تسجيل الدخول

الدرس 12 - من حديث 570 إلى 612

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إbrahim وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد.

وبعد؛ فاصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

أهلا وسهلا ومرحبا بالحضور الكرام، هذا هو الدرس الثاني عشر من اجتماعنا على قراءة كتاب مختصر البخاري. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا.

والله كنت أقرأ بالأمس في سورة الأنعام، ووقفت عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ ما فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 31-32]. من أعظم هداية الله تبارك وتعالى لنا أن علمنا كيف ننظر إلى الأشياء وكيف نقيمها، وبين لنا ما الذي ينبغي أن نشتغل به، وما الذي ينبغي أن نحرص عليه، وما الذي ينبغي أن نفرح به.

وكثير من الناس في هذه الدنيا -وإن كان يقول بلسانه إن الله تبارك وتعالى لم يخلق السماوات والأرض لعبا ولهوا وعبثا- لكنه يعيش في هذه الدنيا يلعب ويلهو ويتسلى، ليس له ما يشغله من العمل النافع. أحببت أن أشعركم بقيمة ما أنتم عليه من الخير، أحببت أن أذكركم بنعمة الله تبارك وتعالى علينا جميعا، أن هدانا لحب كتابه وحب سنة نبيه صلى الله عليه وسلم والاجتماع عليها.

أحب أن أذكركم بهذا الحديث الشريف، قرأناه قبل ذلك ولكني أحب أن أستحضره الآن. ذكر أبو موسى رضي الله عنه كما في صحيح البخاري، قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. فكان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في بعض أمره بالصلاة، يعني أخر صلاة العشاء حتى ابهار الليل، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم. فلما قضى صلاته، قال لمن حضره: «على رسلكم، أبشروا، فإن من نعمة الله عليكم، إنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم» أو قال: «ما صلى هذه الساعة أحد غيركم؟» لا يدري، يعني لم يضبط الراوي أي الكلمتين قال.

قال أبو موسى: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينبغي أن تستشعر ذلك، ومن أعظم ما هداني الله تبارك وتعالى وأكرمني به، وكان سببا عظيما في تثبيت وشرح صدري لطريق طلب العلم؛ كلمة قرأتها قبل تقريبا ثمانية عشر عاما، وهذه الكلمة مع اختصارها إلا أنها عظيمة، ثبتني الله تبارك وتعالى بها. الإام البخاري رحمه الله كان يملي على تلميذه الفرابري حديثا كثيرا، فلما شعر أنه قد مل، يعني من كثرة العمل الإنسان أحيانا يمل، وأعظم ما يصبره يقينه بوعد الله تبارك وتعالى وشعوره بقيمة ما خصه الله تبارك وتعالى به، فحينها ينقلب هذا الشعور من الملل ينقلب قوة وثباتا ورسوخا.

حمدا لله تبارك وتعالى على ما خصه به، قال له البخاري: طب نفسا، يعني لا ينبغي أن تكون مشتغلا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ترى انك متكلف بهذا وأنك متعب، أو تفعله لمجرد أنه وظيفة أو عمل. لا، طب نفسا، ينبغي أن تفرح وأن ينشرح صدرك وأن تشكر نعمة الله تبارك وتعالى عليك ان خصك بذلك. قال له: طب نفسا، فان اهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجارتهم، وانت مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

والله لا استطيع ان أذكر لكم ما جاء في قلبي بعدما قرأت هذه الكلمة، وكان الله تبارك وتعالى من فضله ونعمته أن يوقف عبده على ما ينشرح به صدره؛ حتى يتحول العمل من مجرد أمر يصبر نفسه به ويحاول أن يلتمس أوجه يثبت بها على العمل، إلى أن يبقى يشكر ربه تبارك وتعالى، يرى نعمة الله تبارك وتعالى عليه. احمدوا نعمة الله عز وجل واشكروه بالعمل الصالح، أن حبب إليكم الإيمان وأن جعلكم مسلمين، وأن حببكم في آيات القرآن الكريم وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

قد وصلنا بحمد الله تبارك وتعالى إلى أبواب تقصير الصلاة، وأحب أن أنبه تنبيها مهمين. التنبيه الأول: أن هذه الدروس هي ليست دراسة لصحيح الإام البخاري، وإنما هي لمختصر البخاري. ما دلالة ذلك؟ دلالة ذلك أن هذه الأحاديث مختصرة من جهتين: أن هو لم يذكر جميع كل الأحاديث، ولم يذكر كذلك كل الأبواب، فهذا يقتضي أن الطالب لابد أن تكون هذه مرحلة أولى فقط في دراسته لكتاب الإام البخاري.

التنبيه الثاني: أن المسائل التي نتعرض لها في أبواب الإيمان أو الفقه أو غير ذلك ليس قصدنا فيها الاستقصاء وذكر الاقوال والخلاف وأدلة كل قول، لا، هذا ليس مقصدا، وإنما هو مرور سريع، الهدف الأصلي منه -كما ذكرت لكم قبل ذلك- أن نمر سريعا على أشهر متون الحديث النبوي مع شيء من فقه ومعاني الكلمات، وأن تكون مادة بين يدي الوالد أو الخطيب أو المدرس يعلم منها أبناءه أو التلاميذ أو نحو ذلك. فأنا أحب ممن يريد أن يدرس أي مسألة من هذه المسائل أن يرجع إلى مظانها من كتب الفقه وكتب الحديث وغير ذلك.

اتفضل يا أسامة. كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر. عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر.

نعم، أبواب تقصير الصلاة هي تابعة لأبواب الصلاة، يعني كل ما يتعلق بالصلاة، أحيانا يذكرها العلماء تحت اسم صلاة المسافر. والشافعي رحمه الله حينما ذكرها، ذكر قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101]، أن ذلك تخفيف من الله تبارك وتعالى عن خلقه، لا أن فرضا عليهم أن يقصروا. ولكن هذه الآية خاصة بمن كان مسافر بالقصر مع الخوف، أما القصر، قصر الصلاة، فقد جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بيان لرحمة الله تبارك وتعالى وتخفيفه ونعمته على خلقه.

وهذا من وجه آخر يدل على عظم قدر الصلاة، أن الصلاة لا تسقط على المرء بحال، إلا في الحائض أو النفساء كما هو معروف. أما أن يكون الانسان هناك حال تسقط فيها الصلاة عن المسلم، هذا لا يكون، حتى في مواقيت الصلاة، يعني شرعت صلاة الخوف وصلاة السفر، مع أن المسلم يرجع من سفره أو يأمن من خوفه أو يشفى من مرضه، يمكن أن يقضيها، لا، الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا.

ولكن الله تبارك وتعالى خفف علينا فيها في شأن المسافر. البخاري تكلم عن تقصير الصلاة، يعني قصر الصلاة، قال: باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، يعني ما هو السفر الذي يشرع فيه القصر أو تترتب عليه أحكام السفر، من مثلا الإفطار في السفر في رمضان أو القصر في الصلاة. وذكر الحديث الأول حديث ابن عباس، وكان في فتح مكة.

يحكي عن فتح مكة؛ قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، يعني قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينو الإقامة. وهذا في حال من ذهب إلى سفر وهو لا يعرف متى تقضى حاجته.

يقصر الصلاة إلى أن يرجع أو إلى أن ينوي الإقامة، وطبعا مسائل القصر في الصلاة، سواء في مدة السفر أو في مسافة القصر، أو في متى تترتب عليه أحكام السفر، كل هذا باب واسع وفيه خلافات كثيرة.

في الحديث الثاني، عن أنس رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة. وهذا طبعا في حجة الوداع بخلاف ابن عباس كان في فتح مكة. وطبعا في حجة الوداع كان النبي صلى الله عليه وسلم عازماً على الإقامة لأنه يريد أن يحج صلى الله عليه وسلم. قدم مكة في اليوم الرابع فأقام بها الخامس والسادس والسابع، وخرج الثامن إلى منى وإلى عرفات في التاسع.

ثم أعاد إلى منى في العاشر فأقام بها اليوم الحادي عشر والثاني عشر ونفر في الثالث عشر إلى مكة، فمدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وما حواليها عشرة أيام. فهذا الحديث بخلاف الحديث الأول؛ قال عن أنس رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين، اللي هو القصر يعني قصر الظهر والعصر والعشاء اللي هي الصلاة الرباعية، حتى رجعنا إلى المدينة. قيل له: أقمتم بمكة؟ قال: أقمنا بها عشرة، يعني يقصد الحج كله، آآ يقصد أدخل فيه الذهاب إلى عرفة ومنى، كأنه جعل مدة الإقامة من أول الدخول إلى الخروج منها عشرة. هذا طبعا فيه جواز القصر في السفر وفيه كذلك يقصر المسافر حتى يعود وإن طالت مدة سفره ما لم ينو الإقامة.

يعني هذا قول كثير من أهل العلم أنه ما دام لم ينو الإقامة يبقى يقصر الصلاة.

أكمل يا أسامة باب الصلاة بمنى: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدراً من إمارته ثم أتمها.

نعم، أكمل عن حادثة ابن وهب رضي الله عنه قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين.

نعم، أكمل الباب، يعني اقرأ الباب كاملاً: عن ابن مسعود رضي الله عنه لما قيل له: صلى بنا عثمان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات؟ استرجع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.

نعم، باب الصلاة في منى، يعني هل تقصر الصلاة في منى أم لا؟ ذكر حديث عبدالله بن عمر أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ومع عمر وصدراً من خلافة عثمان، ثم بعد ذلك عثمان رضي الله عنه اجتهاداً منه كان يتم الصلاة، والصحابة رضي الله عنهم وإن كانوا وافقوه درءاً لمفسدة الخلاف أو إظهار الخلاف، لكنهم كانوا يرون أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالاتباع.

في الحديث الثاني، وهو حديث حارثة بن وهب، قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم آمن ما كان. كلمة آمن اسم تفضيل من الأمن، يعني كان آمناً، وهذا يدل على أنه لم يصل قصراً بسبب الخوف، يعني هو يدفع هذا الظن لمن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ركعتين لكونه صلى صلاة الخوف؛ قال: لا، هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم آمناً، فهذا تثبيت لبيان أن السنة أن تكون ركعتين، يعني الصلاة ركعتين.

وحديث عبدالله بن مسعود ذلك لما قيل له: صلى عثمان بمنى أربع ركعات -يعني لم يصل قصراً- استرجع، يعني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. هذا فيه استعظام أن تخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، نلاحظ أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي الحكم والفصل في النزاع. قال: وصليت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه بمنى ركعتين -يؤكد- وصليت مع عمر بمنى ركعتين، فليت حظي -واضح أنه صلى مع عثمان، عثمان رضي الله عنه أربعاً حتى لا يخالفه مراعاة لجمع الكلمة أو لا يظهر الخلاف ونحو ذلك، وأن المسألة اجتهادية- قال: فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان. هذا فيه طبعا أن من سافر إلى بلد له فيها بيت وأهل أتم فيها كما فعل عثمان، هذا اجتهاد منه أنه رأى أن هذه البلدة كأنها بلدة لأن له فيها أهلاً، وغيره لم ير ذلك. بعض الناس يقول مثلاً: أنت لو لك بلد، أنت مثلاً مقيم في أوروبا ولك بيت وأهل في مصر، فهل إذا ذهبت إلى مصر إجازة معينة ولم تنوي الإقامة تتم أو تقصر الصلاة؟ هذا فيه خلاف.

طيب، أكمل يا أسامة الباب في كم يقصر الصلاة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة».

هو طبعا البخاري ذكر في قبل هذا بعد هذا الباب قال: وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وليلة سفرا، قال: وكان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد. ورد -وهو جمع بريد- قال البخاري: وهي ستة عشر فرسخاً. يعني احنا عندنا الفرسخ ثلاثة أميال، والميل ألف وثمانمائة وثمانية وأربعين، يعني يقرب من اثنين كيلومتر، يعني الثلاثة أميال تساوي خمسة كيلومتر ونصف، فالستة عشر فرسخاً التي ذكرها البخاري هي ثمانية وثمانون كيلومتر تقريباً، فهذه هي المسافة التي ذكرت في الذين حددوا القصر بثمانية وثمانين كيلومتر مسافة القصر في السفر، اعتمدوا على هذه القسمة. وطبعا فيه خلاف: هل يرجع مسافة السفر إلى العرف؟ فمثلاً عرفاً لو واحد انتقل من مدينة إلى أخرى حتى لو لم يبلغ هذه الكيلومترات يعد مسافراً؛ هذه المسألة فيها خلاف.

لكن خلينا هنا نقف مع هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة». مسيرة يوم وليلة هي أربعة برد؛ لأن كل بريد أربعة فراسخ، وأربعة برد تكون ستة عشر فرسخاً، هي المسافة التي ذكرناها. نلاحظ أن كثيراً ما تعلق الأحكام بهذا: يؤمن بالله واليوم الآخر، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت؛ لماذا؟ لأن الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يكون له ما يردعه عن عمله الذي يقدر عليه.

لذلك ربنا سبحانه وتعالى لما ذكر الذين يكذبون بالدين، وهذا التكذيب قلبي، قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3].

طبعا في هذا الحديث نهي المرأة أن تسافر بغير محرم، بغير حرمة وهو من لا يحل له نكاحها من الأقارب، هذا هو المحرم أو الحرمة.

في كذلك مسافة القصر. هل في خلاف؟ هل كل ما يسمى سفرا تقصر فيه الصلاة وتترتب عليه أحكام من الفطر وغير ذلك أم يرجع إلى مسافة محددة؟ في ذلك خلاف. تفضل يا أسامة.

باب يصلي المغرب ثلاثا في السفر. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إذا أعجله السير يؤخر المغرب ويصليها ثلاثا ثم يسلم، ثم قل ما يلبث حتى يقيم العشاء فيصليها ركعتين ثم يسلم، ولا يسبح بعد العشاء حتى يقوم من جوف الليل.

طبعا صلاة المغرب ليس فيها قصر، وهذا فيه الجمع، وفيه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسبح، يعني التي هي الصلاة النافلة الراتبة بخلاف صلاة الليل؛ يعني سيعقد البخاري بابا من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها، ثم بعد ذلك يذكر بابا آخر من تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبله.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي النوافل الراتبة التي كان يصليها في الحضر إذا كان مسافرا لم يكن يصليها، لكن كان يصلي الليل ويصلي الوتر ونحو ذلك، لكنها ليست راتبة.

طبعا الهدف في هذا الحديث بيان رخصة للمسافر أن يجمع بين المغرب والعشاء مع قصر العشاء، وفي كذلك جمع التأخير، وهو جمع المغرب والعشاء في وقت العشاء، وفي كذلك بيان مشروعية قيام الليل في السفر، وفي كذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل في السفر كما كان حريصا عليه في الحضر صلى الله عليه وسلم. أكمل.

باب صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت به. عن جابر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة.

استقى معنا في الحديث رقم خمسمائة واثنين وثلاثين الحديث الذي ذكرناه حديث سعيد بن يسار المدني. قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، فقال: أين كنت؟ قال: خشيت الصبح فنزلت فأوترت. قال: أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله. قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير، فمر معنا.

والبخاري رحمه الله ذكر هذا الحديث الذي هو حديث جابر، ذكر قبله باب التطوع على الدواب وحيثما توجهت به؛ يعني مستقبلة القبلة أو غير مستقبلة، يعني يمكن أن تكون الدابة غير مستقبلة للقبلة، مثلا أنت راكب سيارة، راكب طائرة، راكب قطار، وبدأت في صلاة السنة أو النافلة، ليس شرطا أن تصلي إلى القبلة.

يعني صلاة النافلة للمسافر لاحظ، صلاة النافلة للمسافر على الدابة لا يشترط فيها القبلة. عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة.

أكمل بعد صلاة التطوع على الحمار. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه صلى على حمار ووجهه عن يسار القبلة، فقيل له: تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ما فعلته.

هذا الحديث الذي بوبه عندي باب صلاة التطوع على الحمار، هذا الحديث روايته كالتالي: أن أنس بن سيرين هو أخو محمد بن سيرين وأخو حفصة بنت سيرين، وهو من رواة أهل البصرة الثقات الذين حافظ الحديث. عن أنس قال: استقبلنا أنسا حين قدم من الشام فلقيناه بعين التمر، عين التمر هذه بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة، فتحها المسلمون أيام أبي بكر رضي الله عنه على يد خالد بن الوليد سنة اثنتي عشرة من الهجرة.

قال: فرأيته يصلي على حمار وجهه في ذا الجانب، يعني عن يسار القبلة، وهو استغرب أنه يصلي إلى غير القبلة، فقيل له: تصلي لغير القبلة؟ لاحظ أن هذا فيه ماذا؟ فيه أنك إذا رأيت أحدا وإن كان من أهل العلم يفعل ما لا تعلم له سنة أو تظن أنه مخالف للسنة، يشرع لك أن تسأله، بل هذا هو الصواب، أنك أنت تسأله حتى تعرف، ربما يكون ناسيا، ربما يكون عنده علم يفيدك به.

فذكر قال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ما فعلته. نلاحظ هنا أن أنسا رضي الله عنه لعله تعمد أن يفعل ذلك ليعلم الناس، وهذا فيه أن المرء يأتيه التيسير من علمه بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي عندنا حديث إن شاء الله في آخر الدرس فيه هذا المعنى العظيم، أن كثرة العلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم تجلب التيسير؛ لأنه أولا يصلي على حمار، بعض الناس يظن أن الحمار نجس، فهو كان يصلي على حمار وإلى غير القبلة، فكان التيسير من جهتين.

لكن لو أنت بقى تصلي نافلة في بلدك وأنت غير مسافر، القبلة تكون واجبة؛ لأن بعض الناس مثلا ممكن يظن أن هذا في مطلق النافلة، أنك لو أنت بتصلي نافلة في أي مكان حتى وانت على الأرض تصلي إلى غير القبلة يجوز، لا، هذا ليس صحيحا، وإنما هذا خاص بهذه الحالة، أنك أنت تكون مسافرا وعلى الدابة. تفضل أكمل، يعني لو أنت على الأرض، يعني لو أنت على الأرض في سفر يجب عليك أن تستقبل القبلة.

من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أره يسبح في السفر.

وقال الله جل ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. البخاري هنا شوف يعني البخاري طبعا كتاب البخاري الأصل أيها الشباب الكرام من يعني ترتيب هذا الكتاب مهم جدا، ولكن طبعا هذا المختصر الصراحة لا يظهر فقه البخاري في هذا؛ لأنه أحيانا يختصر أبوابا ويختصر الرواية، لكن جزاه الله خيرا عموما يعني هو أراد أن ييسر هذا الكتاب لأن الكتاب كبير، وبعض الناس يستصعفونه فأراد أن ييسره، لكن هذا الكتاب يا شباب أؤكد كثيرا لا يغني أبدا عن الكتاب الأصل.

روى البخاري رحمه الله أراد هنا أن يبين لما تكلم عن التطوع، بين ما هو التطوع في السفر؟ هل هي النوافل والرواتب المعروفة قبل الظهر وبعد الظهر وقبل الفجر وكذلك مثلا بعض قبل العصر وبعد المغرب وقبل العشاء وبعد العشاء وهكذا التي هي السنن الراتبة أم ما هو التطوع؟ فقال: باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها، التي هي النوافل الراتبة.

روى حديثا عن ابن عمر قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أره يسبح، يسبح يعني يصلي النوافل، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. هذا الحديث أصل في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المسلم لا ينبغي له أبدا أن يتصرف من تلقاء نفسه قبل أن يطلب سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني لعل إنسانا يقول: لا والله، أنا قادر على أن أنا أصلي النوافل، طب لماذا لا أصليها؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي تلك النوافل الراتبة، لكنه كان يتطوع التطوع المطلق، الذي هو مثلا بعد العشاء، الذي هو قيام الليل، ابن عمر ذكر ذلك.

وبين أنه يجب على كل مسلم أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، ولعل هذا هو السبب في تسمية البخاري كتابه الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، يعني يبين أنك في كل باب.

يجب أن ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يبقى إذا اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم أولى من الاجتهاد بالنظر، أنك أنت تتصور من نفسك أن الحكم كان ينبغي أن يكون هكذا. مثلاً تقول والله أنا الآن مسافر بالطائرة ولست متعباً مثلاً، والسفر بالنسبة لي ليس متعباً، فلماذا لا أصلي الصلاة تامة؟ لماذا مثلاً لا أصلي النوافل القبلية والبعدية؟ لأنك تؤجر على اتباعك لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأنا والله أرى أن العبد المسلم الذي يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في تيسيره يكون، إن شاء الله تبارك وتعالى، أقدر على اتباعه في اجتهاده. وبعض الناس يعمل العكس، يعني بعض الناس يأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم تيسيره، ولا يأخذ منه عزمه واجتهاده في العبادة، والعكس، وخير الهدى هدى النبي صلى الله عليه وسلم.

باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبلها. عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى السبحة بالليل على ظهر راحلته حيث توجهت به.

نعم، هنا البخاري بعد ما بين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها، أراد أن يبين أن التطوع في السفر مشروع ولكن في غير دبر الصلوات أو قبل الصلوات. وذكر حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى السبحة بالليل -اللي هي التطوع يعني- في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركعتي الفجر في السفر.

وفي رواية جاءت: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في الصلاة المكتوبة، اللي هو أن هو يصلي على الدابة حيث توجهت به، وإنما إذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة. هذا جاء في حديث جابر رضي الله عنه، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة.

لكن أحياناً مثلاً طبعا يكون السفر طويلاً ويستغرق أوقات الصلوات، وأنت لا تتمكن من استقبال القبلة، أو حتى لا تتمكن أن تقف وتقوم وتركع، يعني كأن يجلس في طائرة ضيقة، وطواير الطائرات للأسف ليس فيها مساجد، وأحياناً الأتوبيس الذي تسافر فيه لا يقف في أوقات الصلوات ويمر عليك صلاتان أو أكثر، فهنا صلي كيفما استطعت، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء. نعم، هو الآن يتحدث عن الجمع، سبق الكلام عن القصر، يتكلم الآن عن الجمع، وهو فيه جواز الجمع في السفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء.

باب إذا لم يطق قاعداً صلى على جنب. عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت لي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صلي قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب».

نعم، طبعا هنا إذا لم يطق قاعداً صلى على جنب، هذا هو يتكلم في الفريضة هنا، لأن الفريضة شرط فيها القيام. أما صلاة التطوع فورد فيها حديث وصلات النافلة، يعني هل يجوز لصلاة النافلة للقادر قاعداً؟ في حديث عبد الله بن عمرو قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة» -يعني نصف الأجر- قائماً. وهذا طبعا في التطوع، أما في الفريضة فالقيام واجب في الصلاة.

وهنا ذكر حديث عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صل قائماً» يعني هذا هو فرض الصلاة أن تصلي قائماً، فريضة يعني. «فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب». فمن العاجز؟ العاجز عن هذا يكون له مثل أجر القادر، لأن الكلام هنا عن الفريضة، أما النافلة فورد فيها حديث بجواز ذلك ولكنه يكون أنقص في الأجر.

يبقى هذا الحديث فيه الرخصة للمريض في الصلاة، وفيه بيان يسر الإسلام، وفيه كذلك أن القدرة شرط في التكليف، يعني ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

إذا صلى قاعداً ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي. عن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعداً قط حتى أسن، فكان يقرأ قاعداً حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحواً من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع. وعنها رضي الله عنها في رواية: ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فاذا قضى صلاته نظر، فإن كنت يقظة تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع.

نعم، هنا يذكر أن الإنسان يمكن أن يصلي قاعداً لعله حتى النافلة، يعني سواء يصلي الفرض أو النافلة، ووجد في نفسه مثلاً، الإنسان كان يصلي شعر أنه دايخ في الصلاة، تعبان، مش قادر يقف فجلس، لكنه بعد ذلك وجد خفة في نفسه، يعني شعر أن ذهب عنه هذا التعب أو الإعياء، يأتي يصلي قائماً، كأن ما كان مسموحاً له في مرضه أو في حالة تعبه، إذا وجد خفة من نفسه أو صح فإنه يعود إلى الصلاة التامة الكاملة.

وذكرت أم المؤمنين رضي الله عنها أنها لم تر النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعداً قط حتى أسن. وأنا وجدت بعض الناس، بعض الشباب لكونه علم بحديث جواز صلاة النافلة قاعداً، دائماً يصلي صلاة النافلة قاعداً! لا، هذا أنت لماذا تطلب نصف الأجر وأنت قادر بحمد الله؟ أجد عدد من الشباب مثلاً يدخل المسجد فيصلي تحية المسجد أو يصلي صلاة النوافل وهو جالس اعتماداً على هذا الحديث. لا، هذا الحديث ذكر للتخيير ولم يذكر لتأخذ أنت به، بل الإنسان يطلب معالي الأمور ويطلب أعلى الأجر.

والنبي صلى الله عليه وسلم تذكر عنه عائشة رضي الله عنها أنه ما كان يفعل ذلك حتى أسن، وإن كان ذلك مشروعاً، قالت: فكان يقرأ قاعداً حتى إذا أراد أن يركع قام. هذا هو محل الشاهد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يركع لم يركع من القعود، وإنما قام ليركع، وقرأ نحواً من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع. ثم ذكرت الحديث الآخر: ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فإذا قضى صلاته نظر، فإذا كنت يقظة تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع.

كتاب التهجد، باب التهجد بالليل. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» أو «لا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله».

طبعا هذا الحديث لو احنا تكلمنا عنه بتوسع والله يأخذ منا ساعات، وهذا من أجمل الأدعية التي أحب أن أحدث بها، وأحب أن أكثر من ذكرها حتى في غير صلاة الليل، وإنما أحب أن أعلمها كل من جلست معه.

هذا الباب، الذي هو أبواب التهجد، هي تابعة أيضاً للصلاة. افتتحه الإمام البخاري رحمه الله بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79].

والهجود هو النوم، لكن التهجد هو التيقظ بعد نومة من الليل، يعني كلمة التهجد هي صورة من صور قيام الليل. قيام الليل من أول العشاء إلى الفجر، خلاص يعني بعد صلاة العشاء يعني كل هذا وإذا صليت فيه يكون قياماً لليل، لكن التهجد معناه التيقظ بعد نومة.

وهذا كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم في الاستفتاح، يعني كان إذا أراد أن يستفتح الصلاة، وهذا الدعاء من جوامع الدعاء؛ لماذا؟ لأن هذا الدعاء جمع الثناء على الله والتعظيم والحمد، وجمع الإيمان بالله وبوعده ولقائه، وكذلك الإيمان بالنبيين والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالجنة والنار والإيمان بالساعة، وجمع كذلك إسلام العبد لله، واستعانة العبد لله، وسؤال العبد بعمله الصالح، ثم سؤال العبد مغفرته.

ففي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد» هذه أحق كلمة قالها العبد، «اللهم لك الحمد» ثم يفصل، يعني يذكر بعض الأسباب التي يحمد الله تبارك وتعالى عليها، ويثني العبد بها على ربه تبارك وتعالى: «أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن».

الله سبحانه وتعالى قال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: 33]، وقال الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]، وكذلك أن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، إلى آخر هذه المعاني. «أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن»، يعني أنت مدبرها وأنت القائم عليها، ولك الحمد.

«أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن». لاحظ كلمة لك الحمد، الإنسان الله سبحانه وتعالى علمنا ما الذي نحمده عليه، وأنا أريك وأنت تقرأ القرآن أن تجمع الأمور تحمد ربك عليها؛ مثلاً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، مثلاً: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 45]، وهكذا. الحمد لله الذي له ما في السماوات، إلى آخر الآيات.

هنا أيضاً في هذا الحديث ربنا سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمك ما الذي تحمد ربك عليه: «أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت الحق».

كل هذا يؤمن به العبد؛ «أنت الحق ووعدك الحق». من أعظم ما يعين على العمل الصالح وترك المعاصي أن تكون موقناً بوعد الله، لذلك ربنا كثيراً في القرآن ما يقول: إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. ودائماً الله سبحانه وتعالى يحذرك أن تتبع من يصدك عن هذا الوعد: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

فاعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم. كذلك: ﴿فَمَا وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ [القصص: 61]، كل هذا التأكيد لماذا؟ لأن من كان شاكاً في وعد الله يضعف عمله أو يكفر، كما قال المشركون: إن ظنوا إلا ظناً، ونحن بمستيقنين.

ولذلك ربنا سبحانه وتعالى كثيراً ما يذكر الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم، والرجل المؤمن يقول: إني ظننت أني ملاق حسابيَّه. لذلك هذه نصيحة الوالد: كلم ولدك كثيراً عن الدار الآخرة وعن وعد الله تبارك وتعالى ووعيده: «ووعدك حق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق».

وسبحان الله كنت وأنا أقرأ في سورة الأنعام أقف مع قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30]. وصورت كده الكافر الملحد أو المستهزئ بالله وآياته إذا وقف على ربه تبارك وتعالى ماذا يفعل؟ والله هذا مشهد مهيب! الله سبحانه وتعالى يذكرنا بهذا لنكون موقنين بوعد الله تبارك وتعالى.

«ولقاؤك حق، وقولك حق» يعني كلام الله تبارك وتعالى، «والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت». نلاحظ بقى هنا البداية، لاحظ أننا انتقلنا الآن من الثناء والتعظيم والحمد والإيمان إلى الإسلام، إسلام الوجه لله.

«اللهم لك أسلمت»، كلمة «لك أسلمت» هي نتيجة لكل ما تقدم، يعني إذا كنت تعلم أن الله تبارك وتعالى قيم السماوات والأرض ومن فيهن، وأنه نور السماوات والأرض ومن فيهن، وأنه ملك السماوات والأرض ومن فيهن، وتؤمن بأن وعده حق ولقاءه حق وقوله حق والجنة حق إلى آخر ذلك، لابد أن تسلم له.

لذلك جاء في الآية: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]. فالمسلم أعقل من في هذه الدنيا؛ لماذا؟ لأنه أسلم لمن ينبغي أن يسلم له، وإلا فأي إنسان يسلم؟ يعني الذي هو كافر بالله، هذا يتبع هواه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43] لأن الإاله هو المطاع، ليس هناك شخص إلا وله من يعبده.

لذلك ربنا سبحانه وتعالى قال في سورة يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 60-61]، فكل من لم يعبد الله فهو يعبد الشيطان ويعبد هواه: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50].

فنلاحظ أن كلمة «اللهم لك أسلمت» هي نتيجة لما تقدم. «اللهم لك أسلمت وبك آمنت»، وهذا يدل على أن لفظ الإسلام والإيمان إذا جاء في نص واحد لا يكون بينهما تطابق، كما في قول الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، وعند دخول المقابر تقول: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين. روايات كثيرة قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا.

فهنا العبد يقول: «اللهم لك أسلمت». وإسلام الوجه لله فيه دلالتان، أريد أن تكون هذه الدلالة حاضرة عندك وأنت تقول هذه الكلمة: «لك أسلمت» هذا فيه إخلاص الدين لله، و«لك أسلمت» فيه الطاعة، يعني لك أسلمت على الوجه الذي تريدني أن أسلم به.

ممكن واحد يخلص إلى الله في عمله لكن لا يكون عمله مشروعاً، وممكن واحد يكون عمله مشروعاً لكنه يبتغي به غير وجه الله، فالإسلام فيه خصلتان: الأولى أن يكون عملك على هدي الله، يعني أن تسلم لأمره: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، هذا الاتباع، وأنك أنت ترضى بحكم الله، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

هذا هو معنى الإسلام الأول الاتباع وقبول شرع الله تبارك وتعالى، وألا تعارضه بهواك أو تخالفه. وهذا هو المعنى الأول، والمعنى الثاني أن يكون عمله خالصاً. المعنيان جاءا في قول الله تبارك وتعالى في المثل الذي ضربه في سورة الزمر: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ [الزمر: 29]، يعني هو خالص لرجل ومطيع له فيما أمره به، هذا هو معنى الإسلام.

«وبك آمنت»، والإيمان هذا كذلك فيه قول وعمل، يعني إيمان باطن وعمل ظاهر. «وعليك توكلت»، نلاحظ بقى أن هو الآن العبد يبدأ في التوسل بالعمل الصالح، التوسل معناه أن تذكر سبباً لله يستجيب دعاءك به، كما مثلاً قال الحواريون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].

وكما يقول المؤمنون: ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 193]، يعني أن عملاً صالحاً، كما قالت زوج إبراهيم عليه السلام: اللهم إن كنت أحسنت فرجي إلا عن زوجي، فاصرف عني هذا الفاجر الذي أراد بها السوء. فالإنسان إذا قدم عملاً صالحاً في دعائه، هذا يكون توسلاً بالعمل الصالح.

«وبك آمنت وعليك توكلت». طبعا كلمة، كما قلت لك، الإسلام والتوكل والانابة.

كل هذا فرع عن الحمد الأول، وهذا يدل على أن هذا العمل مبناه على العلم؛ يعني علمي بأن ربي يقيم السماوات والأرض ومن فيهن هو الذي جعلني أتوكل عليه. شف هود عليه السلام لما قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ يعني ذكر توكله، وذكر سبب هذا التوكل: وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت -يعني حاججت مخالفي أو قاتلت أعدائي يعني أستعين بك- وإليك حكمت، إن الحكم إلا لله، وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله.

لاحظ بقى هذا التعظيم والحمد والثناء والإيمان بالله وبلقائه وبقوله وبالجنة والنار والنبيين وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبالساعة، وهذا الإسلام والإيمان والتوكل والمخاصمة والمحاكمة؛ كل هذا مقدمة لهذا السؤال: فاغفر لي ما قدمت وما أخرت. طب لماذا لا يقول العبد: اغفر لي ذنوبي؟ ماذا يظهر لي أن هذا من أعظم ما جاء في الاستغفار؛ لأنه يشعرك بحاجتك إلى الاستغفار، أن تستحضر ذنوبك السر والعلانية. مثلاً في الحديث لاحظ أن مقام الاستغفار فيه تفصيل: اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله علانيته وسره، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت. هذا من أعظم ما جاء في الاستغفار؛ أن تفصل صلة لتعلم أنك لا تستغفر من باب التفضل، لا، أنت تستغفر لعلمك بتقصيرك في حق الله ولعلمك بذنوبك، فمقام الاستغفار تحتاج أن تستغفر وأنت فقير إلى مغفرة الله.

لذلك لما قال بعض الناس: كيف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً؟ لماذا؟ لأن أباکر لما بعض الناس يعني قال: إن أبا بكر يقول هذا الدعاء يعني من باب التبرع، لكنه لم يكن أبداً ليظلم نفسه ظلماً كثيراً. هذا ليس صحيحاً؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه يعرض نفسه على صورة المؤمن الصورة التامة التي أرادها الله تبارك وتعالى صبغة الله، ولا يسعه إلا أن يقول: ظلمت نفسي، وهذا الاعتراف اعترف به آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]. وسيدنا موسى قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: 16]. وإبراهيم عليه السلام قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: 82]. والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي».

أن تبوء بذنبك أن تكون موقناً، أن تكون عالماً بتفاصيل ذنوبك تستحضرها؛ هذا من أعظم الأسباب لأمور؛ الأمر الأول: أن تكثر من الاستغفار، والامر الثاني: أن تكثر من العمل الصالح، والأمر الثالث: أن تتواضع لله وللناس، والأمر الرابع: أن تعذر من وقع في مثل هذه الذنوب وأن تحاول أن تكون عوناً له وألا تقع في مثل هذا مرة أخرى. أنت تلاحظ أن هذا المقام مقام طلب الاستغفار المغفرة يحتاج العبد أن يفصل فيه بين يدي الله تبارك وتعالى، والحمد لله الذي لم يجعل بيننا وبينه أحداً نعترف بذنوبنا أمامه كما كان يفعل القساوسة والرهبان في القرون الوسطى، كانوا يجعلون الناس يستغفرون لهم يذكرون يعترفون بذنوبهم أمامهم ونحو ذلك من نية بدعة صكوك الغفران. أن كثيراً من الأحبار والرهبان يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، هذا يدخل فيها أنهم كانوا يضحكون على الناس ويستغفلونهم، يقولون: اعترف بذنبك أمامنا وادفع مالاً ويغفر له ذنبه.

طيب قال: فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت. شوفوا بقى هذا هذا أنت المقدم وأنت المؤخر؛ يعني أسمان من أسماء الله تبارك وتعالى سبب عظيم في التوكل والدعاء. وأنا أدخلت هذا الحديث في أحاديث الفلاح والنجاح من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن علم العبد بأن ربه تبارك وتعالى هو الذي يقدم يجعله يكثر من الدعاء استعانة بالله، وإذا قدمه الله لا ينسب هذا التقدم لنفسه، هل يعلم أن ربه تبارك وتعالى هو المقدم وهو المؤخر؟ من أعظم أسماء الله تبارك وتعالى التي يجب أن تستحضرها في عملك: لا إله إلا أنت، هذا هو الإخلاص، أو لا إله غيرك، نفس المعنى.

ولا حول ولا قوة إلا بالله جاءت في بعض الروايات، لا حول ولا قوة إلا بالله هي كلمة استعانة، بعض الناس يقولها عند المصيبة وهذا ليس صحيحاً، بعض الناس أول ما تقول لفلان مثلاً عمل حادثة يقول لك: لا حول ولا قوة إلا بالله. لأ، هذه الكلمة هي كلمة استعانة وليست كلمة استرجاع؛ يعني لو الإنسان قالها ينوي أن يتقوى في موضع هذا هو اللائق بها، لكن انسان يقولها في موضع المصيبة لا أعلم دليلاً فيها، وإنما الأدلة في هذا الباب تأتي: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فانا اريد منك أن تتصور شخصاً استفتح بعد ما نام، يعني هو صلى العشاء مثلاً وصلى السنة جلس مثلاً قرأ قرآن أو جلس مع أهله ونام، ثم أراد أن يقوم من الليل والتهجد، ثم استفتح قيامه بهذا الدعاء متدبراً فيه، كيف يكون يومها؟ يعني إذا قال الإنسان هذا الدعاء يا شباب وللوالد الكريم، وأنا أحب منك أن تعلمه ولدك وتكتبه، اطبع هذه الأدعية واملأ بها بيتك، اكتبها على مكتب، ضعها على مكتب الأبناء، على سرير الأولاد، على المكتبة، ضعها أمامك على الموبايل، تبقى مستحضراً لهذه المعاني. أنا أريد منك أن تتصور شخصاً استفتح يومه بهذا الدعاء وقبله قرأ العشر الأواخر من آل عمران، كيف يكون يومك؟ لذلك لا حول ولا قوة إلا بالله تقال عند الاستعانة، كما مثلاً في حي على الصلاة وحي على الفلاح، فهذا الدعاء عظيم.

طيب، أكمل باب قصد قيام الليل. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت غلاماً شاباً وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فاذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلقينا ملك آخر فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل». فكان بعده لا ينام من الليل إلا قليلاً.

طبعا نريد أن نلاحظ أن العمل الصالح له صور يرد بها في الكتاب والسنة، يمكن أن يرد بالأمر أن الله سبحانه وتعالى يأمر: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. ويمكن أن يذكر الله تبارك وتعالى ذلك من صفة عباده، تماماً كما قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان: 63]. أو يذكر ذلك صفة لأنبيائه ورسله تماماً، وكل ما ذكره الله تبارك وتعالى من صفات هؤلاء وأمرنا بالاقتداء به فهو خير العمل.

ويمكن أن يذكر ثوابه وفضله، فالبخاري رحمه الله بعدما ذكر أن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل، أراد أن يبين لك فضل قيام الليل، وذكر في هذا الفضل أنه سبب في الوقاية من عذاب النار ومن عذاب القبر. حديث عبد الله بن عمر قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت غلاماً شاباً وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الرؤيا قال: فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار.

إذا هي النار مطوية كطي البئر، يعني مبنية الجوانب كأن لها جوانب. يعني مطوية مبنية، وإذا لها قرنان، وإذا لها قرنين القران يعني خشبتان الذي هو بيعلق عليها الخطاف، يكون فيهما حديدة، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم. فجعلت أقول أعوذ بالله من النار، كلمة أعوذ يعني ألجأ أو أعتصم. قال فلقينا ملك آخر فقال لي لم ترَ يعني يطمئنه، لا روعة عليك، لا ضرر، لا تخف.

فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. حفصة هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بنت عمر بن الخطاب واخت عبد الله بن عمر رضي الله عنهم.

وقال: «نعم الرجل عبد الله». شف هذه النصيحة الجميلة، النبي صلى الله عليه وسلم بدأها بما يبشر به: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل». وهذا الحديث يعني من أعظم الأحاديث في فضل قيام الليل والتأكيد عليه. وقيام الليل هو من أشرف العبادات التي لا يثاب فقط الرجل عليها وإنما ينبل بها الرجل ويقوى عزمه. هذه العبادة من أكثر ما أشدد به عليكم، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. يعني أنت حاول أن يكون لك نصيب من الليل، لا تفوت أن يكون لك نصيب من أول الليل، من وسطه، من آخره. المهم قيام الليل أنت إذا تتبعت ما ذكره الله سبحانه وتعالى عن الصالحين، وما قوّى الله تبارك وتعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، تجد قيام الليل أساسي في هذا الأمر.

نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل. فكان بعد، شف لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» يعني مثلا يصلي من أوله من آخره. طيب عبده عبد الله بن عمر كيف استجاب إلى هذا الحديث؟ قال سالم، وهو سالم بن عبدالله بن عمر وهو راوي الحديث، فكان بعد، يعني كان عبد الله بن عمر بعد هذه الكلمة لا ينام من الليل إلا قليلا. يعني النبي صلى الله عليه وسلم أراد منه أن يصلي شيئا من الليل، لا هو كان يصلي الليل وينام القليل منه، مبادرة إلى أعلى العمل، مبادرة إلى أعلى العمل. هذا هو المؤمن الموفق، إذا سمع بعبoda أو فتح أمامه باب من الخير يبادر. هذا هو الإنسان الموفق. في إنسان مثلا تكلمه عن قيام الليل، مجرد أنت ما انتهيت من الكلام يقول لك: أصل أنا ورايا شغل الصبح، أصل أنا نومي ثقيل، يعني يضع عراقيل. أنا عندي علامة في الشخص، يعني الذي أستشعر فيه بالجد هو العزيمة على الرشد، أنه أول ما يستمع بخير لا يفكر إلا في أن يعمل به، وأرى أن هذه النية يُعان بها بإذن الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17]. إنسان أول ما تكلمه عن تربية ابنه يقول لك: لا أصل أنا ابني عنيد، أصل أنا مش فاضي، هو أنا بقى أصل أنا مش شيخ، أصل الولد أصلا مش كويس. فاهم يعني كان المفروض أول ما يستمع لهذا الخير ينوي في قلبك، يا أخي انوي واستعن بالله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: 66].

شف كلمة فعلُوا ما يوعظون به، إنسان أول ما يسمع إلى حديث يبادر أو على الأقل ينوي، يعني أنا أقول لك على علامة فيك، دي علامة معروفة يعني. أنت بمجرد ما تستمع إلى سنة، أول ما تجد نفسك تفكر كيف تعمل بها وتريد أن تبدأ فيها فورا، اعلم أنك موفق من الله، هذا أمر لا يحتمل الشك، وهذا معنى العزيمة في الرشد. في إنسان العكس، في إنسان عنده عزيمة على الشر، أول ما واحد يقول لك ده مثلا في أماكن في مكان فيه شيء سيء أو كذا، يرجو ويتمنى أن يكون فيه، فلذلك سل الله تبارك وتعالى العزيمة في الرشد والثبات في الأمر، لأن ليس كل من يعزم على الرشد يثبت فيه، ممكن يبقى فيه أياما ثم بعد ذلك يصيبه ملل، وهذا حال كثير من الناس، يكون عنده رغبة مبدئية يصور نفسه مثلا مع الكتاب وكوباية النسكافيه، يقول لك: أنا بدأت الآن بقى أقرأ في مش عارف إيه تمام، وبعد بعد ثلاث أربع سنين ممكن يلاقي بقى الكتاب ده وقعت عليه كوباية القهوة وانتهى الأمر، هو خلاص صور نفسه على الفيسبوك وعمل الإيه.. واحد يصور نفسه في الجيم، يقول: أنا بدأت في ممارسة الرياضة يلا، ويصور نفسه وهو شايل حديد، وبعدين بعد كده يسيب الأمر خالص. لا، لازم يكون عندك عزيمة على الرشد وثبات في الأمر، واستعن بالله.

هذا طبعا في فضل أن قيام الليل من الأسباب التي ينجو بها العبد من عذاب النار. باب ترك القيام للمريض: عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه يقول: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين. ترك القيام للمريض، طبعا نحن فيه عندنا حديث في البخاري، وهو إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يفعل وهو صحيح مقيم، وهو حديث متكلم في إسناده بعض الشيء، لكن عموما صححه الإمام البخاري، وهذا الحديث له ما يؤكد عليه، وهو أن نية العبد إذا كان العبد حريصا على فعل الخير واجتهد في أسبابه، فإنه يؤجر به. ومن كان يواظب على عمل صالح ثم منعه سفر أو مرض، فإنه من فضل الله تبارك وتعالى أن يثيب. لكن هل يتساوى فعله، هل يتساوى يكتب له مثل ما كان يفعل؟ هذا فيه خلاف، وأحنا أخذنا ذلك في رسالة في الهم والعزم لابن تيمية رحمه الله قبل ذلك.

عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مرض، فلم يقم ليلة أو ليلتين. طبعا هدفي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم لقيام الليل صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه الأغلب من حاله أنه كان يصلي قيام الليل إلا في حال المرض، وطبعا هذا فيه معنى جميل هنا، أن هذا الأمر لا يقدح في صفة المواظبة. يعني لو مثلا واحد معتاد أنه يصلي يوميا مثلا ثمان ركعات مثلا وفي يوم أو يومين تعب، هذا لا يقدح في أنه مواظب ومداوم على العمل. والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا أثبته، أنا أريد منك أن تتصور شخصا كل ما يعمل شيء جميل يثبت هذا في يومه، لا يجعله أمرا طارئا، بل الطارئ أن هو يتركه: وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه هو وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال: «ألا تصليان؟» فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فاذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو مولٍ يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54].

نعم، هذا العنوان فيه أمران، الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم حث ورغب ودعا إلى قيام الليل، وفي نفس الوقت أنه لم يوجبه، ففيه الأمران. عن علي بن أبي طالب، أنا أريد منك أن تلاحظ أن علي بن أبي طالب هو الذي روى هذا الحديث، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم علي بهذه الكلمة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]، فواضح أن النبي صلى الله عليه وسلم

لم يرضَ هذا الجواب من علي رضي الله عنه؛ عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة زوج علي رضي الله عنها وهي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألا تصليان؟». يعني قيام الليل، هذا للعرض يعني أو للحث؟

فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فاذا شاء أن يبعثنا بعثنا. هل هذه الكلمة حق؟ هذه الكلمة حق، لكنها ليست مناسبة هنا؛ ليس كل كلمة تكون حقاً في كل موضع. مثلاً تصور أنت قلت -وهذا أنا أفعله كثيراً مثلاً مع الناس- أحث على الاهتمام بولده ورعاية ولده، أن يعطيه شيئاً من وقتاً منه، تتصور يقول لي إيه؟ يقول: لا والله، ربنا قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]، وس سيدنا نوح ابنه كافر.

فتصور يعني في أُبّ كلمة في غير هذا، يقال: إذا أنت اجتهدت في رعاية ولدك ثم بقي ولدك على ما هو عليه، هنا بقى تقول: إنك لا تهدي من أحببت، وتستحضر قصة والد إبراهيم وابن نوح عليه السلام. نعم، إنما لما أنا أدعوك لعمل تقدر عليه فتحتج أنت عليه بالقدر، هذا أمر مذموم. يبقى فهذا القول من علي رضي الله عنه لم يكن في موضعه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يرضه؛ لأن كلمة أنفسنا بيد الله هي حق، لكن ليس ليست هي، يجب أن يأخذ الإنسان بالسبب.

يعني نعم، الإنسان نفسه بيد الله، لكن الإنسان يأخذ بالسبب الذي يجعله يقوم الليل، تمام؟ مثلاً يضبط المنبه، ينام بدري، لا يرهق نفسه في عمل يفوت عليه ذلك؟ نعم، هذا هو الذي المناسب. الإنسان يبادر إلى هذا، لا يضع الحجج لترك هذا الأمر.

النبي صلى الله عليه وسلم انصرف حين قال علي رضي الله عنه ذلك، ولم يرجع إليه شيئاً؛ يعني لم يرد عليه. قال علي: ثم سمعته وهو مولي والنبي صلى الله عليه وسلم ماشي يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]. هذا التمثل بالقرآن، وهذا التمثل مشروع في موضعه؛ بعض الناس يتحرج من أن يذكر الآيات في مواضع، لا، ليس صحيحاً، وبعض الناس يستسهل ذلك، فيستعمل الآيات في غير مواضعها أو في مواضع هزار، لا، ليس صحيحاً، لكن يجوز أن تذكر الآية في موضع، هذا من أحسن ما يكون، أن يستشهد بالآية في موضعه.

طبعاً في هذا الحديث حث على قيام الليل، وفيه كراهية الجدل في أمر الطاعة، وفيه أن الكلمة في نفسها تكون حقاً، ولكنها إذا استدعيت في غير موضعها لا تكون حقاً، وفي كذلك العزيمة في الرشد، وفيه كذلك تفقد الوالد ولده، وكذلك تفقد الصاحب صاحبه. صلى الله على النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن علي وفاطمة رضي الله عنهما. اتفضل.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط، واني لأسبحها.

نعم، عائشة رضي الله عنها تذكر هدي النبي صلى الله عليه وسلم كامام، وهذا يصلح للوالد وللإمام وللمتبوع، أن هو يلاحظ كيف ينظر الناس إليه؛ لا يعني إذا التزم بعمل لابد، وكان هذا العمل مستحباً، لابد أن يبين لمن هم معه أن هذا العمل مستحب، خشية أن تظن أنه فرض، وهذا هو الصواب. بعض الناس يريد أن يحمل الناس مثلاً على صلاة الضحى، فيقول لهم: هل يوجد مسلم لا يصلي الضحى؟ كأن الناس يفهمون منها أن هي واجبة أو فرض.

النبي صلى الله عليه وسلم كان رفيقاً بأمته وكان رحيماً؛ رضي الله عنها تذكر حكمته وهديه، قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس. فهذا، كما قلت لكم، فيه أن الحاكم أو المتبوع أو الوالد أو الخطيب، يعني أي إنسان ينظر الناس إليه لابد أن يراعي نظر الناس إليه؛ يمكن أن يعلمهم، يمكن أن يذكر لهم التيسير، مثلاً يصلي في النعل حتى يعرف الناس أن الصلاة في النعل جائزة، يمسح على الخفين مثلاً إذا كان الناس يظنون أمراً أنه حرام وهو مباح، يفعله أمامهم، وهكذا؛ أن هو يراعي حال الناس.

قالت: خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط. هكذا روت عائشة أنها لم تره سبحها، ولكن يأتي حديث عندنا في باب صلاة الضحى في الحضر، وكذلك وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بأن يصلي الضحى. فهذا فيه رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، وفيه كذلك جواز المواظبة على ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم تخفيفاً.

لأن عائشة رضي الله عنها قالت: ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط، إني لأسبحها. هي فهمت أن النبي صلى الله عليه وسلم إن ترك هذه الصبح، اللي هي صلاة الضحى، لكنه لم ينهَ عنها، فكانت تفعلها. وهذا من أحسن ما يكون، أن تعلم أن ما جاء عن الصحابة الكرام هو ما يفقه به كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

بعض الناس نعم يهتم بالقرآن والحديث، لكنه يقصر في آثار الصحابة؛ آثار الصحابة هي أول وأحكم طريق لفقه القرآن والسنة، وهي أولى من تعلم لسان العرب. يعني بعض الناس مثلاً يقرأ في كتب النحو المتأخرة ويظن أن هذا أولى من كتب الآثار، لا، ليس صحيحاً. كتب الآثار عن الصحابة هذه أول ما يفقه به القرآن وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك اجمع معه ما شاء؛ تعلم لسان العرب، وهو خير طريق لتعلم لسان العرب هو نفس القرآن والسنة وكتب الآثار.

ماشي، أكمل. باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل حتى ترم قدماه. عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم حتى تنم قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً». طبعاً هذا فيه اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، وهذا، كما قلت لكم، من أعظم ومن آكد النوافل والمستحبات، وله آثار على العبد عظيمة جداً.

يعني أنا كما قلت لك، اريد منك بأن تتصور شخصاً يبدأ يومه، دي سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن هو يقوم من النوم؛ يذكر ربه، يتلو العشر الأواخر من آل عمران، ثم يتوضأ ويستفتح صلاته بهذا الدعاء العظيم الذي ذكرناه، ويقرأ ولو ربعاً من القرآن، لو صفحة واحدة، ده حتى لو ركعتين والوتر، يعني يصلي ما أراد الله سبحانه وتعالى، ثم يجلس يدعو ويستغفر؛ يدعو لوالده، لوالدته، للمسلمين، لأهل العلم، يدعو بخير الدنيا والآخرة، ويستغفر ربه تبارك وتعالى، ثم يذهب إلى صلاة الفجر ويذكر الله.

كيف سيكون يومه؟ كثير من الناس يعني تاه في هذه الدنيا، ضايع؛ يعني يومه مقلوب زي ما بنقول، يفضل سهران طول الليل في مباريات وأفلام ومسلسلات، وينام عن صلاة الفجر، وبعد كده يصحى بعد الظهر. والله أنا لا لا أعرف كيف يعيش هؤلاء؛ هل يمكن أن يكون الإنسان بذلك؟

يعني أنا كنت أكلم واحداً أسأله عن شخص، فيقول لي: لا، أصل فلان ده بيحب نفسه، ده عايش في الطراوة. فكلمة في الطراوة عندنا في مصر يعني ضايع، ما بيعملش حاجة؛ بينام وياكل ويشرب ويتفسح وخلاص. قلت له: والله لو كان يحب نفسه ما فعل ذلك؛ الذي يحب نفسه لا يتبع هواها، الذي يحب نفسه يسوقها بهدى الله، وهذا معنى أن لنفسك عليك حقاً؛ حق نفسك أن تحملها على هدى.

لماذا؟ لأن الله أعلم بنفسك، وهو أعلم بما تزكو به نفسك. لذلك ربنا سبحانه وتعالى لما ذكر العبادة، نريد منك أن تتخيل هذا المعنى العظيم في سورة المائدة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. ربنا يقول لك: لا تظن أن بما فرضته عليك من أحكام الوضوء أو غيرها أني أشق عليك أو أجعل عليك حرجاً، لا، وإنما أريد أن أطهرك به. ربنا يريد أن يطهرك بهذا الأمر.

فأنت إذا نظرت إلى العبادة أنها تطهير وتزكية، لا يمكن أن تتساوى مع شخص ينظر للعبادة مجرد تكليف وابتلاء. المرأة مثلاً التي ترى أن الإسلام يشق عليها، وأنه يظلمها، وأنه حرمها من كثير مما كانت تريده، كيف يمكن أن تكون مسلمة لله بخلاف المرأة التي ترى أن الله شرفها وكرمها بالإسلام وحفظها وحماها وصانها؟ لذلك نظرتك للعبادة، تصور شخصاً بيروح الجيم (اللي هو صالة الألعاب الحديد) وهو مخنوق ومتضايق، وشاف أن ده مثلاً بيقلل من الأكل، ورايح للتمرين وشافه تعب؛ كيف يمكن أن يبدع فيه؟ كيف يمكن أن يصبر عليه؟

إذن لابد أن يستشعر الإنسان فضل الله عليه بأن جعله مسلما، فلذلك كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يصبر على عبادة ربه تبارك وتعالى. باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترم قدماه وفي رواية حتى تتفصل تتشقق صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم عن المغيرة قال: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقه.

وثبت حديث عائشة رضي الله عنها: كيف تفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال في الرواية: «أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً». لأن عبادة الله ليس لها باب واحد، الإنسان لا يعبد الله خوفاً فقط أو طمعاً في الجنة فقط أو حبا لله فقط، لا، احنا عندك أبواب كثيرة؛ حبا لله وإيمانا به وتعظيماً وحمداً وخوفاً وطمعاً وشكراً، وخوفاً من سيئات الأعمال. تصور شخصاً دخل في باب العبادة من كل هذه الأبواب، كشخص فقط يعبد الله خوفاً من سيئات الأعمال.

قبل يومين وضع هؤلاء الشباب الكرام منشوراً أن الإنسان اللي بيعصى الله في السر يخاف لاحسن ربنا يفضحه، أنا قلت له: لا، خطأ أنك أنت تجعل سبب تركك للذنب مجرد الخوف من الفضيحة، لا هذا لا يكون عملاً صالحاً، إنما يثاب العبد على ترك الذنب إذا تركه إيماناً بالله وحباً له وتعظيماً له وخوفاً منه وشكراً لنعَمته وطمعاً في ثوابه وخوفاً من سيئات الأعمال؛ يعني يجب أن تتركه لله، مش تتركه خوفاً من الفضيحة، لأن هذا السبب مع كونه ليس خالصاً لله، هذا يجعل الإنسان إذا أمِن الفضيحة أن يعصي الله سبحانه وتعالى.

أحياناً الإنسان يكون في موعظته لا يتبع فيها هدي القرآن والسنة؛ زي شخص مثلاً يتكلم عن عذاب القبر فيقول: تصور في القبر ستكون وحدك وما فيش حد هيونسك! يا سلام، هي دي المشكلة في القبر فقط؟! يعني إيه المشكلة فقط أنك هتكون لوحدك؟! لا، المشكلة أن فيه عذاب وفيه فتنة، هيبقى مهم أن الإنسان تكون موعظته بالوحي، ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: 45]، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِي﴾ [ق: 45]. كثير من الأئمة والخطباء يذكر الناس بهواه هو؛ لم تكن موعظته وتذكرته ودرسه وخطبته مبنية على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

كما يذكر في بعض كتب اللي هي اللي بتسمى كتب الرقائق؛ أن بعض العابدات كانت تقول: إن كنت أعبدوك خوفاً من نارك فأدخلني النار، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني من الجنة، وإن كنت أعبدك حباً لك فهذه العبادة. لا، ليس صحيحاً، الإنسان يدعو ربه، يعبد ربه خوفاً وطمعاً وحباً وتعظيماً وإجلالاً وشكراً لنعمة الله، كل هذا يجتمع.

فهذا الحديث حديث عظيم جداً، يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعبد ربه حباً وإيماناً وتعظيماً وخوفاً وطمعاً وشكراً، وأن أبواب العبادة أو الدوافع للعبادة ليست فقط هي مغفرة الذنب أو طلب الثواب، وإنما هي شكر لله في الأصل. أصلاً كل العبادة هي شكر، إما ذكر وشكر وإما غفلة وكفر، هذه هي خلاصة الدين؛ إما ذكر مع شكر أنك تبقى ذاكراً لنعمة الله وللجنة والآخرة فيحملك ذلك على العمل وهذا هو الشكر، ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]، أو الغفلة والكفر، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]. وأنا أرى أن معنى الشكر إذا دخل على العبد، فانه من اعظم المفاتيح التي تثبته على العمل، لأن الإنسان باستحضاره لفضل الله ونعمته عليه يبقى عاملاً لله، يبقى عاملاً يشكر نعمة الله تبارك وتعالى.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً».

طبعاً هذا الحديث أصل في التوسط والاعتدال والاستقامة، حديث جميل أحب منكم أن تقرأوه كاملاً، لكن طبعاً احنا قصدنا الاختصار، وأنا للاسف ساعات بتوسع بتصور أن الوالد الكريم محتاج إنه يفهم ابنه شوية، لكن ساحاول ألتزم الاختصار إن شاء الله. في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم يعلم عبد الله بن عمرو، كان عبد الله بن عمرو يعني كان يقصر في حقوق أهل بيته، فالنبي صلى الله عليه وسلم علمه صفة الصلاة وكذلك قال له كما في الحديث: «إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً» إلى آخر الحديث العظيم، وهو أصل في التوسط والاستقامة ومراعاة الفطرة وحاجات النفس.

ذكر له هنا أحب الصلاة اللي هي صلاة الليل إلى الله تبارك وتعالى فذكر أن هي صلاة داود عليه السلام، النبي الكريم اللي هو والد سليمان عليهما السلام، قال: «كان ينام نصف الليل» يعني هو بيقسم الليل ثلاثة أقسام؛ نصف الليل ينام، وبعدين يقوم الثلث، وبعدين ينام السدس يستريح عشان يقوم إلى صلاة الفجر ويكون قادر على الأذكار، وهذه القسمة من أحسن ما يكون أنك أنت تستريح شوية قبل الفجر مثلاً عشر دقائق ربع ساعة، هذه تعطيك نشاط الذهاب إلى صلاة الفجر في المسجد والأذكار، ولو تلعب رياضة مثلاً أو تدرس أو نحو ذلك أو تذهب للعمل.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدائم. قيل لها: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ، وفي رواية: إذا سمع الصارخ قام فصلى، وفي رواية عنها قالت: ما ألفاه السحر عندي إلا نائماً. تعني النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كأن البخاري رحمه الله هنا يريد أن يبين الاستراحة لقَبْل صلاة الفجر.

عائشة رضي الله عنها بتذكر هنا أن أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدائم، اللي هو ما داوم عليه صاحبه، لأن العمل الدائم هو الذي يصلح النفس وليس الكثير المنقطع. وكثير من الشباب ممكن مثلاً يقرأ في يوم عشرة أجزاء وبعد كده لا يقرأ؛ لا، أنت حاول تواظب مثلاً على ربع ساعة مثلاً في القراءة. واحد يقرأ مثلاً صحيح البخاري في شهر وبعد كده لا يقرأ في السنن نهائي؛ لا، الأفضل أنك أنت تواظب ولو على القليل، فذكرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعني كأنه يستريح قليلاً قبل صلاة الفجر.

فسئلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع السارق -اللي هو إيه؟ الديك- سُمّي بذلك لكثرة صياحه، وفي رواية: إذا سمع السارق قام فصلى لصلاة الفجر، وفي رواية: ما أالفه السحر عندي إلا نائماً؛ يعني النوم استعداداً إيه لصلاة الفجر، يعني كأنها راحة كده أو اضطجاع قبل أن يؤذن للفجر.

أما هذا شاهد صفة صلاة داود عليه السلام؛ لأن صفة صلاة داود عليه السلام هي النوم في أول الليل، وبعدين الصلاة، ثم النوم الخفيف -اللي هي زي غفوة كده أو استراحة- فكأنها شاهد لصلاة داود عليه السلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقتدي بأخيه داود كما قال الله سبحانه وتعالى: فبهداه اقتده.

باب طول القيام في صلاة الليل. عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء. قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعُد وأذر النبي صلى الله عليه وسلم. هذا فيه اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، وفيه كذلك استحباب طول القيام في الليل.

طبعا من لم يستطع طول القيام يمكن أن يكثّر في الركعات، يعني المهم الاعتبار بالوقت؛ أنت مثلا تستطيع -أن بعض الناس يقول: أنا والله أحب أصلي ركعتين طويلتين مثلا أصلي بسورة البقرة، واحد تاني يقول: لأ، أنا والله لا أستطيع أقف كل هذه المدة- فممكن مثلا أقسمها على عشرين ركعة أو على عشر ركعات، يعني المهم أنك تحاول قدر الإمكان أن يكون لك نصيب من الليل.

كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكم كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل؟ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة، يعني بالليل. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ منها الوتر وركعتا الفجر.

نعم، هو يريد هنا أن يبين كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت فيها أمران: فيها العدد وفيها الكيفية. طبعا عائشة رضي الله عنها ذكرت العدد، أن النبي صلى الله عليه وسلم ما -يعني- كانت هذه صلاته ثلاث عشرة ركعة، وطبعا داخل فيها الوتر وركعتا الفجر.

وسبق الكلام عن أن هذه هي السنة وهذا هو الأفضل، أن تكون هذه صلاتك في الليل، ولكن يمكن للانسان -يعني- إذا لم يستطع أن يأتي بكل هذه الركعات، أو أراد أن يزيد عليها، أن ذلك مشروع له. وطبعا صلاة الليل مثنى مثنى، يعني ركعتان وتسلم، ركعتان وتسلم، وإن كان وَرَد صفة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم أنه واصل، لم يسلم بين الركعتين، ولكن الأشهر ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى، يعني كل ركعتين تسلم بعدهما.

باب كيف كان قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، وما نُسِخَ من قيام الليل. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته.

طبعا البخاري ذكر تحت هذا الباب سورة المزمل، ذكر أولها وذكر آخرها، اللي هو فيه الأمر بالقيام ثم نُسِخَ هذا الأمر. ذكر هنا عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن ألا يصوم منه، ويصوم حتى نظن ألا يفطر منه شيئاً، يعني النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو التنويع في أوقات العبادة، وهذا أدعى للبقاء على العبادة ودفعاً للملل، كذلك لم يكن قيام النبي صلى الله عليه وسلم في وقت محدد، يعني كان يقوم من أول الليل، من أوسطه، من آخره، صلى الله عليه وسلم.

باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصلي بالليل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَد، يضرب كل عُقدة: عليك ليل طويل فارقد؛ فإن استيقظ فذكر الله انحلت عُقدة، فإن توضأ انحلت عُقدة، فإن صلى انحلت عُقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان».

من أعظم المحكمات التي جاءت في القرآن وتكررت كثيراً بيان عداوة الشيطان لآدم وذريته، وبيان أنه عدو مُّبين. كلمة عدو مُّبين يعني يريد أن ينال منك أي شيء، ومن ضمن هذه الأمور أنه يريدك أن تكون كسلاناً؛ أن تكون كسلاناً وخبيث النفس. هذا باب عقد الشيطان على قافية الرأس، وهذا حق يجب أن تؤمن به وإن لم تره؛ لأنه خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هنا قال: إذا لم يصلي بالليل. الاقرب والله أعلم أن هذا النص فيمن لم يصلي الفجر، يعني هذا هو الذي -الاقرب عندي- أن هذا أصل في صلاة الفجر، من نام عن صلاة الفجر، ولكن طبعا من باب أولى أن الإنسان المسلم إذا صلى الليل فإنه أدعى أن يفلت من العقدة.

طبعا هذه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية» القافية اللي هي المؤخرة «قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد» وهذا من الشيطان، يضرب كل عقدة -يعني كأنه يقول: عليك ليل طويل فارقد- يبقى الشيطان يريدك أن تنام، أو أن تكون نشيطاً في الباطل. ركز بقا، الشيطان يريد منك أحد امرين: إما أن تكون مجتهداً نشيطاً في الباطل -واحد يقول لي: والله أنا كنت ممكن أتفرج على عشر حلقات من المسلسل اللي فاتني، مثلاً فيه مسلسلات هو بيتابعها، فاته مسلسل، بيقول: ممكن أقعد في يوم أتفرج على عشر حلقات وما أقدرش أفتح المصحف دقيقة واحدة أحس بالنوم وأن أنا بتأوب، تمام كده؟ ما هو ده نفس الشيء، إنه يجعلك مجتهداً يجعلك تسافر آخر الدنيا عشان تعمل معصية، ويجعلك تكسل أنك تروح للمسجد اللي جنبك- هو كده يريد منك أن تكون عازماً في الهوى أو الباطل، ويريد منك أن تكون كسلان في الخير أو الحق: عليك ليل طويل فارقد، نام كسل.

فإذا استيقظ فذكر الله، ذكر الله تبارك وتعالى، ذكر الله دي ليس فقط ذكر الله باللسان، ذكر الله استحضر مقام الله تبارك وتعالى، ذكر الدار الآخرة انحلت عقدة؛ دي البداية وخد بالك، كل حسنة تنادي على ما بعدها، يعني ده شيء أنا عندي يقين فيه أن طريق الخير أن العبد إذا عمل عملاً صادقاً مخلصاً لله يسلمه لعمل آخر، وهذا من معنى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه. فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس -يعني منشرح الصدر- نشيطاً، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان. فنעوذ بالله من خبث النفس ومن الكسل، ونعوذ بالله من مكر الشيطان.

طبعا فيه فضل قيام الليل، وفيه ذكر الله تبارك وتعالى، وفيه الوضوء، فيه أحياناً مثلاً واحد يستيقظ يا شباب في الليل مثلاً يدخل الحمام أو كده، يستحب له أنه يتوضأ ويصلي ركعتين حتى لو ده مش وقت قيام الليل، يعني صلي ركعتين خفيفتين كده وبعدين ينام أو يذكر الله يدعي شوية وبعدين يرجع ينام، هذا مستحب.

باب إذا نام ولم يصلي، بال الشيطان في أذنه. عن عبدالله رضي الله عنه قال: ذُكِرَ عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل ثقيل، ما زال نائماً حتى أصبح.

ما قام إلى الصلاة. فقال: بال الشيطان في أذنه الأقرب. في هذا الحديث وفي الذي قبله أنه في صلاة الفجر. وطبعا يدخل يعني أن الإنسان إذا صلى من الليل فإنه يصرف به كيد الشيطان.

أنا أريد منك أن تنظر في هذا الحديث الذي يتكلم نصاً على النشاط والكسل، كم شخصاً سمعته يتكلم عن النشاط والكسل والنجاح؟ ويستشهد على ذلك بكلام الله وبيان النبي صلى الله عليه وسلم.

قليل قليل قليل قليل جداً. كثير من الناس إذا جاء لهذه الأبواب يستمع إلى أناس ربما يعني هم كفرة أو ملحدون، لا يا شباب والله أعظم طريق لإصلاح النفس وإصلاح الأسرة وإصلاح الأبناء ومعاني النجاح والجد والمواظبة والاجتهاد.

والله تجدها على خير بيان في القرآن وحديث النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة الكرام، وأنا والله أجمع هذه المادة من القرآن والسنة يعني أتعجب كيف تكون هذه الأدلة موجودة ولا يستشهد بها الناس، وهي من أحسن ما يكون.

فلذلك أنا أحب منك أن تقيد هذا وأن تعلم أن طبعا أجمل شيء في القرآن والسنة أنه ليس فقط يدلك على الاجتهاد والعمل، بل يدلك أصلاً على الأعمال التي تستحق أن تطلبها.

يعني مش مثلاً واحد يقول لك أنا إيه مجتهد في التمثيل أو مجتهد في كذا، لا يا حبيبي. ده القرآن والسنة تدلك على خير ما تطلب وتدلك على كيف تنجز هذه الأعمال بإذن الله تبارك وتعالى.

في هذا الحديث، إذا نام ولم يصلِ بال الشيطان في أذنه الأقرب، كما قلت لكم أن هي صلاة إيه؟ الصبح، لأن هي فيها يعني لأن هي الفرض. ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقيل: ما زال نائماً حتى أصبح، يعني اللي فاتته الصلاة، قال: بال الشيطان في أذنه. هذا حق، نصدقه أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، لا نعلم كيفية ذلك، ولكن هذا يدل على أن صلاة الصبح كما أنها من أعظم العمل الصالح، لكنها كذلك من الأبواب التي يصرف بها عنك كيد الشيطان.

أكمل باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟».

طبعاً الدعاء والصلاة من آخر الليل كأن البخاري لما ذكر هذا الترتيب يريد أن يبين أن آخر الليل أو ثلث الليل الآخر لابد أن يكون أو يستحب أن يكون لك منه نصيب. لماذا؟ لأن هذا الوقت ينزل فيه ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر.

فالله سبحانه وتعالى يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فالمؤمن يحرص على أن يكون له نصيب من هذا الثلث. طبعاً هذا الحديث فيه إثبات أن الله تبارك وتعالى ينزل، وهو تبارك وتعالى ليس كمثله شيء، وهو خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤمن به ونصدقه.

وهذا كذلك فيه أن المؤمن ينبغي أن يتعرف على اوقات الاستجابة، وأن ينوع، يعني مرة مثلاً يدعو ومرة يسأل ومرة يستغفر، وقبل ذلك ذكرنا الثناء والتحميد والتمجيد والتهليل والتكبير لله تبارك وتعالى.

تفضل، من نام أول الليل وأحيا آخره. عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، قالت: كان ينام أوله ويقوم فيصلي ثم يرجع إلى فراشه، فاذا أذن المؤذن وثب، فإن كان به حاجة اغتسل وإلا توضأ وخرج.

نعم، هذا الحديث أيضاً فيه الصلاة في آخر الليل، احنا قلنا أن الصلاة أي وقت من الليل، فهذا التنويع مهم أنك أنت تصلي من أول الليل، أحياناً تشعر أنك أنت لا تستطيع أن تستيقظ قبل الفجر، يبقى تصلي قبل أن تنام، أحياناً مثلاً لو أنت استيقظت في وسط الليل صل، تمام؟ لأنك ممكن بعد ذلك تنام وتستيقظ على الفجر.

أحياناً تضبط المنبه قبل الفجر مثلاً بساعة أو بخمسة وأربعين دقيقة أو نحو ذلك، فأم المؤمنين رضي الله عنها لما سئلت عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل قالت: كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلي ثم يرجع إلى فراشه، اللي هي فترة الراحة اللي احنا قلنا عليها.

وحتى جاء في حديث سلمان وذكره البخاري في حديث سلمان مع أبي الدرداء لما قال له: نم، فلما كان آخر الليل قال: قم، هذا أيضاً شاهد، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى من كل الليل، فأنت في أي وقت.

لكن أنا أعجبني جداً هذا اللفظ: فاذا أذن المؤذن وثب. شف شف النشاط والحب والاقبال وانشراح الصدر، في انسان مثلاً أول ما يأذن المؤذن يتقلب على جنبه شمال ويمين، ويبدأ بقى يفكر يا ترى هقوم ولا لا؟ وعلى ما يرفع اللحاف ويروح يوصل لدورة المياه بياخد له نصف ساعة.

فاذا أذن المؤذن وثب، حط هذا الحديث في أحاديث النجاح والفلاح. وثب الإقبال والنشاط وانشراح الصدر وأنت مقبل على العمل، وهذا من هداية الله تبارك وتعالى أن يجعل صدرك منشرحاً بما تقوم به من العمل الصالح صلى الله عليه وسلم.

أكمل باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره. عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن صلاته صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً.

قالت: فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي».

نعم في الحديث السابق يعني بعض العلماء استفاد منه، احنا عندنا من السنن المعروفة التي ذكرناها قبل ذلك، أن الرجل إذا أتى أهله يستحب له إذا لم يغتسل أنه يتوضأ، تمام وينام على وضوء.

لكن في هذا الحديث استنبط بعض أهل العلم من قول عائشة: فيصلي ثم يرجع إلى فراشه فإذا أذن المؤذن وثب فإن كانت به حاجة اغتسل، لو كان النبي صلى الله عليه وسلم أتى أهله يغتسل، استنبط منها بعض أهل العلم جواز أن ينام الجنب من غير وضوء، وإن كان هذا خلاف الأولى وخلاف الأشهر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: وإلا توضأ وخرج.

في هذا الحديث الآخر الحديث التالي قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره، ذكرت عائشة رضي الله عنها صفة قيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الحديث الذي ذكرته لكم، اللي هو ذكر فيه العدد وذكر فيه الكيف كذلك.

قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، هذه سنته لكنه لم يوقن ذلك، يعني لم ينه عن الزيادة أو لم ينه عن النقصان، ممكن واحد يصلي ركعتين أربعة ستة، أو يصلي على حسب ما تيسر ووردت آثار عن الصحابة ومن بعدهم في ذلك.

وذكرت عائشة رضي الله عنها: يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، هذا هو الذي أقصده، أن الإنسان إذا أراد أن يلتزم بالسنة فعلاً يلتزم بهذا، فإن هو يطيل هذه الركعات، لكن واحد مثلاً يصلي عشر ركعات كلها في خمس دقائق أو في عشر دقائق، لا، إذا أراد أن يعمل السنة فيأتي بها كما هي، أو بقدر المستطاع.

في هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها قالت: أتنام قبل أن توتر؟ وقال: «يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي». ذكر عدد من أهل العلم أن ذلك من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكروا أن من الفوائد في هذا الحديث خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى قلبه يقظان وإن نامت عينه صلى الله عليه وسلم. تفضل، أكمل.

باب ما يكره من التجديد في العبادة. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟». قالوا: هذا حبل لزينب إذا فترت تعلقت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، حُلُّوه، ليصلي أحدكم نشاطه، فاذا فتر فليقعد».

الفتور يعني التعب أو الكسل، يعني إنسان يصيبه تعب، فهي رضي الله عنها كانت تمد الحبل حتى تستند عليه، مثل ما يستهدي الإنسان على العصا. إذا فترت يعني إذا تعبت، فالنبي صلى الله عليه وسلم سأل عن ما هذا؟ فقالوا: هذا حبل لزينب رضي الله عنها فإذا فترت تعلقت به.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، حُلُّوه، ليصلي أحدكم نشاطه»، يعني وقت نشاطه، «فإذا فتر فليقعد». طبعا كلمة يصلي أحدكم نشاطه هذه لها معنى، بعض الناس يتخذ ذلك سبباً ويقول لك: أنا مثلاً أضبط المنبه قبل الفجر بنصف ساعة، لكن ألاقي نفسي تعبان، طيب أنام؟ لا، هذا ليس صحيحاً.

ما هو طبيعي، أمر لم تعتد عليه فيكون في بداية الأمر فيه تعب، يعني قم أنت وتوضأ وجاهد نفسك، هذا معناه أنك تأخذ أسباب النشاط؛ أنك تنام بدري، وأنك تكون إنسان رياضي ونشيط وتتحرك. هل المراد من هذا الأمر أنك أول ما تجد نفسك عندك شيء من التعب أو بوادر للتعب تترك قيام الليل؟ لا، وكيف تعتاد على ذلك؟ واحد راح صالة الألعاب تمرن يوم ولقى عضلاته تعبت فقال لك مش رايح، ازاي؟ ما هو طبيعي عضلات أنت سايبها بقالها عشرين سنة.

والإنسان مثلاً يقول: أول ما بقرا في الكتاب دماغي بتصدع فخلاص مش قارئ. لأ، إنما العلم بالتعلم ومن يتصبر يصبره الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا فتر فليقعد»، لماذا؟ لأن إذا الإنسان حمل نفسه ما لا يطيق، يعني الإنسان فعلاً كان في حالة تعب إعياء شديد، ومع ذلك بقي على العبادة، ممكن يكره العمل، وممكن يفوت باقي الواجبات، وممكن يمل، وممكن ينقطع ويترك، واضح؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد منك أن تكون حكيماً في حمل نفسك على الطاعة. يعني يصلي أحدكم نشاطه، يعني يصلي حينما يجد من نفسه القدرة على ذلك، لكن هل يمكن أن يبقى مع ذلك شيء من التعب ويتحمله الإنسان؟ طبعا، وإن لم يفعل، الإنسان لا يمكن أن يبدأ هكذا، أول ما يبدأ في قيام الليل سيجد نفسه مرتاحاً، لأ، لابد أن يكون فيه شيء من المجاهدة.

أكمل. باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل».

نعم، في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم يعلمك أن تثبت على العمل الصالح، خصوصاً قيام الليل، قيام الليل من أخص الأعمال. يعني أنت إذا تتبعت ما جاء في القرآن والسنة ستجد أن قيام الليل له خاصية: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18].

أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْضَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، قيام الليل أساس لذلك. النبي صلى الله عليه وسلم كره لك أن تترك هذه العبادة، هذا فيه ذم لمن قطع العبادة، حتى لو لم تكن واجبة.

وفي حديث عبد الله بن عمرو، حديث في البخاري، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟». قال: إني أفعله. قال: «فإنك إذا فعلت هجمت عينك»، هجمت يعني غارت عينيك، هتدخل لجوة، زي ما واحد ينظر في الهاتف كثيراً تجد عينيه داخلة لجوة. «وهجمت عينك ونفهت نفسك»، يعني أعيت وكلت، «إن لنفسك عليك حقاً».

يعني كلمة حق هنا هي إما هي ضمير الشأن، يعني أن الشأن لنفسك عليك حق، ليست اسم إن، إن لنفسك حقاً، ولأهلك حقاً، فصم وأفطر، وقم ونم. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم التوسط في العبادة، ومع ذلك أعلِمْك كذلك ألا تقطع تلك العبادة، فلا يكون الإنسان إما يترك العبادة وإما يبالغ في العبادة فيهمل ما عليه من الحقوق.

ماشي، طبعا لم يسمي الرجل هنا تلاحظ، «لا تكن مثل فلان»، لماذا؟ لأن المراد هو النهي عن عمل معين، وهذا من أحسن ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يسمي إلا نادراً لحاجة، إنما الأصل أننا نريد أن نحذر من هذا الشيء. تفضل، أكمل.

باب فضل من تعار من الليل فصلى. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له. فإن توضأ وصلى قبلت صلاته».

يعني هذا من هداية الله تبارك وتعالى، حتى لما أنت بتقلق من النوم بيجي لك أرق، تنتبه أو تتقلب في الفراش. يعني تعار هو تقلب في الفراش مع كلام، زي إنسان صحي من النوم مخنوق، متضايق، قلق، مش جاي له نوم، النبي صلى الله عليه وسلم علمك ما الذي تقوله، وهذا والله من اعظم ما جاء في الشريعة.

الإسلام لم يترك لك حالاً بغير عبادة أو هدى، فالحمد لله رب العالمين. «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله، الإخلاص لله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته».

هي قبلت صلاته، والإنسان إذا أخلص لله تقبل صلاته، لكن هذا معناه أنه في حال دعا أن تقبل صلاته، لماذا؟ لأنه قدمها بالعمل الصالح. وأنا في رأي أن معنى كلمة قبلت الصلاة لها معنى آخر، وهو أن هذا العبد في هذا الحال ذكر ربه تبارك وتعالى.

بعض الناس حينما يحصل له مثل هذا يغفل عن هذا الأمر، ممكن واحد يصحى من النوم مثلاً يفتح الموبايل يشوف الرسائل، يشوف أي مسلسل، أي فيلم، لا. هذا إنسان قلق مش جاي له نوم، طيب يعمل إيه؟ يذكر ربه تبارك وتعالى، ويتوضأ ويصلي ويستغفر ويدعو، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على هذا الهدى.

ماشي، أكمل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال وهو يقص في قصصه، وهو يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أخاكم لا يقول الرفث. يعني بذلك عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: وفينا رسول الله يتلو كتابه، إذا انشق معروف من الفجر ساطع.

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا موقنات أن ما قال واقع. يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع.

ما شاء الله، ما شاء الله. أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال وهو يقص، كلمة يقص يعني يعظ. أبو هريرة رضي الله عنه كان محدثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقص.

كان يعظ الناس ويذكرهم بالله تبارك وتعالى وبالآخرة وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال وهو يذكر رسول الله يذكر سننه وأموره وأيامه قال: إن أخا لكم لا يقول الرفث. هل هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام أبي هريرة؟

لم يتعين لي، ربما يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أن أبا هريرة ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حق ابن رواحة هذا، أو أن أبا هريرة هو الذي يثني عليه بذلك. كلمة لا يقول الرفث، الرفث اللي هو الباطل أو الفحش. وذكر هذا الشعر الجميل في النبي صلى الله عليه وسلم وفي تلاوته لكتاب الله، وفيه كذلك في نعمة الله تبارك وتعالى علينا به وفي قيامه يبيت يجافي جنبه مأخوذا من قول الله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16].

أكمل عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعة استبرق، فكأني لا أريد مكانا من الجنة إلا ذهبت إليه، ورأيت كأن اثنين أتيايني، وذكر باقي الحديث. وقد تقدم هذا الحديث، سبق معنا حديث رؤيا عبد الله بن عمر اللي هو سبق معنا برقم خمسمائة وثمانين، معنا هذا وفيه فضل قيام الليل. والاستبرق اللي هو الديباج الغليظ.

أكمل باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به»، قال: «ويسمي حاجته».

البخاري رحمه الله يريد أن يبين أن التطوع مثنى مثنى، يعني تسلم بعد كل ركعتين، وأن هذا ليس فقط في قيام الليل، وإنما في تحية المسجد، وفي صلاة الاستخارة، وفي غير ذلك. فذكر هنا الحديث الشريف، وهو حديث الاستخارة، وهذا الحديث يعني حديث طويل، وربما أذكر فيه خلاصة حتى تكون على بينة في قراءة هذا الدعاء العظيم. الاستخارة أنك أنت تختار أن يختار الله تبارك وتعالى لك، وهذه الاستخارة أصل في فقر العبد إلى الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15]. تفتقر إلى الله، فهو يعلم ولا تعلم، فالله سبحانه ألا يعلم حالك ويعلم عاقبة الأمر؟ فلذلك تستخير ربك، تطلب أن يختار الله تبارك وتعالى لك، وأن يهديك للقرار الصحيح كما قال الفتية: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 10].

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا هذا، قول جابر: رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها. طبعا المقصود بالامور كلها الأمور التي هي تحتاج استخارة، مثلا انسان يريد أن يسافر، يريد أن يتعلم يلتحق بجامعة، يريد أن يخطب، يريد مثلا يشتري سيارة يشتري هذا. لكن ليس المراد مثلا أنك أنت تستخير الله في فعل محرم ستفعله أو في فعل فرض، لا، هذه أمور خارجة. وكلمة يعلمنا كما يعلمنا السورة من القرآن، هذا فيه ضبط الألفاظ، كما تقرأ القرآن. وهذا الدعاء يعني من الأدعية التي أحب منك أن تعلمها ولدك، وأن تعلم ولدك أن يستخير ربه في أي أمر. مثلا ابنك عايز يشتري كرة، عايز يلتحق بنادي، عايز مثلا يروح مع أصحابه رحلة، علم ولدك أن يستخير، فهذا فيه تعلق الولد بالله تبارك وتعالى والاستعانة بالله كما يعلمنا السورة من القرآن. اكتب حتى هذا الدعاء عندك، اطبعه واكتبه، عشان كلما يهم بك أمر تفعله.

إذا هم أحدكم بالأمر، يعني خطر بباله فكر أراد أن يقدم، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، هذا التوسل أيضا، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم. الله سبحانه وتعالى، هذا فيه علم العبد بأن الفضل لله، وأن الله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء. فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. إذا كان الإنسان موقنا أن ربه يعلم وهو لا يعلم، وربه أقدر وربه يقدر وهو لا يقدر، وربه تبارك وتعالى علام الغيوب، هذا يجعل العبد يرضى بما قسمه الله تبارك وتعالى له، وهذا هو الذي يدفع العبد لاستخارة ربه تبارك وتعالى. لذلك في آخر الحديث كما سيأتي معنا: واصرفني عنه. هنفهم معناها إن شاء الله.

قال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر، يسمي بقى هذا الأمر، مثلا التحاقي بالجامعة الفلانية، تدريسي في المكان الفلاني، دخولي في الكتاب الفلاني، في الدورة الفلانية، في البرنامج الفلاني، شرائي للسيارة، سمي: خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري. عاقبة أمري لماذا؟ لأن الأمر قد يبدو لك خيرا ثم يكون شرا. أو قال: عاجل أمري وآجله، يعني إما معاشي وعاقبة أمري، أو عاجل أمري وآجلي، يعني إما هذا وإما هذا. فاقدره لي ويسره لي، لاحظ: فاقدره لي ويسره لي، يعني أعنّي عليه وسهّل لي أسبابه، هي بالضبط هيئ لي من أمري رشدا، كأن معناها كده. ثم بارك لي فيه، لأن الإنسان ربما ييسر عمل ثم بعد ذلك لا يبارك له فيه، واضح؟ ممكن ييسر لعمل ثم يطغى به، أو ينسب الفضل إلى نفسه. واحد ممكن يعلم القرآن ثم بعد ذلك يأكل به، أو يتعلم العلم ثم يطلب به منزلة عند الناس ولا يبذله لله تبارك وتعالى. فأنت تريد أن يكون الله معك من أول الأمر لآخره، تمام؟ ثم بارك لي فيه.

وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله، فاصرفه، طبعا يسمي حاجته، فاصرفه عني. اصرفه عني، يعني اقدر الأسباب التي تصرف هذا العمل عني، خلاص؟ طيب وبعدين بقى؟ واصرفني عنه، لماذا؟ لأن العبد قد يصرف عنه العمل ولا ينصرف قلبه عن العمل، يبقى يلتفت إليه. واحد مثلا كان مقدم على العمل وبعدين صلى استخارة والعمل راح لشخص غيره، أبدأ بقى طول ما هو موجود وحتى في عمل آخر يفكر: يا ريتني كنت في العمل، طب ده أنا لو كنت في العمل ده كنت ممكن أخد فلوس أكثر، طب لو كنت تزوجت فلانة دي كان أفضل، طب هي دلوقتي عايشة مع فلان. لا، لذلك تقول: واصرفني عنه. يعني اجعل قلبي لا يلتفت إليه، لماذا؟ لأن التفاته القلب إلى ما لم يقدر لك، يعني أنت تلتفت إلى أمر صرف عنك، هذا فيه مشكلتان؛ الأولى: أنك تنشغل بأمر ليس لك، والثاني: أنك تنشغل به عن أمر هو بين يديك، بدل ما تفكر فيما بين يديك من العمل، لا، عمال تفكر فيما فاتك، لذلك ربنا قال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]. قراءتان: وآتاكم أو آتاكم.

واصرفني عنه، لذلك ربنا قال: ﴿أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ﴾ [النجم: 24-25]. ليس للإنسان ما تمنى، لا شرعا ولا قدرا، الله سبحانه وتعالى وحده هو فعال لما يريد، إنما الإنسان لا، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله. فلذلك وأنت تدعو هذا الدعاء أرضَ بنتيجة هذا الدعاء، إذا صرف عنك العمل فاعلم أن هذا هو الخير، فارضَ بذلك. ثم شف حتى في الدعاء: واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به. أليس أنت أصلاً استخرت الله؟ فكيف تستخير ربك ثم لا ترضى بما قدره لك؟ هل معنى ذلك أن أنا لا آخذ بالأسباب؟ لا، خذ بالأسباب، ولكن إذا وجدت انك تطلب.

باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سمّاهما تطوّعاً. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر».

أنبّه على أن الاستخارة سبحان الله؛ الله سبحانه وتعالى من رحمته يعني يعلم ذلك من الإنسان. الإنسان أحياناً يكون محتاراً في أمر مش عارف يعمل إيه؛ مثلاً كان في الجاهلية يستقسمون بالأزلام ويزجرون الطير، واحد مثلاً عايز يسافر فيرمي الطير لو راح ناحية الشمال ما يسافرش، لو راح ناحية اليمين يسافر، عايز يتجوز مثلاً زي ما بيجيب لك وردة أتجوّزها أو يفضل يقطعها ويقول لك أتجوّزها ما أتجوّزهاش، فاهم؟ لا، الله سبحانه وتعالى جعل لنا البديل الشرعي.

بعض الناس مثلاً يذم فكرة البدائل هذه يقول: لا، يعني فكرة البدائل لا يعطيها اهتماماً، الله أعلم ماذا يقصد، يعني لععلّه يقصد مثلاً بأن إحنا مش لازم كل حاجة يكون لها بديل. نعم، لكن البحث عن البديل الشرعي من أحسن العمل ومن أحسن الدعوة إلى الله؛ أنك أنت تبين الحق الشرعي في كل مسألة. فمثلاً هذا الأمر بدل ما واحد يقعد يقرأ في أو يستقسم بالأزلام، لا، يصلي الاستخارة، فهذا بديل شرعي.

طبعا هنا باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سمّاهما تطوعاً. طبعا تعاهد يعني اللي هي السنن المؤكدة، سمّاها تطوّعاً يعني أنها ليست واجبة. فذكرت عائشة رضي الله عنها لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً. التعاهد اللي هو المواظبة على ركعتي الفجر، هذا فيه تأكيد لصلاة الفجر، وفيها كذلك أن هي من النوافل.

باب ما يُقْرَأ في ركعتي الفجر. وعنها رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إنّي أقول: هل قرأ بأم الكتاب؟». نعم، هذا فيه سنة النبي صلى الله عليه وسلم تخفيف ركعتي الفجر، اللي هي السنة هي نافلة الفجر مع أنه كان يواظب عليها صلى الله عليه وسلم. ففيها دلالتان؛ المواظبة والتخفيف، وورد يعني الحديث أنه كان يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ سورة الإخلاص.

باب صلاة الضحى في الحضر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت؛ صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر». صلاة الضحى في الحضر يعني أراد أن يثبت البخاري رحمه الله طبعا لما تكلم عن الصلوات اللي هي مثنى مثنى، ذكر منها صلاة الاستخارة وركعتا الفجر، وصلاة الضحى في الحضر يؤكد على ذلك، وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة بثلاث كلمة لا أدعهن حتى أموت، هذا يعني معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بها وأوصاه ألا يدعها.

صوم ثلاثة أيام من كل شهر يعني لم يعين، جاءت في بعض الروايات اللي هو إيه؛ الثاني عشر والثالث عشر أو يعني في وسط الشهر، وكذلك صلاة الضحى ونوم على وتر. تلاحظ أن هذه الأمور خفيفة ويسيرة بفضل الله تبارك وتعالى، لأن هذه الأمور المراد منها أن تواظب على العمل الصالح وأنا أحب منك التنويع؛ أنك أنت تنوع وتخفف من العمل، يعني مثلاً قرآن مع ورد في الحديث مع سؤال عن الاقارب مع وصية مثلاً أو دعوة لإخوانك، الدعاء، الاستغفار، وهكذا يعني الأعمال وتنويه الأعمال هذا أفضل للنفس من أنك أنت تقف على باب واحد فقط، لأن كل عبادة لها أثر على النفس صيام النافلة، الصلوات، بعض الناس مثلاً يقول: والله أنا ما أقدرش أصوم، طيب صم حتى يوم في الشهر، ثلاثة أيام من كل شهر من أحسن الأمور، صلاة الوتر، يعني أشياء خفيفة ويسيرة الحمد لله تبارك وتعالى.

باب الركعتين قبل الظهر. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداء. نعم، أيضاً هذا فيه أن الصلاة ركعتان، اللي هو مثنى مثنى يعني، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداء، اللي هو ركعتين الفجر، دي السنة، النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. كلمة كان لا يدع هذا في التعاهد، وهنعرف بعد كده النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يفوته لشيء أو لسبب كان يقضيهما ولو حتى بعد العصر.

باب الصلاة قبل المغرب. عن عبدالله المزني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلّوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة لمن شاء»، كراهية أن يتخذها الناس سنة. نعم، الصلاة قبل المغرب كثير من الناس مثلاً يؤذن المغرب ويقيم مباشرة، لكن هذا الحديث فيه بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الصلاة قبل المغرب، وفي حديث مثل وبين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين اللي هو الأذان الأول والإقامة صلاة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لمن شاء»، فهذا يبين أنه من السنن مشروعية الركعتين قبل المغرب.

ونسأل الله تبارك وتعالى القبول، أحب منكم الوالد الكريم أو أي شاب معنا أو أي امرأة كريمة أن هي تقيد هذه السنن وتكتبها أمامها، هذا والله خير ما يجتمع عليه قلبك؛ أنك أنت تقيد هذه السنن والأدعية وتجاهد نفسك في العمل بها والدعوة إليها، هذا والله من خير ما تشتغل به.

وأعيذك بالله من أن تكون ممن أضاعوا أعمارهم في الأخبار ومتابعة الأشياء التافهة، العمر أغلى من ذلك، العمر أغلى من ذلك، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 7-9]. تزكية النفس؛ تلاوة القرآن بتعلم سنن النبي صلى الله عليه وسلم بمجاهدة النفس في العمل بها، اصبر نفسك على هذه الأمور، اصبر نفسك، لا تعش في هذه الدوامة التي خطفت الناس وجعلت الرجل ينفصل عن أهله وعن عمله وعن النادي وعن المسجد ويبقى أسيراً لمتابعة الأفلام والمسلسلات والمباريات والتحليل ولعيب الكورة اللي مش عارف فلان اشتراه النادي الفلاني وفلانية مش عارف لابسة فستان إيه في مهرجان إيه وفلان مش عارف نزل يوتيوب، لا، يعني عمرك أغلى من أن تضيعه في ذلك.

الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، أنت مكرم عند الله تبارك وتعالى، لابد أن تكرم نفسك، لابد أن تكرم نفسك، لن يكرم نفسك غيرك. أنت بقى واحد بعض الناس معتمد على واحد يتفقده ويشجعه، لا لا، لا تنتظر أحداً يعينك على طريقك لأنه طريقك لك غنمه وعليك غرمه، أنت المنتفع وأنت اللي ضايع، لذلك لا تنتظر أحداً، استعن بالله وربك تبارك وتعالى معك، وتذكر هذا: «من يتصبر يصبره الله»، والله هذا الحديث منذ سمعت قُذِف في قلبي قوة الله سبحانه وتعالى أعلم بها، من يتصبر يصبره الله، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد لك أنك إن رأى الله منك أنك تتجلد وتتصبر سيكون معك، هو الذي سيصبرك، شف بقى إذا كان الله هو الذي سيصبرك، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّه﴾ [النحل: 127]، والله سبحانه وتعالى أكرم من أن يرى عبده يجاهد ولا يعينه.

واللّه سبحانه وتعالى قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: 20]، وإرادة حرث الآخرة فيها أمران؛ الأول أن تطلب ذلك وأن تعزم عليه، وثانياً أن تسعى فيه، هنا يزيد الله تبارك وتعالى في حرثك.

من أراد الآخرة وسعى لها سعيها، الدنيا دوامة بتاخدك من خبر لخبر ومن حدث لحدث، تلاقي يومك وشهرك وسنتك راحت. يعني أنا كنت أقرأ في قول الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].

بعدها مباشرة ربنا قال: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: 16]. فالإنسان الذي يستشعر قيمة الحياة، ويريد أن تغفر له ذنوبه، ويريد أن يصلح الله تبارك وتعالى في ذريته، ويجتهد ويتعب؛ هذا هو الذي يتجاوز الله تبارك وتعالى عن سيئاته ويجعله في أهل الجنة.

ولذلك استعن بالله تبارك وتعالى واجتهد، وربك تبارك وتعالى معك، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.