تسجيل الدخول

الدرس 13 - من حديث 613 إلى 651

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أهلا وسهلا ومرحبا بالحضور الكرام. نحمد الله تبارك وتعالى أن هدانا للإسلام، وأن حبب إلينا كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وجمعنا على مدارسته.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا علما نافعا، ورزقا واسعا، وعملا متقبلا. قد وصلنا بحمد الله تبارك وتعالى كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، تفضل يا أسامة.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى». وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام».

ذكرت لكم قبل ذلك أن من الأمور المهمة في قراءة كتب السنن، أو الأمور التي ينبغي أن تلاحظ، أسماء الكتب التي يذكرها المصنف؛ يعني مثلا يذكر بدء الوحي، الإيمان، العلم، الطهارة، ونحو ذلك. الأمر الثاني هو الأبواب، يعني أن تعرف الأبواب تحت كل كتاب، مثلا كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة تحته باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. الأمر الثالث، المسائل التي تذكر تحت كل باب. طبعا ذكرت لكم قبل ذلك أن في هذا المختصر الزبيدي رحمه الله لا يستوعب كل الأبواب، فبالتالي هو يختار أبوابا معينة بحسب الاحاديث التي لم تتكرر.

هذا باب أو كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة؛ يعني المسجد الحرام الكعبة ومسجد المدينة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. قال: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. نلاحظ أن هذه الأبواب تابعة لكتاب الصلاة، إلى الآن اخذنا بدء الوحي، ثم الإيمان، ثم العلم، ثم الطهارة، وفيها أربعة أبواب؛ فيها الوضوء، وفيها الغسل، وفيها التيمم، وفيها كتاب الحيض، ثم بعد ذلك دخلنا في الصلاة.

هنا قال: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، فذكر حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال». الرحل للبعير كالسرج للفرس، يعني هو كناية عن السفر؛ هو ما يوضع على البعير، أو هو عموما يعبر به عن الرحل أو الراحلة أو السفر. المعنى: لا تشد الرحال، يعني لا يحل أن تسافر لبقعة تعظيما لها ورجاء لثواب الرحلة إليها أو شد الرحال إليها إلا هذه المساجد الثلاثة، سواء كانت هذه البقعة أصلا مباركة بنص الشرع أو لم تكن كذلك. يعني هذا الحديث فيه حصر شد الرحال، أنك لا يحل أن تسافر لمكان لبقعة ترجو بذلك السفر ثوابا أو تقصد السفر لهذه البقعة تعظيما لها إلا هذه الثلاثة.

طبعا إذا كان ذلك منفيا عن المساجد، فغير المساجد من باب أولى، مثل قبور الأنبياء وقبور الصالحين وقبور.. يقول العلماء: لا يشرع قصد السفر إليها تعظيما. أما إذا كنت مثلا في بلد معين وهذه البلد فيها قبر قريب لك، أو قبر عالم، أو قبر.. مثلا في المدينة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أنك أنت تزور أو تسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، كل هذا مشروع. لكن أنك تسافر تقصد بسفرك هذه البقعة، فهذا لا يحل إلا لهذه المساجد.

والإمام ابن تيمية رحمه الله لما صنف الكتب في هذه المسألة، ظن بعض الناس أن النبي.. أن ابن تيمية ينكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك. وإنما أنكر أن يشد الرحال لقصد زيارة القبر، وإنما تشد الرحال للمسجد النبوي صلى الله عليه وسلم، وإذا كنت فيه تسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر ذلك في كتب كثيرة، منها كتاب قاعدة جيدة في التوسل والوسيلة، وكتاب قاعدة عظيمة الفرق بين عبادات أهل الإسلام وعبادات أهل الشرك والأوثان، وكذلك في كتاب اسمه الأخنائية، وهو من أوواخر الكتب التي صنفها.

لكن إذا كان الإنسان يريد أن يسافر للتجارة، أو للجهاد، أو لطلب العلم، أو لزيارة أخ في الله، أو صلة رحم، كل هذا جائز لا اشكال فيه، وهو ليس داخل في النهي المراد من الحديث. من يريد أن يراجع هذه المسألة بتوسع يمكن أن يراجع كتاب قاعدة عظيمة من صفحة أربعة وتسعين إلى صفحة مائة وأربعة.

قال: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام» اللي هو الكعبة، «ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم» المسجد النبوي، «ومسجد الأقصى» اللي هو بيت المقدس. يعني لعله سمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام أو لأي معنى آخر. فهذا فيه طبعا فضيلة المساجد المذكورة ومشروعية السفر إليها والنهي عن شد الرحل لغير هذه المساجد.

الحديث الثاني وعنه، يعني عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام». صلاة، يعني الفريضة أو النافلة، هذا هو ظاهر الحديث. وإن كان ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فضل صلاة النافلة في البيت، فهل إذا كان الإنسان في المسجد الحرام يكثر من النوافل فيه، أو يصلي النافلة في المنزل في بيته؟ الاقرب والله يعني بحسب نظري في هذا الحديث أنه يكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا إذا لم يكن من أهل البلد. أما إذا كان مثلا هو من أهل البلد، يعني هو مقيم في المدينة، فيصلي الفرائض فيها، ويستحب له أن يصلي النافلة في البيت.

طيب، قال: إلا المسجد الحرام. هل كلمة إلا المسجد الحرام معناها أن ثواب المسجد الحرام أعلى من ثواب الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، أو هو مساوي، أو هو أقل؟ هذا الحديث ليس فيه تصريح. في حديث آخر: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل منه في هذا؛ يعني أفضل من الصلاة في مسجدي. وإن كان هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه، رواه الإمام أحمد وابن حبان.

فهذا أيضا فيه ثبوت فضيلة المسجد الحرام ثم المسجد النبوي، وكذلك فيه فضل الصلاة النافلة أو الفرض في المسجد النبوي والمسجد الحرام. يعني خلاصة هذا المعنى يا شباب عشان الناس كذا واحد بيقول لي: حاول تذكر الخلاصة. خلاصة قصد السفر لبقعة معينة رجاء بركة هذه البقعة أو فضل هذه البقعة، لا يشرع إلا إلى هذه الثلاثة. اتفضل يا أسامة اكمل.

باب مسجد قباء. عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم مكة، فانه كان يقدمها ضحى فيطوف بالبيت ثم يصلي ركعتين خلف المقام، ويوم يأتي مسجد قباء فإنه كان يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه. قال: وكان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزوره راكبا وماشيا. قال: وكان يقول: «إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون».

ولا أمنع أحدا أن يصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير ألا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها.

باب مسجد قباء: مسجد قباء هو مكان بعوالي المدينة، يشرع الذهاب إليه من قرب، وسيأتي حديث عن عبد الله بن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا، وفي رواية: فيصلي فيه ركعتين. حلو، طبعا أنك أنت تشد الرحال؛ يعني تسافر إليه مخصوص، أما إذا كنت في المدينة فتذهب إليه وتصلي فيه. عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين، يعني كأن ابن عمر لم تبلغه سنة الضحى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها ثابتة، وتقدم ذكرها، قال: إلا في يومين، يوم يقدم مكة يعني بعد الطواف يصلي ركعتين، إنه كان يقدمها ضحى فيطوف بالبيت ثم يصلي ركعتين خلف المقام، اللي هو مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ويوم يأتي مسجد قباء، فإنه كان يأتيه كل سبت يعني يتبع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه، وكان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزوره -يعني يزور المسجد مسجد قباء- راكبا وماشيا، وكان يقول: «إنما أصحو كما رأيت أصحابي يصنعون». ولا أمنع أحدا، يعني أنه لا يمنع من أن يصلي أحد في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير ألا يتحرى -يعني لا يتعمد، والتحري هو القصد أو الاجتهاد في الطلب- طلوع الشمس ولا غروبها.

وقد ورد النهي عن تحري الصلاة في هذه الأوقات إذا كانت نافلة مطلقة، أما إذا كانت صلاة لها سبب مثل الاستخارة أو دخول المسجد المسماة بتحية المسجد أو نحو ذلك فإنه يجوز، أو مثلا أداء الصلاة الفائتة، من نام عن صلاة أو نسيها صلاها وقتما ذكرها.

باب فضل ما بين القبر والمنبر: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي».

طبعا هو ذكر هنا فضل ما بين القبر مع أن المذكور في لفظ الحديث هو البيت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في بيته في حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكان قد مات في الحجرة ودفن في المكان الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم، ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، هذا فيه دلالة أن هذه البقعة مباركة، وفي كذلك الإيمان حوض النبي صلى الله عليه وسلم.

كتاب العمل في الصلاة، باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: «إن في الصلاة شغلا».

وفي رواية عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كان أحدنا يكلم صاحبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فأمرنا بالسكوت.

هنا الإمام البخاري رحمه الله ذكر العمل في الصلاة، والمقصود بالعمل هو القول أو الفعل، الحركة، ممكن إنسان مثلا في الصلاة يحتاج إلى شيء، يحتاج مثلا أن هو يحك جسده، يحتاج أن هو يضبط ملابسه، فما هو الجائز والمشروع من ذلك؟ لأن الأصل في الصلاة الخشوع، وأن يلتزم وألا يدخل فيها العبد, ما ليس منها.

ذكر هنا في الباب الأول، وهو طبعا في صحيحه: باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة، ذكر أثر عبد الله بن عباس قال: يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء، كذلك أثرا عن علي رضي الله عنه قال: وضع علي كفه على رسغه الأيسر إلا أن يحك جلدا أو يصلح ثوبا. فهو كأنه يريد هنا أن ما دعت إليه الضرورة أو الحاجة لا يكون عبثا فهو جائز، لكن بعض الناس مثلا وهو يصلي يتحرك، ينظر في الأعلى، يعني يكثر من الحركة دون داع، لكن الحركة التي تدعو لها الضرورة لا بأس بها ولا تخرج عن الصلاة.

وذكر باب ما ينهى عن الكلام في الصلاة: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة -يعني كان هذا الأمر مأذونا فيه أو كان معفوا عنه- فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: «إن في الصلاة شغلا»، يعني المشغول بالصلاة لا يشغل غيرها تمام، ومن ذلك ألا يرد السلام وألا يشمت العاطس وغير ذلك من الأمور.

وفي رواية أخرى، وهذا حديث آخر كان المفروض يعطيه رقما لكن عندي ليس، لم يعطي رقما، عن زيد بن أرقم قال: كان أحدنا يكلم صاحبه بحاجته في الصلاة، يعني ممكن يسأله يحدثه حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، هذا هو الشاهد النهي عن الاشتغال عن الصلاة، يعني الأمر بالخشوع في الصلاة وألا يتكلم إلا بما شرع في الصلاة، قال: فأمرنا بالسكوت، فهذا فيه أنه لا يجوز الحديث في الصلاة بكلام الناس، وأنه ينبغي أن يخشع المصلي في صلاته، وأن الكلام في الصلاة عمدا مع العلم بالتحريم هذا مما يبطل الصلاة.

باب مسح الحصى في الصلاة: عن معيقيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت فاعلا فواحدة».

طبعا البخاري في هذه الأبواب له ترتيب بديع، فإن البخاري فقهه كما ذكرت لكم ليس فقط في تراجمه، وإنما في أسماء الكتب وفي الأبواب والمسائل والتراجم وفي ترتيب الآثار وترتيب الأبواب. ذكر مثلا هنا بعدما ذكر الأصل وهو القنوت لله تبارك وتعالى في الصلاة والخشوع وألا يدخل في الصلاة ما ليس منها، ذكر ما يجوز في ذلك، وذكر مثلا في حديث عائشة رضي الله عنها: كنت أمد رجلي في قبلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فإذا سجد غمزني فرفعتها، فإذا قام... هو ده يعني تحت باب ما يجوز من العمل في الصلاة.

وذكر كذلك حديث التسبيح في الصلاة للرجال والتصفيق للنساء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع القهقرة في صلاته. فكل هذا ليبين ما ورد مما يجوز من العمل في الصلاة، وتجد أنه كله مما تدعو إليه الحاجة، لا يكون من باب العبث.

ذكر هنا مسح الحصى في الصلاة عن معيقيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب -يعني وهو يصلي قبل أن يسجد يزيل ما على موضع السجود يسويه تمام- حيث يسجد اللي هو مكان السجود، قال: «إن كنت فاعلا» -يعني الأصل عدم الفعل- «فواحدة» يعني إذا كنت بحاجة إليه فلا تزد على واحدة.

باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة: عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أنه صلى يوما في غزوة ولجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها، فقيل له في ذلك فقال: إن غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات أو ثماني، وجاهدت تيسيره، واني إن كنت أراجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي. هنا البخاري يذكر هذا الحديث، وهذا قد يحدث لإنسان.

ليحدث لي ما يكون ضروريا في الصلاة، مثلاً انفلتت منه الدابة أو مثلاً واحد سيسرق ملابسه أو نحو ذلك من الأمور التي يمكن أن يبقى في صلاته. نحن عندنا احتمالات ثلاثة: أن هو يبقى في صلاته ويترك يعني هذا الشيء، يعني يبقى في صلاته لا يتحرك أي حركة، وهذا يمكن أن يفوت عليه هذا الأمر، يعني الدابة مثلاً تنفلت أو تهرب أو مثلاً اللص ممكن يسرق الشيء اللي أمامه لو كان مثلاً وضع أمامه أي شيء من أغراضه، شنطة مثلاً أو حقيبة.

في هذه الحالة الأولى؛ الحالة الثانية: أن هو يترك الصلاة ويخرج طلبا لهذا الأمر؛ والامر الثالث: أن هو يحاول قدر الإمكان أن يبقى ويتحرك حركة خفيفة لا يبعد بها عن القبلة، يعني لا ينحرف بها عن اتجاه القبلة. وكما في هذا الحديث، هذا الحديث جاء في رواية من رواية الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز، آدي بلدة بين البصرة وفارس فتحت في خلافة عمر رضي الله عنه، وكنا بالأهواز نقاتل الحرورية وهم الخوارج. فبين أنا على جرف نهر -اللي هو الجرف اللي هو المكان الذي أكله السيل- إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها. شعبة رحمه الله شعبة بن الحجاج وهو يروي هذا الحديث، بين أن هذا الرجل هو أبو ذر الغفاري أو أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الراوي: فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم اجعل بهذا الشيخ -يعني يدعو عليه، يدعو على أبي برزة الأسلمي-. وفي رواية أنه قال: انظر إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس. قال: فلما انصرف الشيخ -اللي هو أبو برزة رضي الله عنه- قال: إني سمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات أو ثمان، وشهدت تيسيره، إلى آخر الحديث. ففي هذا الحديث إذا انفلتت الدابة في الصلاة، يعني كان في معه دابة وهذه الدابة انفلتت، هو يمسك اللجام بيده، فذكر الحديث عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه صلى يوماً في غزوة ولجام دابته بيده -أرجو أن يكون هذا مفهوماً، اللي هو الحبل اللي إيش؟ اللي مربوطة به الدابة-.

فجعلت الدابة تنازعه، يعني تتحرك عايزة تهرب منه، عايزة تمشي، ممكن تكون عايزة تذهب إلى المرعى تشرب، تذهب إلى المنزل، تهرب أي شيء. وجعل يتبعها، واضح أن هو لم ينحرف عن القبلة، وقيل له في ذلك، يعني عوتب في ذلك، وهذا كما ذكرت لكم الرواية، فقال فذكر الحديث. قال: وشهدت تيسيره، واني كنت أراجع مع دابتي -يعني أنا آي أذهب معها قليلاً حتى أمسكها، أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها، المألف اللي هو المكان اللي هي بترعى فيه أو اللي هي متعودة عليه أو المكان الذي تريده-. قال: فيشق علي، يصعب علي بعد ذلك، ممكن تهرب تضيع. فهذا فيه فقه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم شف كلمة شهدت تيسيراً، يدل على أن الإنسان كلما كان أكثر علماً بالإسلام كلما كان أكثر علماً بتيسير الله تبارك وتعالى وتيسير النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث جميل جداً لماذا؟ لأنه استنبط هذا الحكم، لم يعلمه بنصه عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إذا انفلتت دابة أحدكم فليفعل كذا وكذا، لا، وإنما هو فهم، هو فهم من تيسير النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا جائز في الشريعة. عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت حديث الخسوف، وقال في هذه الرواية بعد قوله: ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها عمرو بن لحي وهو الذي سيب السوائب.

طبعاً هذا الحديث سبق، اللي هو حديث الخسوف وحديث الكسوف، مر معنا برقم خمسمائة وأربعة وخمسين، وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تقدمه وتأخره، قال: حيث رأيتموني جعلت أتقدم، ثم بعد ذلك قال: ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت، وهذا هو الشاهد، أن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم وتأخر في الصلاة، فهذا فيه جواز التقدم والتأخر اليسير لسبب، فكأنه يستدل بهذا الحديث لما فعله أبو برزة الأسلمي من جواز ذلك. وطبعاً كلمة السوائب، هو الذي عمرو بن لحي معروف وهو الداعي إلى الشرك وإلى تحريم ما أحل الله ونحو ذلك من المحرمات، والسوائب هي الدواب التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، فلا يحمل عليها شيء، يعني يقول: هذه لا يحمل عليها شيء تقرباً إلى الأصنام.

أكمل الباب: لا يرد السلام في الصلاة. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة له، فانطلقت ثم رجعت وقد قضيت حاجتي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد علي أني أبطأت عليه. ثم سلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: إنما منعني أن رد عليك أني كنت أصلي. وكان على راحلته متوجهاً إلى غير القبلة.

هذا ذكر الأمور التي نهي عنها في الصلاة من القول أو الفعل، نهي أن تفعل في الصلاة، فذكر منها: لا يرد السلام، يعني بالقول لا يقول مثلاً وعليكم السلام. وذكر حديث جابر رضي الله عنه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة له، في رواية أنه في غزوة بني المصطلق، فانطلقت ثم رجعت وقد قضيتها، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي -يعني ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم غضبان منه أو نحو ذلك أو في نفسه منه شيء-. وهذا فيه أن الإنسان يقطع ظنونه بالسؤال، إذا اشكل عليك شيء من أمر صاحبك أو من أمر والدك أو والدتك أو زوجك، اسأل عن السبب بدل ما تبقى في هذه الظنون والاحتمالات.

المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي». ذكر أن هذا هو المانع، فهذا يدل على النهي أن ترد السلام في حال صلاتك. قال: وكان على راحلته متوجهاً إلى غير القبلة، مر معنا هذا قبل ذلك، طبعاً لأنك أنت لما تسلم على المصلي أنت بذلك تشغله، فأنت لا يصح أن تلقي السلام على المصلي أصلاً حتى لا تشغله بذلك.

أكمل: الخصر في الصلاة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصراً. أيضاً هذا من الأفعال التي منهي عنها بخصوصها في الصلاة، الخصر اللي هو يضع يده على خاصرته، يعني يحط إيده في وسطه، أكيد أنتم فاهمينها، يعني أن يضع المصلي يده على خاصرته وهي أسفل الجنب، سواء كانت يد واحدة أو كانت اليدين. اختلف في سبب ذلك، أعلى ما ورد، ورد أشياء منها مثلاً أثر عن مجاهد أن وضع اليد على الحق استراحة أهل النار، وقيل إن هذا هو فعل المتكبرين، لكن أعلى ما ورد هو قول عائشة رضي الله عنها الذي أسنده البخاري في كتاب الأنبياء.

من حديث مسروق عن عائشة أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته عن المصلي، وتقول: كانت اليهود تفعله، هو هذا هو الأقرب والله أعلم في سبب النهي، وأيا كان السبب المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ولعل هذه الوقفة لا تليق في الصلاة والله أعلم.

باب سجود السهو، باب إذا صلى خمسا. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم.

طبعاً في نسخ تجعل هذا أبواب السهو، لأنه تابع للصلاة؛ السهو هو الغفلة عن الشيء أو النسيان، وهذا له صور كثيرة في الصلاة، أنك تنسى مثلاً أن تتوضأ فهذه الصلاة تكون باطلة يجب أن تتوضأ وتصلي من جديد وتعيد الصلاة، وممكن مثلاً تنسى ما يسمى الواجبات أو الأركان، كل واحد من هذا له حكمه.

طبعاً نحن نحاول أن نختصر جداً في قراءتنا لهذا الكتاب، يعني أنا أصلاً كان في نيتي أن تكون قراءة نقرأ في كل يوم مائة حديث دون أي تعليق، ولكن عدد من الناس ما أحب ذلك، وقال: بالمرة احنا خلينا نعلق تعليقات خفيفة على الأحاديث، وأنا نبهت كثيراً أن هذه الأبواب تحتاج تفصيلا وجمعا للأدلة وجمعا للروايات، ومعرفة لأقوال الصحابة وأقوال العلماء في فهم الحديث والمسائل ونحو ذلك، فلذلك احنا نقتصر، نذكر شيئاً في الباب.

سجود السهو هما سجدتان، واختلف طبعاً في حكمه، هل هو واجب أو مسنون؟ وفصل بعضهم في ذلك إذا كان في الواجبات غير الأركان فيجب لتركها السهو، وإذا كان بالزيادة أو كان بالنقص، واختلف كذلك في موضعه، هل نسجد قبل التسليم أو بعد التسليم؟ لذلك من أراد أن يتوسع فيه يمكن أن يراجعه.

عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً، يعني زاد ركعة، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ يستفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن ينسى، قال: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم.

صنيع البخاري يدل على أن المصلي إذا زاد يسجد بعد السلام، وإذا نقص فانه يسجد قبل التسليم. البخاري طبعاً ذكر قبل هذا حديث إذا قام، أو باب إذا قام من ركعتي الفريضة، يعني صلى ركعتين فقط وكانت الفريضة أربعاً، حديث قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك، فكأنه ذكر صورة للزيادة يكون السجود بعد التسليم، وصورة للنقص يكون السجود قبل التسليم، ولم يتشهد بعده، يسلم ولم يتشهد بعده.

استنبط العلماء من هذين الحديثين أنه إذا كان السهو بزيادة فعل في الصلاة يسجد بعد السلام سجدتين ثم يسلم، السهو كذلك يكون في الفرض وفي التطوع، يعني لو إنسان سهى في التطوع ويصلي مثلاً تحية المسجد وهو يصلي الوتر، له نفس هذه الأحكام.

باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الركعتين بعد العصر، ثم رأيته يصليهما، وكان عندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه فقولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله، سمعتك تنهى عن هاتين واراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه. ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، وأنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان.

هنا ذكر ما يباح، يعني إذا كان الكلام والفعل الخارجان عن الصلاة منهي عنهما، فذكر ما يجوز من ذلك أو ما لا تنقطع به الصلاة، قال: إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع، يبقى حصل منه أمران أن هو استمع للكلام وأشار، يبقى فيه قول وفيه استماع وفيه إشارة.

وذكر حديث أم سلمة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الركعتين بعد العصر، وهذا الحديث مر معها سبق، ثم رأيته يصليهما، يعني هي مستقر عندها أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله لا يخالف قوله، قالت: وكان عندي نسوة من الأنصار، هذا فيه جواز أن تزور المرأة والمرأة وزوجها شاهد، يعني زوجها يكون في البيت، يعني النساء تجلس في غرفة مع المرأة والرجل بعيداً عنه، قال: فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه فقولي: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين، يعني عن الركعتين بعد العصر وأراك تصليهما، يعني ما السبب في ذلك؟ فإن أشار بيده فاستأخري عنه، فعلت الجارية فأشار بيدي، هذا هو الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بيده، فهذه حركة ضرورية، زي بالضبط مثلاً إنسان يكون ابنك رايح المدرسة وأنت بتصلي الضحى مثلاً وهو بيسأل عن المفتاح فانت بتشاور له بدل ما تقطع الصلاة وبدل ما ولدك يتأخر عن المدرسة، فهذه أمور مباحة للضرورة، فإن أشار بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: يا ابنة أبي أمية، أبو أمية هو والد أم سلمة رضي الله عنها، سألت عن الركعتين بعد العصر وأنه أتاني ناس لوفد عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم قضاهما بعد العصر، وهذا هو وقت النهي، فهل يجوز قضاء الفوائت من التطوع في وقت الكراهة؟ قيل: نعم اعتماداً على هذا الحديث، وبعض العلماء قال: هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبعض العلماء قال: هو خاص لكل من كان على مثل هذه الحالة، كان يواظب على هذه الركعات ونسيها بسبب أمر شغله فيجوز له أن يقضيها.

يوجد حديث آخر عندنا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس»، لكن جاء عندنا حديث يفسر هذه الروايات عن عائشة رضي الله عنها والحديث في الصحيحين قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم السجدتين بعد العصر عندي قط، وفي رواية عند مسلم: كان يصليهما قبل العصر ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ثبت هاتين الركعتين وكان إذا صلى صلاة ثبتها، يعني داوم عليها، لعل هذا يكون خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

في هذا الحديث من الفوائد كثير منه فقه أم سلمة رضي الله عنها، سؤالها عما أُشكل عليها، وفي كذلك اهتمام أو عناية النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الفوائت، وكثير من المسلمين لا يهتم بالتطوع أصلاً، يصلي فقط الصلوات المكتوبة ولا يهتم بالتطوع.

كتاب الجنائز، باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي أخبرني أو قال بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة». قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق».

كتاب الجنائز، كتاب الجنائز يعني كل ما يخص الجنائز.

يذكر فيه الموت، ويذكر فيه ما يستحب أن يفعل بالميت؛ يذكر فيه الغسل، التكفين، الصلاة على الميت، الدفن، الأعمال المستحبة بعد الوفاة، ويذكر فيه زيارة القبور، الحداد الذي هو ترك الزينة وترك التعطر وغير ذلك.

طب لماذا جعله البخاري بين الصلاة والزكاة؟ لأن كده كتاب الصلاة يعتبر خلص بحمد الله، لأنه يعني أهم ما، لعل أهم ما يفعل بالميت هو الصلاة عليه، وإن كان كل ما في أحكام الميت مهما، ولكن لعل هذه هي المناسبة في ذكر الجنائز بعد الصلاة، والله أعلم.

طيب، خلينا نراجع الآن يا شباب اللي هو ترتيب الكتب؛ لأننا دخلنا في كتاب جديد، أخذنا بدء الوحي، والإيمان، والعلم، والطهارة وفيه أربعة كتب: الوضوء، والغسل، والحيض، والتيمم، ثم دخلنا في الصلاة، وأبواب الصلاة ختمت بالكلام عن العمل في الصلاة والسهو وغير ذلك، ثم وصلنا إلى الجنائز، وبعد الجنائز إن شاء الله ندخل في الزكاة، نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.

وذكر هنا باب ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، طبعا وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب، منها حديث مثلا في صحيح مسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، والمقصود بلقنوا موتاكم يعني من حضرته الوفاة، ولكن الأقرب عندي والله أعلم أن البخاري لم تصح هذه الأحاديث على شرطه، وإن كانت صحيحة على شرط غيره، فلذلك ذكر هذا الحديث الذي يمكن أن يستشهد به على هذا؛ أن يكون الإنسان يعيش على لا إله إلا الله ويكثر من قولها حتى يموت عليها.

وقوله لا إله إلا الله معناها لا معبود حق إلا الله، يعني لا يستحق أن يعبد إلا الله تبارك وتعالى، أما كل من عبد بدونه فقد عبد بالباطل؛ سواء الملائكة، أو الأنبياء، أو الصالحين، أو الأصنام، كل هؤلاء لم يعبدوا بالحق، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: 62]، فهذا معنى لا إله إلا الله، وهذا هو الإخلاص، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].

عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي» وفي رواية أنه جبريل «أخبرني أو قال بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، هذا هو معنى لا إله إلا الله، يعني هي نفي وإثبات؛ نفي استحقاق الععبادة لغير الله، واثبات العبادة لله وحده.

يعني توجد آلهة من دون الله لكنها عبدت بالباطل وسميت في القرآن إلها، ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: 97]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: 101]، فهي آلهة عبدت بالباطل، لذلك قال يوسف عليه السلام: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39].

ذكر أن من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، هل كلمة دخل الجنة معناها أنه لابد أن يدخل الجنة ابتداء؟ لا، يمكن أن يدخل النار، يعذب في النار ثم يخرج منها بسبب إيمانه وبرحمة الله تبارك وتعالى، فهذه الأحاديث لا تغر المسلم، بل هذه الأحاديث تفتح له باب الرجاء، وتفتح له باب تعظيم الله، وحب الله، ورجاء الله، والعمل لله، وشكر نعمة الله تبارك وتعالى.

لا ينبغي أبدا لمؤمن أن تجرأه هذه الأحاديث على معصية الله، أو أن يتكل على أنه يقول لا إله إلا الله، فقول لا إله إلا الله هو قول لابد أن يصدقه العمل.

قال قلت: وإن زنى وإن سرق؟ يعني في بعض الروايات هذه الرواية كأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال: «وإن زنى وإن سرق»، لكن جاءت رواية أخرى أن أبا ذر لما ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرواية سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإن زنى وإن سرق؟ يعني حتى لو زنى أو سرق وهو يقول لا إله إلا الله يدخل الجنة؟ فهذا يدل على أكثر من فائدة.

الفائدة الأولى: أن أبا ذر رضي الله عنه علم أن من مقتضى عبادتك لله تبارك وتعالى ألا تقع في هذه الذنوب، وفيه كذلك عظم هذه الذنوب: الزنا والسرقة، وهذه ذكرت كثيرا في القرآن وذكر عذاب أهلها، وهي من أكبر الكبائر، قال: «وإن زنى وإن سرق»، يعني هذا فيه فضل لا إله إلا الله، وفضل إخلاص العبادة لله تبارك وتعالى، وهذا كذلك فيه رحمة الله سبحانه وتعالى وانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، يقصد هذه الآية، غفرت الذنوب بغير التوبة، أما بالتوبة فإن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعا حتى الشرك.

يعني احنا عندنا آيتان: إن الله لا يغفر أن يشرك به، وردت في سورة النساء مرتين، عندنا الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]، يعني لا يغفر الشرك إلا بالتوبة منه، إلا أن تتوب منه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فمن فعل ما سوى الشرك فإن الله سبحانه وتعالى قد يغفره له حتى لو كان كبيرا، تمام؟ أما الآية الأخرى في سورة الزمر فهذه في كل الذنوب إذا كانت مع التوبة، لذلك قال بعدها: ﴿وَأُنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54].

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.

نعم، هذا أيضا تابع لما قبله، كلمة من مات يشرك بالله شيئا دخل النار، هذا هو الشرك، أن تجعل لله ندا، سواء كان شركا في أن تؤمن، طبعا يدخل فيه كل أصناف الكفر؛ الإلحاد، من أنكر الله تبارك وتعالى، أو اليوم الآخر، أو كفر برسل الله، أو كفر بكتب الله، أو دعا غيره، أو غير ذلك من أصناف الشرك، فيدخل في ذلك أنه يدخل النار.

قال وقلت أنا ابن مسعود: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وفي حديث في صحيح مسلم حديث جابر أيضا بنفس المعنى، ففي هذا الحديث فضل لا إله إلا الله، وفضل التوحيد وإخلاص الدين لله تبارك وتعالى، وفي أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإسلام ولكنه على باب عظيم من الإثم ينبغي أن يتوب منه وأن يستغفر الله تبارك وتعالى.

وفي كذلك فضل الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وفيه الخوف من سيئات الأعمال، وهذا من أكثر الأمور التي جاءت في الشريعة؛ أن الذنب بعض الناس بيقول أنا مثلا بعمل الذنب وبتوب وبستغفر الموضوع خلص، فعلمه بمغفرة الله جرأه على المعصية لأنه سيستغفر، وهذا ليس صحيحا، الله سبحانه وتعالى نهاك أن تقرب هذا الذنب، وأمرك أن تجتهد في اجتنابه وفي أن تتقيه وفي ألا تقربه، فلا يحملك مغفرة الله تبارك وتعالى على أن تتجرأ على المعصية.

ولكن إذا ضعف العبد ووقع في معصية يستغفر ربه تبارك وتعالى ويكثر من العمل الصالح، ونفس اشتغال المسلم بالسيئات هو ظلم لنفسه؛ لأن الإنسان لم يخلق ليعصي الله، وإنما خلق لطاعة الله، فاذا وضع نفسه في غير طاعة الله فهذا ظلم للنفس، لذلك ربنا قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110].

فيجب أن تعلم أنك إذا أذنبت فقد وقعت في خطأ وظلمت نفسك، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23]، اتخاذكم العجل، هذه الأحاديث أيها الشباب الكرام، أو الوالد، أو الوالدة، يجب أن تعلمها حينما تعلمها ولدك أو تعلمها لأحد؛ تبين لهم أن هذه الأحاديث يحبب المؤمن في الله، وتفتح باب الرجاء إذا ضعف المؤمن، لكنها أبدا لم تكن لتجرأ المؤمن على معصية الله تبارك وتعالى.

باب الأمر باتباع الجنائز. عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع؛ أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وأبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس. ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والديباج، والقسي، والاستبرق.

هنا ذكر الأمر باتباع الجنائز، وهذا من الأحاديث المهمة التي تعلمها لولدك، والأمر طبعا يأتي للفرض أو للاستحباب، وهذه من الأمور كما قلت لك التي تعلمها لولدك؛ أي أن تعلمه حق المسلم على المسلم. قال عن -طبعا- الجنازة تطلق على النعش الذي يحمل فيه الميت، وقيل تطلق على الميت نفسه.

قال عن البراء رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع. هذا جميل، التحديد هذا جميل، أنك أنت تكون محدد في نقاط بحيث إذا نسيت واحدة تعلم أنك قصرت. قال: أمرنا باتباع الجنائز -هذا هو الشاهد- وعيادة المريض، وإجابة الداعي -اللي هو الوليمة أو الطعام- ونصر المظلوم، أنك أنت تجتهد في دفع الظلم عنه أو في الانتصار له.

وأبرار القسم -طبعا إذا لم يكن فيه مفسدة، وإلا فقد يقسم الإنسان على شيء ويكون فيه مفسدة فلا تبر له هذا القسم، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أبا بكر لما أقسم عليه أبو بكر أن يعبر له الرؤيا أو نحو ذلك فقال: لا تقسم- قال: ورد السلام، وتشميت العطس، أنك أنت تقول: يرحمك الله.

قال: ونهانا عن -يعني المفروض يذكر سبعة، ولكنه ذكر ستا، وذكر آنية الفضة وخاتم الذهب- طبعا هذا محرم للرجال خاتم الذهب. قال والحرير والديباج والقسي، وطبعا الديباج هو أيضا نوع من الحرير، والقسي لها ثياب فيها خيوط من حرير، والاستبرق كذلك حرير يكون غليظا شوية. وذكر السابع في رواية أخرى كأنها سقطت هنا، اللي هو المياثر، والمقصود بالمياسر اللي هي فرش من حرير. الشاهد من هذا الحديث هو الأمر باتباع الجنائز.

باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه. عن أم العلاء رضي الله عنها، امرأة من الأنصار بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أنه اقتسم المهاجرون قرعة فطار لنا عثمان بن مظعون، فانزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة الله عليك يا أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أن الله قد أكرمه؟». فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: «أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي». قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا.

في هذا الحديث ذكر الباب أولا: باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج؛ أي لف في كفنه تماما، يعني أن هذا جائز. وذكر هذا الحديث، وهو حديث أم العلاء وهي امرأة من الأنصار؛ طبعا الأنصار اقتراعا على سكنى المهاجرين، يعني لما دخل المهاجرون المدينة عند الهجرة لم يكن لهم مساكن، فاقتسم المهاجرون قرعة، يعني شوف بقى كل واحد هيوح يسكن عند من؟ قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون، يعني وقع في سهمنا، قالت: فانزلناه في أبياتنا.

طبعا هي رأت من خلقه واستقامته، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم -هذا هو موضع الشاهد- ودخل عليه تماما في هذا الموضع. وقلت: رحمة الله عليك أبا السائب؛ أبو السائب هي كنية عثمان بن مظعون رضي الله عنه. وفي رواية عند أحمد قالت: هنيئا لك الجنة.

قالت: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. لاحظ النية هنا، لم تقل مثلا: أحسبك من الصالحين، أرجو لك الخير، أدعو لك بالجنة؛ لا، هي شهدت عليه، فهذا هو الذي نهيت عنه؛ لأنها حكمت بالغيب، ولأنها قطعت بأمر ما كان لها أن تقطع به، لأن هذا الأمر إنما يعلم بالوحي. والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه متبع لما أوحاه الله تبارك وتعالى إليه، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب إنما هو بتعليم الله تبارك وتعالى له.

يعني القدر الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم من قصص النبيين، أو ما يحصل في الآخرة، أو ما يحصل في الجنة أو في النار، أو ما غاب عنه، إنما كان بتعليم الله تبارك وتعالى له، ومن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم في الجنة أيضا هذا بتعليم الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أصله أن ينهى عن القطع في الحكم أو الحكم بالغيب، كما حدث في حديث أسامة لما قال الرجل: لا إله إلا الله وقتله، وكذلك في حديث سعد بن أبي وقاص لما قال: أعطيت فلانا وتركت فلانا وأنه لمؤمن، قال: أو مسلم. وفي حديث مالك بن الدخشن.

في كل هذه الأحاديث، النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عن المحكوم عليه ولا يصوب الحكم عليه أو يخطئه، وإنما ينهى الحاكم عن أن يقطع بشيء مع احتمال الأمر الآخر، خصوصا إذا كان هذا الأمر لا يعلم، مثل مصير الإنسان في الآخرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم نهاها عن ذلك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك؟». يعني أنت هل يوحى إليك؟ من أين علمت؟ هل أخبرتك أنا بتعليم الله لي؟ وما يدريك أن الله اكرمك؟ لأنها قطعت وشهدت على الله تبارك وتعالى، وهذا كأنه قسم على الله.

الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]. كلمة لا تزكوا أنفسكم؛ يعني لا يزكي بعضكم بعضا، ولا يزكي الإنسان نفسه، يعني لا يحكم على نفسه بالإيمان التام أو الكامل، أو يحكم على نفسه بأمر، فالله سبحانه وتعالى أعلم بمن اتقى.

قالت أم العلاء رضي الله عنها: بأبي أنت يا رسول الله؛ يعني أفديك بأبي، فمن يكرمه الله؟ يعني كأنها تقول -كأنها ظنت أن النبي صلى الله عليه وسلم ينفي عن عثمان بن مظعون هذا الحكم- لا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم عن عثمان بن مظعون أصلا، وإنما كان يؤدبها. مثلا كأنك أنت تسألني عن شخص، أنت قصدي -أقصد- تحكم على شخص تقول: هذا الشخص أعلم إنسان في الدنيا، مثلا. فأنا أقول لك: من يدريك؟ فأنت لا تحسب أني بذلك أقدح في هذا الشخص، أو أن في حكمك ممكن يكون فعلا هذا الشخص بالنسبة لي أنا كمان هو أعلم واحد في الدنيا، لكني أؤدبه في طريقة الكلام وأعلمك.

فهي كأنها ظنت أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى ذلك. قالت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ يعني كأنها تقول: إذا لم يكرم الله تبارك وتعالى هذا الصحابي، فمن يكرمه الله تبارك وتعالى؟ فقال: «أما هو فقد جاءه اليقين»؛ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. والله شوف، النبي صلى الله عليه وسلم نهاها عن القول الذي فيه جزم، وعلمها الذي تقول: «والwale إني لأرجو له الخير»، هذا فيه الرجاء والدعاء، لم يجزم النبي صلى الله عليه وسلم -وإن جزم فإنما يجزم بتعليم الله تبارك وتعالى له، وقد جزم النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من أصحابه بالجنة-.

قال: «والله ما أدري -وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما يفعل بي». هذا الموضع أشكل عند كثير ممن شرحوا الحديث أو ففسروا الآية التي في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِن أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: 9]. في رأيي والله أعلم أن هذا الموضع ليس مشكلا أصلا.

الآية كالتالي في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُم إِن أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: 9]. في هذه الآية بعض الناس استشكلوها، فقالوا كيف لا يعلم النبي صلى الله عليه وسلم ما يفعل به وبقومه في الآخرة وما يفعل بالكفار؟ فقالوا إن هذا أنزل الله بعده: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، وما له عنده وما للمؤمنين عنده وما للكفار عنده، وذكر في سورة الفتح: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح: 5] الجنات تجري من تحتها الأنهار إلى آخر ذلك. فتبين له ما الذي يفعله الله به.

وأنا في رأيي أن هذا وجه يعني ضعيف، على رغم اشتهاره لكنه في رأيي ضعيف ولا يناسب أبداً أن يكون هذا تفسير الآية. يعني كيف يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم مصير المؤمنين عند الله تبارك وتعالى ولا يعلم مصير الكافرين؟ يعني الاقرب عندي والله أعلم هو أنه لا يعلم ما الذي يحصل في الغد، يعني هل يقتلوه، يخرجوه، يؤمن به، يهلكهم الله كما أهلك الأمم السابقة؟

أما في الآخرة فالله سبحانه وتعالى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم، والآيات التي نزلت في مكة واضحة كالشمس لمن يكذب بالدين وفي مصير المؤمن، من أول الآيات التي نزلت من أول سورة اقرأ والمدثر، كل هذه الآيات واضحة كالشمس في جزاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن سبقه من المرسلين والأنبياء وكذلك الصحابة الذين آمنوا به وكذلك جزاء الكافرين. فيبعد جداً أن يكون كلمة وما أدري ما يفعل بي ولا بكم يعني في الآخرة، لا.

وإنما الأقرب والله أعلم أنه لا أدري ماذا يحصل بيننا؟ هل يعني يحصل بيننا قتال، تخرجوني، تؤمنوا بي، يهلككم الله أو نحو ذلك من الأمور؟ وقيل ما أدري ما يفرضه الله تبارك وتعالى علي وعليكم، اه هذا هو الوجه عندي والله أعلم. في هذا الحديث: «وما أدري والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي»، يعني إنما أعلم ذلك عن إلهي، عن الله تبارك وتعالى أو بتعليم الله لي، هذا ليس مشكلاً. يعني أنا علمت ذلك بالوحي، أنا علمت ذلك بالوحي.

قالت فوالله لا أزكي أحداً بعده. نعم هذا هو المراد، ألا يقطع الإنسان لأحد وألا يزكيه، وإنما يقول أحسبه كذلك، أظنه كذلك، أرجو له الخير، أرجو أنه من أهل الخير، أي أرجو أن يكرمه الله، يدعو له بالمغفرة ونحو ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينف عن عثمان رضي الله عنه أن الله أكرمه، وإنما كان يعلمها ويأدبها.

والبخاري رحمه الله بوب باباً: لا يقال فلان شهيد. خرج فيه حديث سهل بن سعد الساعدي، الرجل الذي يعني قتل نفسه وكان الصحابة قالوا إنه لم يجزئ منا أحد كما أجزأ فلان، فقتل هذا الرجل نفسه. أرجو أن يكون الحديث واضحاً.

طيب هو أصلاً لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعني، تصور النبي صلى الله عليه وسلم يقول للمشركين: والله أنا لا أعرِف مصيري ومصير المؤمنين في الآخرة ولا أعرف مصيركم، فسيقولون له: على مَ نتبعك؟ طب احنا لماذا نتبعك يعني؟ إذا كنت أنت لا تعلم أو لم يعلمك ربك بمصير المؤمنين والكافرين في الآخرة فلماذا نتبع؟ لذلك أنا أستبعد جداً هذا.

ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، يفعل ليس المراد في الآخرة وإنما المراد في الدنيا. أما ما طيروا في الآخرة فهو معروف، ولذلك قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: 9]. يعني أنا أعلم ذلك، يعني أعلم وأعمل بقدر ما أوحي إلي. واضح؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم من جهة العلم أو العمل متبع لله تبارك وتعالى، لا يعلم إلا ما علمه الله.

كما قال النبيون: «لا علم لنا». أقصد الرسل قالوا: لا علم لنا، لما يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم؟ هم قالوا: لا علم لنا. لماذا؟ قالوا لا علم لنا لأنهم يعرفون من أتبعهم، لأنهم ممن أتبعهم كانوا منافقين، وقالوا: لا علم لنا، رد العلم إلى الله. وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32]. والله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لمْ تَكُونُ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113].

الأقرب في الآية والحديث أن المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم متبع للوحي من الله، وغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يوحى إليه فكيف يجزم كيف يقطع؟ وليس المراد في الحديث طبعا أن وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي، يعني هل الله يدخلني الجنة ولا لأ؟ كيف والنبي صلى الله عليه وسلم يعني معروف أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وأنه صاحب الشفاعة وأنه في أعلى الدرجات عند الله تبارك وتعالى وهذا أمر مقطوع به.

والحديث الذي هو الوسيلة، أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم من قال بعد الأذان: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة» إلى آخرها، لما سئل عن الوسيلة قال: «منزلة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا». وكلمة أرجو هنا هي يعني من باب أن الإنسان يستثني في الأمور المققطوع بها، كما تقول عند دخول المقابر: وإن إن شاء الله بكم لاحقون. وانت تعلم أنك ميت. واضح، يعني أرجو أن يكون المعنى واضحاً بإذن الله تبارك وتعالى والله أعلم.

تفضل الحديث الثاني، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما قتل أبي، جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي وينهونني عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم لا. فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظل باجنحتها حتى» نعم هذا من أجمل الترتيب.

لاحظ هذا الحديث فيه بيان لما قبله؛ لأن جابر رضي الله عنه لما ذكر أن أباه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وعن ولده قال: جعلت لما قتل قال جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي وينهونني، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاني. النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه، هذا وجه الشاهد أيضاً. النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه ولم ينه عن ذلك، عن البكاء، وسيأتي البكاء المنهي عنه، ما هو البكاء المنهي عنه؟ سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى.

قال: فجعلت عمتي فاطمة، اللي هي عمة جابر تبكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه». هذا الثناء والتزكية علمها النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، شهد له بذلك. هذا يدل على المراد من الحديث الأول، وهو ألا يقطع الإنسان بشيء؛ لأن هذا إنما يعلمه الله، وإن علمه النبي صلى الله عليه وسلم فبتعليم الله تبارك وتعالى له.

باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعاً.

نعم الرجل ينعى إلى أهل البيت بنفسه. النعي اللي هو الإعلام، إعلام الناس بموت أحد من المسلمين، هذا هو النعي تماماً. وإلى أهل الميت القرابة والإخوة في الدين.

قال عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي، النجاشي هو لقب لملك الحبشة، فالنعي هذا هو الإعلام، أنك أنت تعلمه أنه أحد أقربائي مات. هذا وإن كان فيه إدخال الغم أو الحزن على قلبه لكن هو الصواب، لماذا؟ حتى يجهزه، حتى يشهد جنازته، حتى يصلي عليه، حتى يستغفر له، حتى ينفذ وصيته. واضح، فهذا الإعلام هو مجرد إخبار، ليس من نعي الجاهلية، ليس من النياح التي ستأتي لتقول يا سبعي يا ضبعي يا اللي ميت ونفسك في.

في المنبر ياللي مش عارف إيه، لأ، كل هذا سيأتي. إنما هذا إعلام، أنك أنت تعلم أن فلانًا هذا مات. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فمات ليلًا فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه، وقال: «ما منعكم أن تعلموني؟». هذا هو الإعلام. قالوا: كان الليل فكرهنا أن نشق عليك -الحديث إلى آخره-. فهذا يبين الإعلام، أو إيه؟ الإعلام الجائز. يعني نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلى فصف بهم، وهذا يدل على تسوية الصفوف، فيه رد على من قال: لا يجب تسوية الصفوف، وهذا ورد عن بعض التابعين أن هو لا يلزم أن تساوي الصفوف يعني.

قال: وكبر أربعة. أكمل عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له». نعم، هذا الحديث أيضًا فيه الإعلام بالموت، أن هو أعلم أهل الشهداء الذين قتلوا في غزوة مؤتة، أعلمهم بالموت تمامًا. فقال: أخذ الراية زيد، اللي هو زيد بن حارثة رضي الله عنه، فأصيب قتل، ثم أخذها جعفر، جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه. النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل يعني عشان نفهم، ده كان في غزوة مؤتة، وغزوة مؤتة جت في العام الثامن الهجري، وذكر في سببها يعني أن شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو من أمراء قيصر على الشام، قتل رسولًا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحب بصرة. فجهز النبي صلى الله عليه وسلم عسكرًا يعني في ثلاثة آلاف، وفي غزوة مؤتة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر فيها زيد بن حارثة، قال: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر» جعفر بن أبي طالب «فعبد الله بن رواحة» إلى آخر الحديث.

قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان. تذرف يعني تدفع إيه؟ الدمع. يعني إيه؟ بكثرة يعني. ثم أخذها خالد -وفي رواية يعني أخذها سيف من سيوف الله خالد بن الوليد- من غير إمرة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن نص عليه، وإن كان بعد ذلك اتفق عليه، اتفق عليه من معه. قال: ففتح له. اختلف -طبعا- هذا الحديث من آيات النبوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك بتعليم الله تبارك وتعالى، أو بإعلام الله تبارك وتعالى له. اختلف في معنى فتح لخالد رضي الله عنه، فقيل: المراد أنهم هزموا المشركين. وقيل: المراد أنه رجع بمن معه من المسلمين سالمين. وفي بعض الروايات أنهم هزموا جانبًا من المشركين، ولما خشي خالد تكاثر الكفار عليهم، رجع إلى المدينة، وذكرت تفاصيل كثيرة في هذه الغزوة ليس هذا محل بسطها. المراد من هذا أو في هذه الأحاديث: نعي المسلم لقرابته، ونعي المسلم لإخوانه. وفيه مشروعية الصلاة على الغائب، على البعيد من أموات المسلمين. وفي كذلك جواز البكاء على الميت بغير معصية كما سيأتي، وفي مشروعية الأخبار بموت الإنسان لما يترتب على ذلك من مصلحة التجهيز والدعاء له، وشهود الجنازة والاستغفار، وتنفيذ ما كتب من الوصايا.

أكمل: باب فضل من مات له ولد فاحتسب. وعنه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم». نعم، في هذا الباب -باب طبعا هذا يدخل في الجنائز- قال: فضل من مات له ولد فاحتسبه. هو لم يذكر في هذا الحديث الاحتساب، ولكن هذا معلوم أن العبد إنما يثاب ليس بمجرد نزول المصيبة عليك؛ نزول المصيبة على المؤمن تكفر من خطاياه، لكنه لا يثاب إلا بعمله، وهو الصبر أو الاحتساب، الصبر والحتساب. طبعا البخاري رحمه الله قبل أن يذكر الحديث ذكر قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]. هكذا يفعل البخاري، وأظن أنه اقتدى بالشافعي في ذلك، أنه يقدم بالآيات كلما أمكنه ذلك.

قال: وعنه يعني عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الناس من مسلم» لاحظ، المسلم هذا للمسلم وليس للكافر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن». هذا المؤمن هو الذي يثاب على صبره، وكذلك يثاب على شكره. قال: «ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاثة» جاء في رواية: «واثنان»، قال: «واثنان» قال: «لم يبلغوا الحنث» يعني لم يبلغوا اللي هو لم يبلغ الحلم، أو اللي هو سن التمييز أو التكليف، يعني لم يصل مكلفًا، سن يؤاخذ بما يفعله، «إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم». يعني رحمة الله لأولاده الذين. وفي هذا الحديث -طبعا- الاحتساب، فيه فضل الاحتساب، وعمومًا المؤمن يجب أن يتعلم لماذا يحتسب. أسباب الاحتساب منها: تذكر الأجر، وتذكر أن ولده الذي مات لم يبلغ الحنث أنه في الجنة، وفي كذلك العلم بأن التحسر والشكوى والسخط لا يغني عنه شيئًا بل يزيد من المصيبة كما سيأتي بيان ذلك.

لكن نلاحظ أن البخاري يقيد، لم يقل فضل من مات له ولد لم يبلغ الحنث، وكأنه والله أعلم، يعني إذا كان من مات له ولد وهذا الولد صغير ويكون جزاؤه هكذا، فكيف إذا عاش معه الولد عمرًا وكان قويًا وكان يعينه؟ أرجو والله أعلم أن يدخل في هذا الفضل، والله أعلم. وإن كان التقييد في لم يبلغ الحنث قوي كحجة لمن قال هو خاص بمن مات ولم يبلغ الحنث، وخصوصًا أن الله سبحانه وتعالى قال: إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمتي إياهم، فلعل ذلك خص لمن لم يبلغ الحنث والله أعلم.

باب ما يستحب أن يغسل وترًا. عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنيني». فلما فرغنا آذنناه، فأعطانا حقوه فقال: «أشعرنها إياه» تعني إزاره. في الحديث السابق أُريد أن أنبه على فائدة مهمة جدا، خصوصًا للوالدين أو الأئمة أو الخطباء، التذكير بفضائل الأعمال. من أعظم الأمور التي ينبغي أن تذكر بها من مات له أحد أن تذكره، خصوصًا لو مات له طفل أن تذكره بهذا الحديث، هذا سبب في أن يحمله على الصبر بإذن الله.

باب ما يستحب أن يغسل وترًا، يعني أن غسل الميت تغسيل الميت يكون وترًا؛ ثلاثة، خمسة، سبعة. وذكر ابن عبد البر رحمه الله قال: لا أعلم أحدًا قال مجاوزة السبع، وإن كان الأقرب أن هو بحسب الحاجة. عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته، والمشهور أن هي زينب، وهي كانت أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل في رواية أنها أم كلثوم والله أعلم، لكن الأقرب أنها زينب، والله أعلم رضي الله عنهن جميعًا. قال: فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا» هذا هو وجه الشاهد، اللي هو الوتر يعني.

أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، يعني بحسب الحاجة، بماء وسدر. السدر اللي هو شجر النبق، وذكر فيه أنه سبب في الإنقاء، فلذلك يجعل في الغسلات. لكن آآ إذ قال جعلنا في الآخرة كافوراً. الكافور هو نوع من الإيه؟ من الطيب، وفيه طيب الرائحة فيكون له أثر يعني رائحة. وقيل إن هو يبعد الحشرات عن الميت أو نحو ذلك، الله أعلم بالسبب، لكن الأقرب أن هو فيه رائحة. لو هو طبعا غسل بالكافور في أول سيذهب أثره، فلذلك جعل في الإيه؟ في الآخرة، قال: أو شيئاً من كافور.

قال فإذا فرغتن فاذننني يعني أعلمنني بذلك، فلما فرغنا أذاناه فأعطانا حقوه. الحقو اللي هو أصلاً معقد الإزار، لكن هو يطلق على الإزار اللي هو بيلف به الإيه؟ أنتم عارفين اللباس اللي هو الملابس، يعني فيه رداء اللي هو للإيه؟ للجزء الأعلى من البدن، وفيه إزار للجزء الأسفل، وفي الشعار اللي هو بيكون متصل بالبدن اللي احنا بنسميها الفانلة الداخلية، الحاجات اللي إيه بتكون لازقة على الجسم دي بتسمى الشعار. تمام، آآ قال آآ فاعطانا حقوه اللي هو الإزار النبي صلى الله عليه وسلم، وقال اشعرناها إياه، يعني اجعلنه الثوب الذي يلي الجسد، هو أول حاجة يكون يعني آآ لامس الجسد، يعني تعني إزاره طبعا يعني هذا فيه دليل على آآ بركة النبي صلى الله عليه وسلم أو بركة ملابس النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن.

ولكن ذلك خاص به، لم يثبت عن غيره صلى الله عليه وسلم. قال وفي رواية أخرى أنه قال: ابدأن بما يامنها وبمواضع الوضوء منها، ومشطناها. قالت يعني آآ أم عطية: ومشطناها ثلاثة قرون.

عندنا هنا البدء بأمرين: بالميامن اللي هو آآ النبي صلى الله عليه وسلم عموماً كان يعجبه التيمن، يعني أبدأ بالميامن آآ سواء بقى كان الإيه؟ كان هذا اليد أو الرجل أو الجنب يبدأ باليمين، ويبدأ كذلك بمواضع الوضوء في الغسل. يعني قالت: ومشطناها ثلاثة قرون. يعني إيه آآ ينقض لو المرأة عاملة ضفائر تنقض الضفائر، وآآ يغسل رأس المرأة ثم بعد ذلك تجعل ضفائر، يعني تلات قرون إلى اليمين ضفيرة اليمين وضفيرة شمال وضفيرة من أعلى الرأس، وهذه الضفاير تجعل خلف الإيه؟ خلف الرأس. نسأل الله تبارك وتعالى أن يتوفانا على الإسلام. اه طبعا هذا ضرورة أن تتعلم النساء آآ هذه الأحكام، لأن المرأة معرضة أن تكون في مكان آآ يعني لا يوجد فيه من يغسل النساء، وهذا جميل يعني كثير من النساء مش في دماغها هذا الأمر أصلاً، لا تعرف فقه الصلاة ولا الطهارة ولا ولا التغسيل ولا التكفين مع أن قد يحتاج إليها، وحتى المؤمن إذا لم يحتج إليه في ذلك هو يتعلم، الفقه في الدين من أعظم الأعمال.

آآ طيب في حاجة طبعا في استحباب غسل الميت ثلاثاً أو خمساً أو أو أكثر يكون وتراً، واستحباب وضع الطيب في الغسلة الأخيرة، واستحباب تمشيط شعر المرأة وتضفيره قرون، باب البدء باليمين والبدء بمواضع الوضوء، باب الثياب البيض للكفن. عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أبواب في ثلاثة أثواب يمنية بيض سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة.

عندي سحولية، عندك أنت يا أسامة سحولية ولا سحولية؟ بارك الله فيك، الثياب البيض للكفن. طبعا ورد عند الترمذي حديث آآ البسوا ثياب البياض وكفنوا فيه موتاكم، فيها موتاكم إلى آخر الحديث، ولكن هو لو كان صحيحاً على شرط البخاري لقدمه، لأن البخاري لأن هذا الحديث أسرع ما جاء في الباب، ولكنه استدل بحديث استنبط منه الحكم، وهذا يفعله البخاري كثيراً. إذا وجد في الباب أحاديث لم تبلغ شرطه فإنه يذكر الباب، ويحاول أن يلتمس أقرب ما يستدل به على هذا الباب أو هذه الترجمة، والاستدلال به أنه هو الذي كفن به النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يكون خير كفن لأن الصحابة ارتضوه له والله سبحانه وتعالى قبل ذلك رضيه له.

قال عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب أثواب يبقى هو إيه بقى؟ في نص هنا على ثلاثة أثواب أثواب يمانية بيض سحولية، يعني شديدة الإيه؟ البياض، من من كورسه، يعني من إيه؟ من قطن، ليس فيها قميص، القميص اللي هو بيفصل على البدن، إنما إنما الكفن بيكون قماش بيتلف به الميت تمام؟ قال ولا عمامة، العمامة اللي هي بتلف على الرأس بقى، ده فيه استحباب تكفين الرجل في ثلاثة أثواب بيض، وفيه كراهة العمامة للرجل في كفن وكراهة الإيه؟ آآ القميص اللي هو بيكون يعني آآ ماسك على آآ، وإن كان سيأتي بعد ذلك الإيه؟ الأذن فيه. تفضل.

باب الكفن في ثوبين. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوق سطح أو قال فاوقفته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فانه يبعث يوم القيامة ملبيا».

نعم. باب الكفن في ثوبين ليبين أن الحديث الذي قبله أو الثياب البيض اللي هي الثياب اللي هي ثلاثة آآ أو ثلاثة أثواب أن هذا ليس شرطاً، يعني يمكن أن يكون في ثوبين، فذكر آآ أن رجلاً كان واقفا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة في الحج يعني، إذ وقع عن راحلته اللي هي الناقة فاقعصته آآ أقصى أو أقصته يعني قتل كسر دقه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر». هذا مر معنا، لم يقل لم يقل إيه واجعلوا في الآخرة كافوراً. تمام؟ قال: «وكفنوه في ثوبين». وفي رواية في ثوبيه، لأن المحرم بيكون عليه طبعا هذا الرجل يعني المحب يكون عليه ثوبان، اللي هو الإزار للجزء الأسفل والرداء للجزء الإيه؟ الأعلى. ففي رواية في ثوبيه، قال: «ولا تحنطوه» يعني لا تجعلوا عليه طيباً «ولم تخمروا رأسه» لا تغطوا رأسه «فانه يبعث يوم القيامة ملبيا».

يعني آآ كما كان ملبياً لله ومات على ذلك، فهذا من فضل الله تبارك وتعالى أن يبعث النسك الذي كان قاصداً له، لأن طبعا آآ نهاهم عن الطيب لأن الطيب من آآ من المنهي عنه في في الإحرام، وكذلك آآ تغطية الرأس، كذلك مني عنه.

طيب أكمل. باب الكفن الميت. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عبد الله بن أبي لما جاءه ابن جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه فقال: أذني أصلي عليه. فأذن، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه فقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فقال: «انا بين خيرتين».

أنا بين خيارتين، قال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، فصلى عليه فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. عن جابر رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه.

قال باب الكفن في القميص، يعني سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفن في قميص ولا عمامة صلى الله عليه وسلم، فهو يذكر هنا جواز ذلك أنه يجوز، وإن كان يعني الأولى والأقرب آآ طبعا عدد من أهل العلم كره أن يكفن في قميص لكن هذا الحديث فيه رد عليه، لكنه خلاف الأولى. لذلك البيهقي رحمه الله ترجم باب جوازة جواز التكفين في القميص، وإن كنا نختار ما اختير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقصد التكفين في ثلاثة يلف فيها لفا كما كفن كما كان كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومر معنا الحديث.

البخاري يقول: الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف. اختلف اختلافاً كبيراً في المراد بهذا؛ بمعنى هذه الترجمة: هل الذي يكف؛ أي صاحبه الذي كفن فيه يكف عن العذاب أو لا يكف؟ تمام؟ لأن ثوب النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكف العذاب عن عبدالله بن أبي بن سلول، وكان رأس المنافقين في المدينة، وكان يعادي النبي صلى الله عليه وسلم ويبطن الكفر.

أو المراد الذي يكف أو لا يكف؛ يكف اللي هو المزرر الذي فيه أزرار. والأقرب هذا والله أعلم أن المراد بالتكفين في القميص أن التكفين فيه ليس ممتنعاً، سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف؛ يعني مزرر أو غير مزرر. وهذا رداً على من قال بأن القميص لا يكفن فيه إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة، فالبخاري كأنه رد بيقول: لم يأتي هنا تحديد، وسواء كان يكف أو لا يكف؛ يعني مزرر أو غير مزرر، يجوز التكفين فيه، وإن كان طبعا خلاف الأولى والله أعلم، ومن كفن بغير قميص.

فذكر حديث عبدالله بن عمر أن عبدالله بن أبي لما توفي؛ عبدالله بن أبي بن سلول وكان رأس المنافقين، وابنه طبعا عبدالله هو من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عبدالله، فابنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه. ذكر في أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بذلك، أما تطييباً لخاطر عبدالله الصحابي الكريم، أو يكون مكافأة في عبدالله بن أبي اللي هو مات؛ عبدالله بن أبي بن سلول اللي هو المنافق، لأنه كان قد كسى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه قبل ذلك لما كان حين أُسِر ببدر، فالنبي صلى الله عليه وسلم كافأه لئلا يبقى للكافر عليه يد والله أعلم بسبب ذلك.

قال: إن عبدالله بن أبي لما توفي، جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه. هذا جواب الطلب: أعطني أكفنه. ذروني أقتل موسى، يعني أنا أفصل إيه هذا الطريق، يعني جواب الطلب: وصلِّ عليه واستغفر له. فأعطاه القميص.

في الحديث الذي بعده: حديث جابر وموجود في وهو في البخاري ومسلم، أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبر عبدالله بن أبي، فأخرجه من قبره، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه. فالله أعلم، يعني جابر هو الذي يقول: وكان كسا عباساً قميصاً. وهذا الحديث يعني لما ذكره الطحاوي في مشكل الآثار مع الحديث الذي قبله، رجح الطحاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي على عبدالله بن أبي، يعني رجح الرواية. مشكل الآثار من أهم الكتب التي تذكر في الجمع بين الروايات التي تبدو مختلفة.

المهم أن في الحديث الأول النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر رضي الله عنه؛ يعني عمر رضي الله عنه أراد أن يراجع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأن يستفسر منه، يعني: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ وهذا من علمه عمر من القرآن.

النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا بين خيارتين؛ يعني أنا مخير، قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفَرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]. فصلى عليه. فهي هنا عندنا روايات فصلى عليه، وعندنا في الرواية الأخرى كأنها فيها أنه لم يصلي عليه، لم يذكر فيها أنه صلى عليه، قال: فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84].

هذا الحديث ضاعفه بعض الناس بسبب ما فيه من الإشكال، كيف النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يكون فهم من استغفر لهم أو لا استغفر لهم أن الله سبحانه وتعالى يخيره؟ وهذا فيه تفاصيل كثيرة، لكن أخشى أننا نطيل فيها أن النهار أنا أُريد أننا نختم عند الحديث أربعمائة وتسعة وأربعين. ووجه الشاهد من الحديث علم وهو جواز التكفين في القميص.

أكمل: باب إذا لم يجد كفناً إلا ما يواري رأسه أو قدميه غطى به رأسه. عن خباب رضي الله عنه قال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نلتمس وجهه، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير رضي الله عنه، ومنا من اينعت له ثمرته ويهدبها، قُتل يوم أحد فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر.

نسيت أن أذكر لكم ما جُمع به بين الحديثين: الحديث الأول فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه القميص، قال: فأعطاه قميصه. في الرواية الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى عبدالله بن أبي بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه. يعني قيل في الجمع بينهما أوجه كثيرة، أقربها والله أعلم أن كلمة فأعطاه قميصه يعني أنعم له بذلك أو وعده بذلك أو وافق على ذلك، لكنه لم يعطه القميص إلا بعدما دفن والله أعلم.

وهذه الاحاديث تحتاج بحثاً أكثر من ذلك خصوصاً في الحديث الأول؛ فهل النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أنه باستغفاره عليه يغفر الله تبارك وتعالى له؟ أنا أستبعد ذلك بأن هذه الآية صرح فيها: ﴿فَلَن يَغْفَرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]. فكأنه لو ثبتت هذه اللفظة اللي هي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا بين خيارتين، يكون المراد منها أنه يستغفر له بناء على تطييب خاطر ولده أو تأليفا بقلب قومه أو نحو ذلك. لكن هل يظن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يغفر له والله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَن يَغْفَرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]؟ هذا عندي مستبعد جداً والله أعلم.

الحديث الثاني قال: إذا لم يجد كفناً إلا ما يواري رأسه أو قدميه غطى رأسه. يعني هذا من الاحتمالات الواردة، المفروض أن الكفن يكون ساتراً لجميع البدن، فإذا لم يجد إلا كفناً قصيراً، كفناً صغيراً، ماذا يفعل؟ هل يغطي الرأس أو الرجل؟ فذكر هنا، قطع البخاري في الترجمة بترجيح المسألة بترجيح الوجه، قال: إذا لم يجد كفناً إلا ما يواري رأسه أو قدميه غطى رأسه. خلاص، يبقى كده إيه يغطي الرأس.

فذكر هذا الحديث وهو من أجمل الأحاديث التي أتأثر بها جداً في ذكر خباب لهجرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: نلتمس وجه الله. أخبر عن قصده وقصد من معه، فوقع أجرنا على الله. وفي الحديث: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله إلى آخر الحديث.

قال: فمنا من مات، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئاً في الدنيا، يعني أجره في الآخرة عند الله، لكنه في الدنيا لم ينل شيئاً من متاع الدنيا في الإسلام، لم ينل غنيمة أو منصباً أو نحو ذلك، منهم هؤلاء الذين ماتوا لم يأكلوا من أجورهم شيئاً في الدنيا، مصعب رضي الله عنه الذي ترك ماله وترفه وأسلم لله تبارك تعالى وجاهد في سبيله رضي الله عنه.

قال: ومنا -ده الصنف الآخر- من أينعت له ثمرته؛ يعني نضجت.

يقصد بذلك الذين أدركوا الفتوحات والغنائم وصاروا أمراء ونحو ذلك، قال فهو يهذبها يعني يجنيها. وذكر مصعب بن عمير أنه قتل يوم أحد شهيداً، قال فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الذي هو النبات طيب الرائحة.

فوجه الشاهد إذا كان الكفن قصيراً فإنه يغطى به رأسه وإن بدت رجلاه أكمل.

من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه، عن سهل رضي الله عنه أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة فيها حاشيتها، أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة. قال: نعم. قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، حسنها فلان فقال: أكسونيها ما أحسنها؟ قال القوم: ما أحسنت. لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألته وعلمت أنه لا يرد، قال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه.

نعم رضي الله عنهم، من استعد الكفن يعني واحد جهز كفنه قبل أن يموت، هل يجوز ذلك أم لا؟ قال: من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه.

هنا سنة الإقرار، نحن عندنا السنة قولية أو فعلية أو إقرار، ما حدث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يعني كان حاضراً وشهده أو علم به ولم ينكر عليه فهذه تسمى سنة سنة إقرارية.

عن سهل رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة فيها حاشيتها. طبعا فسر بعد ذلك البردة التي هي الشملة، قالت: نسجتها بيدي. شف ما أجمل هذه الكلمات من هذه المرأة العاقلة المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم والمحبة لما يفرحه وما يرضيه، قالت: شف هي جاءت بنفسها قالت نسجتها بيدي شوف الجمال، فجئت لأكسوكها، يعني كمان جاءت بنفسها لتكسو بها النبي صلى الله عليه وسلم.

فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها قبل الهدية وكان بحاجة إليها، ولعلها أصلاً علمت ذلك من حاله أنه بحاجة إليها رضي الله عنها، فخرج إلينا وإنها إزاره، وهذا يدل فعلاً أنه كان محتاجاً إليها، فحسنها فلان، في رواية فجسها فلان فقال: أكسونيها ما أحسنها؟ وقال القوم: ما أحسنت. يعني هذا التصرف ليس صحيحاً، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألته وعلمت أنه لا يرد، وهذا من خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال: إني والله ما سألته لألبسه، وإنما سألته لتكون كفني. يعني هو وهذا يدل على أن كثيراً من الأمور التي يعني الإنسان يظن فيها ظنوناً سيئة يكون القصد منها حسناً، هذا فيه دلالتان: الأولى أنك أنت لا تسارع في إساءة الظن بمن فعل أمراً قد يعني يحتمل وجهاً حسناً، والامر الثاني أن من فعل أمراً يحتمل وجهاً سيئاً وهو يريد منه أمراً حسناً لابد أن يبينه للناس حتى لا يظنوا فيه الظنون، والنبي صلى الله عليه وسلم قال إنها صفية، وقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».

الإنسان لا يضع نفسه مواضع الشبهات ثم يلوم من أساء الظن به، فهذا أمر للنفس الشخص وأمر لمن يرى على أحد من إخوانه ما يحتمل أمراً سيئاً أن يستبين منه ويستفسر.

قال سهل: فكانت كفنه. وهذا في رأيي يدخل في صدق الإرادة أنه يعني أراد ذلك وكان صادقاً فكانت كفنه، وفيه طبعاً جواز التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، لم يأتي ذلك في غيره.

باب اتباع النساء الجنائز، عن أم عطية رضي الله عنها قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. معذرة عشان عندي شوية كحة كده النهارده.

باب اتباع الجنائز، اتباع النساء الجنائز، لم يذكر لم يخصص الحكم، لم يجزم به يعني قال هو جائز أو غير جائز، لأن الحديث فيه نهي، النهي عن اتباع الجنائز، لكن فهمت أم عطية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزم عليهن.

فالصلاة طبعاً صلاة المرأة على الجنازة مشروعة، المنهي عنه هو اتباع الجنازة، ولكنها فهمت أن هذا النهي لم يبلغ حد التحريم، يعني كأنه في الكراهة والله أعلم، وإن كان بعض أهل العلم كره اتباع المرأة للجنازة لأنها تتسخط ونحو ذلك، فهل إذا لم تكن تتسخط يجوز لها؟ الأقرب أنه يكره لها ذلك بدلالة هذا الحديث والله أعلم، إنما أصلاً الرجال هم اللي بيحملوا الجنازة وهم اللي بيتبعوها وهم اللي بيدفنوها، تأتي الكلام عن زيارة المرأة للقبر إن شاء الله.

باب إحداد المرأة على غير زوجها، عن أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً».

باب حد المرأة على غير زوجها، الإحداد هو ترك الزينة أو ترك التعطر ونحو ذلك، وهذا أيضاً من الأحكام المتعلقة بالجنائز، عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر» -لاحظ كثيراً ما تذكر هذه الصفة بالعمل الصالح لأنها أصل لكل عمل صالح- «تحد» -أي رخص لها أن هي تحد على الميت أن يكون الوالد أو الابن أو الجد أو العم أو الجار يعني رخص لها لكن في ثلاثة أيام- «إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» هو ترك الزينة وترك التعطر.

شف لاحظ هداية الإسلام هداية الله تبارك وتعالى للمسلم والمسلمة في كل وقت وكل موقف وكل مشهد، وأنا دائماً تأتيني جملة الشافعية هذه أمامي كالشمس أن هو قال: وليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها سبحان الله! يعني يقصد في الكتاب وفي بيانه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

ففي هذا الحديث لا يحل للمرأة الحداد على زوجها أكثر من أربعة أشهر وعشرة أيام، ويحرم على المرأة أن تحد أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوجها.

باب زيارة القبور، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتق الله واصبري». قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم. فاتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى».

نعم زيارة القبر، النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة»، وهذا الإذن للإباحة، وكذلك هذه الزيارة ينتفع بها الميت بالدعاء له، وينتفع بها الزائر من تذكر الموت والعمل للآخرة، كم من انسان تغيرت حياته بسبب زيارته القبر.

ولكن هناك زيارة بدعية، ما يحصل مثلاً أن واحد يزور قبر رجل كان صالحاً أو هو يراه من الصالحين يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب أو يدعوه هو من دون الله أو يدعو الله به، كل هذه أمور ليست مشروعة منهي عنها، وبعضها شرك أن هو يدعو غير الله.

قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، طبعا زيارة اللي ورد في النهي عن زيارة القبور للنساء، حديث اللي هو لعن الله زائرات القبور أو زوارات القبور.

وهذا الحديث كان الشيخ محمد عمرو، وهو شيخي عليه رحمة الله، كان يضعف كل روايات هذا الحديث، والأقرب أنها ضعيفة، وإن صححها عدد من أهل العلم وبنوا عليها حكم تحريم زيارة القبور للنساء. وهذا الحكم قال به عدد من أهل العلم وهو محل خلاف، لكن أنا لا أعلم حديثاً صحيحاً في نهي المرأة عن مطلق زيارة القبر، وهذا الحديث الذي بين أيدينا هو شاهد لجواز زيارة المرأة للقبر.

بل إن البخاري أصلاً ذكر هذا الحديث تحت هذا الباب؛ اللي هو باب زيارة القبور. لعله يريد بذلك الرد على الحديث الآخر الذي تنهى فيه المرأة عن زيارة القبر. فالمرأة إذا التزمت بأدب الزيارة ولم تتسخط ولم تفعل شيئاً منكراً، فالأقرب والله أعلم أنه يجوز لها ذلك، وإن كان في المسألة خلاف ونعلم أن عدداً كثيراً من أهل العلم قال بنهي المرأة عن ذلك، وذكروا أسباباً؛ أن المرأة ضعيفة وأنها يمكن أن تجزم دعوة يصيبها من الهلع ونحو ذلك.

فنقول: إذا هي التزمت، فالأقرب والله أعلم أنه يجوز لها. قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر -في رواية أن هو قبر صبي لها- فقال: «اتق الله واصبري». هذا أعظم وصية، أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. والتقوى هو فعل ما يرضي الله في هذا الحدث؛ اتق الله يعني لا تفعلي شيئاً ينهى عنه. طبعا ليس المراد هنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم أنها تبكي، يعني واضح أن المرأة كانت تفعل أكثر من البكاء؛ يعني مش البكاء المأذون فيه الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنها رحمة، كما سيأتي؛ لأنها فعلت شيئاً أو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أمراً مطلقاً، يعني لا يلزم أن المرأة تكون ارتكبت شيئاً منكراً، النبي صلى الله عليه وسلم يأمرها عموماً بالصبر والتقوى.

وقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي؛ يعني لم تقبل نصحه ولم تعرفه، فقالت: فإنك لم تصب بمصيبتي. كثير من الناس يظن أن مصيبته لم يصب بها غيره، وكثير منهم، والاحتساب يهون ذلك. الاحتساب هو احتساب الأجر عند الله؛ أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيتذكر الأجر عند الله، ويتذكر أن حزنه، هلعه، جزعه لن يغني عنه شيئاً بل سيزيد المصيبة. وكم من مصيبة زادت بسبب كثرة الشكوى! فالمؤمن يعلم أنه مبتلى، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: 155] إلى آخره. المؤمن كذلك أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.

والله سبحانه وتعالى ذكر حال المؤمن: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرُوحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 9-11]. هؤلاء استثناهم الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء لا تغيرهم الحوادث، لا يحملهم الفرح على ترك الشكر ولا يحملهم المصيبة على ترك العمل الصالح. لذلك ربنا قال عن أيوب عليه السلام عند المصيبة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: 44]. فالانسان يعلم أن الدنيا لا ينبغي أن يأسى على شيء فاته منها ولا يفرح بما آتاه، ويعلم أن الإنسان كادح إلى ربه كدحاً فملاقيه، ويعلم أنه مبتلى ويحتسب الأجر، كل ذلك يعينه ما شاء الله تبارك وتعالى على الصبر. ويعلم أن جزعه كالنياحة واللطم ونحو ذلك، كما أنه إثم ومعصية فهو لا يغني عنه شيئاً بل يعظم مصيبته.

قالت: ولم تعرفه وقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فاتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين. النبي صلى الله عليه وسلم كان يتواضع لله تبارك وتعالى لم يكن يحجب عن الناس. فقالت: لم أُعَرِّفك، تعتذر، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». كلمة إنما الصبر عند صدمة الأولى؛ يعني هذا هو الصبر الذي يثاب عليه المؤمن، أما الصبر الذي السلوان ونسيان المصيبة فهذا يفعله كل أحد؛ أي إنسان يصاب بأي مصيبة باعظم مصيبة لابد أنه سيسلو عنها، فانما الصبر عند الصدمة الأولى، يعني هذا هو الصبر المأجور عليه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القوي الذي يملك نفسه عند الغضب»، وكما قال المفلس في حديث المفلس: «ليس المفلس من لا دينار له ولا درهم»، فقال: «المفلس من أتى بحسنات وقد شتم هذا» إلى آخر الحديث.

وكما قال الله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. إنما الصبر عند الصدمة الأولى؛ هذا هو الصبر الذي يحمد، هذا هو الصبر الذي يؤجر عليه صاحبه، أما مجرد نزول المصيبة بالعبد فهذه لا يثاب عليها العبد وإنما تكفر بها من خطاياه، إنما يثاب بعمل.

أكمل باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» إذا كان النوح من سنته. وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه: إن ابنا لي قبض فأتنا. فأرسل يقرأ السلام ويقول: «قل إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب». فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها. فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال. فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تتقعقع كأنها شن، ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».

نعم، البخاري هنا سيتكلم عن البكاء على الميت؛ يعني بكاء أهل الميت أو أصحاب الميت عليه. قال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه. البخاري لم يجعل كتابه هذا فيه شرح، لم يجعل فيه شرحاً، ولكنه في تراجمه يذكر؛ لأنه يشرح أحياناً في التراجم أو في الترتيب أو في الأبواب. هنا شرح قال: إذا كان النوح من سنته. يعني البخاري يرى أن الاحاديث الواردة لأن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه، أو في رواية ببكاء أهله عليه، إذا كان النوح من سنته، يعني كان هو نفسه ينوح على من مات، والنوح هو الصراخ في البكاء أو نحو ذلك. وهذا الحديث مختلف فيه اختلاف كبير، بعض أهل العلم ردوه بل عائشة رضي الله عنها سيأتي أنها نفت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك. وبعضهم حملوه على أوجه منها مثلاً أنه يعذب إذا كان أوصى بذلك، أو يعذب ببكائهم عليه إذا كان من سنتهم من سنته هو أنه ينوح على الميت على الموتى، أو أنه لم يكن نهى أهله عن أن ينوحوا عليه.

وبعض أهل العلم فرق بين التعذيب والعذاب، كأنه بيقول أصلاً ليس المعنى أن الله سيعاقبه ويعذبه، لا، إنما هو يتألم، هو يتعذب يضايقه ذلك. وهذا تفسير ابن تيمية رحمه الله، وكذلك تبعه ابن القيم، وهذا من أجمل ما ذكره ابن تيمية رحمه الله بياناً لهذا الحديث. وهذا فصل يعني أنا أحب منكم أن تقرأوه، لولا أن هذا يعني لولا أن الشرط في الكتاب أني اختصر كنت قرأت عليكم هذه الصفحات من الكتاب النفيس جداً جواب الاعتراضات المصرية على الفتية الحموية، هذا كتاب طابعته دار، طبعا هو تبع لآثار ابن تيمية، طبع منه قطعة صغيرة جداً، ولكن هذه القطعة تدل على ما في هذا الكتاب من الكنوز في المسائل والأدلة ووجه الاستدلال ونحو ذلك. فذكر فيه فصلاً مهماً يعني كأمثلة لما وقع في زمن الصحابة.

يستفيد منها الإنسان في إقرار الأحاديث الثابتة عند علماء الحديث، ويعذر من ردها أو تأولها على غير، فبدأ بهذا الحديث.

قال فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ومن نيح عليه يعذب بما نيح عليه».

قال ابن تيمية: وهذا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة وخلق غير ذلك، وطائفة من السلف والخلف ردته، وطائفة تأولته على غير تأويله، وطائفة أقرته على المعنى الذي أحاله أولئك الذي هو ظاهره، وأسعد الناس به من فهم ظاهره وأقره ثم سكت عن الأمرين؛ يعني عن الرد أو التأويل على خلاف ظاهره.

قال وأكثر ما دخل الأمر من جهة اعتقاد فهم ظاهره؛ فإنهم اعتقدوا أن الله تعالى يعاقب الميت على ذنب الحي، يعني أن الله يعاقبه بذنب لم يفعله.

وهذا الذي سيأتي معنا: أن عائشة رضي الله عنها ردت هذا الحديث وقالت إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله؛ بناءً على أنه يخالف قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وِزْرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164].

وظنوا أن العذاب لا يكون إلا عقاباً؛ يعني ظنوا أن العذاب هو تعذيب من الله أو عقاب من الله له أو مؤاخذة من الله له بذنب غيره، ثم رأوا أن الله لا يعاقب الإنسان بعمل غيره؛ لأن ذلك مع منافاته العدل عندهم هو مخالف لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وِزْرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164].

ثم ذكر ابن تيمية كلاماً جميلا، ولكن أخشى أننا نخرج عما اشترطناه في بداية الكتاب من الاختصار.

المهم لمن يريد أن يراجعه من صفحة تسعة وخمسين إلى صفحة أربعة وسبعين، وخلاصة ذلك: أن المراد أن الميت يعذب؛ يعني يتألم يضايقه ذلك، لا أن الله يعذبه ويعاقب ويؤاخذه ببكاء غيره عليك.

وكذلك كما جاء في الحديث: «السفر قطعة من العذاب»، ليس المراد أن الإنسان يعذب به عقاباً من الله، إنما يتألم يشعر بتعب يضايقه ذلك، زي ما أنت بالضبط كده مثلاً أضرب لك مثالاً: أنت مثلاً مريض وتعبان وبنتك جالسة جنبك تبكي زعلانة جداً ومتضايقة، فأنت زعلان على زعلها، يعني يضايقك أنها تبكي عليك، ليس معناها أنك أنت تعاقب ببكائها، والأصل أن المؤمن لا يؤاخذ بذنب غيره، ﴿وَلَا تَزِرُ وِزْرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164].

يعني هذا ما ذكرته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هو الصحيح المعنى بلا شك، ولكن ليس سببًا في رد الحديث.

المهم أن هذه خلاصة ما ذكر في أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ذكرتها لكم، ونذكر هذا الحديث عن أسامة بن زيد قال: أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابناً لي قبض فأتِنا.

فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، يعني لكل أجل كتاب، فلتصبر ولتحتسب.

هنا لها العلم والعمل؛ العلم أن لله ما أخذ وله ما أعطى، الله سبحانه وتعالى كلنا لله تمام؟ وكل شيء عنده بأجل مسمى، يعني هذا البكاء لا يغير شيئاً ولا يقدم شيئاً ولا يؤخره، فلتصبر ولتحتسب.

هذا هو العلم وهذا هو العمل، هذا هو خير العمل، تحتسب؛ يعني تعلم أن المصيبة من الله وتحتسب الأجر عند الله تبارك وتعالى.

فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال.

فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبي نفسه تتقعقع؛ كأنها شن -الشن اللي هو السقاء البالي- والقعقعة هو الصوت عند التحريك، يعني الذي هو كان في النزع تخرج روحه رضي الله عنه.

قال ففاضت عيناه، لاحظ فاضت عيناه، هذا يدل على ماذا؟ على أن مجرد البكاء لا يعذب الله تبارك وتعالى به؛ كما سيأتي في الحديث: «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا» وأشار إلى لسانه تمام؟ فهذا يدل على ماذا؟ على أن هذا البكاء جائز.

وقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ استفسار: ما هذا؟ يعني ما هذا البكاء؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فانما يرحم الله من عباده الرحماء».

فسر له أن هذه سببها الرحمة وليس التسخط على قدر وليس الجزع، فهذا البكاء رحمة، فهو مشروع ولا ينافي الصبر، وإن شاء الله سيأتي معنا حديث: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن».

هو أنا كنت أحب أننا نقرأ كل هذه الأحاديث ونعلق عليها، ولكن لا بأس أننا نأخذها حديثاً حديثاً، تفضل يا أسامة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: شهدنا بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، قال: رأيت عينيه تدمعان، فقال: «هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا، قال: «فانزل»، قال: فنزل في قبرها.

نعم، أيضاً هذا شاهد لدمع العين، أُشرِك الدمع بالأحاديث التي تدل على مشروعية ذلك، الإنسان لا يملكه أصلاً، يعني حزن القلب ودمع العين إذ لا يملكه الإنسان ولا يحاسبه الله عليه، والله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا على العمل، على الذي هو مثلاً التسخط الصراخ النياحة دعوة الجاهلية؛ واحد يقول: يا رب ليه عملت كذا؟ لا يرضى بقضاء الله، فيحاسب على الجزع وعلى النياحة وعلى دعوى الجاهلية، من بعض الحلق: واحدة تحلق عند المصيبة، فهذا أو تشق الجيوب أو تلطم الخدود، هذا يحاسب الله تبارك وتعالى عليه.

إنما دمع العين وحزن القلب هذا لا يملكه الإنسان، وهو رحمة، وهو يدل على ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم وما اجتمع فيه من الكمال؛ اجتمع فيه الصبر والاحتساب، وكذلك الرحمة والرأفة ورقة القلب، واضح؟

لأن بعض الناس مثلاً كان يحكي قصة أن ابنه مات فقالوا ابنك مات فضحك، وقالوا شف يعني هذا ضحك يعني كأنهم ظنوا أن هذا أعلى من النبي صلى الله عليه وسلم بأن هو النبي صلى الله عليه وسلم بكى، ظنوا أن هذا من قمة رضا الرجل، بالعكس! هذا إن هذا الرجل نزعت الرحمة من قلبه، كيف يضحك في هذا الموضع أصلاً؟

وإنما الكمال ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنه جمع بين الصبر والاحتساب من جهة، ورقة القلب والرأفة والرحمة من جهة.

كما مثلاً في قصة يوسف ذكروا أن بعض الناس أدخلوا عليه امرأة، فيذكر في كتب الزهد -لا أعلم صحتها لكن نقف مع الشاهد منها- دخلوا عليه امرأة، والمرأة أغوته، فبكى أو ضحك أو فعل غريب، فقالوا: هذا الرجل كان أصلب من يوسف عليه السلام، فأنأ ذكرتها كنت جالس مع الشباب والرجل بيحكي، قلت بالعكس: يوسف عليه السلام جمع بين كمال الرجولة وكمال الخوف من الله، لأنه رجل لا يدعي العفة من لا رغبة له، إذا كان الإنسان ليس عنده رغبة أصلاً فخلاص ده إنسان ميت أصلاً فاهم؟ لا يمدح بذلك، وإنما يمدح إذا كان الإنسان تهوى نفسه هذا الأمر وفيه القدرة لكنه تركه لله، كما قال الرجل: فقمت عنه وهي أحب الناس إلي، في الحديث الذي هو الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار.

المهم الشاهد يعني أن هذا الهدي النبوي هو أكمل الهدي.

قال طبعا الشاهد هنا: فرأيت عينيه تدمعان، هذا هو الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى، وهذا البكاء هو مشروع، الحرمة فيه قال: «هل منكم رجل لم يقارف؟» يعني ذكر لم يقارف؛ يعني لم يذنب أو لم يجامع، وطبعا الجماع ليس ذنباً، ولكن لأمر ما النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن من لم يقارف؛ من لم يجامع أهله في هذا اليوم.

الله أعلم بسبب ذلك قال فنزل في قبرها. وجه الشاب طبعا عينا فرأيت عينيه تدمعان إن شاء الله سيأتي عندنا الحديث الآخر وهو أكثر تفصيلا: إن الله ليعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا، وشار إلى لسانه أو يرحل إن شاء الله.

أكمل عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه». فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها بعد موت عمر رضي الله عنه فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليها، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه». وقالت: حسبكم القرآن، ﴿وَلَا تَزِرُ وِزْرَ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].

هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها أخبرت بأن عمر كان يقول ذلك، يعني يروي هذا الحديث، وهذا الحديث روي من طرق كثيرة وهو حديث ثابت صحيح، وإن كانت أم المؤمنين رضي الله عنها ردته، لكن الحجة في من أثبت وفي من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم ثقات جميعا. أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: رحم الله عمر، يعني تقول كأنه أخطأ في ذلك، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المؤمن، أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، لكن هو لم يقل ذلك، يعني عمر رضي الله عنه لم يقل ذلك، لم يقل في الرواية أن الله يعذب، لا، قال: «إن الميت يعذب»، لم يجعل هذا عقوبة من الله.

فلما رأت عائشة رضي الله عنها أن هذا هو المعنى رأت أنه لا يمكن أن يكون هذا المعنى صحيحا، لأن الإنسان لا يؤاخذ بفعل غيره الذي لم يتسبب فيه، تمام؟ فأول أمر يرد فيه على أم المؤمنين رضي الله عنها في هذا الحديث أنها ذكرت لفظا غير ما ذكر عن عمر، ابن عمر قال: إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله، هذه الرواية.

فهي رضي الله عنها قالت: والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، نعم هو لم يحدث بذلك، فأم المؤمنين رضي الله عنها صدقت في هذا، لكن اللفظ الذي ذكره عمر هو ثابت، وما ذكره الصحابة الكرام حجة على من نفاه.

أم المؤمنين رضي الله عنها في حديث آخر نفت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بال واقفا، وثبت ذلك عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح، ولكنها نفت علمها بذلك، قالت: ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني تقول الحديث الذي يمكن أن يكون التبس على من رواه يعني الحديث الأصل الصحيح- ﴿وَلَا تَزِرُ وِزْرَ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وهذا أيضا يعني على قول أم المؤمنين رضي الله عنها تنفيه الآية، لأن لو الحديث أن الله لا يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، طيب ما هذا يدخل في لا تزر وازرة وزر أخرى، يعني هذا أيضا يعتبر تعذيب لأحد بذنب غيره.

المهم الشاهد من هذا أن هذا الحديث ثابت، وهذا اجتهاد من أم المؤمنين رضي الله عنها، وإن كان قول أم المؤمنين رضي الله عنها: ولا تزر وازرة وزر أخرى هو حق بلا شك لأنه القرآن، وما فهمته من أن الله لا يعذب أحدا بذنب لم يفعله أو لم يتسبب فيه هذا حق، لكن نفي أم المؤمنين رضي الله عنها هذا هو الذي اجتهاد منها، والصواب ما ذكره الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فإن هذا ثابت.

أكمل، طبعا الحديث الذي بعده، أكمل يا أسامة عن عائشة رضي الله عنها قالت: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها». هذا الحديث لا ينفي الحديث الآخر، ولم يرد في هذا الحديث والله أعلم أنها تعذب بسبب بكائهم، وإنما هذا خبر من النبي صلى الله أنهم يبكون عليها وهي تعذب في قبرها.

لكن هل هي تعذب في قبرها بسبب بكائهم؟ هذا ليس موجودا في الحديث، والذي أعلمه من كتاب الله ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد لا يؤاخذ بفعل غيره إذا لم يكن متسببا فيه، لابد أن يكون له أثر في هذا حتى يؤاخذ به.

والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وِزْرَ وِزْرَ أُخْرَى﴾، لأن أنا عندي صاحب الكتاب يستنبط فائدة زيادة عذاب الكافر ببكاء أهله عليه، أنا لا أظن أن هذا الاستنباط صحيح ولا أعلم حجة في صحة هذا الاستنباط، والله أعلم.

باب ما يكره من النياحة على الميت، عن المغيرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من نيح عليه يعذب بما نيح عليه».

نعم، ذكر هنا بعدما ذكر البكاء المشروع أو المأذون فيه هو البكاء الذي هو الرحمة ليس فيه تسخط، ليس فيه نياحة، ليس فيه جزع، ليس فيه سخط، ليس فيه صراخ، ليس فيه لطم الخدود ولا شق الجيوب ولا حلق الرأس ولا نحو ذلك، مجرد بكاء رقة قلب، فهذا مأذون فيه.

بدأ يذكر ما ينهى عنه أو يكره من النياحة، كلمة يكره ليس معناها أن مجرد مكروه لقول الأصوليين، لا، يكره هذا حتى في الكبائر يمكن أن يقال فيها مكروهة، لأن كل هذا يكرهه الله، ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38].

فلو قيل مثلا: الزنا مكروه أو محبوب؟ طبعا مكروه، لكن هذا المكروه درجات، النياحة طبعا هي التسخط والجزع والصراخ ونحو ذلك.

طبعا في الحديث: «من نيح عليه يعذب بما نيح عليه»، نفس الشيء أن يعذب معناها أنه يتألم أو ليس معناه أن الله يعاقبه به، هذا هو التفسير الأقرب عندي والله أعلم، فهذا فيه نهي عن النياحة، يعني الإنسان الذي يحب والده أو يحب ولده لا يتسبب له فيما يعذبه أو يؤلمه، إلا إذا كان شيئا غلبه، يعني بكاء العين هذا لا يملكه، وحزن القلب لا يملكه، إنما الإنسان يصرخ ويشكو هذا لا يزيده شيئا إلا أن يعظم عليه.

طيب عندنا أيضا عدد من الاحاديث سيأتي، نحن باقي لنا بالضبط خمس أحاديث إن شاء الله وننهي هذا اليوم، جاء لنا طبعا الأحاديث دي كلها متصلة فما أقدرش أقف فيها إلا لما ننهيها إن شاء الله.

اتفضل أكمل يا أسامة، ليس منا من ضرب الخدود، عن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية».

عندى ليس منا من شق الجيوب، هذه صورة من صور النياحة، لطم الخدود معروفة ومش شرط الخد، ممكن واحد يضرب دماغه في الحيط، أنا شفت واحد حصلت له مصيبة ضرب دماغه في الحيط، أو بيضرب نفسه أو زي بالضبط أشياء كثيرة تفعل لا معنى لها، واحد مثلا صحي من النوم رايح يركب السيارة وجد الكاوتش بتاع السيارة نايم ما فيهوش هواء يضربه، طب هو ذنبه إيه يعني؟

فواحد مثلا حصلت له مصيبة تطلع أشرب خمر أو يدخن أو يفعل شيئا محرما، كل هذه الأمور هي من صور الجزع، والله سبحانه وتعالى هدانا في هذا المشهد أن نحتسب ونصبر ونقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فلما كان من عادة الجاهلية لطم الخدود وشق الجيوب أن الإنسان يقطع هدومه، ويدعو بدعوى الجاهلية، كل هذا مخالف.

في الدين والعقل والفطرة، وكان أهل الجاهلية يفعلونه. هذا فيه دلالة على أن المؤمن لابد أن يعلم ما كان عليه أهل الجاهلية، ويعلم البدائل التي جاءت في الإسلام. فالإسلام علمك ماذا تفعل عند المصيبة، وماذا تقول عند المصيبة. وهذا أيضاً كلمة ليس منا هي من الوعيد الشديد، وتدل على أن هذا الفعل من الكبائر، مثل: من غشنا فليس منا، من حمل علينا السلاح فليس منا، لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. كل هذه تدل على أنها من الكبائر.

باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حج الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: بالشطر؟ فقال: لا. ثم قال: الثلث، والثلث كبير أو كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك. فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً صالحاً إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم امض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة.

نعم، ورث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة رضي الله عنه، وطبعاً الرثاء هو المدح للشخص بعد الموت، يعني سواء بالكلام أو بالشعر، إنما كلمة رثيت له يعني حزنت عليه، فيبقى فيه توجع. فكانوا يقولون جواز ذلك، وطبعاً الحديث طويل، ولكن نقف منه على موضع الشاهد أو الألفاظ التي تحتاج بياناً. سعد رضي الله عنه كان يظن أنه سيموت في هذا الوجع، يعني كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذا مال ولا ترثه إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ فذكره إلى أن قال الثلث، والثلث كثير أو كبير. ثم النبي صلى الله عليه وسلم علمه أنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. من أجمل ما في شريعة الإسلام من أجمل النظر إلى العواقب، وليس العمل بمجرد العاطفة. بعض الناس مثلاً ممكن يحمله يعني يكون في واحد بيدعو إلى الصدقة، تمام؟ فهو يحمله العاطفة وحب المبادرة إلى الخير أنه يخرج من ماله كله، ثم بعد ذلك يشحت أو يترك أبناءه بغير مال. لا، في فرق بين المبادرة إلى العمل الصالح والتهور، فلابد أن تجمع بين المبادرة إلى العمل الصالح والنظر في العواقب.

فالنبي صلى الله عليه وسلم علمه هنا أن يترك من يعولهم أغنياء، يعني عندهم ما يغنيهم، بدل ما يسألوا الناس ويشحتوا. خلاص، وبعدين ذكر طبعاً الإنسان هنا قد يظن أنه فاته باب الخير، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمه: لا، أنت بما تفعله في وراثتك وفي أهلك وأبنائك هذا إن ابتغيت به وجه الله فلك فيه اجر. يبقى أنت جمعت هنا بين أنك أنت حفظت لهم المال وكذلك تؤجر عليهم. فيه فائدة مهمة جداً على فكرة، أن هو قد يظن أن هو فاته هذا الفضل، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر الذي يفعله الإنسان من باب الضرورة أو الواجب أو الحق يؤجر عليه إن ابتغى به وجه الله. وهذا دليل على أنه إذا لم يبتغ به وجه الله لن يؤجر عليه. فيه كذا واحد لا يحتسب فيما يفعله، ممكن ياخد زيارة مثلاً ياخد فواكه أو أكل لأقارب زوجته، لا يحتسب ذلك، هذه عادة، فربنا هذا خير لكنه لا يؤجر عليه إلا باحتسابه لله، حتى ما تجعل في في امرأتك. في بعض الناس يقول في في، لا هي في الفم، يقال فيه فيه، مش في في. في في امرأتك يعني حتى ما يفعله الإنسان يلاعب امرأته، يلاطفها، يضحك معها، كل ذلك إذا احتسبه يكون له فيه أجر، وهذا من أجمل ما يكون. ويجب أن تتعلم الاحتساب وتعلّم ولدك الاحتساب، هذا الاحتساب هو أعظم ما تجني به الحسنات. لماذا؟ لأنه يجعل نومك وراحتك وفرحك وما تفعله من المباح بالنية الحسنة تؤجر عليه إن شاء الله تبارك وتعالى.

ثم ذكر قال لما قال أخلف بعد أصحابي، فقال إنك النبي، يعني كأنه بيقول أنا هعيش أكتر من كده. قال: إنك لن تخلف. النبي صلى الله عليه وسلم لفت نظره على أن المراد ليس هو مجرد طول العمر، وإنما أن يطول العمر مع صلاح العمل. ليس العبرة بطول العمر ولكن بالعمل الصالح. ثم ذكر قال: ثم لعلك أن تخلف. وهذا بالفعل من آيات النبوة، لأن سعد رضي الله عنه أُلف وعاش، وكان أميراً للجيوش في حرب الفرس، وانتفع به المؤمنون وضُر به الكفار. ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يثبتوا على الإسلام وأن يقبل الله هجرتهم، ورثا سعد بن خولة وكان قد مات بمكة لم يهاجر.

باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة. عن أبي موسى رضي الله عنه أنه وجع وجعاً شديداً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً. فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصادقة والحارقة والشاقة.

هنا تكلم عن صورة من الصور التي تفعل عند المصائب، منها الحلق؛ حلق الشعر أو شد الشعر أو قص الشعر، أي صورة من الصور التي تدل على النياحة أو عدم الصبر أو تدل على الجزع. عن أبي موسى أنه وجع وجعاً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، في رواية أنها بكت أو صاحت فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، لكنه شعر بما تفعل. فلما أفاق ذكر لها هذا الحديث قال: إني بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا يدل على أن هذا العمل كبيرة من الكبائر، لأنه فيه براءة، ذكر اللي هو التي تصرخ عند المصيبة ومنها الحالقة لا تحلق شعرها والشاقة التي تشق ثيابها.

جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].