الشمس في نفس اليوم الذي توفي فيه إبراهيم عليه السلام ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وستأتي هذه الرواية. قال: «فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس». يعني بقي النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى أن انجلت الشمس، يعني خلاص رجعت كحالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم -لاحظ، النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمهم، لأن كان عندهم عادة في الجاهلية وهم يظنون أن الشمس تنكسف لموت العظيم رجل عظيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمهم وهذا واجب المعلم أن يلاحظ هذه الأمور في الناس وأن يكون عالماً بحالهم ويبين لهم الحق في كل موضع-: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد» وفي رواية: «ولا لحياته» كما سيأتي، «وإذا رأيتموهما فصلوا» يعني اللي هو الخسوف أو الكسوف، «وادعوا حتى ينكشف ما بكم».

كلمة حتى ينكشف ما بكم كلمة حتى إما تأتي بمعنى الغاية، يعني تبقى تصلي إلى أن تنكشف، مراد أنها سبب في انكشاف كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [النور: 33]. هل المراد أنه يستعفف إلى أن يغنيه الله، أم أن استعفافه سبب في أن يغنيه الله؟ كلاهما معنى صحيح، لكن المراد هنا والله أعلم أن هو يصلي فصلاته سبب في انكشاف ذلك، ليس المراد أنه يبقى يصلي إلى أن تنكشف، لا، إذا صلى وتهنت الصلاة ولم تنكشف عليه بالدعاء لا يعيد الصلاة وإنما يصليها مرة واحدة. قال وفي رواية عنه قال: «ولكن يخوف الله بها عباده» اللي هي الآية: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59]، وفي الآية الأخرى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: 16]. يجب أن تخاف، وإذا لم تكن تخاف فيجب أن تتعلم ما الذي يجعلك تخاف، لأن بعض الناس يقول طيب أنا مش خايف، لا أنت لازم تعلم ما يجعلك تخاف.

تكرر حديث الكسوف كثيراً، وفي رواية المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم. وطبعاً توفي إبراهيم عليه السلام رضي الله عنه اللي هو إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية رضي الله عنها ورضي الله عنه، وكان في السنة العاشرة من الهجرة. فقال الناس -طبعاً خد بالك أن الشمس كسفت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة- فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم. ربطوا بين هذا وذاك. فالنبي صلى الله عليه وسلم بين لهم خطأ هذا التصور، وهذا يدل على أن العالم ليس دوره فقط محصوراً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا، ولكن كذلك في بيان خطأ الظنون. حتى الله سبحانه وتعالى ذكر: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55-56]، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]، ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي﴾ [الفجر: 15]. فالله سبحانه وتعالى بين كثيراً من التصورات الخطأ عند الناس، فهذا كذلك دور العالم خصوصاً في ظرفه أن أول ما الشمس يعني حصل لها انكسفت النبي صلى الله عليه وسلم استثمر ذلك في تعليمهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان» وده يدل أن الكسوف يطلق على القمر والشمس، «لموت أحد ولا لحياته، فاذا رأيتم فصلوا وادعوا الله». يبقى هذا انتفاع المؤمن. اختلف بقى في هل للكسوف خطبة أو لا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وعظهم، هل هذا كان يعني سنة من النبي صلى الله عليه وسلم أو كان أمراً عارضا؟ الأمر في ذلك واسع، هو بحسب الحاجة. صلاة الكسوف إن شاء الله كما سيأتيها سنة مؤكدة تكون عند وجود سببها اللي هو خسوف القمر أو كسوف الشمس، وتكون وقتها من ابتداء الكسوف أو الخسوف، يقرأ يجهر فيها بالقراءة بالليل أو بالنهار. يصلى فيها ركعتان. أن تكون الركعة الأولى فيها الفاتحة وسورة طويلة، وبعدين تركع وبعدين تقوم مرة أخرى تقرأ الفاتحة وسورة أقل منها يعني طويلة ولكن الأولى، وبعد كده تقوم من الركوع ثم تكمل الركعة سجدتين، وبعد كده تقوم تجيب الركعة الثانية. فيها أيضاً ركوعان: الركوع الأول بتصلي بسورة الفاتحة وسورة معها وبعدين تركع ثم تقوم مرة أخرى الفاتحة ومعها سورة أخرى ثم تركع ثم تقوم ثم تكمل الركعة كما هي.

فرض واحد أدرك ركعة واحدة من الكسوف مع الإمام يعمل إيه؟ لو أدرك، ركز كده، لو هو أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى يبقى فاتته الركعة، لازم يجيب ركعة أخرى، لأن الركعة لابد أن يدرك فيها الركوعين. وإن شاء الله سيأتي تفاصيل ذلك في الكتاب. يسن أن يكون هناك موعظة في هذه الصلاة. طبعا يستحب إطالة الصلاة في الكسوف.

في رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس فقام ثم قام فاطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فاطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فاطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثلما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا». ثم قال: «يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً».

سبحان الله، باب الصدقة في الكسوف عموماً العمل الصالح وقت الشدائد والمصائب من أعظم أبواب الخير، ومن أعظم ما يفرج الله تبارك وتعالى، وهذا أمر واضح جداً في القرآن والسنة وهو أن العبد في وقت الشدة في وقت الفتنة في وقت محنة من أعظم ما يتقرب به إلى الله يكشف الله تبارك وتعالى به الشدة العمل الصالح، ولكن النص على الصدقة هذا جاء في كثير من الأحاديث. طبعاً في هذا الحديث صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بتفصيل رضي الله عن عائشة التي ذكرت لنا هذا التفصيل.

لاحظ أن هو قال أنها قالت خسفت الشمس، هذا يقال خسفت أو انكسفت الشمس هي بنفس المعنى، هذا طبعا فيه النص على الخطبة، النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وهدفهم المشروعية أن بعد الصلاة يكون فيه خطبة، وإن كان في ذلك خلاف، لكن المهم أن هي وردت هنا في الحديث.

أنا أريد هنا أن أقف وإن شاء الله لا أطيل. في هذا الحديث ما قرأت هذا الحديث مرة إلا تذكرت الشاب الذي كان معنا أول مرة يسمع هذا الحديث أصلا، كنا في دورة كده عملناها للشباب في قراءة مختصر البخاري، والله إلى الآن أتذكر هذا الحدث، الشاب أول ما قرأ هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا»، هذه الرباعية الدعاء والتكبير والصلاة والصدقة، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أَمَتُه»، بهذا الشاب انفجر من البكاء، وأنا لي كلام معه وعملت حلقة عن هذا الشاب، نسأل الله أن يبارك فيه وأن يهديه وأن يطهر قلبه، هذا الشاب بكى بكاء رهيبا، وذكر أن هو كان مبتلى بمشاهدة أفلام الزنا ونحو ذلك، وأول ما استمع إلى هذا الحديث بكى بكاء شديدا، وقال: كيف يفرح المؤمن برؤية أمر يغار الله تبارك وتعالى منه ويغضب الله منه؟

يعني شف لاحظوا هذا المعنى أن الشاب خطر بباله أمر آخر، هو يعرف أن الله سبحانه وتعالى أمر بغض البصر، وأن الله سبحانه وتعالى ينهى عن ذلك، لكن لم يكن يعلم هذا الأمر، وهذا يؤكد يا شباب أن علم الإنسان بفضل الأعمال وبسيئات الأعمال من اعظم ما يعينه على فعل الخير ويصرفه عن فعل الشر، هو مثلا لم يكن ينتبه إلى هذا المعنى أن الله يغار: «والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو أن يزني أمته»، فالشاب بيقول: أنا تصورات أني جالس أفرح واستمتع وقاعد فرحان ومبسوط، وأنا أشاهد أمر يغار الله منه ويغضب منه هذا الغضب الشديد، وفاعله من أعظم الناس جرما عند الله، فحينما خطر بباله هذا المعنى كان سببا في صرفه بحمد الله تبارك وتعالى.

وزي الشاب الآخر لما رأى ما يحصل للمسلمين في فلسطين وفي سوريا وغيرها، وقال: كيف يكون الله سبحانه وتعالى عافاني من كل هذا الابتلاء وإخواني يبتلون بأصناف المصائب وأنا أبقى امشي مع البنات وأعاكس البنات وأتفرج على الأشياء التي تغضب الله؟ فانتم شوفوا فضل الله سبحانه وتعالى واسع، والإنسان كلما دخل على العمل الصالح من أكثر من باب، وخرج من العمل الفاسد أو العمل الذي لا يرضي الله من أكثر من باب، هذا أعظم، لذلك أرى أن الإنسان مثلا يضع أمامه حب الله، ويضع حب الله والإخلاص وشكر نعمة الله والخوف من سيئات الأعمال، كل هذا يدفعه للعمل الصالح ويصرفه عن العمل الذي لا يرضي الله تبارك وتعالى.

شف كيف ختم هذا الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «واللو تعلمون ما أعلم»، هذا يؤكد ماذا؟ هذا يؤكد أن العلم سبب في خشية الله: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية»، ولذلك يا شباب أنا أقول، كل إنسان بعض الناس يقول: أنا بمجرد انسان موظف أو كذا، أو أنا ربة منزل مش محتاجة أن أنا أكون عالمة، مين الذي قال ذلك؟ خذ من العلم بقدر ما تستطيع، هذا من أبواب الخير، الناس يتعلمون أشياء كثيرة، خير ما يمكن أن تتعلمه ما ينفعك في الدين والدنيا والآخرة.

فلا تستكثر ما عندك من العلم، مادام عندك وقت تتعلم تعلم واستعن بالله، حديث واحد والله العظيم يمكن أن يغير حياتك، والله آية واحدة تتعلم معناها يمكن أن تتغير بها كل حياتك، ياما ناس كان سبب انتقاله من الفوضى إلى العلم والعمل الصالح آية أو حديث لم يكن يعلمه، فلذلك لا تستكثر ما عندك من العلم، وابقى وادعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وقل: رب زدني علما.

هذا طبعا الحديث فيه فوائد، أن صلاة الكسوف لها هيئة خاصة تخصها، اللي هي بيكون ركعتان، وهي الصلاة ركعتان وفي كل ركعة ركوعان، طبعا ورد عند مسلم عليه رحمة الله أن وردت هذه الصلاة بصفات أخرى فيها ثلاث ركوعات أو أربع ركوعات، ولكن هذه الصفات لا تثبت، وابن تيمية رحمه الله عقد فصلا في بيان بعض الأخطاء التي وردت في هذا الباب، وذكر أن هذا الحديث لا يثبت؛ لأن صلاة الكسوف صليت مرة واحدة فقط وهي كان في كل ركعة ركوعان فقط.

في كذلك استحباب إطالة القراءة، وده أيضا يعلم الإمام أنه يكون عنده سور طويلة يستطيع أن هو يقرأ بها واضح، والمفروض أنا في رأيي أن لابد أن نعمل على تأهيل الأئمة والخطباء، نعلمهم هذا الفقه وهم يعلمون الناس ويكونون جاهزين في أي وقت الاستسقاء ولصلاة الكسوف وصلاة العيدين وغير ذلك من الصلوات المناسبة التي لها مناسبات، كذلك يستحب الإكثار من الاستغفار والتوبة، وكذلك تشرع الخطبة بعد صلاة الكسوف، وفيه كذلك اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بنقل سنن النبي صلى الله عليه وسلم.

بقى أمر مهم، وهو كيف ننادي على هذه الصلاة؟ هذا سيذكره البخاري رحمه الله: باب النداء: الصلاة جامعة في الكسوف. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي أن الصلاة جامعة.

نعم، هنا البخاري يريد أن يبين أن هذه الصلاة ليس فيها أذان، ولكن ينادى فيه: الصلاة جامعة. طيب، كم مرة ننادي الصلاة جامعة؟ إلى أن يجتمع الناس، أنت مثلا شعرت أن الناس خلاص أنت قلت مثلا مرة لم ينتبهوا، يعني تبقى تنادي الصلاة جامعة إلى أن يجتمع الناس، إذا اجتمعوا خلاص، هذا ليس له وقت توقيت محدد يعني تعيين عدد مرات.

باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف. عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن يهودية جاءت تسألها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عائذا بالله من ذلك»، ثم ذكرت حديث الكسوف، ثم قالت في آخره: ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر.

نعم، البخاري رحمه الله يريد أن يعلمك ما الذي يقال، قال: ويدعى به في هذه الصلاة. فذكر من الأعمال الصالحة منها مثلا منها الصدقة، وسيأتي العتاقة ستأتي، الآن يعلمك ما الذي تتعوذ به، كأنك في هذا الحال تتذكر مثلا القبر وظلمة القبر ونحو ذلك، فمما يدعى به في هذا الوقت أن تتعوذ من عذاب القبر، وذكر هذا الحديث الطويل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتعوذوا، والتعوذ هو اللجوء إلى الله تبارك وتعالى.

والتعوذ من عذاب القبر من أعظم الدعاء، ومن أعظم الدعاء، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص عليه قبل التسليم في الصلاة، وهذا الوقت تحديدا من أوقات الإجابة إجابة الدعاء، فتعوذوا بالله من عذاب القبر، نعوذ بالله من فتنة القبر ومن عذاب القبر، وهذا طبعا فيه إثبات عذاب القبر بخلاف من ينكرونه.

باب صلاة الكسوف جماعة. عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ذكر حديث الكسوف بطوله، ثم قال: قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في

مقامك ثم رأيناك تعتاد. وقال صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت الجنة فتناولت عقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ووليت النار فلم أر منظراً كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء». قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن». قيل: يكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت ما رأيت منك خيراً قط».

هنا يتكلم عن موضع صلاة الكسوف. سبق معنا في الحديث الأول -الذي هو رقم خمسمائة وخمسين- أن هي كانت في المسجد، اللي هو عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى دخل المسجد. واضح؟ فهنا يتكلم عن صلاة الكسوف تكون جماعة.

فذكر عن ابن عباس في حديث الكسوف بطوله، حديث طويل، ثم قال: قالوا يا رسول الله أرايناك تناولت شيئاً في مقامك -يعني النبي صلى الله عليه وسلم تقدم تناولوا شيئاً- ثم رأيناك تكعكعت -يعني تأخرت-. فقال: «إني رأيت الجنة وتناولت عنقوداً» -وهذا يؤمن به المسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجنة- قال: «ولو أصبته لأكلت منه ما بقيت الدنيا». نسأل الله تبارك وتعالى الجنة. نسأل الله تبارك وتعالى الجنة.

قال: «ورأيت النار فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع». نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار. قال: «ورأيت أكثر...». هذا الحديث ليس فيه ذم للنساء على عكس ما يتوهمه كثير من الناس؛ بعضهم ينكر الحديث بناء على هذا الفهم الخاطئ. هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن أكثر أهل النار النساء. هل هذا الحديث ذم لجنس النساء لأصل النساء؟ لا، لا يكون ذلك، ولا ينبغي لمؤمن يفقه لسان العرب أن يمكن أن يفهم ذلك، وإنما هذا وصف وإخبار يؤمن به العبد ويصدقه.

لكن شف بقى رد فعل النساء لما النبي صلى الله عليه وسلم وعظهن؛ قالوا: بم يا رسول الله؟ إذن لاحظ أن المرأة صدقت لهذا وسلمت به وانتفعت منه، قالت: بم؟ ما هي الأسباب التي يمكن أن تدخل بها المرأة النار؟ أو ما هو أكثر سبب؟ قال: «بكفرهن». يبقى النساء انتفعن بهذا بكفرهن. قيل: يكفرن بالله؟ مر معنا هذا الحديث مرتين وشرحناه بشكل موسع. قال: قيل: يكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير». العشير اللي هو الزوج، «ويكفرن الإحسان» يعني من يحسن إليهن. هل هذا وصف لكل امرأة؟ لا. هل هذا الوصف لا يتصف به كثير من الرجال؟ بلى، يتصف به كثير من الرجال.

إذن هنا فيه خبر وفيه إنشاء؛ الخبر هو أن أكثر أهل النار من النساء، طيب، الإنشاء فيه ذكر صفة لا ينبغي أن يتصف بها لا الرجل وهو كفران العشير وكفران الإحسان. ثم فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى كفر العشير عند النساء: لو أحسنت إلى إحداهن -يعني التي المرأة التي تكفر العشير ما صفتها؟- انك لو أحسنت إليها الدهر كله ثم رأت منك شيئاً -يعني تنكره- قالت ما رأيت منك خيراً قط. كان الصواب أن هي تنكر عليك هذا الشيء ثم تثني عليك بما فيك من الخير.

فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا لم يذم جنس النساء، وهذا لم يكن قط في الكتاب والسنة. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. الله سبحانه وتعالى كما كرم الرجل كرم المرأة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. وإنما الإنسان يقدسه عمله وليس جنسه، واضح؟ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35] إلى آخر هذا الحديث.

فلا ينبغي قط للمؤمنة أن تصغي إلى أعداء الإسلام، أو أن تصغي إلى من يصدون عن سبيل الله أو يصورون لها أن الله تبارك وتعالى يحقرها أو ينتقصها. الله غني عنك وعن العالمين، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: 8]. فحينما تظن المرأة أن الله سبحانه وتعالى يتحداها -كما يقول بعض النساء الجاهلات الذين يشيعون هذا الفكر ويصدون به كثيراً من نساء الإسلام للأسف- تطلب المرأة هداية، بدايتها عند أكثر الناس وأجهل الناس. كيف يكون كتاب الله بين يديك ثم تلتمسين الهدى عند من كفروا بالله وبكتابه وبرسوله؟ ضل من كانت العميان تهديه.

سبق أننا تكلمنا عن هذا الحديث، ولكن هذا الحديث فيه فائدة اللي هي إيه؟ الصلاة جماعة، أنهم صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة.

أكمل. باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس. عن أسماء رضي الله عنها قالت: لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعتاقة في كسوف الشمس. نعم، العتاق اللي هو أعتاق العبيد اللي هو الإماء يعني، اللي هو عتق الرقاب، صدقة من الأعمال وإن كان العمل الصالح مستحباً عموماً ولكن نص على هذا. عن أسماء رضي الله عنها وعن أبيها قالت: لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعتاقة في كسوف الشمس، يعني هذا مما نص عليه من العمل الصالح. العتاقة -طبعا خلاص تكلمنا عنه- وهذا فيه عموماً استحباب التقرب إلى الله تبارك وتعالى بالعمل الصالح بمثل العتق والصدقة.

أكمل. باب الذكر في الكسوف. عن أبي موسى رضي الله عنه قال: خسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد فأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، وقال: «هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره». نعم، البخاري ذكر الأعمال أصناف الأعمال الصالحة في الكسوف؛ أعظمها الصلاة، ومنها كذلك العمل الصالح مثل العتاقة والصدقة، ومنها كذلك الذكر.

فذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: خسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزعا، وهذا يدل على أن المؤمن يجب أن يتفاعل مع هذه الأحداث، لا يكون غافلاً لاهياً عنها، وإنما يجب أن يتفاعل معها ويتحرك ويخشى عقاب الله تبارك وتعالى. قال: فزعا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد -فصلى، يبقى هذا يؤكد أن الصلاة بتكون في المسجد- فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، يبقى ده يدل أن هي مبالغة في التطويل في هذه الصلاة.

وقال: «هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته». لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا دفع معنى متوهم ووضع المعنى الصحيح، وهذا أعظم ما يقوم به العالم أن هو يدفع المعنى الخطأ ويضع مكانه البديل الصحيح. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم». النبي صلى الله عليه وسلم دفع توهماً كان موجوداً عندهم أن هذا يحصل لموت رجل عظيم أو نحو ذلك أو لحياته، قال: لا هذا خطأ. طب أمال إيه؟ هل هي ليس لها عبرة؟ لا، فيها عبرة، «ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك» ماذا تحصل؟ ركز كده، الصحابة في كل خبر منهم اخبار النبي صلى الله عليه وسلم -وأنا هذا جمعت واعتنيت به هذا الباب- أول ما يخبرهم خبر يقولون فبماذا تأمرنا؟ ماذا تأمرني إن أدركني هذا؟ بماذا تأمرنا؟ هذا مهم جداً فالله له الخلق وله الأمر. قال: «فافزعوا إلى ذكر الله» اللي هو سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله، وهكذا، «ودعائه واستغفاره». وهذا فيه يعني أن المؤمن لابد أن يتفاعل مع هذه الآيات.

أكمل. باب القراءة في الكسوف. عن عائشة رضي الله عنها قالت: جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من... كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. نعم، مر معنا هذه الصفة.

وجه الدلالة هنا: الجهر، أن الصلاة تكون جهرية؛ استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وسبق أنه تكون أربع ركعات في ركعتين، يعني كل ركعة يكون فيها ركوعان.

آخر باب عندنا يا شباب، اللي هو أبواب سجود القرآن، وأحاديث قليلة جداً نأخذه بالمرة وننهي الدرس. يبقى إحنا كده أخذنا ساعتين بحمد الله. أكمل كتاب سجود القرآن وسنتها: باب ما جاء في سجود القرآن وسنته.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم النجم بمكة، فسجد من معه غير شيخ أخذ كفاً من حجار أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. فرأيته بعد ذلك قتل كافراً.

أبواب سجود القرآن هي تابعة للصلاة وإن لم تكن صلاة، لكن هي عموماً تدخل بصورة ما في أبواب الصلاة. سجود القرآن المقصود به السجدات عند تلاوة بعض الآيات في القرآن، التي تسمى آيات السجدة. وهذه الآيات ذكر حوالي أربعة عشر موضعاً منها، وإن كان في بعضها خلاف.

الآية مئتا وست من الأعراف، والآية خمس عشرة من الرعد، والآية تسع وأرعبون وخمسون من النحل، والآية مئتا وسبع إلى مئة وتسع من الإسراء، والآية ثمان وخمسون من سورة مريم. عندنا آيتان في سورة الحج: الآية رقم ثمانية عشر، والآية رقم سبعة وسبعين.

عندنا سورة الفرقان الآية رقم ستون، وعندنا سورة النمل خمس وعشرون وست وعشرون، وسورة السجدة الآية رقم خمس عشرة، وسورة فصلت عندنا الآية سبعة وثلاثون وثمانية وثلاثون. وسورة النجم الآية اثنتان وستون، وسورة الانشقاق الآية إحدى وعشرون، وسورة العلق التي هي الآية رقم تسعة عشر.

طبعا ورد بعض الخلاف في بعض السجدات، ورد فيها خلاف، لكن عموماً هذا هو الذي ذكر. سجدة سورة ص مختلف فيها، وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد لها، وبعض العلماء قال إن هذا السجود توبة وليس هو سجود التلاوة، لكن عموماً هذه هي السجدات التي وردت.

عندنا هنا باب ما جاء في سجود القرآن وسنته: عن عبد الله بن مسعود قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم النجم ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]. قال: فسجد فيها وسجد من معه، غير شيخ أخذ كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، يعني استكبر أن يسجد وقال: يكفيني هذا. فرأيته بعد ذلك قتل كافراً. وفي رواية أنه أمية بن خلف، كان من أكبر من يصدون عن سبيل الله تبارك وتعالى.

السجود مستحب وليس واجباً، ولكن ورد فضل عظيم في أن ابن آدم إذا قرأ السجدة وسجد؛ حديث في صحيح مسلم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله» -كلمة يا ويله الراوي المفروض هي يا ويلي بس الراوي لم يرض أن يدعو على نفسه فنسب ذلك إلى أبيه- «أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار». وهذا فيه مزيد استحباب من سجود التلاوة.

باب سجدة ص: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.

سجدة سورة ص التي هي ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ [ص: 24]. قال: ليست من عزائم السجود، وهذا يدل على أن ليس أمراً مؤكداً، هذا يدل على أن السجدات منها عزائم ومنها أمور ليست مؤكدة. قال: وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. فيه تفاضل العبادات، وفيه أن سجدة ص ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن بعض السجدات آكد من بعض.

أكمل باب سجود المسلمين مع المشركين، والمشرك نجس ليس له وضوء. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم، قد تقدم قريبا من رواية ابن مسعود، وزاد في هذه الرواية: وسجد معه والمشركون والجن والإنس.

وجه استدلال البخاري هنا أن سجود التلاوة لا يشترط له الوضوء، وسيأتي أنه لا يشترط له استقبال القبلة. فهو وجه الاستشهاد أن المشرك نجس ليس له وضوء حتى لو توضأ، فهذا وجه الاستلال منه؛ فيريد أن يبين أن السجدة، أنت مثلاً لو أنت تقرأ أو أنت استمعت إلى أحد يقرأ وأنت لم تكن متوضئاً، فلا يشترط لك أن تقوم لتتوضأ حتى تسجد.

من قرأ السجدة ولم يسجد: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد فيها.

البخاري طبعا يريد أن يبين هنا أن السجود ليس واجباً، وإنما هو مستحب؛ لأن بعض العلماء يرى أنه واجب من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62] أو ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: 19]، أن هذا فعل أمر. ولكن البخاري رأى أن الأحاديث فيها أن أحياناً النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد، وأحياناً الصحابة لم يسجدوا، وروى آثاراً كثيرة فيها أن هذا السجود ليس بواجب.

ذكر حديثاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاءت السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاءت السجدة قال: أيها الناس، إنما نحن نمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر. وفي رواية عن نافع عن ابن عمر أنه قال: إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء. فكأن البخاري رحمه الله يريد من هذه الآثار والأحاديث بيان أنها مستحبة وليست واجبة، وإن كان طبعا العبد يرفع بها ويثاب عليها.

أكمل سجدة الانشقاق: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ [الانشقاق: 1] فسجد بها، فقيل له في ذلك فقال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يسجد؟ لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يسجد لم أسجد.

لأن سجدة الانشقاق مختلف فيها، فالبخاري أراد أن يثبت أن هذه سجدة؛ فروى هذا الحديث عن أبي هريرة أنه كان يسجد، وأنه نسب السجود فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهي كذلك من السجدات المستحبة.

أكمل من لم يجد موضعاً للسجود مع الإمام من الزحام: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة التي فيها السجدة، فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته.

هو الأول يريد أن يبين أن السجود للقارئ والمسلم، ولكنه روى أثراً مهمًّا عن عثمان، قال: إنما السجدة على من استمعها. يعني إيه؟ يعني على من أصغى لها واستمعها، ليس مجرد السماع. مثلاً أنت في الطريق وواحد مشغل إذاعة القرآن الكريم وذكر آية سجدة، تمام، هل أنت تدخل في هذا؟ لا، على قول الصحابي الكريم: لا، إنما من جلس ليستمع إلى القرآن فجاءت الآية، يسن له أن يسجد مع القارئ.

تمام، هذا وجه ذكر البخاري رحمه الله. لكنه هنا قال: من لم يرى موضعاً للسجود من الزحام، يعني بسبب الزحام، قال عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد. هذا هو وجه الشاهد.

أن المستمع يسجد أيضاً، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته. هذا فيه أن المؤمن مثلاً لو كان يتلو القرآن في السيارة أو مثلاً في القطار أو الطائرة؛ يسجد كيفما تيسر له. مش لازم أن هو يسجد على الآية، على الأرض، وأن هي لا يشترط لها الوضوء لسجود التلاوة، وكذلك لم يأتي نص على اشتراط القبلة والله أعلم.

وجزاكم الله خيراً بارك الله فيكم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً.

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.