تسجيل الدخول

الدرس 14 - من حديث 652 إلى 693

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالحضور الكرام.

أحببت أن نبدأ بشيء من ذكر الله تبارك وتعالى في هذا الصباح، وهذا من الأمور التي أشدد كثيراً عليها؛ العناية بذكر الله تبارك وتعالى. الأذكار المؤقتة بوقت حاول أن تحافظ عليها وأن تعلم ولدك إياها، ومن أعظم ما جاء في ذلك ما كان يذكر النبي صلى الله عليه وسلم به ربه تبارك وتعالى حينما يقوم من الليل؛ كان يقرأ الآيات الأخيرة من سورة آل عمران من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190]. وأنا سأقرأ هذه الآيات وأبيّن لك قيمة أن تستفتح يومك بهذه الآيات.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو الآيات العشر الأواخر من سورة آل عمران من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَ عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 190-194].

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ * لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ * وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 195-200].

هذه أعظم ما يمكن أن تفتتح به يومك؛ أن تستيقظ قبيل الفجر وتتلو هذه الآيات وتتدبر في معناها. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بتدبر هذه الآيات عند تلاوتها، فهذه الآيات فيها المبدأ والمعاد، هذه الآيات فيها التفكر في خلق الله تبارك وتعالى وفي آياته، وأن المؤمن لا ينبغي أن يكون غافلاً عن آيات الله، بل ينبغي أن يتفكر فيها، وتفكره في هذه الآيات يجعله يذكر ربه تبارك وتعالى قياماً وقعوداً وعلى جنبه، ويعلم أن ربه تبارك وتعالى ما خلق السماوات والأرض باطلاً ويسبح ربه تبارك وتعالى.

ولكونه يعلم أن ربه لم يخلقه لعباً ولا لهواً ولا عبثاً ولا سدىً، فإنه لا ينبغي أن يعيش في هذه الدنيا يلعب ويلهو ويعبث، وإنما ينبغي أن يسعى فيما خلق له. ختم هذا التوسل: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، لأنه يعلم أن ربه الذي خلق هذه الدنيا بما فيها وخلق السماوات والأرض والليل والنهار لا يمكن أن يترك الناس بلا حساب؛ لابد أن يكون يوم يجزى الناس فيه على أعمالهم، فلذلك هو يتعوذ بالله من النار، ثم يبين لربه تبارك وتعالى أنه من يدخل النار فقد أخزاه الله، وما للظالمين من أنصار.

ثم يتوسل إلى ربه بأنه لما سمع المنادي إلى الإيمان آمن بربه، ويسأل ربه أن يغفر له ذنبه وأن يكفر عنه سيئاته وأن يجعله مع الأبرار. ثم يسأل ربه تبارك وتعالى أن ينجز له ما وعده، ويعلم أن ربه لا يخلف الميعاد لأنه عزيز حكيم.

فأجاب الله تبارك وتعالى، قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾. والله هذه الاستجابة يطير بها قلب المؤمن فرحاً؛ شف ربنا يقول: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ﴾. والله هذه الكلمة أنا أكتبها أمامي، هذه الكلمة من أعظم ما تثبت به على العمل الصالح، ولا يشترط لعملك الصالح أن يراه أحد، أو أن يشكرك عليه، أو أن يثني عليك به، أو أن يكافئك به، أو أن يشتهر بين الناس؛ يكفيك أن الله تبارك وتعالى عالم به وأنه لن يضيع هذا العمل. اكتب هذه الكلمة أمامي: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾، كل من قام بهذا العمل، كل من اتقى الله فإن الله لن يضيع عمله.

إلى آخر الآيات، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾. كثير من المؤمنين يضعف ويستكين وينهزم بسبب ما يراه من كثرة الباطل وأهل الباطل وما ينفقونه في الصد عن سبيل الله، وما يراه من قنوات، وما يراه من الفسق والفجور والإلحاد، والذين يروجون لعمل قوم لوط وينصرونه؛ قد يضعف المؤمن وقد ييأس، لكن الله سبحانه وتعالى نهاك عن ذلك؛ ألا تغتر به، وتعلم أن الله سبحانه وتعالى يحق الحق بكلماته. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾، بل ينبغي أن يزيدك ذلك ثباتاً على الحق وشكراً لنعمة الله تبارك وتعالى أن هداك للحق. وكما هؤلاء يعملون في الباطل أنت في الحق: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.

ثم ذكر الله تبارك وتعالى عاقبة التقوى، وختمت هذه السورة المباركة بآية جمعت الغاية والوسيلة. والله هذه الآية هي مختصر الفلاح في هذه الدنيا؛ شف الآية بتقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، هذه هي الوسائل؛ يعني إذا كان عندك ما تطلبه من الخير من الأهداف النافعة، الله سبحانه وتعالى يأمرك أن تثبت عليه وأن تصبر وتصابر وترابط، تلتزم به وتستقيم عليه، لا يضعف عزمك عليه أحد، ولا يصدنك عنه صاد، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فتقوى الله هي التي تعانوا بها، هي التي تهتدى بها، هي التي تسدد بها إلى الحق.

لذلك ربنا سبحانه وتعالى لما ذكر فتية الكهف أصحاب الكهف ماذا قال؟ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾، كان منهم الإيمان، كان منهم التقوى فزادهم الله تبارك وتعالى هدىً وإيماناً. ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ﴾، الناس في هذه الدنيا إما فالح أو خاسر، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: 15].

يعني حتى في كلمة ينقلونها في بعض الأناجيل وصححها بعض أهل العلم بالانجيل أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: ماذا يربح الإنسان إذا حاز العالم وخسر نفسه؟ أو قريب من هذا المعنى؛ أقصد أقول إن هذا المعنى معروف، أعظم ما يمكن أن تربحه في هذه الحياة الدنيا وأن تربح نفسك، هذا لن يكون إلا بأن تسوق نفسك على هدى الله تبارك وتعالى.

أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله، الحمد لله أن الملك لله وليس لغيره. نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى في إكمال كتاب الجنائز، قد وصلنا بحمد الله إلى باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن.

قال: باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن. عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة، جلس يعرف فيه الحزن وأنا أنظر من طائر الباب؛ أي شق الباب، أو شق الباب. فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن. فأمره أن ينهاهم. فذهب ثم اتاه الثانية فأخبره لم يطعنه. فقال: إنهن. فأتاه الثالثة قال: والله لقد غلبننا يا رسول الله. فزعمت، فزعمت أنه قال: فاحثوا في أفواههن التراب.

البخاري رحمه الله يريد ألا يترك باباً فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم هدي إلا ويذكره، ويصنفه تحت باب حتى يظهر هنا عما يظهر على وجه الإنسان. الإنسان يظهر عليه الغضب والرضا والسرور والمرض والحزن، هذا يظهر على وجه الإنسان، وإن كان الإنسان قد يخفيه ويتجلد ولا يبدي ما في نفسه، لكن المراد هنا أن الإنسان يظهر عليه ما في قلبه أو ما في نفسه.

فهل هذا ينافي الصبر؟ لا، لا ينافي الصبر، فالبخاري ذكر هذا الحديث ليبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بقتل هؤلاء الصحابة الكرام في غزوة مؤتة وسبق الكلام عنها، جلس يعرف فيه الحزن. هذا هو وجه الشاهد، يعني لم يستطع أن يكتم ذلك، وإنما ظهر عليه، وكان معروفا في وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم.

طبعا في الحديث النهي عن التشديد، أقصد النهي الشديد عن أفعال الجاهلية عند مصيبة الموت؛ منها الندب وشق الجيوب ولطم الخدود ونحو ذلك. ومنها كذلك كلام الرجل مع المرأة عند الحاجة، وأن هذا يعني جائز دون خضوع بالقول أو نحو ذلك. وفيه أن المرأة يجوز لها أن تبكي، ولكن لا يجوز لها أن تفعل أمور الجاهلية من الحلق واللطم وشق الجيوب ونحو ذلك. وفيه طبعا أن ظهور الحزن، وهذا أهم شيء، أن ظهور الحزن على الوجه لا ينفي الصبر.

باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة. عن أنس رضي الله عنه قال: مات ابن لأبي طلحة وأبو طلحة خارج. فلما رأت امرأته أنه قد مات، هيأت شيئا ونحته في جانب البيت. فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح. فبات، فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات. فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبره بما كان منهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما». قال: قال رجل من الأنصار فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ.

البخاري رحمه الله بعدما ذكر باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن، بين أنه يجوز أن يظهر هذا الحزن على وجهك، وأن هذا لا ينافي الصبر، والنبي صلى الله عليه وسلم جلس يعرف فيه الحزن عندما أخبر بقتل الصحابة الكرام. ثم ذكر بابا آخر؛ باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة، الأصل أنه سيظهر عليك، يعني ما في القلب سيظهر على الوجه، وأنت لا تستطيع أن تخالف ذلك إلا بتكلف ومجهود. وهذه من صور إبداع البخاري رحمه الله؛ أنه يجمع بين الأحاديث حتى تفقه.

يعني لو جمع لك طرفا واحدا من الأحاديث في الباب فإنك يخفى عنك تمام هذا الباب، فبين لك أن العبد قد يظهر على وجهه الحزن وقد لا يظهر على وجهه، فهذا بحسب المقام، قد يكون الإنسان في موضع لا يريد أو ليس من الحكمة أن يظهر عليه الحزن، أو أنه بذلك ستتضاعف المصيبة عند من يخبره أو يرى فيه هذا الحزن ونحو ذلك.

كما في هذا الحديث، وهذا الحديث حديث جليل، هذا الحديث قل فيه ما تشاء؛ فيه العلم والفقه والحكمة، فيه الجلد، فيه الصبر، فيه حب الزوجة لزوجها، فيه التعريض الجائز، فيه كذلك حسن المقال وأن تختار المرأة في إبلاغ زوجها بالأخبار غير الحسنة، تختار أن تمهد لها وأن تختار ألطف العبارات وأن تعينه على الصبر، كما كانت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إني خشيت على نفسي، قالت: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق، إلى غير ذلك.

في هذا الحديث أن أم سليم وكانت امرأة أبي طلحة رضي الله عنهما، كان أبو طلحة خارجا يعني ليس في البيت، فلما رأت امرأته أنه قد بات يعني مات ابن لأبي طلحة، وعلمت المرأة الكريمة بأن الولد قد مات، هيأت شيئا يعني كأنها صنعت شيئا ونحت في جانب البيت، بحيث إذا دخل أبو طلحة لا يعلم بوفاة الولد. قال: كيف الغلام؟ قالت: هدأت نفسه، وهذا فيه تعريض أنها لم تصرح ولم تكذب، وأرجو أن يكون قد استراح، وظن أبو طلحة أنها صادقة. صادقة بمعنى أنه لم يفهم أن الولد به شيء وإنما فهم أنه نام أو استراح.

قال: فلما أصبح اغتسل، يعني حصل بينهما جماع في هذه الليلة. فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، يعني أخبرته بالخبر. نلاحظ أن طبعا جاء في رواية في صحيح مسلم أنها مهدت لهذا، قالت له: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، يعني سلفنا الجيران عندنا مثلا شيء من الأثاث فأصبح عارية يعني نحن أعارناها إياه خلاص؟ يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم بعد مدة؟ قالوا لنا ممكن تجيبوا الحاجة اللي احنا اديناها لكم أيمكن أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ولدك.

قال: تركتيني حتى تلطخت ثم أخبرتيني بابني. يعني كأنه زعل، ولكن الصحابة كانوا دائما يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا ليعرفوا ما هو التصرف الصحيح. وهذا في رأيي اعظم ما كان عليه الصحابة الكرام؛ أنهم في كل أمر من أمورهم يريدون أن يعرفوا كيف يتصور وكيف يتصرف فيه. هذا يعني في رأيي من أعظم ما جاء عن الصحابة الكرام، يعرف كيف ليفسر له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر وليدله على خير العمل.

فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبره بما كان منهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعل الله تعالى أن يبارك لهما في ليلتهما. ثم ذكر ما كان من أثر ذلك ببركة العلم والحكمة والصبر وحسن العشرة واحتساب من هذه المرأة الصادقة وهذا الرجل الصالح.

والله سبحانه وتعالى ذكر بيت زكريا قال: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]. وإن كنت أنت تريد أن تصلح بيتك، أو تريدي أن تصلحي بيتك، فاعلمي أن أعظم قيمة أو أعظم سبب لإصلاح البيت هو أن يكون هذا البيت مؤسسا على تقوى الله. يعني أن يكون هذا البيت في علمه وعمله وتصرفه يهتدي بهدى الله تبارك وتعالى في كل تفاصيل أمره، وأن يكون الدين هو أعظم ما تتخذون القرارات بناء عليه.

فطبعا وجه الشاهد من هذا أن المرأة لم يظهر عليها الحزن ولم يعرف فيها الحزن، بل العكس تهيأت لزوجها وتره. وهذا فيه العلم والحكمة، وفيه الجلد والصبر، وفيه كذلك التمهيد الذي يعين على تهوين المصيبة.

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا بك لمحزونون». وعنه رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئرا لإبراهيم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم

إبراهيم، فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة».

قال: ثم أتبعها بأخرى، فقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

سبحانه وتعالى؛ أرسل النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أسوة وقدوة؛ يتعلم الناس منه العلم والعمل. فمر بالنبي صلى الله عليه وسلم المواقف؛ فكان فيها الفرح والحزن والابتلاء والمصيبة، وكان له زوج وذرية وغير ذلك.

فالمؤمن ينبغي أن يتعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل شؤون حياته. ومن هنا جاءت قيمة صحيح الإمام البخاري الجامع المسند الصحيح من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. لكن أجمل ما في البخاري أن هو صنف هذه الأحاديث تحت أبواب، وجمع الأحاديث في الباب بحيث يظهر لك هذا الباب تاما كاملا.

ففي هذه الأحاديث يبين لك البخاري ما الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم عند المصيبة، وهذا هو أحسن الهدي وأكمله وأتمه. فبين لك أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى عن شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعوى الجاهلية ونحو ذلك؛ هو الذي فعل مثل هذا؛ أن هو كان يظهر عليه الحزن، وكان يقول: «إنا بك لمحزونون». وكانت عيناه تدمع وتذرفان بالدمع وغير ذلك.

فهذا أبين هدي المؤمن عند المصيبة. وبين لك النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي ينبغي أن يقال: «لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بمقدار»، وما الذي ينبغي أن يؤمر به: فاصبر واحتسب.

في هذا الحديث عنه، يعني عن أنس، قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين. القين اللي هو الحداد، وهي تطلق على كل صانع عموما ولكنها أخص بالحداد. وهو أبو سيف هو البراء بن أوس بن خالد الأنصاري رضي الله عنه، وكان ضئرا لإبراهيم، يعني زوج مرضعة إبراهيم. مرضعة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم هي خولة بنت المنذر، وهو زوجها، تمام.

قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه. يعني قبل أن يتوفى، النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه قبل أن يتوفى؛ يعني دخل عليه مرتين قبل أن يتوفى، قبله وشمه، وهذا من شفقة النبي صلى الله عليه وسلم.

وسبحان الله؛ كل ولد من أبنائك يكون له رائحة خاصة كده تشعر به. وكان لي صديق توفيت زوجته وهي شابة، يعني كانت أنجبت له وتوفيت، وكان عندها تقريبا بنت واحدة، فكان هو وبنته يعيشان وحدهما فترة، وأنا اقتربت منه في الفترة دي شوية كان عنده محنة.

فكان يقول لي: سبحان الله، كلما اقتربت مني ابنتي كأنها رائحة زوجتي. فهذا موجود أن يكون للإنسان رائحة خاصة يعرف بها.

قال: فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، يعني في النزع الأخير يعني. فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، يعني تدفعان الدموع. لا يملك الإنسان أن يكف دمعه ولا يلزم أن يكف دمعه، يعني بعض الناس يظن أن هذا من التجلد، لا، بالعكس هذه من الرحمة؛ أن الإنسان تدمع عينه في الفرح، وعند الحزن، أو شفقة على مريض أو نحو ذلك، هذا لا يملكه الإنسان، وإن كان الإنسان في بعض الأحوال قد يجاهد نفسه على عدم ذلك إذا كان يؤذي من حوله.

وقال له عبد الرحمن بن عوف، وهو من أهل العلم بالصحابة يريد أن يفسر ذلك له النبي صلى الله عليه وسلم: وأنت يا رسول الله هل أنت تبكي؟ فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة». يعني فسر له هذا الفعل، وهذا عظيم جدا أنك أنت تعرف كيف تصور هذا الفعل. ممكن واحد يقول -لو لم يوجد عنده هذا الحديث- لجعل البكاء على الميت منهيا عنه من كل وجه، مثلا بحديث: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه». لكن لا، النبي صلى الله عليه وسلم بين أن هذا الدمع دمع الرحمة والشفقة، فهذا لا يؤاخذ الله تبارك وتعالى به، ولا يملكه الإنسان، بل هو من الرحمة.

ثم أتبعها بأخرى، أتبعها بأخرى؛ يعني أتبع هذه الكلمة: «إنها رحمة»، أو أتبع الدمعة، هذا أو هذا. فقال: «إن العين تدمع»، شوف هذا التفسير، هذا الفرق بين ما في القلب وما على اللسان والجسد: «إن العين تدمع، والقلب يحزن». فهذا أثبت أن الله لا يؤاخذ بدمع العين ولا بحزن القلب، «ولا نقول إلا ما يرضى ربنا».

يعني أن المؤمن لا ينبغي أبدا تحت أي ظرف أن يصدر عنه ما لا يرضي الله، سواء في فرحه، أو في حزنه، أو في مصيبته. بعض الشباب مثلا الآن يريد أن يعلق على شخص؛ هذا الشخص يستهزأ بالدين أو فعل مصيبة أو فعل منكرا، تراه يشتمه ويسبه ويشتمه بأمه: يا ابن كذا ويا ابن كذا، ويقول لك: أصل دي غيرة على الدين! لا، المؤمن لا ينصر دينه بالمنكر والباطل، ولا يكذب. بعض الناس الآن ممكن يعمل منشور فيه كذب، أو يعمل إعلان فيه كذب، يقول لك: أنا لأني إن لم أكتب ذلك لن يشاهد الناس الفيديو. وهذا موجود كثيرا، وهذا غريب جدا أن تتصور أنك تنصر الحق بالباطل أو بالكذب أو بالخداع! وهذا من أثر العلمانية التي دخلت على كثير من المسلمين، أنهم ينظرون إلى مجرد الترويج أو الانتشار أيا كان الأسلوب أو أيا كانت الطريقة. لا، المؤمن ليس كذلك.

شف: «ولا نقول إلا ما يرضى ربنا»، يعني لن يصدر مني في هذا المقام ولا في غيره إلا ما يرضى الله تبارك وتعالى. طب هذا معناه ايه؟ مقتضاه أن تعرف ما الذي يرضي الله تبارك وتعالى في هذا الحال، هذا مهم جدا. يعني كلمة: «ولا نقول إلا ما يرضى ربنا» فيها دلالتان؛ الأولى: أن المؤمن ينبغي أن يتعلم ما الذي يرضي ربه، الثانية: أن يجاهد نفسه عليه.

وأحيانا يكون هو بيظن أن الله لا يرضى أفعالا ويمنع نفسه عنها، والله سبحانه وتعالى يرضاها؛ مثل دمع العين مثلا، أو كلمة، أو بيان هو حزين، هذا ليس فيه إشكال.

قال: «وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». هذا فيه الإخبار بالحزن، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه حزن بذلك. وهذا فيه كمال النبي صلى الله عليه وسلم الذي جمع بين الرضا والصبر والرحمة والرأفة.

طبعا هذا الحديث له فوائد؛ مشروعية تقبيل الولد وشمه، وكذلك الاسترضاع -أن واحد يسترضع ولده- ومشروعية عيادة الصغير، وكذلك الإخبار بالحزن. وأعظم ما فيه أن العبد لا يصدر منه ما لا يرضي الله تحت أي ظرف من الظروف؛ عند مصيبة، عند فرح. في واحد مثلا عند الفرح كذلك يصدر عنه ما لا يرضي الله، يعني في شباب كنت أعرفهم مثلا زمان لما كنا يوم الوقف في رمضان يروح يشرب خمرة ويشرب مخدرات ويقابل البنات وكذا وكذا، ويقول: أنا يا عم ده إحنا في العيد! هو متصور أن فرحته في العيد لا تتم إلا بالمحرمات. ونفس الشيء؛ واحد مثلا تكون حصلت له مصيبة، يروح يشرب مخدرات، يروح يشاهد أشياء محرمة.

إياك أن تظن أبداً أن مثل هذه الأمور يمكن أن تذهب المصيبة عنك، بل والله لن تزيد إلا حسرة ولن تزيدك إلا وهناً. ولن يعينك على ذلك إلا تقوى الله. ﴿وَمَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هوسف: 90].

باب البكاء عند المريض. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله وقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا. فقال: «ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه».

البخاري يريد أن يبين ما يشرع من البكاء عند المريض يعني قبل الموت؛ أنت تعود شخصاً وهو يتألم أو ترى ما فيه من الضعف والوهن وعينك تذرف بالدمع، هذا مشروع لك، ولكن بحسب الحال إذا كان ذلك يضاعف التعب على المريض يمكن أن تملك نفسك عنه. عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة، سعد بن عبادة الأنصاري الساعدي الخزرجي هو نقيب بني ساعدة، صحابي كريم، اشتكى شكوى -يعبر به عن كل مرض يعني الذي عنده شكاية- فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعود هذا في عيادة المريض مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله؛ غاشية الأهل هم الذين يغشونه، يتابعون حالته، يقومون على خدمته، الناس التي تكون حول المريض غالباً بتشوف أحواله تتفقده. فقال: قد قضى؟ يعني توفي. قالوا: لا يا رسول الله. فبكى؛ فهذا هو محل الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى شفقة عليه ورحمة منه صلى الله عليه وسلم، يعني بكى عند المريض.

فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، كأنهم كانوا يمتنعون أو يتجلدون يخافون أن يكون ذلك ليس مشروعاً أو لغير ذلك، يمكن أن يكون بكاء النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي استدعى بكاءهم، وهذا يحصل كثيراً أن ممكن إنسان يكون متجلداً متصبراً وأول ما يرى شخصاً بكى لا يملك نفسه من البكاء. وقال: «ألا تسمعون» يريد أن يعلمه أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وهذا وجه الشاهد أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، هذا لا يملكه الإنسان أصلاً، ولكن يعذب بهذا، يعني باللسان أو بما يصدر بلوم من شق الجيوب ولطم الخدود يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم. الله سبحانه وتعالى يعذب أو يرحم، كلمة أو يرحم في رأيي لها دلالتان؛ الأولى أن الله قد يعذب ويؤاخذ بما يصدر من العبد من المخالفات في هذا الموضع أو قد يتجاوز عنه، تمام يعني تحت المشيئة. أو المعنى أن الله يرحم العبد بما يقول من الحق في هذا المقام، كلاهما متوجه في هذا الحديث.

قال: «وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه». سبق الكلام عنه أن اختلف في معناه؛ هل يعذب بمعنى يعاقب يعني يضاعف عليه العذاب بسبب بكاء أهله عليه؟ واختلف العلماء في ذلك هل لكونه كان لا ينهاهم عن ذلك لو كان من سنته أن يبكي كذلك أو يندب، أو كلمة يعذب بمعنى أنه يتألم أو يضايقه ذلك أو يحزنه؟ هذا هو الأقرب والله أعلم، لأن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ العبد بفعل غيره إلا أن يكون بسبب منه.

باب لا ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك. عن أم عطية رضي الله عنها قالت: أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم عند البيعة ألا ننوح، فما وفَت منا امرأة غير خمس؛ أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي صبرة امرأة معاذ، وامرأة أخرى. البخاري بعدما ذكر أن الله لا يؤاخذ بدمع العين ولا بحزن القلب، بين المنهي عنه في هذا المقام وهو النوح الصراخ والسخط والصياح ودعوى الجاهلية والندب ونحو ذلك. وطبعا الشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ على النساء البيعة ألا ننوح -قالت أم عطية- وهذا هو الشاهد أن هذا منهي عنه، وطبعا هذا للرجال والنساء ولكن خص النساء به لأنه كثير فيهن. قال: فما وفَت منا يعني ما التزمت بهذا العهد منا إلا وذكرت خمس نسوة، وطبعا منهن أم سليم التي تقدم حديثها التي هي زوج أبي طلحة رضي الله عنهما.

باب متى يقعد إذا قام للجنازة. عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه». متى يقعد إذا قام للجنازة؟ القيام للجنازة أنت إما أن تكون ماشياً معها، وإما أن تكون جالساً مثلاً أمام منزلك أو جالساً في مكان ومرت بك الجنازة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشياً معها» هذه الحالة الأولى «فليقم» -طبعا اتباع الجنازة فيه ثواب كبير كما مر معنا- «فليقم» فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمره بالقيام «حتى يخلفها» يعني هي تمر الجنازة يبقى واقفاً حتى هو إما يتجاوزها هو أو تتجاوز، لكن جاءت في رواية «حتى تخلفه» هذه جاءت بالجزم في رواية «حتى تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه» يعني إما أن هي توضع الجنازة أو أن هي تخلفك.

وطبعا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام للجنازة وورد عنه أنه ترك القيام، واختلف في ذلك؛ بعضهم قال نسخ القيام، وبعضهم قال يبقى مستحباً للجمع بين الأحاديث، وبعضهم قال المسلم مخير أن يقوم للجنازة أو لا يقوم لها لأنه ورد فيها أكثر من حديث. الحديث المراد أصلاً من هذا الأمر ألا يكون المسلم غافلاً في وقت مرور الجنازة؛ يجب أن ينتبه، يجب أن يتذكر الموت، يجب أن يعظم هذا الموقف، لكنه لو كان جالساً مثلاً بيتكلم مع الناس ومرت به الجنازة ولم يحرك ساكناً، فهذا كأن فيه غفلة أو نوعاً من الإعراض، فلعل هذا هو المناسبة للقيام للجنازة.

لذلك مثلاً لما جاء الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليهودي في جنازة يهودي اختلف في ذلك، وجاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أليست نفساً؟» يعني هو يهودي نعم لكنها نفس. وفي رواية أخرى أن الموت فزع، فإذا رأيتم جنازة فقوموا؛ الموت نفسه فزع أنك تقوم للموت. وفيه رواية عند النسائي قال: «إنما قمنا للملائكة». وفي رواية خارج الصحيحين: «إنما تقومون إعظاماً للذي يقبض النفوس». يبقى احنا عندنا أربع احتمالات؛ أن القيام لنفس النفس لأنها نفس ماتت تماماً، أو القيام لأن الموت نفسه فزع، أو القيام للملائكة تماماً، أو القيام لله تبارك وتعالى الذي قبض هذه النفوس. والله أعلم بالسبب، المهم أن القيام مشروع على من لم يقل بنسخه، لكن بعض أهل العلم قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قام ثم قعد فهذا فيه نسخ، والعمل بالحديثين والله أعلم أولى أن يبقى ذلك مستحباً أو مشروعاً.

باب من قام لجنازة يهودي. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أخذ بيدي مروان وهما في جنازة، فجلسا قبل أن توضع، فجاء أبو سعيد رضي الله عنه فأخذ بيد مروان فقال: قم، فوالله لقد علم هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك. فقال أبو هريرة رضي الله عنه: صدق.

هذا الحديث مما يؤكد أن هذه السنة كانت معلومة عند الصحابة، وأنها لم تنسخ، اللي هي القيام للجنازة، وأن ذلك مشروع. بل إن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه أقام مروان بن الحكم، أقامه وقال له: قم، وصدقه أبو هريرة بسنية هذا الأمر. فهذا يرجح القول بأنه يبقى على الاستحباب أو المشروعية، والله أعلم. وطبعا هذا فيه قوة أبي سعيد في الحق، وفي تصديق أبي هريرة رضي الله عنه.

أكمل عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا، وقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! وقال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا». تكلمنا عن مناسبة ذلك. وفي الحديث مشروعية القيام للجنازة أيا كان الميت.

أبو حمل رجال الجنازة دون النساء. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فان كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق». هو يقصد هنا أن الرجال هم حمل الجنازة واتباع الجنائز ونحو ذلك كما سبق.

ولكن ذكر هنا الحديث: إذا وضعت الجنازة، أو الجنازة فيها ضبطان يعني، واحتملها الرجال على أعناقهم، هذا هو وجه الشاهد. فان كانت صالحة، يعني هذا الميت في الجنازة سواء كان رجلا أو امرأة، قالت: قدموني. وهذا فيه أن الجنازة تتكلم حقا، ولها صوت يسمع، وكل هذه الأخبار يؤمن بها المؤمن ويصدقها وينتفع منها ويعتبر، أما الكافر والمنافق فيجادل في هذه الأخبار ويقول: كيف تتكلم؟ وكيف كذا وكيف كذا؟ وكل مؤمن ينبغي أن يصدق كل خبر جاءه في الكتاب أو في صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعتبر به.

لكن كثير من الناس يفتح له باب الجدل ويصدق عن العمل، يبدأ يجادل في هذه التفاصيل دون أن يعتبر بما فيها. يعني أصلا المراد من مثل هذه الأخبار أن تعتبر، وأن تسأل ربك أن تكون جنازتك صالحة تقول: قدموني. لكنك تترك ذلك ثم تجادل فيه: هل ثبت ذلك؟ كيف يمكن ونحن لم نسمع؟ وهل الجنازة تتكلم؟ وهذه الأمور التي تصرفك عن العمل، وما فتح لأحد باب الجدل إلا أغلق عليه باب العمل بقدر ذلك. قالت: قدموني. وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها.

طبعا الراوي لم يقل، لم ينسب الكلام إلى نفسه، لم يقل: قالت: يا ويلتي، لا أو يا ويلتاه، لا. لأن هذا أمر منكر، فلم ينسبه إلى نفسه كما مر معنا في حديث، كما سيأتي معنا أقصد في حديث أبي طالب لما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: لا إله إلا الله، في آخر الحديث قال: هو على ملة عبد المطلب. لم يرض الراوي أن يقول: قال أنا على ملة عبد المطلب، تمام؟ وهذا فيه الحكمة في نقل الكلام، قال: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق، يعني غشي عليه من شدة ما سمع. هذا فيه إاثبات أن الجنازة تتكلم بصوت يسمع، وفيه كذلك أن يكثر العبد من الدعاء أن تكون جنازته صالحة تقول: قدموني، نسأل الله تبارك وتعالى أن يتوفانا على الإسلام.

باب السرعة بالجنازة. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». نعم، ذكر الجنازة ليس المراد الجري، وإنما هو وسط، ألا تبطئ بها، ألا تكون بطيئا تمشي تتماوت، لا، يعني تمشي بها تسرع، ولكن لا يبلغ ذلك الجري؛ لأن ممكن الجنازة تسقط منك. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة» أيا كانت بقى حال هذه الجنازة. «فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك» يعني تكن شرا أو ليست صالحة «فشر تضعونه عن رقابكم»، فيعني إما تنفعوها وإما تنفعوا أنفسكم.

طبعا في الحديث اختصاص الرجال بحمل الجنازة، وفيه كذلك الاسراع بالجنازة، وفيه كذلك المبادرة بدفن الميت، وفيه كذلك إثبات عذاب القبر أو نعيمه، أو نعيم القبر، اتفضل.

باب فضل اتباع الجنائز. عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قيل له: إن أبا هريرة يقول: من تبع جنازة فله قيراط. فقال: أكثر أبو هريرة، تصدقت عائشة أبي هريرة رضي الله عنهما، وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله. فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.

سبق الأمر باتباع الجنائز. المؤمن يعرف الأمر والنهي، ويعرف عقوبة النهي والإثم ودرجة النهي، يعرف كذلك الفضل لما أمر به. يبقى احنا عندنا أبواب الأمر والنهي فيها أكثر من صنف: أنك أنت تعرف الأمر والنهي، وثانيا أن تعرف الفضل في الأمر، وأن تعرف الزجر في النهي، يعني قدر الإثم وقدر العمل، هذا مما يعين على العمل. لذلك عبدالله بن عمر أول ما علم هذه السنة تحسر على ما فاته من الأجر.

انظر ما الذي يتحسرون عليه: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. وهذا فيه أن العلم بفضائل الأعمال سبب في الحرص عليها. كلمة فرطنا يعني ضيعنا. وهذا فيه كذلك تثبت الصحابة من الأحاديث، خصوصا أن كأن ابن عمر بيقول: كيف لا أعلم بهذه السنة يعني؟ فاستغرب فأراد أن يتثبت. وهذا جائز، ليس فيه إشكال، وهذا كان من سنة الصحابة: أنه يتثبت بعضهم من حديث بعض، ليس اتياما في صدقه، وإنما خشية أن يكون وهما أو يكون اجتهادا من نفسه، واضح، خصوصا في الأمور التي كانت ينبغي أن تكون مشهورة أو معلومة لديه.

ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور. عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا عندي. وفي الرواية: «لولا ذلك لأبرز قبره» هي هي نفس المعنى.

قال: باب ما يكره من اتخاذ المساجد. كلمة يكره هنا: الكراهة أصل عام لكل ما حرمه الله، كل ما حرمه الله فهو يكرهه. ولكن هذه الكراهة درجات، والمراد هنا التحريم. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر اللعنة: «لعن الله اليهود والنصارى»، وذكر سبب اللعنة: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. فكل ما تسبب في ذلك فهو من الكبائر، هو من اشد المحرمات.

قالت: لولا ذلك، يعني لولا هذا الأمر، لأبرز قبره، يعني كشف عن قبره ولم يتخذ عليه حائل؛ لأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم يعني في الأصل هو خارج عن المسجد، ولكن في التوسعة صار بوجه ما داخلا في المسجد، تمام؟ لكن هذا لغرض، فلا يحل أن يستدل بذلك على بناء المساجد على القبور؛ لأنه أصلا لم يدفن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وإنما دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها التي مات فيها، وكانت خارج المسجد.

المهم أن هذا فيه النهي عن اتخاذ القبر مسجدا، وكذلك نهي عن بناء المساجد على القبور، وكذلك فيه سد الذرائع التي تفضي إلى ما لا يرضي الله؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: لولا ذلك لأبرز قبره.

باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها: عن سَمُرَةَ بن جُندُبٍ رضي الله عنه قال: «صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها».

النفساء معدودة من جملة الشهداء، يعني التي ماتت في نفاسها وردت أحاديث بذلك وهو يبين مشروعية الصلاة عليها، وأن الصلاة عليها مشروعة بخلاف شهيد المعركة. يعني شهيد المعركة الذي قتل في معركة الكفار، يعني كان يقاتل الكفار؟ إن شاء الله حديث برقم ستمِائَةٍ وواحِدٍ وسِتِّينَ نشرح فيه هذه الفكرة، ولكن هو الآن يريد أن يستدل لذلك، وأنها وإن كانت تسمى باسم الشهيد، لكنها مع ذلك تغسل وتكفن وهكذا. قال: الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها، يعني في مدة نفاسها أو بسبب نفاسها. عن سمرة بن جندب قال: «صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها». يعني السنة للإامام أن هو يقوم في وسط المرأة عند الصلاة عليها.

عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب قال: ليعلموا أنها سنة. نعم، هو ذكر البخاري أثراً عن الحسن: يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطاً وسلفاً وأجراً. وفي مصنف عبد الرزاق وسنن النسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر، ثم يقرأ بأم الكتاب، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في الأولى. يعني لا يقرأ قرآن إلا في الأولى، وهذا عليه كثير من أهل العلم في الجنازة.

فالبخاري هنا أراد أن يبين أن الفاتحة تقرأ في فين؟ في صلاة الجنازة. وابن عباس رضي الله عنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب قال: لتعلموا أو ليعلموا أنها سنة. يعني جهر بها ليتعلم الناس أنها سنة، كلمة سنة يعني سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وطبعا تقرأ في الركعة الأولى -يعني في قول أهل العلم إنها تقرأ الفاتحة في الركعة الأولى من- أقصد في التكبيرة الأولى، أسف، في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة. أسف، أنا قلت في الركعة، صلاة الجنازة ليس فيها ركوع ولا سجود ولكن أخطأت، تفضل.

باب الميت يسمع خفق النعال: عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبد إذا وضع في قبره وتُوُلِّيَ وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعاله، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ محمد صلى الله عليه وسلم. فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. ويقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سيراهما جميعاً». «وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين».

طبعا هذا الباب فيه بيان فتنة القبر، احنا عندنا فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر، كل هذه أمور حق وصدق لم يكذب بها أحد من أهل العلم، وإنما كذب بها المبتدعة أو الكفار أو المنافقون أو الذين يشككون في الأخبار ولا همَّ لهم إلا أن يشغلوا المؤمنين عما كانوا ينبغي أن يعملوا له. فهذا فيه تصديق هذه الأخبار الفتنة التي هي الامتحان أو السؤال الذي يمتحنه المؤمن، نسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتنا عند السؤال. وهو العذاب، هو التعذيب وهذا يكون كذلك للمؤمن وليس فقط للكافر، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنهما لا يعذبان وما يعذبان في كبير، اللي هو يمشي بالنميمة ومن لا يستبرئ أو لا يستنزه من بوله.

في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبد إذا وضع في قبره وتُوُلِّيَ»، يعني تولى عنه أصحابه، وفي رواية: «وتولى وذهب» تمام، «حتى إنه ليسمع قرع نعالهم»، هذا فيه أن المؤمن يسمع قرع النعال أو خفق النعال في أنه يسمع ذلك، «أتاه ملكان» هذا هو الامتحان أو الفتنة نسأل الله أن يثبتنا، «فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟» يعني أعظم ما يمتحن به العبد في قبره هو السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم. المؤمن يقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، «فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيراهما جميعاً»، يعني يرى هذا المقعد وهذا المقعد ليعلم فضل الله تبارك وتعالى عليه.

وأما الكافر أو المنافق -وطبعا المنافق هو صنف من الكفار- فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، وهذا ما يفعله كثير من الناس الآن؛ يتابع مثلاً شخصاً كافراً يصد عن سبيل الله فيتخذه قدوة ومفكراً ويصدر عنه، ويستغرب حينما أجد إنساناً المفروض أنه مثقف أو بيفهم، وثم يتابع شخصاً ويأخذ عنه دينه، يأخذ عن شخص جاهل كافر فاجر يراه في الحياة أصلاً، يعني يراه في الحياة شخصاً جاهلاً يشرب الخمر ويفعل الموبقات ويرضى في أهله الفحش ونحو ذلك، ثم يأخذ عنه دينه، ولا يظلم ربك أحداً، ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: 129]، ولا يمكن أن الإنسان مريداً للهدى ساعياً فيها ثم يضله الله، هذا لا يكون، ربنا قال: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: 27]، الله سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة ولكن الناس أنفسهم يظلمون. قال: «لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت»، يعني لا أنت اتبعت الحق ولا اقتديت ولا اهتديت بأهل الحق، «ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين». نعوذ بالله من عذاب القبر ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا عند السؤال.

هذا طبعاً فيه إثبات عذاب القبر. باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه، وقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله له عينه وقال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر».

ذكر هنا يعني هل يستحب للمسلم أن يحب أن يدفن في الأرض المقدسة التي ثبت أنها مقدسة؟ مثلاً المسجد الأقصى، المدينة، مكة. في حديث في مسند أحمد والترمذي وفي سنن النسائي: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفَع لمن يموت فيها» حسنه بعض أهل العلم. فكلمة من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها، يعني أو نحوها من الأرض التي علم أنها مقدسة، يعني هل كمشروع؟ واضح أنه يبين مشروعية ذلك.

ذكر حديث أبي هريرة. قبل أن ندخل في هذا الحديث، أريد أن أنبه الوالد الكريم والوالدة الكريمة على مكان العيش، من أعظم الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها الوالدان أين تعيشان؟ أنتم عايشين فين؟ هذا مهم جداً، يعني ينبغي أن تجتهد أن تكون في مكان أقرب لطاعة الله، وأعون على طاعة الله، وأبعد عن معصية الله قدر الإمكان. والله سبحانه وتعالى لما قال: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6] من أعظم ذلك أن تتخذ الأسباب، ومن أهم الأسباب المكان والبيئة والمجتمع اللي حواليك. ليس معنى ذلك أنك أنت ستجد مجتمعاً يعني ليس فيه أي منكرات هذا لا يكون، وليس معنى ذلك أن الإنسان مثلاً المقيم في أوروبا ينبغي أن

على شر، والإنسان المقيم مثلاً في مكة ينبغي أن يكون على خير. الأرض لا تقدس أحداً، ولكن أي انسان يلغي عامل البيئة والمجتمع كسبب في إصلاح الإنسان أو إفساده يبقى كذاباً.

البيئة لها عامل بلا شك، يعني أما تكون أنت في مكان لا ترى فيه منكرات؛ أنت مثلاً تسكن في قرية والنساء يلبسن ملابس محترمة، لا ترى فيه مثلاً هذا التبرج الفاحش، ولا ينتشر الكفر والإلحاد والخمر، هل هذا ليس يعينك على الطاعة؟ لأ، هذا يعينك على الطاعة ويبعدك عن المعصية بلا شك.

والله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]. أرض الله سبحانه وتعالى واسعة، والإنسان ليس عنده أعظم من دينه؛ اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا.

كثير من الناس يقصر في هذا ولا يهتم بمكان العيش، يقول أهم حاجة إن احنا مؤمنين وبنصلي. لأ، كل من استطاع أن يكون في مكان هو أقرب فيه إلى الطاعة، وأعون فيه على العمل الصالح، وأبعد فيه عن المعصية فليفعل.

ليس عندك أعظم من دينك ودين أبنائك أن أنت لما تكون في بيئة محترمة وابنك في مكان محترم، لا ينتشر فيه الفسق والفجور والإلحاد وعمل قوم لوط، بخلاف ما تكون في بيئة هكذا. وأنا سافرت هذه الأماكن ورأيت، رأيت الشباب كيف يتعرضون لهذه الفتن الرهيبة؟ والله فتن تعصف بالقلب تحتاج علماً وإيماناً وتقوى ومتابعة ومراقبة أضعاف أضعاف غيرها.

يعني الولد لما يروح الجامعة يرى الفاحشة تفعل أمامه، ويرى الكفر والفسوق والإلحاد، والبنات ماسكين إيد بعض والولاد ماسكين إيد بعض عمل قوم لوط. وأنا رأيت هذا بعيني في ميادين هناك يفعلون هذا عياناً جهاراً وأمام الناس.

والرجل صديقي كنت رايح أزوره في بلد إحدى العواصم الأوروبية، حتى ما كانتش عاصمة، ده بلد من جنب العاصمة، واستأذنني أن هو يدخل البيت الأول العمارة عشان بيقول لي الولد الفلاني بيفعل الفاحشة مع البنت على في المكان، وأقسم له بالله وهو صادق. فاللي أنا عايز أقوله أن أنت لا تستهن بهذا الامر، لا تستهن بهذا الأمر وتعتمد على أن ابنك مسلم وأنك مقدم له في مدرسة إسلامية أو الكلام ده.

لأ، كل من استطاع أن يكون في مكان أبعد فيه عن المعصية، وأقرب فيه إلى مسجد ومركز إسلامي وصحبة خير، لا تتردد في هذا. والله هذا أعظم ما قدمه لولدك، أفضل أنك أنت توديه في مكان يكون جنبه المول وجنبه النادي وجنبه مش عارف إيه. كل دي أشياء كويسة عادي، ما احنا بنودي ابننا النادي ويلعب ويتفسح ويروح حمام السباحة، لكن اختر المكان.

أنا قريباً كنت عند صديقي في بلد ورحنا نجيب ابنه من حمام السباحة، والله العظيم أنا صعقت! قلت له أنت ازاي سايب ابنك في المكان الحقير ده؟ مش ممكن! يعني أنا بحسب حمام سباحة زي اللي عندنا بيكون حمام للرجال وللنساء، ده واحد للرجال وواحد للنساء، فطبيعي عادي باخد الأولاد. لا، ده أنا العملية على بعضها كده والمدربة لابسة مايوه، قلة أدب!

بيقول لك اصل الولد يلعب رياضة. احنا هنستعبط؟ أنا شايف ده ما لوش معنى غير الاستعباط، ده اسمه تهاون. ده اسمه لأ، وبعد أنت بقى عايز تعلم ابنك الفضائل، كيف تعلمه الفضائل؟ يقول اصل ما أقدرش استغني عن درس السباحة! ليه يعني ما أقدرش استغنى عن درس السباحة يعني؟ إيه اللي هيجرى يعني لو ابنك ما تروح به في أي مكان تاني بعيد لو أنت فعلا حريص على أن هو يلعب سباحة أو غيره؟

اللي أنا عايز أقوله أن كثير من الناس يتهاون جداً في دينه، مع أنه في أمر الدنيا لو أبنه بياخد درس مش عارف حساب ولا درس هندسة ولا درس كذا ممكن يتعب عليه ويدفع ويصرف، إنما في الامور تخص الدين يتهاون فيها.

فالمهم ده اللي فتحني في هذا الأمر فكرة من أحب أن يدفن في الأرض المقدسة؛ هذا الأمر لا تتهاونوا فيه، اجتهد أن تكون في مكان أعون لك على الطاعة وأبعد عن معصية الله، واعرف أنك مسئول عن أبنائك. هذا ليس من باب التأنيب والجلد، لأ، فاتقوا الله ما استطعتم، الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأنا على يقين أن كل من أراد الهدى وأخذ بأسبابه لابد أن يعينه الله، الله سبحانه وتعالى أكرم من أن يضيعك.

لكن فرق بين عصمة أمرك وبين أمور الكماليات، وكل واحد منا نفسه يعيش في مكان يكون فيه حدائق ويكون فيه نزهات ويكون فيه أندية ويكون فيه بيئة نظيفة، صح، كل ده بلا شك ما فيش حد ينكر أبدا. لكن مع ذلك اجعل العنصر الأساس في اختيار مكان العيش هو الدين، واعلم أن الله سبحانه وتعالى لن يضيعك.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما أرسله الله سبحانه وتعالى، فلما جاءه صكه، يعني طبعا ملك الموت جاءه في صورة انسان، فلما جاءه صكه يعني لطمه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد الله يريد الموت. فرد الله، طيب، الحديث يعني أظن الحديث واضح.

وجه الشاهد من الحديث أنه أراد أن يدفن في الأرض المقدسة، قال: رمية بحجر، يعني أن يكون قريبا من الأرض المقدسة مسافة رمية بحجر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلو كنت ثم هناك لاريتكم قبره إلى جانب الطريق». طبعا معرفة قبور الأنبياء هذا ليس أمراً من الدين، يعني أن الإنسان يهتم أين دفن النبي الفلاني تماماً، ولا يجوز له أصلاً أن يشد الرحل إليه أو أن يتعمد دعاء الله عند القبر.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم تحقيقا لهذا الخبر بيقول: أنا لو كنت هناك كنت أريتكم قبره. كل هذه الأخبار نؤمن بها ونصدق بها، ولا يحل لأحد أن ينكرها بعد أن ثبتت، ولا يخوض فيها الإنسان إلا بأن ينتفع منها.

أكمل باب الصلاة على الشهيد. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في دماء ولم يغسلوا ولم يصلى عليهم.

باب الصلاة على القتيل؛ لما ذكر البخاري الصلاة على الميت أراد أن يتكلم عن الشهيد. هل الشهيد يصلى عليه؟ والمراد بالشهيد هنا من قتل في معركة مع الكفار، فيخرج من قتل في قتال أهل البغي، طائفة بغت من المسلمين وأنت تقاتل هذه الطائفة الباغية، أو من جرح في معركة ثم عاش ثم مات بعد ذلك، أو من سمي شهيداً من المبطون والغريق ونحو ذلك، فهؤلاء يسمون شهداء لكنهم يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ أخذاً يعني طلباً وفقهًا في القرآن ونحو ذلك. وهذا فيه فضل تعلم القرآن حياً وميتاً، فإذا أُشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في دمائهم، يعني يلقى ربه في الدماء التي سالت منه في سبيل الله، ولم يغسلوا ولم يصلى عليهم. هذا هو الشاهد أنهم لم يغسلوا، فالشهيد المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه، وقال بعض أهل العلم يصلى على شهيد المعركة.

ويستدل بالحديث الذي بعده، أنا سأقرأ الحديث بعده؛ لأن الحديثين متصلان. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».

هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته -في قرب أجله- خرج يوماً فصلى على أحد صلاته على الميت. اختلف في الصلاة، هل هي دعاء أو هي صلاة جنازة تامة؟ قال: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أنه صلى على شهيد المعركة، واختلف في ذلك، الأصل أن شهيد المعركة لا يصلى عليه، هذا هو الذي ثبت عن كثير من أهل العلم، وخالف فيه بعض الفقهاء فقالوا: بل يصلى عليهم. فالبخاري طبعا ذكر الحديثين، يذكر ما جاء في الباب، وقال: «إني فرط لكم» يعني سابق لكم إلى الجنة أو إلى الحوض، «وأنا شهيد عليكم، وإني لأنظر إلى حوضي الآن» هذا فيه إثبات حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يخشى على الصحابة من الشرك، ولكن قال: «ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» يعني في الدنيا.

طبعا كلمة «والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي» هذا خاص بالصحابة، ولكن من بعد الصحابة حصل فيهم كثير من مظاهر الشرك.

هذا فيه مشروعية -هذه الأحاديث عموما فيها أن الشهيد لا يصلى عليه- والحديث الآخر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم، هل هذه الصلاة دعاء منه لقرب أجله أو كأنه مودع لهم، أو هي فعلا صلاة جنازة، أو أنها خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا فيه خلاف.

باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: انطلق عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم قال لابن صياد: «أشهد أني رسول الله». فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه وقال: «آمنت بالله وبرسله». فقال له: «ماذا ترى؟» قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خلط عليك الأمر». ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إني قد خبأت لك»، فقال له ابن صياد: هو الدخ. فقال: «خسأ فلن تعدو قدرك». فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله».

قال ابن عمر رضي الله عنهما: ثم انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيُّ بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع في قطيفة له فيها رمَزَة، ورأت أمُّ ابن صياد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد- هذا محمد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تركته بين».

باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ عندنا أثر ذكره البخاري عن الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة -إبراهيم اللي هو النخعي، وقتادة اللي هو قتادة بن دعامة السدوسي- قال: إذا أسلم أحدهما فالولد مع المسلم. يعني لو الولد من أهل الكتاب -يعني أبوه كافر وأمه كافرة- إذا أسلم أحد الابوين فالولد يكون تابعا له.

هو يريد أن يتكلم هنا البخاري عن صحة إسلام الصبي، أن الصبي إذا أسلم فانه يكون مسلما، يعني يصلى عليه، وحتى لو كان أبوه مشركا يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. قال: وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على ابن صياد -أو ابن صائد- وكان يهوديا، ابن صائد كان أبواه يهوديين، النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه الإسلام، فهذا وجه الشاهد.

قال: عن عبد الله بن عمر قال: انطلق عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط -يعني الرهط ما دون العشرة، جماعة من الصحابة- قبل ابن صياد. ابن صياد هذا من أبناء اليهود، كان يعيش في المدينة، واختلف واشتبه في أمره هل هو المسيح الدجال أم لا؟ والمسيح الدجال طبعا فتنته عظيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري قام في الناس فحمد الله فأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الدجال وقال: «إني أنذركمه، وما من نبي إلا أنذر الدجال»، وذكر الحديث، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من فتنته، وفتنته من اعظم الفتن.

وخبر ابن صياد هذا كبير وفيه تفاصيل كثيرة، وذكر الإمام مسلم أحاديث ابن صياد لمن يريد أن يتوسع فيها، ذكرها في باب ذكر ابن صياد. والتبويب طبعا غالبا يكون من النووي رحمه الله وليس من مسلم، يعني تقريبا من الحديث ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين إلى ما بعده، يعني ذكر روايات كثيرة. لكن البخاري لم يذكر كل هذه الروايات، وخلينا نقف فقط مع هذا الحديث؛ لأنه علاقته بالباب هو أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على ابن صياد الإسلام.

قال: قبل ابن صياد حتى وجدوه يلعب مع الصبيان -يعني كان صبيا صغيرا- عند أطم بني مغالة. أطم بني مغالة: الأطم هو مبنى يشبه الحصن، وبني مغالة هذا بطن من بطون الأنصار. وقد قارب ابن صياد الحلم، هذا هو الشاهد، أن هو قارب الحلم يعني لسه لم يبلغ. «ولم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم قال لابن صياد: تشهد أني رسول الله» النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الإسلام. «فنظَرَ إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين».

الأميون هو لقب أو صفة كان يصف بها اليهود العرب الذين لم ينزل عليهم كتاب، لما قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75]، وربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ [الجُمعة: 2]، النبي أمي يعني هو النبي الذي خرج في الأميين الذين ليس معهم كتاب. واختلف في معنى الأمي بأنه الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا عندي بعيد في الاحتمال، والأقرب أن الأمي هو صفة لمن لم ينزل عليهم كتاب من العرب، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ثابت أنه لم يكن يقرأ أو يكتب بدلالات أخرى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48].

المهم أن كلمة رسول الأميين يعني أنت رسول للعرب؛ لأن عددا من اليهود كانوا يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم رسول ولكن للعرب وليس لليهود.

نلاحظ هنا أن الولد هذا وهو صبي صغير، كأن أهله علموه هذه الحجة، وكثير من أبناء الكفار يعلمون هذه الحجج وهو صغير، يعلمونه الباطل ويلقنونه حجج هذا الباطل، في الوقت الذي كثير فيه من المسلمين لم يعلموا أبناءهم لا الحق ولا براهين الحق ولا يعلمونهم الباطل.

حتى يحذروه، فهذا فيه أنهم علموا أن ابن صياد، وكان اسمه الصاف -أبوه وأُمُّه- واضح أنهم علَّموه هذه الحج بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول، ولكن فقط للاَّء للعرب وليس لبني إسرائيل. قال: أشهد أنك رسول الأُمِّيِّينَ، فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم رفض ابن صياد، وتركه يعني.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمنتُ بالله ورسله»، وقال له: ماذا ترى؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم بيقول له: ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. يعني ابن صياد هذا كان كاهناً، من وهو صغير كان كاهناً تنزل عليه الشياطين التي تسترق السمع، وتخلط بقى الأخبار الصدق بالكذب، يأتيني صادق وكاذب.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خُلِّط عليك». يعني مزجوا لك الحق بالباطل والصدق بالكذب. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إني قد خبَّأتُ لك خبيئة». وقال ابن صياد، يريد أن يخبر من نفسه بما في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هو الدخ -يعني الدخان- فقال -يعني هي الأول سورة الدخان يعني- وقال: «اخسأ» -يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اخسأ- «فلن تعدوَ قدرك». يعني أنت مجرد كاهن، يعني يحدثك الشياطين بالصدق وبالكذب.

فعمر قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن يكن هو -يعني لو كان هو المسيح الدجال الأكبر- فلن تُسَلَّط عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قدر أن المسيح هذا له فتنة ستححصل، فما قدره الله سبحانه وتعالى هو كائن، إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو -يعني إن لم يكن هذا الصبي المسيح الدجال- فلا خير لك في قتله، أنه صبي صغير ربما يسلم بعد ذلك، وأنت لماذا تقتله؟» وهكذا.

طبعاً وردت أحاديث، خلينا نذكر الحديث الآخر، قال ابن عمر: ثم انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيُّ بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يقتل -يعني النبي صلى الله عليه وسلم بيحاول إيه يتلطف بحيث إن ابن صياد لا يعلم بوجود النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعرف النبي صلى الله عليه وسلم خبر ابن صياد، ماذا يفعل؟- وهذا فيه جواز أن الوالد مثلاً يتفقد ابنه، أو يتابعه، يتابع أخباره، أو يسأل عنه، أو حتى يراقبه حتى يعرف ماذا يفعل، هذا جائز عند الضرورة وليس من التجسس المنهي عنه.

وففيه كذلك أن العالم إذا ذهب إلى دجال ليكشفه أو يفضحه، فهذا من خِير العمل الصالح، من أبواب الخير؛ كشف الدجالين والكذابين. قال: وهو يختل -يعني النبي صلى الله عليه وسلم يتلطف أو يحاول أن يخدعه حتى يستمع وهو يقتل- أن يسمع من ابن صياد شيئاً قبل أن يراه ابن الصياد، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع في قطيفة له فيها رَمْزَة، وفي رواية: زَمْزَمَة، زمزمة يعني صوت، ورمزة يعني إشارة.

فرأت أُمُّ صياد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل، وقالت لابن صياد: يا صاف -يعني هو هذا هو اسم ابن صياد- انتبه أن محمد وراءك عايز يشوفك أنت بتعمل إيه، فثار ابن صياد! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تركته بَيِّنَ». طبعاً أمه ما تتوصاش، عرفت أن ابنها بيعمل حاجة غلط ومش عايزة حد يطلع عليها، تعين ولدها على الباطل.

المهم أن هذا الحديث فيه عرض الإسلام على الصبي وصحة إسلام الصبي. طبعاً ورد في ابن صياد أخبار كثيرة، يا عمي الصياد هذا اشتبه في أمره كثيراً؛ هل هو الدجال الأكبر أو لا؟ والاقرب والله أعلم أن الاشتباه في أمره كان في بداية الأمر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال عن الدجال: «إن يخرج فيكم فأنا حجيجه». وفي هذه الرواية كأنه شك من النبي صلى الله عليه وسلم، لم يجزم، قال: «إن يكن هو فلن تسلط عليه»، فهذا فيه أن أمره كان مشتبهاً، هذا ابن صياد.

لكن حصل خلاف بين الصحابة؛ هل ابن صياد هو الدجال الأكبر -يعني أنه سيخرج بعد ذلك- أم ليس هو؟ والأقرب والله أعلم المسألة فيها خلاف وفيها إشكال، لعل الأقرب أنه ليس هو. ووردت أحاديث في صحيح مسلم، منها مثلاً حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال لي ابن صياد، وأخذتني منه ذَمَامَة -يعني أشفق عليه واستحيا منه- قال هذا: قال لي ابن صياد: قد عذرت الناس، ما لي ولكم يا أصحاب محمد؟ ألم يقل نبي الله صلى الله عليه وسلم إنه يهودي؟ أسلمتُ -اللي هو الدجال الأكبر المسيح الدجال يهودي، لكن أنا أسلمتُ تمام فلستُ أنا- قال: ولا يولد له، وقد ولد لي، وقال: إن الله قد حرم عليه مكة، وقد حججتُ.

قال: فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله -يعني أن يصدقه- وقال له: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأُمَّه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذلك الرجل؟ قال: فقال: لو عرض علي كرهتُ. المهم أن وردت آثار كثيرة ينفي فيها ابن صياد أنه هو المسيح الدجال.

وجاءت أحاديث أخرى اللي هو حديث الجساسة؛ حديث طويل أخرجه مسلم ولم يرضَ أن يخرجه البخاري وكأنه يطعن فيه، يبين أن المسيح الدجال يغير ابن صياد تماماً، وهو أنه في جزيرة أو في نحو ذلك، خبر طويل استنكره بعض أهل العلم وردوه وضعفوه في صحيح مسلم. والمهم من أن تصحيح هذا الحديث محل اجتهاد، فخلاصة ما نريده من هذا الباب هو أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض الإسلام على ابن صياد، ونعوذ بالله تبارك وتعالى من فتنة المسيح الدجال.

عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلم». فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فاسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار».

نعم، هذا فيه جواز أن يخدمك غير المسلم إذا أمنته. وكثير من الناس كان عنده خادمة، وهو أصلاً في الأصل استقدام أو استخدام خادمة هذا من أبواب الفتن الكبيرة جداً ويخشى منها، إلا في ضيقة جداً ومع التزام آداب الإسلام، لكن حينما تكون مع ذلك كافرة فهذا خطر كبير جداً على الأبناء. المهم أن هذا فيه مشروعية استخدام -جواز أن يكون الخادم غير المسلم-.

وفي كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد المريض وعاد الصبي وهو غير مسلم، وأنه كان رحيماً به ودعاه إلى الإسلام، وفي إسلام الصبي، وفيه أن كثيراً من الناس يقبل الإسلام إذا عرض عليه وإذا تعامل معه الداعي برفق ورحمة. لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم عاده أولاً واقترب منه وأشفق عليه ثم عرض عليه الإسلام.

وفيه أن أباه كان عالماً بالإسلام وبصدق النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يسلم، واضح أن أباه لم يسلم، وإنما أذن لولده به أن يسلم، والولد أصلاً كان يريد أن يسلم، لكن كأنه نظر إلى أبيه حياء أو نحو ذلك. في قول الله تبارك وتعالى عن بلقيس وصدها ما كانت تعبد من دون الله أنها كانت من قوم كافرين، فيه بيان

إن كثيرا من الكفار إنما هو كافر لأنه لا يعرف الإسلام، ولو عرض عليه الإسلام ورأى من المسلمين قوة وعزة وأخلاق وتقوى ونحو ذلك، فإن ذلك من أعظم الأسباب، وأحسنوا عرض الإسلام عليه وبينوا حججه، فإن ذلك من الأسباب التي تشرح صدره للإسلام بإذن الله تبارك وتعالى.

حديث أبي هريرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟». ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: 30].

هذا الحديث ورد فيه اللي هو حديث مولود على الفطرة. أسند البخاري قبله عن ابن شهاب قال: يصلى على كل مولود متوفى، وإن كان لغية، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام. يعني لو كان ابن زنا مثلا أو غير ذلك فانه يصلى عليه؛ لأنه ولد على فطرة الإسلام.

قال: يدعي أبواه الإسلام، أو أبوه خاصة حتى لو كان أبوه وحده مسلما وإن كانت أمه على غير الاسلام، إذا استهل صارخا صلي عليه. الحديث رواه البخاري، ثم ذكر حديث الفطرة، هذا هو وجه الشاهد.

وذكر هنا حديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة»، فأبواه يهود الفطرة اللي هي فطرة الإسلام؛ لأنه قال: «يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، يعني الوالدان يجعلان الولد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو غير ذلك.

كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني تامة، كما أن البهيمة تنتج تامة ثم يحصل فيها النقص، قطع الأذن أو نحو ذلك من أصحابها من الناس. فكذلك الولد يولد تاما بالإسلام على فطرة الإسلام، والفطرة هذه كأنها استعداد بالهدى والتقوى والإسلام وهي علم وعمل. يحتاج فقط الوالد أن يتممها وأن يكملها وأن يثبتها وأن ينميها. قال: «هل تحسون فيها من جدعاء» الجدعاء اللي هي مقطوعة الأذن، يعني هذا تشبيه تشبيه جميل، أن الولد يولد على فطرة الإسلام.

ذكر الشيخ عبدالرزاق البدر في تعليقه على هذا الحديث فائدة جدا بصراحة، فائدة جميلة لم أنتبه إليها قبل ذلك، أن هو قال: إني أنا سأذكر بالمعنى، لأن أنا حاولت أن أضيف لها أفكارا لأن الفكرة جميلة جدا، فأنا ما أذكره الآن هو تصرف مني لكن الفكرة أخذتها منه.

قال: إن معنى أن الولد فطر على الإسلام، هذا معنى أنك إذا ربيته على الإسلام علما وعملا سيكون ذلك سهلا عليه موافقا لما عليك، ليس صعبا كما يدعيه كثير من الناس. بل الصعب هو أن تخالف فطرته في العلم والعمل، يعني مثلا أنك تهود، لو أن شخصا يهود ولده أو يمجسه أو ينصره أو يعلمه الالحاد والفسق والفجور هو الذي يجد كلفة. أما من يعلم ولده الايمان بالله ورسله وملائكته وكتبه ورسله والأخلاق والأدب وطيب الكلام والصدق وعزة النفس، كل هذا موافق للفطرة، هذا يدل على أنك معان من الله في إصلاح ولدك، وأن ولدك مهيأ لذلك.

طيب، ده بقى فيه دلالة أخرى بقى: ما هي الدلالة؟ أنك تبدأ مع ولدك مبكرا، لماذا؟ حتى لا تفسد فطرته؛ لأنه ممكن أنت تتركه مدة كبيرة فتجد صعوبة في أن يعود إلى فطرته. فهذه الفائدة مهمة جدا في رأيي، أن الولد مستعد لتعلم الإسلام لأنه ولد على الفطرة. ونسأل الله تبارك وتعالى الهدى، ونسأل الله أن نكون سببا في بقاء فطرة أبنائنا نقية صالحة وأن نزيدها وأن نميها. طبعا الشاهد من هذا اللي هو أن الولد إذا توفي فانه يغسل ويكفن ويصلى عليه إلى آخر ذلك، طبعا إذا استهل صارخا يعني ولد حيا ثم مات بعد ذلك، أما إذا كان سقطا فهذا له أحكام أخرى.

باب: إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله. عن المسيب بن حزن رضي الله عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهِد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، فيعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبدالمطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك»، فانزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية.

نعم، باب إذا قال المشرك عند الموت، إنسان كافر عند الموت، كلمة عند الموت فيها دلالتان، إما أن يبقى فيه حياة يعني لم يعاين موتا، لم تحضره الوفاة بمعنى أنه لم يعاين الملائكة أو نحو ذلك، هذا تقبل توبته. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17]. يتوبون من قريب يعني إيه؟ قبل الموت، قبل أن يعاين؛ فكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. وليس معنى كلمة يتوبون من قريب يعني فور حدوث الذنب أو الكفر، لا، هذا معناه أنه يتوب قبل الموت وكلما قدم ذلك يكون أولى لأنه لا يدري متى يموت.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السِّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18]. فيبقى عندنا حالان هنا: حال يقبل فيها الإيمان، لم يعاين ملائكة العذاب أو نحو ذلك فهذا يقبل منه توبته. لكن الحالة الأخرى مثل حال فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: 90-91].

وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غؤاف: 84-85]. والإيمان له وقت ينفع فيه، فواضح طبعا إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله، يعني إذا قال ذلك في الوقت الذي تقبل منه التوبة.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما حضر أبا طالب الوفاة، يعني قرب أجله، والنبي صلى الله عليه وسلم رأى فيه الموت، فوجده عنده أبا جهل بن هشام وعبدالله بن أبي أمية. يعني طبعا دول كانوا من كبار المجرمين في ذلك الوقت، وقلت في ذلك الوقت لأن بعد ذلك عبدالله بن أبي أمية أسلم، وهذا من الأمور سبحان الله التي في معنى أنك لا تهدي من أحببت، ستعرفون لماذا.

المهم أن هؤلاء أرادوا أن يموت أبو طالب على الكفر. شف صحبة السوء يعني صحبة السوء، هم شياطين الإنس لا يريدون فقط أن يكونوا على الباطل، وإنما يريدوا أن يكون الناس على الباطل، وإذا أراد شخص من أهل الباطل أن يذهب إلى أهل الحق فانهم يصدون، يصدون وهم ينهون عنه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: يا عم قل لا إله إلا الله، هذا خير ما تقدمه لأي أحد تحبه؛ الوالد، الوالدة، الابن، الأخ، الصاحب، المعلم، أي إنسان تحبه لابد أن تعينه على دينه الإسلام، العمل الصالح، ترك السيئات، التشجيع على الخير، هذه أصدق علامة لحبك لمن تحب. قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله تنفعك. فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية.

يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ هذه حجة باطلة، هي التي تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا. يعني كثير من هؤلاء بقي على كفره لأنه يريد أن يبقى على ملة آبائه.

لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب. يعني الراوي لم يرض أن يقول: أنا على ملة كذا، مات على الكفر. فالنبي صلى الله عليه وسلم يبقى يرحمه، كما فعل نوح عليه السلام بابنه، والله سبحانه وتعالى نهاه عن ذلك. وهنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: لاستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك. يعني ما لم أُنهَ عن الاستغفار عنك.

الله سبحانه وتعالى أنزل: ﴿مَا كَانَ النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: 113-114]. هذا الحديث فوائد عظيمة جداً، لكني اختصرها. الفائدة الأولى: حرصك على من تحب. حرصك على دين من تحب، ولو جمعت له كل الدنيا بما فيها ولم تعتن بدينه فأنت غاش له وإن لم تشعر بذلك. واحد يودي أمه رحلة لباريس، وهو عايش في أوروبا، يودي أمه رحلة لباريس ويفسحها ويروقها، وعمره ما فكر إنه يكلمها عن الصلاة، ولا حتى يوديها تعمل عمرة أو تحج.

وهكذا واحد يجيب لأمه أفلام ومسلسلات عايشة لوحدها مثلاً في البيت، بيفرفشها ويسليها وعمره ما فكر يشوفها بتصلي ولا لأ. أمه بتموت، ما هانش عليه يفكر هي بتصلي ولا لأ، بتقرأ قرآن ولا لأ، بتذكر الله لأ، وموت اتفرج عادي على الحاجات والمنكرات، وتتفرج على الحاجات الموبقات وهو مش في دماغه عادي، وفاكر كده إن هو يرضيها. لا، إنما برك بوالديك أن تسعى فيما ينفعهما في الدنيا والآخرة، مش إنك أنت ترضيهم وتعمل لهم الحاجات اللي بتبسطهم؛ لأنهم ممكن يكونوا إيه اللي بيبسطهم شيء محرم. وكذلك مع الأبناء؛ واحد ابنه بيقول له: أنا مثلاً عايز أشوف الحاجة الفلانية وهي حرام. فيقول لك: أنا عشان ما أزعلش الواد. لأ، ما تزعلوفهوش الواد إزاي يعني! يعني لو ابنك قال لك: أنا عايز ألعاب بالنار، هتدي له يلعب بالنار! لأ، دي فكرة أساسية في الحديث.

أيضاً في الحديث صحبة الخير وصحبة السوء. وفي الحديث، وهو من أعظم المعاني: أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين. عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، هذا الذي حرض أبا طالب على أن يموت على الكفر، هو نفسه أسلم. أسلم عام الفتح. فسبحان الله! سبحان الله! وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]. وهو سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدين. فنسأل الله تبارك وتعالى الهداية لنا ولكل من نحب. هذا فيه طبعاً النهي عن الاستغفار للمشركين حتى لو كانوا أولي قربى، وفيه طبعاً الحرص على دعوة من تحب من الكفار، وتشجيع المؤمنين على العمل الصالح، وغير ذلك من الفوائد.

أكمل باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله. عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة». فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، واما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. قال: «أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾ [الليل: 5] الآية. نعم.

طبعاً في الحديث السابق -عشان نفهم الترجمة- إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، هل تنفعه أم لا؟ لم يجزم البخاري؛ لأن لها حالتين: حالة أن يقولها قبل أن يعاين العذاب فهذه تنفعه، والحالة الثانية لا تنفعه؛ اللي هي إذا عاين العذاب كما حصل لفرعون. طبعاً في الحديث السابق نسيت أن أنبه على فائدة مهمة للوالدين الكريمين: استعن في إصلاح ولدك بالدعاء؛ لأنك مهما أتيت بالأسباب فالله سبحانه وتعالى هو الذي يملك الهداية. ليس معنى ذلك أنك أنت تترك ولدك وتقول الله هو الهادي، كما يفعل كثير من الناس. لأ، وإنما معنى ذلك أن تأخذ بالأسباب، والله سبحانه وتعالى يزيد الذين اهتدوا هدى.

باب موعظة المحدث، الموعظة اللي هو التذكير أو القصة. يعني أحياناً يسمى هذا الذي يفعل هذا الواعظ، أو القاص، أو المذكر، أو المحدث. ويجب أن تعظ الناس بالوحي وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم. كثير من الوعاظ أو الخطباء يكون همه فقط التأثير، لا يفكر في صحة معنى الآية التي يتكلم بها، ولا أن يراجع تفسيرها، ولا يفكر في صحة الحديث، ولا معنى الحديث، ولا أي شيء. وإنما أقول أي كلام يريد أن يؤثر فقط في المستمع. وهذا ليس على هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ يجب أن يجمع بين صحة المعنى وصحة اللفظ.

تمام، فموعظة المحدث عند القبر وقعود بعض أصحابه حوله؛ أن هذا جائز مشروع في الأصل، وبعض أهل العلم يقول: لا يصح أن تتخذ سنة، وإنما تفعل عند الحاجة؛ يعني عندما تجد الحاجة إليها، وتكون مختصرة، وتكون بعلم، وتكون باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم. طبعاً الحديث هذا عظيم جداً. يعني أنا جعلته من أهم أحاديث الفلاح، لما جمعت أحاديث النجاح والفلاح من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الكلام فيها عن الأسباب من العبد، وعن قدر الله تبارك وتعالى، إيمان العبد بحكمة الله وعلمه وقدره وكتابته للمقادير وخلقه ومشيئته وقدرته، والإيمان بأن للعبد قدرة واستطاعة ومشيئة.

عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد -الغرقد هو نوع من الشجر- فأَتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة -يعني عصاية، عصاية لطيفة كده صغيرة- فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار» -يعني الله سبحانه علم وكتب مكان كل واحد منا من الجنة أو النار، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا في أعلى الجنان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا- قال: «والإا قد كتبت شقية أو سعيدة». الله سبحانه وتعالى كتب ذلك وقضاه. فقال رجل -لاحظ قال رجل، دائماً تأتي مبهمة؛ لأن كبار الصحابة لم يكونوا يسألون مثل هذه الأسئلة، يعني كبار الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، يعني يندر جداً أن يصدر من واحد من هؤلاء الكبار العلماء مثل هذه الأسئلة؛ لأن هو واضح أن هذا الرجل السائل كأنه يرى أن هذا يخالف العمل- قال: أفلا نتكل على كتابنا وندعو العمل؟

هل فهم أحد من الصحابة قط من كبار الصحابة هذا المعنى؟ أن الإيمان بقدر الله تبارك وتعالى معناه أن نتكل على الكتاب وندع العمل؟ لم يفهم أحد منهم، بل هذا هو الذي يعينك على العمل. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يهديك بإيمانك ويهديك بإرادتك للخير ويهديك بسعيك؛ فالعمل سبب في توفيق الله تبارك وتعالى. قال: أفلا نتكل على كتابنا وندعو العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة حتماً يعني، يعني إيه سيحصل له ذلك بدون إرادة منه ودون عمل. وأما من كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. شوف النبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: «أما أهل السعادة فييسرون...» لأ، في رواية تانية أتم.

النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». والله كلمة تامة، مثل: احرص على ما ينفعك واستعن بالله. أنا عندي هذا الحديث فيه خلاصة النجاح في هذه الدنيا في أي باب تطلبه.

احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. لا تقصر فيما تستطيع، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين هنا أن من أخذ بأسباب أهل السعادة وعمل بها وسعى فإن الله سبحانه وتعالى يعينه. وأنا ذكرت ذلك كثيراً أن منك المبادرة والعمل ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17] ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]، والعكس: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: 27] ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160] إلى آخر الآيات والأحاديث الحاثة على العمل.

وجه الشاهد طبعا معروف أن هو يجوز أو يشرع أن تذكر الناس عند الحاجة عند القبر.

ما جاء في قاتل النفس: عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة فعذب بها في نار جهنم». باب ما جاء في قاتل النفس، يعني هل يصلى عليه؟ قاتل النفس، إما واحد قتل نفسه أو قتل غيره، ولكن الأحاديث التي ذكرها هي جاءت في قتل نفسه. قتل النفس من أكبر الكبائر، بل تمني الموت منهي عنه. والنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة قال: «لا يتمنى أحدكم الموت، إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب». حديث عظيم جداً أن الإنسان في كل أحواله سواء كان مقصرا أو مذنبا أو في أي حال لا يتمنى الموت، فلو كان هو محسناً لعله يزداد، وإذا كان مسيئاً لعله يستعتب، يتوب ويرجع إلى الله.

المهم أن هو عقد هذا الباب: هل يصلى عليه أم لا؟ والقاضي عياض رحمه الله نقل عنه النووي أنه قال: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود، يعني لو لو ضرب الحد -يعني جلد مثلا أو مرجوم بسبب الزنا نعوذ بالله- أو قاتل نفس أو ولد زنا أن هو يصلى عليه. وعن مالك قال: يجتنب الإمام الصلاة عليه. الإمام مالك بايه؟ بيرى أن تجتنب الصلاة على هؤلاء، وكلمة محدود يعني مقتول في حد.

ففي عندنا حديث آخر، وهو حديث جابر بن سمرة عند الإمام مسلم: أوتي برجل قتل نفسه بمشاقص -بسهام- فلم يصلي عليه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي عليه. فأخذ منه بعض أهل العلم أنه لا يصلى عليه أصلاً أو أنه لا يصلي عليه أهل الفضل. لكن أحب أن أنبه هنا أن قتل النفس بمجرده هو من أكبر الكبائر، نعم، لكنه ليس كفرا إلا إذا كان يأساً من رحمة الله أو معه سبب آخر. أما مجرد قتل النفس فهو من أعظم الكبائر.

وكثير من الناس في هذه الأيام يصدر منه الانتحار، يعني قتل نفسه، يصدر منه هذا لضعف إيمانه أو لعدم إيمانه، لا يؤمن بالله ولا بقدره، أما لمصيبة نزلت به أو نزلت بحبيب له. واحد مثلاً قتل أخوه في أمر أو حصل له مشكلة، وكثيراً ما يكون سبب هذا أنه لم يفهم الحياة، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. الإيمان بالله وباليوم الآخر وبالقدر من أعظم الأمور التي تصرفك عن هذه الوساوس وهذه الأعمال.

لكن كثيراً من الملحدين يروج لهذه الفكرة: أن من قتل استراح من هذه الدنيا وخرج من الدنيا بأعجوبة، يظن أن الخروج من مصائب الدنيا سيكون إلى نعيم آخر، ولا يدري أن هذا بداية مصائب جديدة لن يستطيع أن ينفك عنها. لا بد أن تعلم، أنت ممكن تقول: هذه الأمور بعيدة جداً عن أبنائي وعن أحبابي! لا، ليست بعيدة، والله الإنسان يضعف.

في البخاري خرج حديثاً لهو باب: لا يقال فلان شهيد، سيأتي معنا في الجهاد إن شاء الله في كتاب الجهاد أن رجلاً كان مع الصحابة يقاتل ويجاهد، وبعد ذلك لما جرح جرحاً شديداً استعجل الموت، حمل نفسه على سهمه فقتل نفسه. فيبقى أنت لا تظنن أن هذه الأمور بعيدة. وسيدنا إبراهيم كان يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. علم ولدك الإيمان بالله وبأسماء الله وبأفعاله، وعلمه حال المؤمن عند الابتلاء وحكمة الله في الابتلاء، والتوكل على الله، وعلمه كذلك الصبر والاحتساب -احتساب الأجر عند الله- الاستعانة بالله وذكره بالدار الآخرة.

لكن أن تصور شخصاً ليس مؤمناً بالله ولا بقدره ولا بأسمائه وأفعاله ولا بالدار الآخرة، كيف يصبر على المصيبة؟ يعني أنا واحد صاحبي حكى لي أن زميله حصل له مشكلة، وجدوه شنق نفسه يسكن في دولة أوروبية. يعني هذا موجود، أنت ما تظنش أن هذه الأمور قليلة، لا، موجودة. وحتى منهم كثير من الناس هو يعتبر قاتل نفسه في الحياة، هو حي نعم، لكن قاتل نفسه، عايش كده للمنافسة وللمخدرات وللفواحش والمنكرات، ما هو ده نوع من قتل النفس، أنه لا يحيا بنفسه حياة كريمة. ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُم رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

المهم أن البخاري عقد هذا الباب لينبه على هذا: هل يصلى على قاتل نفسه أم لا؟ ذكر هذا الحديث: «من حلف بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة فعذب بها في نار جهنم». يعني هذا الجزاء من جنس العمل، وفي رواية عند الترمذي: «خالدا مخلدا أبدا فيها»، وهذه الرواية متكلم في لفظ خالدا مخلدا، وحتى لو ثبتت فليس معناها أن من قتل نفسه ستحرم عليه الجنة، يعني أنه يصير كافراً، لأن احنا عندنا تحريم الجنة صنفان: تحريم مؤبد -يعني لا يدخلها- أو تحريم مؤقت -أنه سيدخلها بعد ذلك-. ولكن طبعا مجرد دخول النار هو عذاب عظيم.

فيتبقى خلاصة الكلام هنا أن قاتل نفسه لا يكفر بذلك وإن كان مرتكباً لكبيرة من أكبر الكبائر، يجب أن يعمل على صد الوقاية الناس من هذا الأمر بالكلام عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر والدار الآخرة والاحتساب لله وغير ذلك.

الحديث الثاني: حديث جندب قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان برجل جراح فقتل نفسه، فقال الله تعالى: بدرني عبدي بنفسي -يعني استعجل، لم يصبر حتى أقبض روحه فاستعجل وقتل نفسه- حرمت عليه الجنة». ذكرنا أن قول أهل العلم في هذا أن مجرد قتل النفس أنه لا يكفر به وإن كان من أكبر الكبائر. ليس معنى أن احنا بنقول هذا التهوين من الأمر، إذ كما نقول مثلاً الزنا أو السرقة أو عقوق الوالدين ليس كفراً بمجرده، ليس معنى ذلك التهوين، ولكن نبين قدر المسألة في الشريعة.

أظن كذا احنا وصلنا لأيه؟ نعم. الحديث الثالث عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها -وفي رواية: يطعنها- يطعنها في النار». هذا فيه أنه عوقب بنفس ما قتل به نفسه.

اتفضل، أكمل وبثناء الناس على الميت. عن أنس رضي الله عنه قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت». ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: «وجبت». فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض».

طبعاً خليني أنا أنبه على حاجة قبل أن ندخل في هذا الحديث مهمة جداً، أن كثيراً من الملحدين أو يأتي في الأفلام مثلاً

إن واحداً قتل نفسه، سواء بالسم، أو رمى نفسه من شاهق، أو أغرق نفسه مثلاً رمى نفسه في البحر تضحية مثلاً أو نحو ذلك، يضعون عليه ألقاباً أن هذا قوي بطل، تخلص من الحياة، هذا يروج في كثير من المقالات والأفلام والمنشورات، يروج مثل هذا أن هؤلاء الملحدين لن تجني منهم خيراً قط، وقريباً كانت في واحدة تحولت من أنثى لرجل وبعدين قتلت نفسها شنقت نفسها وكتبت ورقة وأن هي مش عارف تخلصت من العذاب وهو.

لا، يوهمونه به وهذا جزاء من أعرض عن الهدى في كتاب الله وأخذ الهدى عن العميان الجهلة الضلال، نعوذ بالله من ذلك، وكل من عمل على إحيای الأنفس فله أجر عند الله عظيم. أحيِ من حولك بالإيمان والعمل الصالح، وكلفهم بالأعمال النافعة وشجعهم وكن معهم عوناً على هذا الطريق.

باب ثناء الناس على الميت، الثناء هو الذكر، الذكر الحسن أو السيئ، لذلك قال في الحديث: «أثنوا عليها خيراً» أو أثنيتم عليها خيراً، وهو مشروع يعني البخاري يريد أن يقول إن هذا مشروع، انك تقول مثلاً: فلان كان رجلاً طيباً كان رجلاً صالحاً، كان فعل كذا وفعل كذا. هذا ليس من الندب المحرم طبعاً، كلمة وجبت، يعني وجبت له الجنة، وهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم، لا يحل لأحد بمجرد ثناء الناس أن يقول: وجبت، وإنما هذا علمه النبي صلى الله عليه وسلم بوحي الله.

طيب، أظن أن هذا هو المراد من الحديث، طيب، نذكر الحديث الذي بعده عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة». قلنا: وثلاثة؟ قال: «وثلاثة». فقلنا: واثنان؟ قال: «واثنان». ثم لم نسأله عن الواحد. طبعاً كل هذه مجرد دلائل أو علامات أو بشريات، إنسان مثلاً رأى رؤية له أو كان يعلم من حاله الخير يرجو له الخير، لكن لا يقطع بأنه في الجنة، ولا ينتفع بذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بمن اتقى، فهذه مجرد علامات، هذا في مشروعية الثناء على الميت، وفيه أن هذا شهادة ستحاسب عليها، وفيه كذلك أنه من بشرى الميت، من البشريات للميت.

أكمل باب ما جاء في عذاب القبر، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أُقعد المؤمن في قبره أوتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: 27]». عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أهل القليب فقال: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟». فقيل له: أتدعو أمواتاً؟ فقال: «ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون». عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق». وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النَّمْل: 80]. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة.

البخاري رحمه الله بعدما ذكر ما يثبت فتنة القبر اللي هي السؤال ذكر هنا ما جاء في عذاب القبر ونعيمه، وسبق كذلك شيء من ذلك، نسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتنا جميعاً.

قال باب ما جاء في عذاب القبر، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أُقعد المؤمن في قبره أوتي» يعني أتاه ملكان «ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» يعني وفق للجواب عن هذا السؤال وفي هذه الفتنة، قال: «فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾» يعني أن ثباتك في هذا الموضع هو من الله تبارك وتعالى، يجب أن تعلم هذا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يثبتك على الإيمان في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة، وعلم ولدك هذا، واعلم أنت هذا مع ولدك، أن أنت مهما سعيت في ذلك فانت لا تملك الهداية، يبقى أنت تعلم أن ثباتك على الإيمان والإسلام والعمل الصالح في الدنيا وفي الآخرة ليس لأنك ذكي أو ماهر أو بتجتهد، هذه من الأسباب بلا شك، لكن الله سبحانه وتعالى له الفضل والمنة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة.

طيب، في الحديث الآخر عن ابن عمر قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم يعني أطلعه الله على أهل القليب اللي هو قليب بدر، الكفار الذين قتلوا في بدر وهم يعذبون، فقال: «وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟». فقيل له: تدعو أمواتاً؟ فقال: «ما أنتم بأسمع منهم» يعني هم يسمعون اسمع لكلامي هذا، وهذا فيه أن الميت يسمع، قال: «ولكن لا يجيبون» أنهم هدفهم إثبات عذاب القبر، وفي كذلك نعيم القبر.

عائشة بقى كأنها ترد على هذا الحديث الذي بلغها وقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق». فعائشة رضي الله عنها تنفي لفظ السماع وتستدل بأن الله قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ والصواب أن لفظ السماع ثبت، وعائشة رضي الله عنها نفت ما لا تعلمه وظنت أن ذلك يخالف ما في كتاب الله، وهذا يدل على أنه كان مستقراً عندها أن الأحاديث لا يمكن أن تخالف كتاب الله، ولكن هذا اللفظ ثبت وهو صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الموتى سمعوا منه ذلك، ولا يعارض ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وعموماً كلمة انك لا تسمع الموتى يراد بها أنك لا تسمع الكافر، وهل يستدل بها على أن الميت لا يسمع كل شيء؟ هذا محل خلاف، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النَّمْل: 80] وبعد ذلك قال: ﴿إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ [النَّمْل: 81]، فالكلام هنا عن الكافر والمؤمن، المهم أن في سماع الموتى خلاف، لكن على الأقل هذه الأحاديث تثبت أصل السماع، أن الميت قد يسمع ما يقال له، قد يسمع، لكن أكثر من ذلك ليس عندي قطع فيه، فالأخبار ثابتة في أصل سماع الميت، لكن هل يسمع كل شيء؟ الله أعلم.

عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فذكر فتنة القبر، يعني الامتحان والسؤال، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة، هذا في إثبات الفتنة وفيه كذلك إثبات العذاب وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصوات المعذبين، نعوذ بالله من عذاب القبر.

باب التعوذ من عذاب القبر، عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجبت الشمس فسمع صوتاً فقال: «يهود تعذب في قبورها». وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال». البخاري ذكر أصل هذا الباب فتنة القبر والعذاب والنعيم، ذكر حال المؤمن تجاه هذه الأخبار، هل هي أخبار رد فقط؟ لا، حالك أنك يجب أن تعمل الأسباب التي تثبت بها عند السؤال، ومنها دعاء الله تبارك وتعالى، وكذلك الأسباب التي تنعم بها في قبرك، والأسباب التي تتقي بها العذاب، ومن أعظم ذلك التعوذ أن تتعوذ بالله من عذاب القبر، وذكر طبعاً التعوذ اللجوء. خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجبت الشمس يعني سقطت، يعني وجبت من قول الله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: 36] يعني سقطت، يعني بدأت الشمس في الغروب فسمع صوتها.

هذا يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوت اليهود وهم يعذبون. وهذا ليس خاصا باليهود. وإنما كل مشرك يعذب في قبره، بل حتى بعض المؤمنين يعذبون، نعوذ بالله من عذاب القبر.

الحديث الذي بعده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر». سبق معنا هذا الحديث، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله قبل التسليم. يعني بعد التشهد وقبل التسليم.

وهذا فيه أن الدعاء فيه الاستغفار، وفيه سؤال الله من فضله، وفيه الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة واللجوء إلى الله، وفي كذلك خوف العبد على نفسه من الشرك والكفر. النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من عذاب القبر، ونحن أولى بذلك.

باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة». نعم، نسأل الله من فضله.

قيل في أولاد المسلمين: عن البراء رضي الله عنه قال: لما توفي إبراهيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن له مرضعا في الجنة».

ما قيل في أولاد المسلمين يعني أن هؤلاء قبل البلوغ. الذين لم يبلغوا، أما إذا بلغ فهو رجل. لما يتكلم عن أولاد المسلمين: أبوه مسلم وأمه مسلمة، أو أبوه مسلم، على خلاف هل أمه كذلك لو كانت مسلمة ينسب إليها؟ المهم هو يريد أن يقول إن أولاد المسلمين في الجنة، واستدل بذلك بإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن له مرضعا».

يعني أنهم في الجنة بل هم يشفعون لأبائهم. وطبعا هكذا أن الطفل الذي مات رضيعا يرضع في الجنة أو هذا خاص بإبراهيم الله أعلم. ليس عندي خبر يدل على أن هذا عام في كل الذين توفوا وهم في الرضاعة.

قيل في أولاد المشركين: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: «الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين».

ما قيل في أولاد المشركين يعني حكمهم في الدنيا وفي الآخرة. هم في الدنيا إذا مات لابوين مشركين فهل يغسل ويكفن ويدفن في مقابر المسلمين؟ يعني لا، هم تبع لابائهم في هذه الأحكام. يعني لا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين.

لكن في الآخرة ما حكمهم؟ لماذا كان مشكلا أو فيه خلاف؟ لأنه ورد أحاديث أن: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة»، وهذا يدل على أنه إذا لم يبلغ فهو على فطرة الإسلام. وردت آية مثلا في الغلام الذي قتله الخضر. وقال ابن عباس في حديث إنه طبع كافرا، وهو كان غلاما، على خلاف هل هو كان غلاما بمعنى أنه كان بالغا أو كان صغيرا؟ الله أعلم بذلك.

عندنا كذلك هذا الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين فقال: «الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين». هل معناها أن الله يعلم ما الذي سيفعلونه إذا عاشوا؟ هل سيكونون كفارا؟ أو معناه الله أعلم بما سيعملون حينما يمتحنون في الآخرة؟

على قول عدد من أهل العلم أن أبناء المشركين سيمتحنون في الآخرة، وبناء على هذا الامتحان يدخلون الجنة أو النار. عندنا آية أخرى في سورة نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 26-27]. هذه هي جزء من الأمور التي تنفعك في هذا الباب. أن أنت تجمع أطراف الأدلة من الآيات والأحاديث والروايات وأقوال الصحابة لتنظر الحكم.

عندنا أقوال كثيرة جدا في أولاد المشركين، منها مثلا القول الأول وأقوها قولان: القول الأول: الله أعلم بما كانوا عاملين؛ أي أن الله سبحانه وتعالى يمتحنهم في الآخرة. والقول الثاني: أنهم في الجنة لأنهم على الفطرة ومرفوع عنهم القلم لأنهم ماتوا قبل البلوغ. في أقوال أخرى؛ وهو التوقف في حكمهم، وفي قول آخر أنهم في النار مع الوالد والوالدة، وهذا أضعف الأقوال. وقيل إنهم تحت المشيئة.

المهم أننا عندنا قولان هما الأقرب: لأن الله أعلم بما سيعملون حينما يمتحنون في الآخرة، أو أنهم ماتوا على الإسلام على الفطرة لأنهم لم يبلغوا. والله أعلم، ليس عندي قطع في هذه المسألة، وقد بحثتها كثيرا وقرأت فيها كثيرا وليس عندي قطع. الله أعلم بحال هؤلاء.

عندنا حديث آخر: عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة الصبح أقبل علينا بوجهه فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا؟ فإن رأى أحد قصها». قولوا ما شاء الله.

فسألنا يوما فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» فقلنا: لا.

قال: «لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فاذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب، كلوب من حديد، يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل الآخر، وياتئم شدقه فيعود فيصنع مثله».

قلت: ما هذا؟

قال: «انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدغ به رأسه، فإذا ضربه تدهده، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه».

قلت: من هذا؟

قال: «انطلق. فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته نارا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة».

قلت: من هذا؟

قال: «انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النار، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى فيه بحجر فيرجع كما كان».

قلت: ما هذا؟

قال: «انطلق. فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعد بي في أعلى الشجرة وأدخلني دارا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء».

«ثم أخرجاني منها فصعدا بالشجرة فادخلاني دارا هي أحسن وأفضل منها، فيها شيوخ وشباب».

قلت: طوفتماني الليلة، فأخبراني عما رأيت.

قال: «نعم، أما الذي رأيته يشق فاه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة. والذي رأيته يشدغ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار فيفعل به إلى يوم القيامة. والذي رأيته في الثقب فهم الزناة. والذي رأيته في النهر آكل الربا. والشيخ في الشجرة إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس. والذي يوقد النار مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء».

«وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك». فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قال: «ذاك منزلك».

قلت: دعني أدخل.

قال: «إنك بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك».

هذا حديث عظيم شريف، ولكن أريد أن أتعلق على مسألة أولاد المشركين أن تعرف أن الأصل المحكم الثابت.

إن الله تبارك وتعالى لا يظلم مثقال ذرة، والأصل الثاني لها: ما كسبت وعليها ما اكتسبت. إن الله لا يؤاخذ أحداً إلا بعمله وبكسبه. وهذا فرع عن أنه تبارك وتعالى لا يظلم مثقال ذرة، هذا هو الأصل، أما تفاصيل هذا فالله تبارك وتعالى أعلم.

في هذا الحديث العظيم أنا أحب من الوالد الكريم أو من الواعظ أو المعلم أو المدرس أن يتخذ مثل هذه الأحاديث ويحسن التعامل معها. كيف؟ هذه الأحاديث فيها أخبار، هذه الأخبار فيها ذكر بعض الذنوب وذكر عقوبات هذه الذنوب. كيف تتناولها أنت كوالد مع ولدك؟ أن هذه الأخبار المراد منها الإخبار والتخويف والاعتبار، يعني المراد بها التعليم والتخويف والاعتبار، هذه الثلاثة؛ أن يتعلم ولدك أصناف الباطل كما يتعلم أصناف الحق. لماذا يتعلم أصناف الباطل والمنكر والشر؟ حتى يحذرها، وحتى يعرف عقوباتها، وحتى يعرف سيئات الأعمال، يبقى هذا مهم جداً، العلم والعلم والتخويف أن يخاف ذلك، يخوف الله به عباده: ﴿يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16] وهذا هو المراد التقوى، والاعتبار وأن يجتنب هذه الأمور، وأن يبتعد عما يجر إليها.

لأن الإنسان بعلمه بالذنب يتقيه، وبعلمه بقذره وعقوبته كذلك يجتنبه، فأخرجان إلى الأرض المقدسة فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد. معنى آخر جملة: ليقلت طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت. قال: نعم، أما الذي رأيته يشق فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، وهذا من اعظم ما يجعل الإنسان يتثبت مما يخبر به. وكثير من الناس -طبعا تخيل قديماً ممكن واحد فتنتشر مثلاً بين مجموعة من الناس، ممكن يكذب الكذبة تنتشر في الآفاق- يشوفها مليار شخص وأكثر. قديماً كان في شاعر اسمه عمير بن جعيل، شاعر جاهلي هجى قومه، شتم قومه وانتشر ذلك وبعدين ندم، لكن خلاص صار على ألسنة الناس، وقال أبيات شعر جميلة قال: ندمت على شتم العشيرة بعدما مضى واستتبت للرواة مذاهبه، فأصبحت لا أستطيع دفعاً لما مضى، كما لا يرد الضر في الضرع حالبه. هل أنت بعد ما تحلب الحليب من البقرة من الضرع يعني تستطيع أنك ترجعه تاني؟ لا، هو نفس الكلام مش قادر يرجع عن الكلام اللي قاله لأنه انتشر. كم شخص يجلس ويكتب على الإنترنت خبراً لم يثق فيه، أو يكتب شيئاً غير نافع؟ لو اتكلمنا عن هذا الأمر هيطول بنا الأمر.

قال: فيصنع به إلى يوم القيامة. والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، في رواية أخرى هذه الرواية اللي هو يأخذ القرآن فيرفضه سوف يرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، هذه مفسرة أكثر أن ليس المراد فقط أن هو ينام عن صلاة الليل، وإنما المراد أن هو يرفض العمل بالقرآن والاهتداء به. قال: والذي رأيته في الثقب وهم الزناة نعوذ بالله، والذي رأيته في النهر آكل الربا، والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم والصبيان حوله فأولاد الناس. كلمة أولاد الناس هذا هو الشاهد، أولاد الناس أنه استشهد بها على ماذا؟ استشهد بها على أنهم حتى أولاد المشركين. وفي رواية عند البخاري جاءت في كتاب تعبير الرؤى قالوا: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين. هذا هو الشاهد أن البخاري كأنه يرى يرجح أن أولاد المشركين على الفطرة، لذلك ذكر هذا الحديث والله أعلم أنهم يعني على الإسلام ما لم يبلغوا.

طبعا الحديث فيه إثبات عذاب القبر وفيه رؤيا الأنبياء حق، وفيه كذلك عقوبة هذه الأعمال، وفي أن المؤمن يجب أن يحذر من هذه الأمور، ويجب أن يأخذ الأسباب التي تبعده وتبعد أهله عنها. اللهم قنا الفتن والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وكل من ابتلي بشيء من هذه الخصال فليعلم أن الله تبارك وتعالى يقبل التوبة عن عباده، وكل إنسان يعرف أن أخاه أو صاحبه مبتلى بشيء من هذه الأمور فليقترب منه ولينصحه لوجه الله تبارك وتعالى، وخير ما تعين عليه أخاك هو أن تعينه على دينه وأن تعينه على فتح باب التوبة له، وأن برحمة الله وأن تذكره بعذاب القبر وتذكره بعذاب الآخرة وتذكره أسباب الهداية وتعينه عليها.

أكمل خلاص احنا بقينا يعني أحاديث قليلة جداً، اتفضل. عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم».

الفجأة في يعني الباب موجود يعني باب موت الفجأة أو البغتة، يعني أن هو نفس النفس المعنى يعني، ومعنى موت الفجأة أن هو موت لم يتقدمه مرض، يعني واحد كده جه جالس مثلاً بيصلي بيكتب نايم يموت، تمام؟ لم يتقدمه يعني على لقربه، فكأن السبب في ذلك والله أعلم يعني لماذا وضع البخاري هذا الباب؟ لأن فيه حديث آخر مختلف في رفعه ووقفه، والاقرب أن البخاري يعني يرى ضعف رفعه اللي هو: موت الفجأة أخذة أسف، أو أسف أخذة أسف يعني كأنه في ذم لموت الفجأة، فكأن البخاري هنا يريد أن يقول أن موت الفجأة لا يلزم أن يكون لا يلزم أن يكون شرا، بل الاعتبار بما مات عليه هذا الشخص.

والدليل أن هذه المرأة التي ماتت ابنها تقول: وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهي ماتت على شيء من الخير، فيبقى موت موت الفجأة ليس ليس علامة على شر أو خير بحد ذاته، ولكن الاعتبار بما مات عليه الشخص، والله تبارك وتعالى أعلم بمن اتقى. لكن الذي يهمنا هنا طبعا حديث موت الفجأة هذا يعني أنا لم لم أحرره بنفسي، لم أجمع طرقه، وإنما اعتمدت في الكلام عنه بناء على كلام ابن حجر رحمه الله في كتاب فتح الباري، لكن لعل البخاري فعلاً يريد أن يبين أن موت الفجأة ليس دليلاً لا على الخير ولا على الشر، وإنما الاعتبار بما مات عليه الشخص.

نلاحظ في هذا الحديث فائدة جليلة جداً، أن أن البنت هذه البنت الطيبة الكريمة تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما ينفع أمها بعد الموت، هذا من أحسن ما يكون، ومن أعظم البر أن تتعلم ما الذي ينفع والديك بعد الموت، مع أن الصدقة في الأصل خير لكنها تريد أن تعرف هل هذا سنة؟ هل هو مشروع؟ هل يصل ثواب إلى أمها؟ بعض الناس العكس، يفعل كل شيء من البدع والأمور اللي مالهاش أي منفعة، وفي ذات الوقت لا يبحث عن الأمور التي تنفع أمه أو أباه بعد الموت.

قالت: إن أمي افتلتت. هذا هو وجه الشاهد أن هي ماتت فجأة يعني، لم النبي صلى الله عليه وسلم لم يعقب على ذلك، لم يقل: كيف ماتت أمك فجأة؟ ولم يستنكر ذلك أو لم يكرهه، لا، عادي، قالت: أظنها لو تكلمت تصدقت، يعني واضح أن هي كانت من سنتها الصدقة، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم». هذا هو إيش أيضاً الذي كنا نتكلم عنه؟ أنك أنت تبحث عما ينفع والديك. تذكر، اكتب هذا إذا كان يعني إذا كنت تريد أن تحسن إلى والديك ومات أحدهما تصدق عنه. الحديث الذي افتلتت يعني ماتت فجأة، طيب هذا فيه ثواب وصول الصدقة إلى الميت، اتفضل.

أو ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. وعنها رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعذر في مرضه: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ استبقاء ليوم عائشة. فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ودفن في بيتي. الأول خلينا ناخد هذا الحديث: باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. الله سبحانه وتعالى أكرم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، صحب النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة باكرام الله تبارك وتعالى؛ لأن أبا بكر وعمر دفن مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وعنها، يعني عن عائشة رضي الله عنها، قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتعذر، يعني يطلب العذر في مرضه: «أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟» يعني استبطاء، يعني يريد أن يكون عند عائشة رضي الله عنها لأنه يحبها، وهذا من فضل أم المؤمنين رضي الله عنها. فلما كان يومي عن يوم عائشة قبضه الله بين سحري ونحري، وهذا فضل عظيم. ودفن -وهذا هو الشاهد- ودفن في بيتي.

في الحديث الآخر، طبعا احنا عندنا الفائدة أن الأنبياء يدفنون في مكان وفاتهم، وهذا فيه حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وفضل عائشة رضي الله عنها.

في حديث بقى طويل آخر، اللي هو حديث وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، صراحة أنا كنت أريد أن أنا أقرأ هذا الحديث طويلا، لأن هو المختصر هنا اختصره جدا، وهذا الحديث أنا أحب أن نقرأه كاملا. أقرأ لكم هذا الحديث الجليل في وفاة عمر رضي الله عنه، الحديث طبعا بدأ من أول عن عمرو بن ميمون الأودي قال: رأيت عمر بن الخطاب قال: يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقل: يقرأ عمر بن الخطاب عليك السلام -وفي رواية: لا تقل لها أمير المؤمنين، لا تقل لها أمير المؤمنين- ثم سلها أن أدفن مع صاحبي، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر.

قالت: كنت أريده لنفسي، لأوثرنه اليوم على نفسي. فلما أقبل، قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين، طالما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع أو المضيع. فإذا قبضت، فحملوني، ثم سلموا، ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب، إن أذنت لي فادفنوني، يعني استأذنها مرتين، وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين، إني لا أعلم أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفوا، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. فمن استخلف بعدي فهو الخليفة، فاسمعوا له وأطيعوا. فسمى عثمان وعليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وولد علي شاب من الأنصار فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، كان لك من القدم في الإسلام ما علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم الشهادة بعد هذا كله.

وقال: ليتني يا ابن أخي، وذلك كفافا لا علي ولا لي. أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرا، أن يعرف لهم حقهم وأن يحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوءوا الدار والإيمان، أن يقبل من محسنهم ويعفى عن مسيئهم. وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم. رضي الله عن عمر بن الخطاب.

باب ما ينهى عن سب الأموات، كأنه سبق في الحديث الذي هو: «أثنيتم عليها شرا»، يريد هنا أن يقول إن بعض سب الأموات منهي عنه، وبعضه جائز، لذلك سيذكر آخر حديث في كتاب الجنائز، اللي هو باب الثناء بالشر، أو باب ذكر شرار الموتى. فذكر حديث ابن عباس قال: قال أبو لهب عليه لعنة الله للنبي صلى الله عليه وسلم: تبا لك سائر اليوم! فقال: تبت يدا... أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. فابن عباس هنا لعن أبا لهب، قال: عليه لعنة الله. كأنه البخاري يريد أن يقول: باب ما ينهى من سب الأموات، أن الأصل هو النهي عن سب الأموات فلا فائدة فيه؛ لأن الشرع ينهى عما لا فائدة فيه، فمجرد السب أو الشتم لا فائدة منه، لكن يجوز أنك أنت تذكر ما فيه من الشر.

مثلا لو كان رجلا ضالا مضلا يؤلف كتبا فيها ضلال تذكر ذلك، كان رجل ينشر الإلحاد والفسق تحكم عليه بقدر الإخبار، المراد دون مجرد إخبار وليس أن يكون همك اللعن أو السب.

كذلك الكلام في الرواة جرحا وتعديلا، هذا مشروع، أنك تقول مثلا فلان، بس هذا مشروع بعلم، وأن يكون عند الحاجة وعلى قدر الحاجة، أنك تقول: فلان كذاب، دجال، وضاع، كان يضع الأحاديث، منكر الحديث، متروك، ضعيف. هذا جائز بشرط أن يكون بعلم، وعند الحاجة، وعلى قدر الحاجة، وأن يبتغي بذلك وجه الله.

فالبخاري رحمه الله ذكر هذا عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا»، يعني وصلوا إلى ما قدموا، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30]. فكأن البخاري يرى أن الحديث الأول الذي هو «أثنيتم شرا»، كأنه بمعنى الشهادة والإخبار وليس المراد منه السب، والحديث الآخر ينهى فيه عن مطلق السب، الذي هو سب بدون سبب؛ لأن هذا لا منفعة فيه. أما من كان فاسقا كافرا، يعني يصد عنه أو نحو ذلك وأنت بينت للناس تخبر بحاله تحذرهم، فهذا جائز.

وبهذا نكون قد أنهينا، بحمد الله تبارك وتعالى، كتاب الجنائز. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى العلم النافع، وأن يوفقنا للعمل الصالح، وأن ينفعنا بما نتعلم، وأن يجعل هذا العلم حجة لنا لا علينا، ونسأله تبارك وتعالى أن يحيينا حياة طيبة، وأن نلقى الله تبارك وتعالى غير مفتونين وغير مبدلين، وأن يقبضنا على الإسلام، اللهم توفنا مسلمين والحقنا بالصالحين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.