السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إbrahim إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَّاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
أهلا وسهلا ومرحبا بالحضور الكرام. هذا هو الدرس الخامس عشر من اجتماعنا على قراءة مختصر صحيح البخاري للزبيدي، وتعليق المختصر عليه. نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يهدينا لما يرضي عنا ربنا تبارك وتعالى. أحب أن أفتتح هذا الدرس بوصية نفيسة جدا، أريد من كل طالب علم أن يكتبها وأن يعتني بها وأن يطلبها؛ فهذه الوصية فيها خلاصة الهدى إن شاء الله تبارك وتعالى.
أحد أهل العلم أرسل إلى ابن تيمية رحمه الله يستنصحه ويستوصيه، أراد منه أن يوصيه في بعض الوقائع التي تخص المعاش وتخص العمل الصالح ونحو ذلك. ومن ضمن هذه الوصايا، وصية تخص العلم، فقال له ابن تيمية: لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه وتعالى في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فانه هو الذي يستحق أن يسمى علما، وما سواه إما أن يكون علما فلا يكون نافعا، وإما ألا يكون علما وإن سمي به، ولئن كان علما -يعني لو كان علما نافعا- فلابد أن يكون في ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ما يغني عنه وخير منه.
هذه الوصية الأولى، قال: ولتكن همته فهم مقاصد الرسول في أمره ونهه وسائر كلامه. الوصية الثانية -أن تفهم الوصية الأولى-: أن تطلب هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، وأن تتحراها وتتعلمها، وأن تعرف ما هي الكتب التي حوتها؟ هذا أولا. الأمر الثاني: أن تكون همتك أن تفهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه وخبره وسائر كلمه. يبقى هذا هو عناية بالسنة من ناحية العلم ومن ناحية الفهم والفقه.
قال: فاذا اطمئن قلبه أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى إلا مع الناس إذا أمكنه ذلك؛ يعني إذا علمت أن هذا الأمر هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم بعدما تحققت منه وتعبت عليه وقلبته، خلاص، اجعل هذا هو حجة بينك وبين الله وكذلك مع الناس، قال: إذا أمكنه، لأن الإنسان قد يخفي شيئا من ذلك لعذر.
قال: وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذا هو الأمر الرابع؛ يعني أن يكون عندك في كل باب من أبواب الدين أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم، الآيات والأحاديث الواردة في الباب، تكون هذه هي الأصل الذي تفقه به هذا الباب وترد إليه أجزاء أو جزئيات المسألة ونحو ذلك.
قال: وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه الناس -يعني حصل عندك اشتباه هل هذا هو الحق أو هذا هو الحق، هل هذا الحديث منسوخ أو ليس منسوخا، لم تفهم المعنى، حصل عندك اشتباه، يعني لم يطمئن قلبك لقول من الاقوال في المسألة- فماذا تفعل؟ تهتدي بالله، قال: فليدعو بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قام يصلي من الليل: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
قال ابن تيمية: فإن الله تعالى قد قال فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم». هذه الوصية فيها خمسة أمور: الأمر الأول: أن يكون الأصل الذي تنطلق منه وتهتدي به وترد إليه كل أبواب الدين هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وطبعا هدي النبي صلى الله عليه وسلم أوله القرآن، وأن تطلبه.
ثانيا: أن تطلب فقه ما بين يديك أو ما بلغك من القرآن والسنة، أن تفهمه، وأن تعرف مواضعه، وأن تحسن استثماره. الأمر الثالث: إذا اطمئن قلبك لحق بعدما تعبت عليه، خلاص، اجعل هذا عملك ولا تلتفت لغيره. الأمر الرابع: أن يكون عندك في كل باب أصل أدلة هذا الباب من القرآن والسنة، وهي التي ترد إليها كل جزئيات هذه المسألة. والامر الخامس: أن تستهدي دوما بربك تبارك وتعالى.
نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بهذه الوصية. رحم الله ابن تيمية، ونبدأ بإذن الله تبارك وتعالى في درس اليوم، كتاب الزكاة. تفضل يا أسامة.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما له ما له؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرب ما له، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم».
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. كتاب الزكاة افتتحه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، كما هي عادته أن يفتتح كل الكتب والابواب التي فيها نص أن يفتتحها بالآية. افتتح هذا الكتاب بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]. وافتتحه كذلك بما يدل على أن إيتاء الزكاة من اعظم المحكمات في الإسلام، التي كان يدعو إليها النبي صلى الله عليه وسلم منذ بداية بعثته الشريفة. ذكر -يعني علق- حديث ابن عباس، قال: حدثني أبو سفيان، فذكر حديثه وفيه حينما سأله: بما يأمركم نبيكم -يعني ما هي دعوة الإسلام؟- قال أبو سفيان: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. ثم ذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث، اللي هو حديث بعث معاذ إلى اليمن.
أنت حينما تتناول هذا الكتاب -كتاب الزكاة- لابد أن -إذا كنت معلما أو كنت والدا أو كنت داعيا إلى هذا- لابد أن تبين منزلة الكتاب من الإسلام، هذه مقدمة أساسية؛ وأنت تكلم ولدك عن الزكاة لابد أن يعلم ولدك أنها من أعظم محكمات الإسلام، وأنها مما بني عليه الإسلام، كما في الحديث: «بني الإسلام على خمس»، ذكر الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى آخر الحديث.
كذلك هي من أشرف أحكام الإسلام التي تبين حكمة الله؛ علم الله وحكمته ورحمته بعباده، ولها أعظم الأثر على المسلم وعلى المسلمين عموما. لابد أن تهتم بهذه الجوانب: أولا أن تبين معنى الباب -اللي هو إيتاء الزكاة- المراد بها الزكاة المفروضة، ويدخل بعد ذلك فيها كل صدقة، وإن كان المراد هنا الزكاة المفروضة، وسيأتي بيانها إن شاء الله تبارك وتعالى.
أيضا تبين فضلها؛ يعني أولا المنزلة، ثانيا الفضل والأثر. طبعا الفضل معناه الثواب، ومعناه كذلك أثر الزكاة في الدنيا والآخرة على المسلم وعلى المسلمين، هذا مهم جدا. أيضا من الأمور المهمة أن تبين أحكامها.
وأن تبين مصارفها، وأن تبين شروطها وثقاها، كذلك من الأمور المهمة أن تبين وأن تعلم قبل ذلك عقوبة تارك أو مانع الزكاة، وتبين أثر هذا المنع المسلمين، هذه من الأمور المهمة جداً.
أيضاً تبين، كما تكلمنا في الأثر، أثر إيتاء الزكاة على مال العبد، وعلى اهتدائه واطمئنانه وانشراح صدره، وكذلك ما يخلفه الله تبارك وتعالى عليه. وهذا الأخلاف ليس محصوراً في مجرد أن ينمي الله له ما له بأن يزيد نفس المال، لا؛ الأخلاف هذا ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]؛ يخلف عليه بركةً، يخلف عليه إيماناً وزيادةً في الإيمان، وانشراحاً في الصدر، واطمئناناً في القلب، يقنعه بما لديه، يقنع أهله وولده.
الله تبارك وتعالى أوسع وأعظم بكثير من مجرد أن يزيد نفسه المال، فهذه من الأمور المهمة. نلاحظ أن لفظ الزكاة فيه أكثر من دلالة؛ فيه معنى النماء، وفيه كذلك -كما في الحديث- «ما نقص مال من صدقة»، وفيه كذلك تطهير للنفس من البخل والذنوب، وفيه كذلك كما في الآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103].
كذلك الزكاة هي قرينة الصلاة؛ الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يقرن إيتاء الزكاة بإقام الصلاة، وجاءت بعد الشهادتين؛ يعني من اعظم المحكمات الشهادتان؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5].
كذلك من الأمور المهمة، وأنا أحب منك أن تركز مع ولدك -لأن اخترنا أن يكون جزءاً من هذه الدورة كيف أعلم ولدي دينه من خلال سنة النبي صلى الله عليه وسلم- لابد أن تبين له أن لكل عبادة أثراً وفضلاً، يعني كل عبادة من العبادات لها أثر؛ الصيام ذكر الله سبحانه وتعالى له آثاراً، وكذلك الصلاة إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وكذلك الزكاة من أعظم الأمور في الزكاة أن الزكاة من أعظم الأدلة والبراهين على يقين العبد، هي من جهة تدل على إخلاص العبد، وتدل على نقاء نفسه من شح النفس؛ لأنك ستري أن تمتلك وتشح بالمال وتضن به، قد يأتيها الشيطان فيقول: هذا المال أنت تعبت فيه وجمعته ثم تعطيه للفقراء والمساكين وهكذا، ماذا فعلوا هم؟ فهو يغالب هوى نفسه، الزكاة فيها تطهير وفيها يقين بالله وفيها ثقة بوعد الله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39]، ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: 245]، آيات كثيرة جداً.
كذلك لابد أن يعلم ولدك، أو أن يعلم من تدعوه أو تعلمه عن الزكاة، لابد أن يعلم في أمر الزكاة أنه ينفع بذلك نفسه قبل أن ينفع فقيراً: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: 7]. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۗ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38]. هذه الآية من أعظم المحفزات على الزكاة وعلى الإنفاق عموماً في سبيل الله، وعلى الجود بما لديك مما يعرض عليك من صنوف الخير.
وسيأتي معنا حديث عظيم شريف للصحابة الكرام الفقراء الذين أول ما نزلت آية الزكاة وليست عندهم يعني هم أنفسهم مستحقون للزكاة، لكنهم أبوا إلا أن يكونوا للزكاة فاعلين، كما حكى أبو مسعود البدري رضي الله عنه أنهم إذ لما نزلت آية الزكاة ذهبوا ليحاملوا، يعني يشتغل حمالاً يعمل حمالاً في الزكاة حتى يكون معه المال الذي يزكي منه أو يتصدق منه، وهذا من معنى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: 4]، لا يريد أن يكون هو الآخذ بل يريد أن يكون هو المعطي.
وسيأتي معنا فضائل كثيرة الزكاة، والمؤمن بقدر اهتدائه بهدى الله لا يضل ولا يشقى، وإنما يضل ويشقى بقدر مخالفته لهدى الله تبارك وتعالى.
أريد أن، قبل أن نبدأ، أن نبين أثراً مهمّاً وهو أن الزكاة من المال وإن كان لها أثر على المسلمين عموماً في التكامل والتعاون، لكن لها أثراً آخر وهو ألا يحسد الفقير الغني، وألا يرى بذله، بل هذا قد يشجع الفقير نفسه على أن يكون ذا مال، يعني يعمل ويكسب حتى يكون يعف نفسه عن سؤال الناس ويستغني عن الناس، وكذلك يكون له نصيب فيه الصدقة.
حينما استبدلوا الضرائب والربا ونحوها بالزكاة، والباء تدخل على المتروك: لا تتبدلوا الخبيث بالطيب، الأمر الذي ترك هو الذي تدخل عليه الباء، بخلاف ما يقوله كثير من الناس مثلاً يقول إيه: استبدلنا الصلاة مثلاً باللعب، غلط! هي المفروض استبدلنا اللعب هذا هو الذي فعلناه، والذي تركناه هو الصلاة، فيكون الباء تدخل على المتروك.
المهم، حينما استبدلوا الضرائب والربا ونحو ذلك بالزكاة حل ما حل الناس، فلذلك ترك هذه العبادات سبب عظيم في الضلال والشقاء.
لا أريد أن أطيل في هذه المقدمة، أنا أحب أن تعرف كمعلم أو كوالد أو كداع إلى الله كيف تتحدث مع المسلمين عن كتب الإسلام؛ مثل كتاب الصلاة والطهارة والزكاة والعلم والإيمان وغير ذلك، لأن بعض الناس يدخل مباشرة في الأمر، يتكلم عن الأحكام وهكذا، لا؛ لابد أن يعلم الناس من الذي فرض هذه الاحكام؟ ومن الذي شرعها؟
وبقدر العلم -ركزوا بقى معي في هذه الخلاصة- بقدر العلم بالله تبارك وتعالى الذي له الخلق والامر، الذي حكم وشرع، بقدر العلم بأسمائه ومحامده وأفعاله، بقدر ما تتوطن النفس على قبول ما شرع، لذلك كان قبل فرض هذه الأمور كان الله سبحانه وتعالى يتكلم في القرآن عن نفسه وعن اسمائه ومحامده.
هذا هو الامر الأول؛ الأمر الثاني: الكلام عن العبادة في نفسها وعن حكمة حكمها وعن معنى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: 115]، وعن آثار هذه العبادة وعن فضائل هذه العبادة، وكذلك عن فقه هذه العبادة، وعن إثم ترك هذه العبادة. فهذه الأمور أرجو أنها تكون معك تصطحبها في الكلام عن كل أمر مما أمر به الله تبارك وتعالى.
نراجع الآن كده سريعا الابواب السابقة أو الكتب السابقة؛ أول ما بدأ به البخاري وبدأ بدء الوحي، وبعده الإيمان والعلم، هذه الثلاثية هي مفتاح الهداية؛ أن تعلم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، وأن تؤمن به وبما جاء به، وأن تتعلم دينك، لأن العلم هو الأساس: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، يعني أن الله لم يأمرك بتقوى مطلقة، وإنما أمرك بتقوى علمك إياه، وأمرك أن تكون استقامتك على ما أمرك: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، ونهاك أن تطغى ونهاك أن تبغي ونهاك أن تتبع هوى نفسك أو هوى غيرك، فلذلك هذه الثلاثية عظيمة جداً؛ بدء الوحي والإيمان والعلم.
ثم بعد ذلك لأن ما يأتي في القرآن والسنة هو أخبار وشرائع، الأخبار لابد أن تؤمن بها وأن تهتدي وتعتبر، الشرائع لابد أن تؤمن وأن تتبعها، فلابد في ذلك من مقدمات.
ثم دخل البخاري في الطهارة، وفي الطهارة أربعة كتب مهمة، وطبعا ذكرت لكم أن العلماء يختلفون في ذلك، لكن عموما البخاري تكلم عن أربعة كتب؛ الوضوء والغسل والحيض التيمم، ثم بعد ذلك دخل في الصلاة لأنها أعظم ما بني عليه الإسلام بعد الشهادتين، فقسمها؛ تكلم عن فرضها، نتكلم عن اللباس فيها، يعني نتكلم عن ستر العورة واللباس في الصلاة واستقبال القبلة وآداب المساجد والسترة ومواقيت الصلاة والأذان، الجمعة وصلاة الخوف وصلاة العيدين وصلاة الوتر، وتكلم عن الاستسقاء والكسوف وسجود القرآن وتقصير الصلاة والتهجد وفضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، وتكلم عن العمل في الصلاة، ثم تكلم عن السهو، ثم ذكر كتاب الجنائز باعتبار أن أمر الجنائز يدخله أمور.
كثيرة من التذكير بالموت، الغسل والتكفين والصلاة على الميت، ولعل هذا التعلق هو الذي جعله يدخل كتاب الجنائز بعد الصلاة، ثم دخل في كتاب الجنائز.
في هذا الحديث الذي بين أيدينا الذي ذكره في باب وجوب الزكاة، يعني فرض الزكاة، هذا الحديث يعني حديث معروف وهو بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن يدعو إلى الله، وكان هذا في آخر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في بداية هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب»، يعني علمه أو أهلمه بصفة من سيذهب إليهم، وهذا مهم جداً في الدعوة إلى الله، لتعرف أو لتختار الأسلوب المناسب في الدعوة إلى الله. الدعوة إلى الله لها سبل ووسائل، منها الحجة والموعظة والبرهان، ومنها كشف الشبهة وبيان المحكمات، فيها الترغيب والترهيب وذكر الفضائل، فيها الترتيب والتدرج، فالمهم أن العلم بمن تدعوه أصل في فقه الدعوة.
قال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله»، وتكلمنا عن معنى الشهادتين أنه لا معبود بحق إلا الله، وأن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق وهو المعبود الحق تبارك وتعالى، وكل المعبودات أو الآلهة من دونه عبدت بالباطل، وأن محمداً رسول الله هو رسول الله الذي يجب اتباعه، يعني أن تعبد الله بنفس ما أمرك به النبي صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى أرسله مبلغاً ومبيناً ليتأسى به وليهتدى به. فأصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فإنهم أطاعوك لذلك»، يعني استجابوا لك، نلاحظ هنا الترتيب والتدرج، لاحظ هذين الأمرين.
بعض مثلاً الناس يدعو ولده، لا يعرف إلى ماذا يدعو ولده، ممكن يفضل يكلم ابنه ليل نهار عن حلقة الشعر وأن ابنه لابس بنطلون مثلاً فيه قطع على الموضة يعني، أو ابنه بيكلم بنت مثلاً، فيبقى يكلم ولده في أمور يعني لم تكن أبداً من محكمات الإسلام، ويترك محكمات الإسلام. فلابد أن تتعلم منزلة العبادة والامر من الدين، ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، وفي رواية: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
قال: «فإنهم أطاعوك لذلك»، يعني هم الآن انتقلوا من الكفر إلى الإيمان، فخلاص هؤلاء يمكن أن تكلمهم فيما أمر الله تبارك وتعالى به، لكن إذا لم يستجيبوا لهذا الأصل فلا معنى أن تكلمهم عن الصلاة والزكاة والصيام والحج وهذه الشرائع. يبقى هذا فيه أمران؛ الترتيب والتدرج. قال: «فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»، يعني هذا هو الآية، هذه الفرائض.
فإنهم أطاعوك لذلك، لاحظ ينتقل من الأمر إلى ما بعده، «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم»، هذا هو الشاهد والمراد بالصدقة هنا الزكاة المفروضة، تؤخذ من أغنيائهم، يعني أخذ منه بعض أهل العلم أن الزكاة تؤخذ من أغنياء الفقراء في القوم أو في القبيلة أو في المدينة أو في المكان وترد على فقراء نفس المكان، وترد على فقرائهم، لماذا؟ لأن هؤلاء الفقراء يرون هؤلاء الأغنياء فهم أولى بأن يبدأ بهم، لأنهم يرون هذا المال فأولى أن تكون صدقته مبذولة للأقربين، سواء من أقربائه أو ممن يعني هم قربه من الفقراء أو من مصارف الزكاة.
لكن قد يخرج عن ذلك للحاجة؛ أن الإنسان يزكي عن ماله في غير بلده أو في غير مكان إقامته، هذه فيها تفاصيل كثيرة ليس هو محل الكلام، المهم أن هذا الحديث فيه فرض الزكاة، وفيه أنها من أعظم محكمات الإسلام، ومما ينبغي أن يعلم فرضه وأن يبث في الناس وينشر، يعني أن يكون على ألسنة الدعاة والمعلمين والخطباء والآباء والأمهات عن الزكاة وعن فضلها وآثارها وأحكامها وفقهها، والكلام عن عقوبة مانع الزكاة وأثر منع الزكاة على المسلم والمسلمين.
الحديث الثاني عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة. لاحظ يعني أنا اريد منك أن تعمل بحثاً في القرآن والحديث عن بيان الأعمال التي تدخل الجنة، وأن تعمل بحثاً عن الأسئلة التي وجهت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، مرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا يدخل به الجنة، دلني على عمل أدخل به الجنة. هذا فيه دلالتان عظيمتان؛ الأولى أن الجنة أو الدار الآخرة عموماً هي أعظم ما ينبغي أن يشغل بالك، وأعظم ما ينبغي أن تطلب أسبابه، هذا هو الذي ينبغي أن يشغلك، أعظم من أي شيء لأنه عصمة أمرك.
في بعض الناس يمكن أن يعيش عمره يتابع فيديوهات ومنشورات ويقرأ كتباً في تسريحة الشعر وفي الطبخ وفي الفسح والرحلات، في تعلم مهن معينة أو في بناء العضلات، وهو لا يصبر أن يستمع خمس دقائق في أمر يخص دينه. لا، دينك هو عصمة أمرك، يعني حتى أنت مع ولدك لابد أن يعلم ولدك أن دينك هو عصمة أمرك، بمعنى أن يرى ذلك ولدك في تحركاتك وفي قراراتك، يعني أن يرى أنك تعيش لدينك وأن كل الأمور بعد ذلك هي تكمل ذلك.
يعني مثلاً إذا اخترت منزلاً فإنك تركز أن يكون هذا المنزل بجواره مسجد حتى تستمع الأذان وحتى يسهل عليك صلاة الجماعة، يراك تتحرى في مطعمك ومشربك الحلال، يراك تنفق على دينك من وقتك ومن صحتك ومن مالك تنفق عليه، تشتري الكتب، تتصدق في سبيل الله، تدفع الأولاد إلى معلم يدرس لهم وإن كان بالأجر، يراك تبذل لدينك من وقتك وتفكيرك وعملك ما يعينه على أن يعلم أن الدين هو عصمة الأمر، شف: اخبرني بعمل يدخلني الجنة. هذا هو الأمر الأول.
الأمر الثاني أو الفائدة العظيمة الثانية؛ أنهم علموا أن الجنة لا تدخل إلا بعمل، ليست مجرد أماني أو إرادات أو رغبات، لا، لابد من العمل، من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فلابد من السعي. هذا الرجل الكريم قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة. لاحظ أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، كثير من الناس ربما يطلب دينه، نعم، لكنه يطلبه عند غير الثقات، يستمع إلى مذيع أو إلى رجل صحافي أو إلى يعني واحد لا يفهم شيئاً عن الدين ويأخذ عنه دينه. لا، إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. يبقى عندنا ثلاثة أمور؛ الأمر الأول أن يكون أعظم ما يشغل تفكيرك وتخطط له وتدبر وتتعلم عنه وتسأل عنه أمر دينك، تمام؟ الأمر الثاني أنك لن تدخل الجنة إلا بعمل، لابد من العمل والسعي، مش مجرد إرادة ورغبة. الأمر الثالث أن تسأل خبيراً به، أن تسأل من نسأل الله تبارك وتعالى أن نكون مؤتمنين على أديان الناس أو على دين الناس.
قال الصحابة في هذه الرواية، في رواية أن الرجل أخذ بخطام راحلة النبي صلى الله عليه وسلم، مسك كده الخطام اللي هو الرباط الحبل بتاع الناقة، فالصحقالوا: ما له ما له؟ استغربوا أنه يسأل ويلح في السؤال، طريقته في السؤال غريبة شوية. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَرَبٌ لَهُ؟»، الأرب اللي هو الحاجة، يعني عنده حاجة جاءت به ومهمة فدفعته لهذه الطريقة. النبي صلى الله عليه وسلم كان رحيماً بالمؤمنين وكان لطيفاً بهم وكان رءوفاً، فلذلك تجاوز عن هذا الأمر أن الراجل ماسك الخطام، يعني بيتكلم بطريقة ربما لا تليق.
الصحابة استغربوا من هذه الطريقة، وهذا لم يفعله أبداً أحد من كبار الصحابة، لم يكن كبار الصحابة والفقهاء والعلماء من الصحابة يفعلون مثل هذا ولا يسألون عن كثير مما يسأل عنه الأعراب أو غير ذلك. وهذا لعلمهم بالدين وبالخلق أيضاً مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ربما كان يأتي هذا عن بعض الأعراب.
نلاحظ هنا أمراً؛ أن تجاوز النبي صلى الله عليه وسلم عن طريقة الرجل في السؤال ليس معناه أن حسن السؤال ليس من الدين. يعني بعض الناس أحياناً مثلاً يكتب تعليقاً سيئاً جداً، فبدلاً من أن يدخل الناس يكتبون تعليقاً على منشور مثلاً أو على فيديو، بدل ما يدخل الناس يطلبون من هذا الشخص أن يتأدب في التعليق، أن يحترم نفسه، لا، يطلبون ممن علق على منشوره بأن يكون لطيفاً ورحيماً. نعم، لكن الموعظة ينبغي أن تكون اثنين، يعني ليس معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتجاوز ويرحم ويعفو عمن كان يسيء إليه، ليس معناها أننا نطبع مع هذه الإساءة ويكون هذا أمراً عادياً. لا، لابد أن يتعلم السائل كيف يسأل ومتى يسأل، فلا نعلل سؤاله باعتبار معلش لعل أخلاقه هكذا، لأن لعل هذا من عادته، لعله كان مستعجلاً، لعله سؤاله، لا؛ فهذا أمر مهم جداً.
المهم النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له العمل الذي يدخله الجنة، قال: تعبد الله. هذا هو الأصل، وهذا هو معنى الشهادتين، قال: ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم. فهذا الشاهد فيه: تؤتي الزكاة.
اتفضل يا أسامة. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان». قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا».
في هذا الحديث الثالث عندنا في هذا الباب، طبعا اتفقنا أن الزبيدي يختصر الأحاديث، وهذا الاختصار وإن كان قرب العلم لكنه أفقد الكتاب فقه البخاري في الترتيب والجمع إلى غير ذلك. لكن عموماً هو عمل نسأل الله أن يتقبله منه وأن يجزيه خيراً به. لكن أنا أنبه أكثر من مرة يا شباب أن قراءتنا هذا المختصر هي مجرد مقدمة للدخول في كتب السنن، لأن بعض الناس أنا أعلم أنه لا صبر له على قراءة كتب السنن المطولة، فأنا اردت أن أجمع بين امرين؛ أن يكون هذا مقدمة للشباب الذين سيكملون معنا الدورات بإذن الله تبارك وتعالى في كتب السنة وكتب الآثار، وأن يكون من جهة أخرى كشافاً للوالدين أو الشباب الذين لا يستطيعون أن يدخلوا معنا في هذه الكتب. فلذلك أردت أن تكون القراءة لمختصر البخاري.
البخاري رحمه الله يخرج في الباب ما يتمم المعنى، لأن الأحاديث كما يصدق بعضها بعضاً فإنها يكمل بعضها بعضاً. فالبخاري اعتنى بأمرين رئيسيين؛ الأمر الأول: أن يذكر الآيات في كل باب، إذا كان هناك آية تحت الباب فلا بد أن يذكرها البخاري رحمه الله حتى لو كان لها أدنى تعلق. الأمر الثاني: أن يذكر من الروايات ما يتمم المعنى ويفسره. وهو ذكر في الأحاديث السابقة أن الله أعلمه أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، فكلمة الصدقة عامة، وجاء في الحديث الذي بعده: وتؤتي الزكاة. فجاء في هذا الحديث الثالث بيان: وتؤدي الزكاة المفروضة. هذا مهم جداً؛ كثير من الناس يمكن أن يكون عنده أصناف من الخير وممكن يتصدق، تمام، لكنه لا يزكي، إما أنه يكسل عن أن يحزر ماله ويعرف عنده كم ويخرج مقدار الزكاة، يقول لك: لا يا عم، أنا هقعد أطلع باقات طول السنة ونيتي أن هي دي الزكاة! لا، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾. لازم تتعلم في القاعة، إذا كنت تاجراً تتعلم فقه التجارة، كنت صانعاً تتعلم فقه الصناعة، تدخل في شراكة، ستتعامل مع بنك، ستتعامل مع كذا، لازم تعرف فقه هذه حتى لا تقع في الحرام وحتى تبذل الحلال. فيبقى: تؤدي الزكاة المفروضة، يبقى لازم تتعلم ما هي فرائض الزكاة وما هي شروطها وهكذا.
قال: وتصوم رمضان. قال الرجل: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى الرجل، طبعا النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث كان أحياناً لا يذكر مثلاً الحج أو لا يذكر بعض الواجبات الأخرى، فهذا له أسباب كثيرة؛ منها: أما أن هذه الأمور لم تكن فرضت، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم يجيب بحسب حال السائل لها، يعني أكثر من حال. الرجل قال: والذي نفسي بيدي لا أزيد على هذا (في رواية) ولا أنقص. فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا». فهذا يدل على أن من عمل بالفرائض واتقى الله فانه موعود بالجنة. لكن من منا يستطيع أن يقيم هذه الفرائض؟ إن هذا الرجل لو قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص، يعني أنه سيؤدي هذه الفرائض فعلاً حقها، ها، يدخل الجنة بوعد الله تبارك وتعالى. لكن الإنسان يكثر من المستحبات ليجبر نقص الفرائض وليطلب الزيادة من الله تبارك وتعالى حتى يكون من السابقين.
أكمل يا أسامة. وطبعا خلينا نذكر هذه الفائدة أن الرجل قال: دلني على عمل. وهذا من معنى قول الله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، يعني لن تكون الجنة ثمناً أو عوضاً عن عملك، لأن نفس عملك هو بفضل الله وبرحمته، والله سبحانه وتعالى يتجاوز عن تقصيرك ويسترك ويتوب عليك ويهديك، فلا يمكن أن تكون الجنة ثمناً، أن يكون عملك ثمناً للجنة، ولكنك تدخل الجنة برحمة الله. لكن العمل الصالح هو أعظم سبب لدخول الجنة، طبعا بعد فضل الله ورحمته.
اتفضل. وعنه رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني مالَه ونفسَه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى». فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
نعم، هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي، وكان أبو بكر (كلمة كان أبو بكر هذه كان تامة، يعني صار خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكفر من كفر من العرب (يعني لهم أغراض في هذا الكفر أو لهم دواعي إن صح التعبير، حباً للدنيا أو طلباً للرئاسة أو غير ذلك من الأسباب، أو بخلاً بالمال). واضح أن أبا بكر رضي الله عنه أراد أن يقاتل من منع الزكاة، يعني إذا كانت طائفة ممتنعة من الزكاة (فيه فرق بين الفرد والطائفة، طائفة ممتنعة قوم أو قبيلة أو نحو ذلك، فيه تفاصيل كثيرة ليس هذا مجال شرحها).
فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». تمام، فعمر رضي الله عنه رأى أن الناس عندهم سبب يعصم دماءهم وأموالهم، لأن العصمة تكون إما بالإيمان أو بالأمان. الأمان هو شخص معاهد أو مستأمن أو ذمي، يعني حتى لو كان كافراً فهذا يحرم دمه وماله.
أما الإيمان أن يكون مؤمنا فهذا يحرم دمه وماله أيضا بالإيمان، وهذا أعظم حرمة. فبيقول له: كيف تقاتلهم؟ قالوا: لا إله إلا الله، قال عمر: فمن قالها؟ يعني هو هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد عصم مني ماله، يعني من النبي صلى الله عليه وسلم، ونفسه إلا بحقه.
هذا هو الحق، هذا هو الحق الذي ذكره أبو بكر رضي الله عنه. قال: وحسابه على الله تعالى، يعني لنا الحكم بالظاهر، والله سبحانه وتعالى يتولى السرائر ويحاسب العبد عليها.
لذلك الله سبحانه وتعالى يوم يجمع الرسل يقول: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: 109]، قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109] يعني، وإن كنا نعلم نحن ظاهرا من استجاب لنا من أصحابنا واتباعنا، لكنك علام الغيوب تعلم من الذي استقام قلبه عليها.
فلذلك هذا معنى حسابه على الله تعالى. فقال يعني أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. هذا هو الشاهد هنا؛ لأن الزكاة قرينة الصلاة، والصلاة والزكاة قرينتان بالشهادتين.
فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]. ولا ينبغي لأحد أن يتخير من الفرائض يقول: سأعمل بها. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: 11] إلى آخر ذلك، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5].
فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. هذا شاهد إيه؟ هذا شاهد لكلمة إلا بحقه، تمام؟ فكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله لها حق، أهلها لها مقتضى، فلا ينبغي أبدا أن تقولها بلسانك ولا تعمل بها. فبين يعني رد هذه الشبهة التي يظن أنها تمنع مقاتلة هؤلاء، قال: والله لو منعوني عناقا -العناق اللي هي الأنثى الصغيرة من الماعز- يعني أبسط شيء كانوا يؤدونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعه، اللي هو منع إيه؟ على منع الزكاة.
قال عمر: نلاحظ أن أبا بكر رضي الله عنه خالفه الصحابة، لكن معه حجة من قول النبي صلى الله عليه وسلم وعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فصبر على هذا الحق، كان قويا في طلب هذا الحق. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر، يعني شرح الله صدر أبي بكر لأن أبا بكر الأعلم والاتقى وهو يعني خليفة المسلمين.
قال: فعرفت أنه الحق. هذا لها دلائل، عرف أنه الحق من توفيق الله تبارك وتعالى لخليفة رسوله صلى الله عليه وسلم. وطبعا في هذا الحديث بيان منزلة الزكاة من الإسلام، وفي كذلك مقاتلة الطائفة التي تمتنع من أداء الزكاة، وهذا طبعا في فقه الصحابة الكرام، وفيه القوة في الحق والعمل به.
باب إثم مانع الزكاة. وعنه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت، إذا هو لم يعط فيها حقها، تضعه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها، تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها». قال: «ومن حقها أن تحلب على الماء». قال: «ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار، فيقول: يا محمد، فاقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت. سيأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء، فيقول: يا محمد، فيقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت».
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه» -يعني بشدقيه- «ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك». ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: 180] الآية.
نعم، كما أنك تعتني في أي باب من أبواب الإسلام بفضل هذا الباب والآثار المترتبة عليه، لابد أن تعلم عقوبة تارك هذا الأمر، أو عقوبة الفاعل مثل عقوبة الزنا، ولابد أن تعلم ذلك في الدنيا والآخرة. وكلما كنت أكثر علما بهذا الأمر وبفضله وفقهه وبآثاره وفضائله وما يترتب عليه أو على تركه، كلما كان ذلك أدعى في أن تستمسك به، وأن تهتدي بهدى الله فيه.
لذلك ذكر البخاري إثم مانع الزكاة، البخاري رحمه الله صدر هذا الباب بآية عظيمة في سورة التوبة، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35]. يعني هذا جزاء كنزكم، أنتم كنتم تكنزون في هذه الدنيا لتستمتعوا بها، وضيعتم حق الله تبارك وتعالى فيها، فذوقوا يعني سيعذبون بها، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة.
البخاري يرى أن هذا ليس خاصا بالكفار، وعلى هذا كان بعض الصحابة. وعموما هذه الآية وإن كانت نزلت في الكفار، لكنها يدخل فيها من منع الزكاة المفروضة، وإن كان بعضهم عداها إلى من كنز مالا، وكان يرى أن كل ما زاد عن حاجتك لابد أن إيه تتصدق به، وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى.
لكن على الأقل أن المحكم في هذه الآية أنها نزلت في الكفار ونزلت كذلك في من يمنع الزكاة، وهذا الحديث الآي يدل على ذلك. باب إثم مانع الزكاة، طبعا لابد أن تفهم أن ما شددت عقوبته هذا يدل على عظم فرضه في الإسلام، دي مهمة هذه الفكرة، أن كلما شددت على أمر هذا يدل على أنه أمر عظيم، سواء كان مثلا فرضا أمرك الله به أو أمرا محرما نهاك الله عنه.
لذلك شدد مثلا في طبعا الشرك أعظم الكبائر، وبعده عقوق الوالدين، وقذف المحصنات والزنا والسرقة. فكلما شدد في العقوبة كلما دل على عظم هذا الأمر في الإسلام.
طيب عندنا في الحديث، وعنه قال النبي صلى الله عليه وسلم -يعني عن أبي هريرة رضي الله عنه-: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تأتي الإبل على صاحبها» -يعني يوم القيامة- «على خير ما كانت». طبعا الإبل الإنسان اللي عنده إبل ممكن تكون في الدنيا تختلف أحوالها، عنده إبل مثلا قوية وحسنة وسمينة، أو عنده إبل تعبانة وضعيفة، لا، هي تأتيه في الدنيا على خير ما كانت، يعني قوية حسنة سمينة.
طيب قال: «إذا هو لم يعط فيها حقها» الحق هو إيه؟ الزكاة. يعني لم يؤد زكاتها، «تطأه بأخفافها». وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت، إذا لم يعط فيها حقها، تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها، يعني يعذب بنفسه ما كان منع حق الله تبارك وتعالى فيه وظن أنه يستمتع به.
قال: «ومن حقها» هذا اختلف العلماء من حقها، هل هذا هو فرض أم هو من أكد حقوقها وإن كان مستحبا؟ قال: «ومن حقها أن تحلب على الماء» يعني من حضر حلب هذه الناقة أو الغنم، من حقها أن يشرب منها إن كان مسكينا أو فقيرا. وذكر هذا المكان، اللي هي أن تحلب على مورد الماء، حتى يأتيها الفقراء، يبقى الفقراء عارفين إيه أنك أنت تذهب باغنامك أو بابلك إلى هذا المكان لتشرب الإبل أو الغنم فيأتوك هناك فتسقيهم من لبنها.
قال: «ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته» في دليل أنه يحمل وزره على رقبته، ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: 31]. «فيقول: يا محمد، فأقول» يعني يقول: يا محمد اغثني، يعني اشفع، اشفع لي وهكذا. قال: «لا أُغني عنك؛ لأني لا أملك لك شيئا، قد بلغت». هذا هو الذي يملكه لك النبي صلى الله عليه وسلم.
إنه علمك وبلغك وبين لك، وبين لك فضل العمل وحذرك من مخالفته، خلاص فعل لك ما ما كان ينبغي أن يفعله. قال: ولا يأتي ببعير يحمل على رقبتي له رغاء، اللي هو يعني إيه؟ الصوت. طبعا تطأه بأظلافها، يعني بتمشي عليه.
وكلمة رغاء معناها صوت، اللي هو صوت الإبل، واللي يعار، اللي هو صوت الماعز. قال: له رغاء فيقول يا محمد، فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، أو قد بلغت. فهذا فيه إثم مانع الزكاة.
هذه الأخبار نؤمن بها ونصدق ونعتبر ونخاف ونحذر. الله سبحانه وتعالى يخوفك بهذا، لذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: 16].
طبعا في الأحاديث، في الحديث أيضا جاء، احنا عندنا في الحديث هنا صنفان في منع الزكاة وفي الغلول. الغلول اللي هو من الغنيمة. القسم الأول من الحديث، وهو: تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت، هذا في من منع الزكاة تمام؟
القسم الثاني من الحديث قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبتي لها يعار، هذه هي التي سرقها من الغنيمة اللي هو الغلول. ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة، الغلول من الغنيمة أن هو يعني أخذ ما ليس حقه.
يبقى احنا عندنا صنفان هنا، صنف منع حق الله وحق عباد الله، اللي هو الزكاة. وصنف أخذ ما ليس حقه، اللي هو الغلول أو السرقة، فيأتي يحملها على رقبته نعوذ بالله.
الله تبارك وتعالى. طيب الحديث الذي بعده، يا أسامة أظن أنت قرأت؟ قرأت يا أسامة؟ اللي هو، نعم قرأته. وعنه، يعني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالا»، لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم يذكرك بأنه مال الله، والله سبحانه وتعالى آتاك هذا المال، وهذا المال ابتلاء، يعني إيه ابتلاء؟ يعني الله يمتحنك فيه، ماذا ستفعل فيه؟ هل أخذته من حلال؟ هل أنفقته في الحلال؟ هل أسرفت؟ هل بذرت؟ هل منعت الحقوق فيه؟ وهكذا.
أنت ممتحن في المال. قال: فلم يؤدي زكاته المفروضة، مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع، اللي هو الحية الذكر، واختلف في المراد بذلك والذي يعنينا هنا (أو اختلف في المراد في هذا العذاب)، لكن المهم أن الشجاع الأقرع، اللي هو الحية الذكر، له زبيبتان، يعني له قرنان من لحم على رأسه.
المهم أن هذا فيه تعذيب وتخويف شديد لمانع الزكاة. قال: يطوقه، يعني بيلف حوالين رقبته كده زي ما التعبان بيعمل، ثم يأخذ بلهزمتيه، اللي هي إيش؟ اللي هما جانبا الفم، اللي هو الشدق، الشدق اليمين والشدق الشمال، ثم يقول: أنا مالك. يعني شوف بيكون حسرة عليه، هو كنزه ليستمتع به وليفرح به، جمع مالا وعدده، لا سيعذب به، أنا كنزك. ثم تلى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: 180] إلى آخر الآية في سورة آل عمران.
طبعا يستفاد من هذا الحديث عذاب مانع الزكاة. وطبعا من الحديث الذي قبله يستفاد أيضا عذاب الغلول، وهو من غل.
أكمل: باب ما أودي زكاته فليس بكنز. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أوسق صدقة».
قبل أن نذكر هذا نبين أن أبا ذر رضي الله عنه وردت عنه آثار في هذه الآية، وهي: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34]. ورد عنه آثار أن كل مال مجموع، (هذا معنى الآثار) كل مال مجموع يفضل عن القوت وعن سداد العيش، يعني أنت عايش كويس لكن معك مال، قال: فهو كنز يذم صاحبه. يعني معنى الكلام أنه لابد أن ينفقه، وأنه يدخل في هذه الآية إن لم ينفقه.
وتمسك بقولي هذا، وخالف في ذلك جمهور الصحابة، ولذلك البخاري رحمه الله أراد أن يبين ما هو الكنز الذي يسمى كنزا ويجب أن تؤدى منه الزكاة، ويعاقب فاعله الذي يكنز. فلذلك البخاري قال: باب ما أودي زكاته فليس بكنز، يعني كأنه ضمنا يذكر الرد على اجتهاد الصحابي الكريم.
وطبعا رد عليه الصحابة قبل ذلك، وهو قبل ذلك رد عليه الصحابة الكرام وبينوا له خطأه واعتزلهم إلى تفاصيل كثيرة. المهم أنه أراد أن يبين لك هنا ما هو الكنز الذي يسمى كنزا.
يبقى أنت لابد أن تتعلم فقه الزكاة، تعرف أصناف المال التي تجب فيها الزكاة. وطبعا كلمة المال ليس المقصود منها الفلوس بس، لأ المال هو ما عموما اللي هي الأراضي والمواشي والغنم وغير ذلك. يبقى أنت لابد أن تعلم أصناف المال، تعرف كذلك النصاب وتعرف الشروط، وتعرف كذلك مصارف الزكاة الشرعية.
البخاري هنا قال: باب ما أودي زكاته فليس بكنز. يعني أنت طبعا تعرف أن إذا بلغ النصاب واستوفت الشروط ومنع الزكاة فهذا هو الكنز الذي يأثم بكنزه. وكل مال أخرجت صدقته المفروضة، يعني كل مال بلغ الزكاة المفروضة وأخرجت صدقته فليس كنزا. هذا هو الذي يريد أن يبينه البخاري رحمه الله.
قال عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»، الأواق اللي هي الأوقية من الفضة، ويعني هم حددوها، حددوا وزنها ومقدارها تقريبا أربعين درهما. ويبقى عندنا خمس أواق، يعني مائتا درهم.
وبعد كده اختلف في تقديرها بالجرام، يعني بالجرام كم؟ فقال عدد من أهل العلم إن هي خمسمائة وخمسة وتسعون جراما من الفضة. فمن كان لديه خمسمائة وخمسة وتسعون جراما من الفضة ففيه زكاة، وما دونه فليس فيه زكاة. والزكاة اللي هي ربع العشر، كما سيأتي.
قال: وليس فيما دون خمس ذود صدقة. الذود اللي هي الإبل، يعني واحد عنده خمسة من الإبل بيكون فيها صدقة.
طبعا كلمة ذود يعني هذا لا مفرد له من لفظه، هو جمع للإبل، كلمة الجيش أو الرهط أو النفر ما لهاش مفرد من لفظها. قال: وليس فيما دون خمسة أوسق، يعني من التمر أو الحبوب، وجمع وسق. والوسق ده بيكون ستين صاعا.
وفي تقديرها بالكيلوجرام خلاف. يبقى أنت رجعنا نراجع كده مرة أخرى: عندنا الفضة نصابها خمسمائة وخمسة وتسعون جراما ودي فيها ربع العشر. وبعد كده الإبل النصاب خمس إبل ودي بيكون فيها شاة. وبعد كده الحب، على اختلاف هل الحبوب كلها تجب فيها الزكاة أو الثمار فقط؟ يعني الحبوب اللي هي زي الحنطة والشعير، والثمار مثل الزبيب والتمر.
فقيل في الحنطة والشعير فقط، وقيل في الثمار الزبيب والتمر، وقيل تجب فيما يكال ويدخر مثل الذرة والأرز والعدس وهكذا. وطبعا في الخضروات والفواكه ليس فيها زكاة. المهم أن في تفاصيل كثيرة ليس موضعها هذا الحديث؛ لأن يا شباب احنا هنا لا ندرس الأحكام أو الفقه، إنما فقط ندرس الحد الأدنى من فقه الحديث، ومن أراد أن يتوسع يرجع إلى كتب الفقه.
الحبة زكاة الحب أو الحبوب خمسة أوسق، يعني ستين صاعاً، تعادل يعني حوالي ستمائة واثنا عشر كيلو، وده يعني إيه وقت الحصاد؟ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. ويشترط طبعا للماشية والنقد مضي الحول، يعني فيه شروط أخرى بس طبعا لن نستوعبها.
قال باب لا يقبل الله صدقة. اتفضل يا أسامة باب لا يقبل الله صدقة من غلول ولا يقبل إلا من كسب طيب. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل».
هنا يبين صنف المال الذي يجب أن تكون فيه الصدقة، وهو أن يكون طيباً حلالاً، ولا يحل أبداً أن يسرق الإنسان ويتصدق أو يزكي أو يغل مثلاً، قال: «لا يقبل الله صدقة من غلول ولا يقبل إلا من كسب طيب». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل»، اللي هو القيمة، يعني قيمة تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، لأن ممكن لو لم يقل هذا القيد تظن أن هذا الفضل لمن تصدق من كسب طيب، لكن يجوز له أن يتصدق من غير الطيب، لا، لابد أن يكون من كسب طيب.
قال: «ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه»، حتى أهل الجنة الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10]. «ثم يربيها لصاحبها»، ينميها ويزيدها، «كما يربي أحدكم فلوه»، أو فلوه، الفلو اللي هو المهر، وقيل إنه كل فطيم من ذات الحافر. يعني تخيل أن الفطيم لما شيء يفطم، طبعا هي جمعها أفلاء، مثل كلمة عدو وأعداء، حتى نفس الوزن، فشوف الفطيم بيكون له رعاية خاصة، فالله سبحانه وتعالى يتقبل ذلك وينميه ويربيه ما دام من الحلال الطيب حتى لو كان أقل القليل.
والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوَ عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39] إلى آخر الآيات الكريمة.
باب الصدقة قبل الرد. عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم فلا حاجة لي بها». عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرى بي».
في هذا الباب فيه التعجيل والإسراع بالصدقة، وهذا فيه ترك التسويف والمماطلة والتأخير، وهذه الصفة ينبغي أن تكون فيك أن كل ما كنت مؤهلاً له وجاء وقته فلا تؤخره، لأن نفسك إذا اعتادت على التأخير سيؤدي إلى العجز، يعني الكسل يورث العجز، أن تكون عاجزاً فعلاً، أو يحال بينك وبينه كما في الآية الكريمة في أمر الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: 9-11].
فهذا فيه التعجيل، والبخاري يذكر مثل هذه الآيات في هذا الموضع، يبقى الصدقة قبل الرد، قبل أن ترد عليك أو قبل ألا تؤخذ منك، لا تجد من يأخذها، وهذا لكثرة المال، ولهذا رجح عدد من أهل العلم أن هذا يكون قرب الساعة، وفسروا هذا الحديث بالحديث الآخر الذي هو: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض» يعني يزيد.
فعن حارثة بن وهب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقة فلا يجد من يقبلها، ويقول الرجل: لو جئت بالأمس...».
نلاحظ هنا، فيه فائدة في الباب السابق مهمة، أن البخاري رحمه الله قدم الصدقة من باب اللي هو الصدقة من غلول، قدمه بقول الله تبارك وتعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263]، يعني في معنى لا تبطلوا صدقاتكم، فكأن المعنى أنه يريد أن يبين أن الإنسان يمكن أن تكون صدقته غير مقبولة من جهتين، دي فائدة مهمة لابد أن أنبه عليها، أن يكون نفس المال من حرام، أو أن يبطل صدقته وإن كانت من حلال هو بالمن والأذى إلى غير ذلك.
نرجع للحديث، قال: «لو جئت بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم» لاحظ أنه تأخر يوماً واحداً أو لعله حتى لم يتأخر، يعني ممكن يكون تأخر يوماً أو ممكن يكون لم يتأخر وإنما هذا وقتها فعلا، قال: «فلا حاجة لي بها». والحديث الآخر: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض» يعني يزيد، «حتى يهم» يعني يشغله ويقلقه ويحزنه أنه لم يجد أو أنه يبحث ويتحرك مش لاقي فقير تمام؟ أو يهم يعني يقصد، يعني هو اللي يروح له بنفسه مش الفقير اللي هيجي له، «من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرى» يعني لا حاجة، مر معنا اللي هو إيه؟ أرب، أرب اللي هو الحاجة، يعني يقول: أنا مستغنٍ.
في الحديث الذي بعده، اتفضل يا أسامة. عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجلان، أحدهما يشكو العيلة والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، أما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصداقته لا يجد من يقبلها منه، ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، ثم ليقولن له: ألم أوتِك مالاً؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن: ألم أرسل إليك؟ فليقولن: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة».
هذا الحديث أيضاً فيه التعجيل باخراج الصدقة قبل ألا تجد من يأخذها، وفيه التعجيل وترك التسويف. لكن هذا الحديث روي هنا مختصراً، أنا أحب أن نقرأ هذا الحديث تاماً، البخاري ذكره في مواضع منها في كتاب المناقب ذكره تاماً في آيات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، علامات النبوة في إخباره بالغيب، فأنا سأقرأ هذا الحديث تاماً ثم بعد ذلك نعلق على الجزء المختصر لأنه المراد من الباب.
الحديث أخرجه البخاري رحمه الله قال: حدثنا محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، وأخبرنا سعد الطائي، أخبرنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم قال: بين أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، اللي هو الفقر يعني، اللي هو عبر عنه هنا بالعيلة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، اللي هم قطاع الطرق.
وقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أُنبئت عنها، فيه ناس عرفوني وأخبروني، قال: «فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً».
إلا الله. هذا فيه جواب على إيش؟ على قطع الطريق. قال: «ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى». قلت: كسرى ابن هرمز؟ قال: «كسرى ابن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه. وليلقين الله أحدكم يوم القيامة يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولن له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم».
قال عدي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة». قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى ابن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، يخرج ملء كفه إلى آخر.
يعني يخرج ملء كفه من ذهب فلا يجد من يأخذه. صلى الله على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أظن هذا الحديث لا يحتاج بيانا أو شرحا؛ بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن مما تتقى به النار الصدقة، ومن لم يجد فبكلمة طيبة. المؤمن إذا سمع هذه الأخبار فإنه يؤمن بها ويصدق ويستبشر ويعتبر، أما المنافق فيشكك ولا ينتفع بها، ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]. ونحن نصدق بهذا ونؤمن به، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا عاملين به حتى نلقاه.
تفضل يا أسامة. عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليأتين على زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدا يأخذه منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء». هذا أيضا فيه أنه يأتي زمان لا يجد الرجل من يأخذ صدقته إن كانت من ذهب؛ يعني شف إن كانت من ذهب، ليست قليلة.
قال: «ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن» يعني ينتمين إليه ليقوم بحوائجهن ويذب عنهن؛ يعني لو تصور قبيلة لم يبق من رجالها إلا واحد، فكل نساء القبيلة يلوذن به ليقضي لهن الحاجات. وهذا يدل على أن المرأة بحاجة إلى من تلوذ به، والد أو أخ أو زوج، بخلاف ما تشيعه النسويات؛ دخلنا في الفكر النسوي، وإن كان عدد كذلك من جهلة المنتسبين إلى العلم الشرعي كانوا سببا لتثبيت هؤلاء على جهلهن وضلالهن. والحق هو الاهتداء بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل امرأة تطلب خيرها وهداها في الدنيا والآخرة من غير طريق ربها الذي خلقها وهو أعلم بها فهي ضالة ظالمة تستحق أن يغرر بها.
يعني الرجل بحاجة إلى المرأة، والمرأة بحاجة إلى الرجل، والعلاقة بينهما تكامل، وإن كان الرجل له القوامة، لكن العلاقة بينهما تكامل وحب وود وتعاون على البر والتقوى، وهذا كلام ربما يأتي وقت آخر إن شاء الله نتكلم فيه. وكم من امرأة كانت صالحة تحب زوجها وترعاه وترحمه تعطف عليه وتعينه على دينه ودنياه، لما استمعت إلى خطاب هؤلاء كان سببا ذلك في طلاقها وفي فساد عشرتها مع زوجها وهي أول مظلومة، يعني هي الظالمة وهي... والله المستعان.
يبقى خلاصة هذا تعجيل الصدقة، وكذلك أن من علامات الساعة كثرة المال، وأن مما يسأل عنه العبد يوم القيامة عما رزقه الله من المال هل أدى زكاته أم لا؟ وكذلك فيه أن العبد لا يحقر من المعروف شيئا، ويعجل صدقته.
تفضل، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة. عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرنا بصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل فيصيب المد، وإن لبعضهم اليوم مائة ألف.
والله هذا الحديث يا شباب أو هذا الباب عموما «اتقوا النار ولو بشق تمرة» فيه طلب وقاية النار، وهذا اعظم مطلوب. أقسم بالله هذا أعظم مطلوب لأي إنسان وقاية النار. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]. شوف أنا عايزك تنظر إلى ترتيب هذه الآية، وشوفوا يا شباب من أول هذه الآيات إلى ختام سورة آل عمران والله من أعظم ما تتمسك به وتدعو به الناس وتدعو به أهلك.
شف الافتتاحية ماذا؟ بعد ما ربنا سبحانه وتعالى ذكر القرآن ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم وجدال أهل الكتاب وإقامة الحجج وهكذا، ختمت هذه السورة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، هذا أول أمر، كل سيموت. وشوف ربنا سبحانه وتعالى في سورة المؤمنين لما ربنا سبحانه وتعالى ذكر خلق الإنسان، ثم انتقل من خلق الإنسان إلى الموت والبعث، لم يذكر الحياة؛ يعني الله سبحانه وتعالى بعد ما ذكر خلق الإنسان: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12] إلى آخره، قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: 14-15]. لم يتكلم عن حياتك، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
كل نفس ذائقة الموت، ده أول أمر في سورة آل عمران في ختامها، وبعدين: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]، يعني الدنيا ليست دارك، ليست هي دار المستقر أبدا، هي مرحلة في حياتك، ومرحلة ستعرف في الآخرة أنها لا تساوي شيئا في الآخرة: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. دي الخلاصة، زحزح هذا فيه أن طلب التقوى من النار أعظم مطلوب، خلاص؟ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
يعني كأن الله سبحانه وتعالى يقول لك: أما الدنيا، الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور، متاع زائل يغرك. لذلك ربنا قال: ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: 33]، يعني لا تلهك الدنيا ولا تشغلك عما كان ينبغي أن تطلبه؛ كان المفروض أنك في هذه الدنيا تأخذ منها ما ينفعك في دار القرار تمام، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198]. فهي شغلتك بما فيها وشغلتك عما كان ينبغي أن تنشغل به.
يبقى هذا الباب «اتقوا النار» فيه أن أعظم مطلوب تقوى النار، التقوى من النار الأمر، يعني إتقاؤها تكون بينك وبينها وقاية، الأمر الثاني معرفة أسباب تقوى النار البعد عنها، الأمر الثالث أن من أعظم ما تتقى به النار الصدقة، الأمر الرابع أن تحفظ الصدقة من أن تبطل بالرياء أو بطلب السمعة أو بالمن والأذى.
البخاري رحمه الله قدم هذا الباب بقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261] -إلى آخر الآيات-. أنت حينما تقرأ هذه الآيات ربما لا تظن ما رابط هذه الآيات بهذا الباب، وهذه الآيات هي أعظم ما يدخل تحت هذا الباب؛ لأن هذه الآيات تبين مثل المنفق عند الله، الذي ينفق ماله ابتغاء وجه الله ونفسه طيبة به، نفسه مطمئنة منشرح الصدر بما يبذله لله، كمثل جنة بربوة، الربوة المكان المرتفع، والجنة حديقة وبستان أصابها وابل فاتت أكلها ضعفين، فإن لم يصيبها وابل فطل، يعني يبين أن الله سبحانه وتعالى يضاعفها لها. طيب، الصنف الثاني بقى.
الصنف الثاني هو الذي ظن بمال أو بخل أو كفر بالله تبارك وتعالى، يكون كل شيء حسرة عليه، كل شيء يكون حسرة عليه. وفي تفاصيل هذه الآية أنا كتبت عنها منشوراً، وإن شاء الله ربما أعمل عنها فيديو، هذه الآية عظيمة جداً في أن الإنسان يعجل بالعمل الصالح قبل أن لا يملك أن يعمل صالحاً.
طيب، شوف الحديث العظيم الذي ذكر تحت هذا الباب، والله هذا الحديث من أعظم أحاديث الفلاح في هذه الدنيا. أبو مسعود البدري، أبو مسعود البدري الأنصاري يذكر، يعني في حديثان عندنا، الحديث الأول قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق، طبعا هو هو فقير ليس عنده مال يتصدق به.
فهل قال أنا ليس عندي مال، ده أنا أصلاً مستحق للصدقة؟ لا، لم يرضى إلا أن يكون له نصيب في هذا الخير، وتعب لأجله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: 4]. بيتعب ويعمل ليستغني عن الناس، وليكرم هو الناس ويتصدق عليه، راح يشتغل.
دلوقتي الطالب أنت بتقول له الشاب بتقول له حاول تتعلم مثلاً أو حاول تعمل أي شيء نافع، تتعلم صنعة عشان تكف نفسك، يقول لك أنا لسه هتعلم! يعني في الأمر الذي هو أصلاً فرض عليه أنه يتعلم صنعة أو يذاكر أو يجتهد أو يعمل أي شيء، بكسل أنه يعمله، ويبقى عاطلاً معطلاً عالة على الناس، يعني فقيراً إليهم.
فشوف هو الصحابي الكريم كان يذهب يشتغل حمالاً في السوق حتى يكف نفسه هو ويعف نفسه، والامر الثاني حتى يكون معه مال يتصدق هو، لا يترك باباً يفتح، والله هذا أعظم معنى للعزيمة في الرشد، يعني أنا كنت اتصور مثلاً أن العزيمة في الرشد هي أن أول ما تسمع عن الصدقة وأنت معك فلوس تطلع منها، خلاص؟ أو مثلاً تدعى إلى قيام الليل وأنت حافظ قرآن فتقوم تصلي بالليل.
تمام، لكن تصور شخصاً في قريته لم يجد حافظاً للقرآن، والناس ما بيصلوش التهجد أو أو في رمضان يعني، فيقوم هو يفضل طول السنة يتعلم القرآن ويضبط ويحفظ ويرحل ويسمع، عشان يكون أهلاً للقيام بهذا العمل، هل هذا أعظم أجراً أم الشخص الذي هو كان جاهز أصلاً بالقرآن؟ لا شك أن هذا تعب أكثر وطلب وتأهل، وإن كان الأتقى منهما أقرب إلى.
لكن الفكرة يا شباب هي فكرة أن أنا أطلب أسباب الأمر، لا أكتفي بأن أفعال الأمر إذا توفرت أسبابه، لأ أنا أصنع تلك الأسباب، أطلبها أقصدها، شوف هو بيذهب يشتغل عشان يكون مؤهل للصداقة، قال: فيصيب المد، يعني بيأخد أجرة حمل الصدقة وينفق منه.
وإن لبعضهم اليوم مائة ألف، إما يقصد أن هو ما وسع الله عليهم من الفتوح والغنائم ونحوها، أو ذم لمن صار يكنز المال هل بعد الصدر الأول الذي كان ينفق المال؟ في رواية عند النسائي: واني لأعرف منهم اليوم رجلاً له مائة ألف، ما كان له يومئذ درهم، التحدث بالنعمة وإشارة كذلك إلى حرص الآية إلى الحرص الذي حدث بعد ذلك.
في رواية عن أبي وائل اللي هو شقيق بن سلمة، وهو الذي روى الحديث عن أبي مسعود قال: ما نراه إلا نفسه، يعني أن هو قصد نفسه، أن أبا مسعود قصد أن الله تبارك وتعالى أغناه بعدما كان يحامل حتى يكون معه المد الذي يتصدق به، الله سبحانه وتعالى أغناه وصار من الأغنياء رضي الله عنهم.
هناك حديث آخر شباب متمم لهذا الحديث، طبعا هذا الحديث أعظم ما فيه فضلاً عن مراد البخاري أنه وتقوى النار، وأن الإنسان يبذل للصدقة، وانه لا لا، فيه معنى تاني أريد أن أقف فيه معكم. ما هو هذا المعنى يا شباب؟ أنك أنت تعد لأبواب الخير العظيمة ولا تقل أنا ما عنديش أو أنا إمكانياتي ضعيفة، لأ، أبذل للحصول على هذه الإمكانيات والمهارات.
شاب كذا واحد أقول له حاول تحضر كتاب مثلاً مثل مختصر البخاري أو شرح الأربعين النووية أو مختصر التفسير، وهو من طلاب العلم، يعني بقاله مثلاً عشرين سنة يطلب العلم، أقسم بالله أعرف شباب بقالهم عشرين سنة يطلبوا العلم ومكفول وكل حاجة وعنده كل شيء ولا يعطي درساً ولا يخطب الناس ولا يدرس لهم.
عنده علم، يعني عارف لو هو مثلاً ما عُندوش علم أو ليس عنده مهارات عنده، لكن مكسل، مش عايز يتعب، مش عايز يحضر، ناس تطلب منهم يصليهم في رمضان؟ لأ، بيتهرب، أنت بتتهرب من الخير؟ خلاص: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]. على طول.
﴿فَإِن تَوَلَّوْفَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ [هود: 57]، أنت اللي بتضر نفسك، يبقى لا تتهرب من المسؤولية ولا تتعذر بأنك أنت مش قادر، اقصر إن شاء الله أنت تستطيع، يبقى يبقى أهل حاجة من الاثنين: إما أن يكون عندك هذه الأهلية فابدأ واستعن بالله لا يصدنك الشيطان، وإما أن تكون لست مؤهلاً فتأهل.
أنت أهيل، يعني لابد أنك أنت حط عينك على الهدف وابدأ فيه من الآن، ابدأ فيه من الآن. وأنا ذكرت لكم أكثر من قصة في هذا الأمر: كم شخصاً كان ليس مؤهلاً لأمر لكنه صبر وتعب حتى صار مؤهلاً فيه وسد على المسلمين باباً من أبواب الخير.
ضع هذا الحديث أمامك: إذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة يذهب أحدنا إلى السوق فيحامل فيصيب المد. ما عُندوش في جيبه درهم، ما عُندوش أي نكلة في جيبه، تعريفة واحدة.
لكن إيش قال؟ خلاص لا، ذهب اشتغل لحد ما بقى معه فلوس وبقى مؤهل لحاجتين: عف نفسه عن الناس، هذا أول شيء، والامر الثاني لأ ده هو كمان تصدق وبذل وصار بدل ما كان عالة صار هو عضواً فعالاً، أول من طاقة سلبية مستهلكة إلى إنسان منتج، عف نفسه وصار يعف به الناس.
يبقى لازم تختار لنفسك معالي الأمور، ولن ينفعك غير نفسك من البشر، ما تستناش بقى واحد ياخد بايدك ويطبطب عليك ويقول لك شد حيلك يا حبيبي، لا لا لا مافيش، أنت هذا طريقك لك غنمه وعليك غرمه.
الحديث الآخر بقى اللي هو متمم لهذا هو حديث عظيم جداً حديث أبي مسعود، لكنه جاء بلفظ أطول قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل، خلاص؟ فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، راجل من ضمن الناس الذين أمروا بالصدقة تصدق بالكثير.
فقالوا: مرائي، يعني المنافقون قالوا مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، يا دوبك يعني حاجة بسيطة، فقال: إن الله لغني عن صاعي هذا. يعني شوف أنت أنفقت كثير فقال لك إيه ده مرائي؟ طب وأنفقت قليل، يعني شوف الراجل اللي راح يا عيني اشتغل وشال على ضهره وبعد كده جاب المال، والمفروض هذا الرجل يرفع فوق الرأس ويتخذ قدوة، لأ ده هم يحتقرونه.
فأنزل الله تبارك وتعالى هذا تتمة الحديث: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79] إلى آخر الآيات. في هذا الحديث أنك لا ينبغي أبداً أبداً أن تضعف عن العمل الصالح بطعن طاعن أو ليمز لامز.
لابد أن يكون لديك يقين بقيمة ما تقدم، يعني أنت الآن على باب من أبواب الخير، تعلم الناس القرآن أو العلم أو تنفق في سبيل الله، أو تقوم على الأرامل واليتامى، أي مشروع إصلاحي، أنت طبيب تعتني برعاية المرضى وأحياناً تتخفف من المصاريف عليهم، أي باب من أبواب الخير لابد أن ستجد في طريقك من إما يطعن في نيتك أو يظلمك أو يفتري عليك أو أعمالك.
إياناك أن تصد، بل إياك أن تضعف أو يضعف أداؤك بهذه الأفعال: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكُمُ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]، ولا يصدنك الشيطان، ولا يصدنك الكسل والهوى وترك المسؤولية، ولا يصدنك لمز لامز أو طاعن الطاعن في نياتك، يقول لك أنت بتحب الشهرة، أنت بتحب المال، أنت بتكنز، أنت لا لا.
لأن الذي تعمل له أعلم بك، وهو وحده الذي يملك لك الضر والنفع. فاستمر، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]. الله يحب من؟ من صدق وصبر، مش بس تكون صادق في نيتك وفي عزمك وفي تعبك، لازم تصبر، لا يكتمل الحق إلا بالصبر.
في الحديث الآخر، اتفضل يا أسامة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئا غير تمرة، فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار».
طبعا هذا الحديث أيضا فيه شاهد للباب، أن تقوى النار ولو بشق تمرة، ولو بالقليل. حديث عائشة رضي الله عنها حديث عظيم، عائشة رضي الله عنها تذكر أن امرأة دخلت ومعها ابنتان تسأل، يعني عندها حاجة، يعني تسأل تحتاج مالا تحتاج طعاما، شوف شوف اللفظ اللي جاي: فلم تجد عندي شيئا غير تمرة. هذا بيت النبي صلى الله عليه وسلم، خير الناس سيد ولد آدم يوم القيامة، وخاتم النبيين والمرسلين، وهو خليل الله تبارك وتعالى، وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم.
هذا الحديث أنا أريد منك أن تتفكر فيه، لو كانت هذه الدنيا بما فيها من المتع والنعم أعطاه الله تبارك وتعالى إياها يكون علامة لإكرامه وحبه لعبده، هل ستدخل هذه المرأة بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا تجد فيه غير تمرة؟ أقسم بالله هذا الحديث يدل على معنى الدنيا وأنها متاع الغرور، وأنها لا تساوي عند الله شيئا، أبدا.
يعني الله سبحانه وتعالى وعنده خزائن الكنوز، وعنده خزائن السماوات والأرض، والنبي صلى الله عليه وسلم هو من هو، منزلته في الإسلام ومنزلته عند الله، والله سبحانه وتعالى رضي له من الدنيا ما كان عليها. هذا يبين لك معنى قول الله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [طه: 131-132]. لا تمدن عينيك لأن رزق الله سبحانه وتعالى خير وأبقى، رزق الله تبارك وتعالى هو الذي يكرم به عبده أن تكون على العمل الصالح.
هذه أخص علامة لإكرام الله لك، ما فيش تانية. باقي العلامات مشتركة، باقي العلامات مشتركة أنك معك مال أو أنك عندك صحة عادي، ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمُدُّهُم بِهِ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55-56]. والله سبحانه وتعالى ابطل من ضمن ما أبطله مما يحسبه الإنسان، يكتسبه الإنسان مثلا، يحسب الإنسان أن يترك سدى، هذا أبطله الله.
كذلك أبطل الله سبحانه وتعالى هذا الظن: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر: 15-17]. ليس مجرد إعطاء الله لك من الدنيا يكون علامة إكرام، لا لا يلزم، الله سبحانه وتعالى أعطى الدنيا لهارون وقارون وهامان وغير هؤلاء من الجبابرة وقوم عاد وغيرهم.
فالعلامة الخاصة التي تدل على كرامتك عند الله أن تلزم الاستقامة، هذه أعظم كرامة لزوم الاستقامة. أن تكون مقيما فيما خلقت له، أن ترى يومك يمر فيما خلقت له، أن ترى الله ييسرك للعمل الصالح، أن ترى الله يصرفك عن الفواحش والسيئات، ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. فهؤلاء هم الذين أخلصهم الله.
لكن لما أنت تظن بقى أن ما تعيشه من فقر أو من مرض أو ابتلاء أو سجن أو نحو ذلك علامة لإذلال، لا هذا جهل، أو ما تعيشه من المال والصحة والبنين والقوة والوجاهة والشهرة أن هذا من إكرام الله، هذا جهل. كل هذا ابتلاء وفتنة ينظر الله تبارك وتعالى عملك فيه، العلامة الوحيدة التي تدل على ذلك هي أن تلزم الاستقامة وأن تقصد بذلك وجه الله. ونسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا لما يرضيه عنا.
قال: فلم تجد عندي شيئا غير تمرة فأعطيت، هذا جود عائشة رضي الله عنها، هذه صدقة عائشة. هذا أول شاهد في الحديث أن عائشة رضي الله عنها جادت بما لديها، وكانت من أعظم المتصدقين رضي الله عنها، ولها في ذلك آثار عظيمة رضي الله عنها، فأعطيتها إياها قال: فقسمتها بين ابنتيها. هذا هو الثاني، أن المرأة آثرت ابنتيها ولم تأكل. يعني هي المرأة نفسها تصدقت، يجود علينا الطيبون بمالهم، ونحن بمال الطيبين نجود. فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها. يعني هي أكدت أن المرأة أعطت شقا للبنت وشقا للبنت الثانية ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعا كم من أم تفعل هذا وأبناؤها لا يعلمون أو بعضهم يجحد ذلك، وكثير من الناس يجحد الفضل، والله سبحانه وتعالى أمرك أن تكون من الشاكرين. قال: ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فأخبرته.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي من هذه البنات بشيء». الابتلاء الامتحان للاختبار، لأن من أعطي البنات من عنده ذرية من البنات فهو مبتلى ممتحن. البنات كما أن الله سبحانه وتعالى يهب الإناث، سميت ابتلاء لأن فيها جهدا، فيها متابعة، فيها مؤنة التربية والصبر عظيمة، تمام، فلذلك هي هبة من جهة وابتلاء من جهة أخرى. والله سبحانه وتعالى يريدك أن تتقي الله سبحانه وتعالى فيهن، تعلمهن، تطعمهن تطعمهن من الحلال، تقوم على رعايتهن وتأديبهن إلى غير ذلك. وطبعا العمل الصالح كلما كان فيه شيء من البذل كلما عظم أجره.
«من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار». يعني كما أنه سترهن في الدنيا كن له سترا من النار. طيب في طبعا في هذا الحديث، أحاديث، فيه معاني كثيرة جدا، ولكن أرجو أن يكون المعنى المراد واضحا منه. صدقت عائشة رضي الله عنها، وأثرت على نفسها، جمعت الصدقة والإيثار، وكذلك صدقة المرأة وإيثار المرأة، ورحمة هذه المرأة ببناتها. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من الصادقين الصابرين.
تفضل أكمل. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان». أي الصدقة أفضل؟ البخاري قدمها: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: 10]. والآية الأخرى: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 254]. دي سورة البقرة.
أي الصدقة أفضل؟ هذا يدل على أن نفس العمل الصالح درجات، يعني مثلا الصلاة درجات أعظمها الفرائض تمام، قيام الليل درجات، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أعظم القيام كما ذكر قيام داود، وكذلك الصيام درجات. فالمؤمن كما يعلم الفضل العام يعلم كذلك مراتب العمل الصالح الواحد. أي الصدقة أفضل؟ فيه أن المؤمن يطلب أعلى الأمور.
قال: «وصدقة الشحيح الصحيح». الصحيح اللي هو لم يدخل في مرض مخوف، يعني إنسان عايش عادي، تمام، عنده أمل في الحياة، فما دام عنده أمل في الحياة يبقى نفسه شحيحة، هذا هو الأصل، يعني الإنسان عنده شح بطبعه، يريد أن يكنز المال يملكه، يأتيه هوى النفس بأن هذا مالك فكيف تنفقه وهكذا، ويبخل.
وتحدثه نفسه بالفقر والشيطان يعده الفقر، فعنده موانع تمنعه من النفقة، فإذا كان في هذه الحالة ومع ذلك تصدق فهذه خير الصدقة. قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ شف السؤال، شف كيف، أنا أريد منك أن تجمع الأسئلة التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر اللي هو أي العمل أفضل، لتعرف أن الصحابة لم يكونوا يطلبون فقط مجرد النجاة من النار، وإنما كانوا يطلبون الفردوس الأعلى من الجنة، يسألوا الأفضل الأكمل الأعلى. قال: أعظم أجراً؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح» تمام؟ وفي رواية: حريص.
يعني إيه كلمة حريص؟ لأنك أنت أمامك الحياة، عندك أمل، لكن لو فيه واحد خلاص يعني اقترب من الموت، خلاص ممكن يعني تصور فرق بين شخص هو عائق في الشباب مثلاً ومعه مبلغ كبير مال، سواء كان هذا المال ورثه أو كان كسبه بعمله أي شيء أو وهب له أي شيء، ده نفسه تحدثه بطول الأمل، وواحد خلاص بيموت في مرض الموت أو مثلاً أخبره الأطباء أنك أنت مرضك شديد جداً يعني احتمال تموت في أقرب فرصة.
فرق كبير بأنك تتصدق في هذه الحال وفي هذه الحال، كما مثلاً في حديث «قمت عنها وهي أحب الناس إليّ»، رجل كان يريد ابنة عمه ويهواها وتمكن منها وتركها خوفاً من الله تمام، ودعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله. فكلما كانت دواعي العمل أكثر وأنت تركته لله، كلما كنت أعظم أجراً، تخشى الفقر وتأمل الغنى، وفي رواية أخرى في مسلم: «وتأمل البقاء»، وهذه رواية قوية، تأمل البقاء يعني أنت لسة عايش.
قال: ولا تمهل، ما تفضلش تنتظر بقى حتى إذا بلغت الحلقوم، يعني تفضل تترك الصدقة والعمل الصالح لحد قبيل يعني هربت من الموت، طبعا بلغت الحلقوم ليس معناها أنك أنت ميت، ولكنك أنت قربت يعني في مرض تشعر أنك هتموت. قلت لفلان كذا ولفلان كذا، يعني أما أنك أنت بتؤدي الحقوق التي لم تكن أديتها أو أنك أنت بتتصدق، فالأفضل والأعظم هو أن تتصدق في حال الصحة وفي حال الحرص على المال، في طبعا المبادرة بالصدقة.
روي عن عائشة رضي الله عنها أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن للنبي صلى الله عليه وسلم: أينا أسرع بك لحوقاً؟ قال: «أطولكن ركناً» أو «أطولكن يداً». فأخذوا قصبة يزرعونها فكانت سودة أطولهن يداً. فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقاً به، وكانت تحب الصدقة. نعم، هذا أيضاً فيه فضل البذل والإكثار من الصدقة.
فذكر حديث عائشة رضي الله عنها أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن للنبي صلى الله عليه وسلم: أينا أسرع بك لحوقاً؟ يعني تموت بعدك مباشرة، هي أقرب واحدة منهم ستموت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أطولكن يداً». في عندنا الطول اللي هو الجود، وفيه الطول اللي هو بالمقياس. أخذوا -طبعاً لم يقل أخذن، كأن المعنى قريب أنه يمكن أن يعبر في مخاطبة النساء أو الحديث عن النساء بضمير الرجال، وهذا بصراحة أسهل لي لأن حتى لما أعمل درساً للنساء بصراحة يصعب علي أن أنا ألتزم بالضمائر الخاصة بالإنات، لأني معتاد كثيراً على الكلام للرجال والحمد لله عندنا شاهدون- فأخذوا قصبة يزرعونها، يعني كل واحدة بتقيس إيديها كده.
قالت: فكانت سودة أطولهن، أطولهن يعني من ناحية المقياس، فعلمنا بعده يعني بعد بقى ما النبي صلى الله عليه وسلم توفي، وتوفيت أول زوجة -طبعاً أول واحدة توفيت من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم هي زينب بنت جحش رضي الله عنها، هي توفيت في خلافة عمر رضي الله عنه- وأول من توفي من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وهذا معلوم، وجاءت رواية في التاريخ الأوسط للبخاري أن زينب أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لحوقاً به، ولذلك جاء في بعض الأحاديث أنها سودة ولكن هذا خطأ ووهم، ولذلك البخاري لم يذكر هذه اللفظة، والذي يؤيد ذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت: فعلمنا بعد أنها كان بخلاف ما ظننا، كانت سودة أطولهن يداً من حيث المقياس، لكن أطولهن يداً من حيث العطاء وأسرع لحوقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم هي زينب رضي الله عنها.
هذا طبعا يستفاد منه فضل الصدقة، ويستفاد منه كذلك الإكثار من الصدقة. باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقاته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق. فقال: اللهم لك الحمد! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقاته فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية. فقال: اللهم لك الحمد على زانية! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني! فأوتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، واما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، واما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله».
البخاري رحمه الله ما يزال يبهرنا باستدعائه لما يدخل تحت الأبواب. بصراحة يا شباب أنا أكثر الدعاء لعامة علماء الإسلام، ولكن البخاري كده له دعاء خاص، يعني أنا لو اردت أن أكلمكم عن شيء من توفيق الله تبارك وتعالى لهذا الرجل الإمام، والله يحتاج يوماً نعيش كده يوم مع البخاري رحمه الله. شف الجمال، مش بس أنه حافظ الحديث، لأ، حسن توظيف الحديث وجعل هذا الحديث صنفا من الأبواب، لأن هذا الحديث يذكر كثيراً، لكن أن هو يضع له بابا فيصبح هذا بابا في الصدقة إذا تصدق على غني وهو لا يعلم هل الصدقة هذه تكون مقبولة أم لا؟ يعني هو أدى ما عليه.
واضح أن هذا الرجل تحرى وطلب، فهل إذا تحرى الرجل بصدقته ثم وقعت فيه على غير مستحق يكون له الأجر؟ هذا هو المعنى الأول. الأمر الثاني: بيان لطف الله تبارك وتعالى وأن من قصد وجه الله من عمله وإن ظهر له أنه لم يبلغ فيه غرضه، فانه قد يبلغ منه أبلغ وأعظم مما كان ينوي، لأن هذا الرجل مثلاً كان ينوي أن يتصدق على فقير وانتهى الأمر، لا، لعل صدقته على الغني تكون فاتحة خير أن يتصدق هذا الغني وأن تستعف الزانية إلى آخر ذلك.
خلينا نقف مع هذا الحديث من أوله، قال عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال رجل» في رواية أن هذا الرجل من بني إسرائيل لكن إسنادها ضعيف فيها ابن لهيعة. وعموماً يا شباب إذا كان الحديث أصله في الصحيحين ثم وجدت زيادات مؤثرة في غير الصحيحين، غالباً تكون هذه زيادات ليست صحيحة، ويكون إعراض البخاري ومسلم -خصوصاً البخاري- عن هذه الزيادة لعلة.
قال رجل: لأتصدقن بصدقة. يعني عنده عزم أو كأنه شيء من الإلزام، ألزمني نفسه، فخرج بصدقته، واضح هو خرج يتحرى ليضعها في يد مستحقيها، قال: فوضعها في يد سارق، لم يكن يعلم أنه سارق، فأصبحوا يتحدثون لأنه تصدق سرا، تصدق على سارق. عندي محقق الكتاب واضع زي علامة تعجب أن الرجل قال تصدق على... لما هم قالوا تصدق على سارق فقال رجل: اللهم لك الحمد على سارق! كأن هو الراجل بيقول على سارق لأ، هذا ليس تعجبا.
الذي يظهر لي أن هذا الرجل حمد الله على ما قدر، لا يصح أن يوضعون علامة تعجب، يعني يقول أنا رب قصدت هذا الباب وتحريته واجتهدت فيه، فقدرت أنت وقوعها في يدي سارق، فالحمد لله، فاللهم لك.
هذا فيه تسليم ورضا بحكم الله تبارك وتعالى، ثم قال: لاتصدقن بالصدقة، لم يصده خطؤه الأول، يعني لو كان خطأ على الفرض أن يتصدق مرة ثانية، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، طبعا لم يكن يعلم، فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، هو عندي برضه وضع علامة استفهام وعلامة تعجب، أنا في رأيي ليس مناسبا لا علامة الاستفهام ولا علامة التعجب، وإنما هذا الرجل يقول اللهم لك الحمد، يحمد ربه على ما قدر وقضى، تمام؟ ولعله لعلمه بالله يعلم أن ذلك الخير، والمؤمن إذا صدق الله تبارك وتعالى لابد أن يعلم أن الله يشكر فعله، وأنه قد يحصل له من فعله أفضل وأعظم مما قصده هو، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
طيب قال: لاتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، أيضا لم يكن يعلم، فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، أيضا هنا لا توضع علامة التعجب في رأيي، وإنما يوضع أنه حمد الله تبارك وتعالى على ما قدر، يعني هذا الرجل اكتمل فيه معاني النجاح، أول أمر طلب هدفا نافعا ويقربه من الله، ثانيا تحرى، ثالثا رضي بالنتيجة التي حصلت، خلاص قدر الله وما شاء فعل، وحمد الله تبارك وتعالى، وله أجر فعله وله أجر تسليمه، الأمر الذي بعد ذلك أنه لم ينقطع عن فعل الخير.
ركز بقى قال فأوتي، واضح أن اللي أوتي في المنام أو أتاه ملك، المهم أن فيه أحد أتاه فقيل له أما الصدقة على سارق؟ ركز بقى ببركة التسليم فلعله أن يستعف عن سرقته، نعم هو سارق، لكن هذا الاحسان إليه قد يكون بداية يفتح مشروع بهذا المال مثلا، أو يقول والله هذا الرجل تصدق علي وأنا سارق لعلها رسالة من الله، لعله من لطف الله، تمام؟ وقال وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، ممكن يكون هذا سبب في أنها تقول لربنا سبحانه وتعالى أكرمني وأنا امرأة بغي، لأ لابد أن أتوب، لابد أن ربما كانت تزني بسبب الفقر، هذا ليس مبررا طبعا، ولكن وهكذا، وأما الغني فلعله يعتبر، يا سلام! يعني لعل الغني يقول يعني هذا الرجل تصدق وأنا معي فلماذا لا أتصدق؟ فينفق مما أعطاه الله.
شوفوا يا شباب هذا الحديث ممكن نتكلم فيه يوما كاملا عما فيه من الخير، وخلاصته أن المؤمن يطلب الخير ويتحرى أسبابه ويبذل فيه، ويعلم أن ربه غفور شكور ويشكر ربه على ما قدر وقضى، ويعلم أن العبد بصلاح نيته يترتب على عمله من الآثار النافعة ما لا يخطر على باله، والله ما لا يخطر على بالك، أعظم شيء الإخلاص، لكن طبعا وحتى لنا شاهد من قصة موسى مع الخضر أن حتى موسى الخضر نفسه قال وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟ أنت لم تحط خبرا يعني لم تعلم بواطن هذه الأمور فستنكرها، لما علم موسى هذه الأفعال الثلاثة التي فعلها الخضر علم أنها كانت حسنة أم لا، علم، كذلك ما قدره الله تبارك وتعالى، وهذا من لطف الله عز وجل، يبقى أنت عليك الإخلاص، أولا العلم والإخلاص والتقوى والصبر والرضا بما قدره الله تبارك وتعالى.
طبعا أنبه على أن العلماء اختلفوا فيما إذا وقعت الزكاة المفروضة في غير مستحقها، طبعا هذا الحديث بمجرده لا حجة لا في إجزائها ولا في عدم إجزائها، لكن هذا باب إيه؟ باب آخر، لذلك البخاري لم يجزم، قال: إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، يعني لو كانت هذه الزكاة هل تجزئ أم لا؟ لم يقطع البخاري، أما الصدقة فقطعا مقبولة ومجزئة بلا شك، أما هل الزكاة تجزئ؟ فهذا محل بحث، ليس هذا موضعه.
اتفضل يا أسامة، باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر، عن معن بن يزيد رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبي وجدي، وخطب علي فانكحني وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذت، فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن».
قال: إذا تصدق على ابني وهو لا يشعر، طبعا في فرق الأولانية لا يعلم، لأن الرجل تحرى، خلاص؟ لكن الثانية وهو لا يشعر، لأنه وكل غيره، لأن ليس الرجل هو الذي باشر الصدقة، وإنما وكل غيره.
عن معن بن يزيد قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبي وجدي، يعني العيلة كلها دخلت في الإسلام ولله الحمد، وخطب النبي علي طلب لي النكاح فأجيب، يعني خلاص تمام، وخاصمت إليه يعني بيحكي من ضمن الأشياء التي حصلت وخاصمته إليه، يعني خاصم أباه عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، يعني قال له إن جاءك مستحق أعطه إياه، فجئت فأخذتها، يعني بإذن طبعا الراجل اللي هو الموكل، الوكيل الموكل، الموكل أقصد، فأتيت، يعني راح لوالده وأخبره أنا حصل معه هكذا وكذا وأخذت كذا.
فقال: والله ما إياك أردت، يعني كأنه كان يظن أن الصدقة على الأجنبي أفضل أو لأي سبب آخر، يرى أنه انفق على ولده أو نحو ذلك، خاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لك ما نويت يا يزيد، ولكل امرئ ما نوى، ولك ما أخذت يا معن»، يعني أنت نويت التصدق على محتاج وابنك محتاج، فوقعت في محلها وإن لم تعينه أنت، خلاص كده؟ يعني كأنه لم يخطر على بالي أصلا أن ممكن أنها تقع في يد ولده، ولو أراد أن يعطيها ولده لأعطاها إياه، فهذا استدل به على جواز الصدقة على الفرع والأصل، الفرع اللي هم الأبناء والأحفاد مثلا والأصل اللي هو الوالد أو الجد، ولو كان ممن تلزمه نفقته، ولكن الحجة فيه ليست ظاهرة، وهذا باب آخر سيذكره البخاري، هو الزكاة على الأزواج والأيتام في الحجر، هذا ليس المهم أن هذا فيه أن الصدقة تقبل وإن وقعت في يد مستحق وإن كان هذا المستحق لم تقصده أنت بعينه، تفضل.
باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا».
نعم، البخاري رحمه الله كان ذكر قبل هذا الباب بابا وهو الصدقة باليمين، وقد يظن أنه يجب أن يباشر الإنسان الصدقة بنفسه، يعني لازم يعطيها بيده هو، هذا هو الأفضل بلا شك، ولكن يمكن أن يوكل ويمكن أن يتصدق عنه أصلا، وقال باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه، يعني خادمه هو الخادم أو الخازن على المال، قال عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها»، لاحظ لم يقل المال، وإنما الطعام، لأن المال يختلف عن الطعام، الطعام مثلا ممكن يكون زائد عندها أو تعطي جارتها، أو طعام ليس له حاجة في البيت أو كان فائضا عن حاجة البيت أي شيء.
وكذلك المال، إذا علمت المرأة عموما من حال زوجها أنه يرضى أن تتصدق من ماله بغير علمه فيجوز ذلك؛ يعني غير مفسدة طبعا، لا لا تفسد عليه، وإنما يكون بالإحسان. قال: «كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجرها بما كسب»، لأن المال مالُه حتى لو لم يكن يعلم هو نفسه، فضلا عن أني يعني شف مثلا ممكن هو يوكلها، خلاص فهذا واضح الأجر.
لأ، حتى لو لم يعلم هو أصلا، يعني هو مثلا مسافر أو هو في العمل، وجاءتها آآ جارتها أطعمتها أو هي باعت طبقة طبيخ وبعثت لهم، كل هذا في ميزان حسناتها وفي ميزان حسناته، ويجب أن يعتاد البيت المسلم على الجود، يجب وأن يجود بالموجود المتاح، اه قال: «وللخازن اه مثل ذلك»، الخازن اللي هو الخادم أو اللي هو المؤتمن على هذا المال، آآ لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا، يعني وهذا فضل الله سبحانه وتعالى الواسع.
طبعا إذا تصدقت بغير أذنه فإما أن تكون علمت من حاله الرضا، أو تكون استأذنته إجمالا، قالت له على فكرة أنا ساعات بتصدق من مالك، قال لها ماشي توكلي على الله، أو مثلا يقول لها بالقدر الفلاني خلاص؟ آآ أو فالشيء اليسير جائز عموما، لكن لا يحل لها أن تنفق آآ مفسدة في مال زوجها، اه طيب اتفضل.
لا صدقة إلا عن ظهر غنى. عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ لمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله».
أكمل يا أسامة. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة: «اليد العليا خير من اليد السفلى، اليد العليا هي المنفقة واليد السفلى هي السائلة».
نعم، طبعا هذا أيضا من حسن ترتيب البخاري رحمه الله ومن فقهه في آآ ذكر الأبواب تحت الصدقة. طيب، حتى نفهم فكرة هذا الباب، طبعا أريد أن أنبه تنبيها أن كلما كان آآ صدقة المرأة من مال زوجها أو من طعام زوجها بإذنه كان أكمل، وإذا مثلا هي تصرفت في غيابه وأخبرته يكون أكمل، حتى لو علمت من حاله الرضا هذا هو الأكمل دائما، آآ لاحظ أن هذا الباب اللي هو لا صدقة إلا عن ظهر غنى، طبعا هذا لفظ حديث، لكن الأصح هو خير الصدقة عن ظهر غنى، أن هذا هو الأفضل والأكمل وهي الصدقة المقبولة.
لكن كأن كلمة لا صدقة إلا عن ظهر غنى كأنه ينفي آآ يعني أن تكون الصدقة مقبولة أو مجزئة، ولكن لعله يريد أفضل الصدقة وأصح الصدقة والله أعلم. يعني إيه عن ظهر غنى؟ يعني أن تبقى بعدها مستغنيا عن السؤال، يعني أن يكون لديك من المال ما لا يحوجك إلى السؤال، تمام كده؟ فان تبقى بعدها غنيا مستغنيا، أو حتى لو أنت ستنفق ما معك من المال تكون نفسك آآ يعني شريفة تعمل وتكسب ولا تسأل الناس.
أما أن تتصدق بمالك كله ثم تتكفف الناس أو آآ يعني إلى الناس فهذا آآ لا يصح. البخاري بقى قدم هذا الباب بمقدمة جميلة، قال: ومن تصدق وهو محتاج وأهله محتاج، أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة وهو رد عليه. يعني البخاري يرى، لذلك أنا قلت لك أن البخاري يرى هذا لا صدقة إلا عن ظهر غنى يعني ترد عليه الصدقة، يعني أن يكون الإنسان محتاج أو أهله محتاجين تمام؟ يعني ولاده مش لاقيين ياكلوا وهو رايح يتصدق بالطعام! لأ تمام.
زي ما في بعض الدول كده يبقى آآ الشعب طالع عين أهله ومش لاقي اللقمة، والحاكم بتاع الشعب يروح يايه يتصدق بأموالهم ويعمل آآ يعمل فيها منفق وبيساعد الناس، طب ما أنت أهلك مش لاقيين ياكلوا أصلا! تمام. قال أو عليه دين، انسان عليه دين وهو رايح يتصدق بالمال، لأ الدين أحق أن يقضى، أحق من الصدقة ومن العتق ومن الهبة. قال: وهو رد علي. هذا حكم البخاري أن هو يرد عليه ليه؟ عشان عشان ينفقوا في الواجب وفي الفرض.
اه طيب قال: ليس له أن يتلف أموال الناس. أنت خدت أموال الناس مثلاً، اه اه ليس له أن يتلف أموال الناس، وكذلك ليس ليس له أن يضيع آآ من يعول. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم، كل هذا كلام البخاري تحت الآيه؟ تحت لأن البخاري دايما كان يعني الأبواب التي تحتاج بياناً آآ قد يعقب بكلامه، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله». يعني واحد خد فلوس من الناس وعليه دين، فهو رايح يتصدق، وأنا أععرف من يفعل ذلك أحياناً؛ يستلف من الناس ويروح بقى يتصدق عليهم عشان يكون عنده وجاهة عند ناس آخرين، هذا حرام وتلفه الله.
قال البخاري: أيلا ركز بقى، في حالة واحدة يمكن أن ينفق فيها الإنسان ماله كله، بس هذه الحالة نادرة وصعبة جداً، قال: إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر حين تصدق بماله، وسنذكر هذا الأثر العظيم، وكذلك أثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، فليس له أن يضيع أموال الناس تمام كده بعلة الصدقة يقول أنا بتصدق، أصل عايز أتصدق! لأ.
وقال كعب، آآ كعب آآ الذي تاب وفي سورة التوبة آآ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: «امسك عليك بعض مالك فهو خير لك». انتهى كلام البخاري.
طبعا البخاري يقصد فعل أبي بكر الصديق أن أبا بكر الصديق تصدق بماله كله، لماذا؟ لأنه لم تكن هذه فلتة منه أو مجرد عاطفة أو تسرع، لا، كان يعلم تبعات هذه الصدقة أنه يعمل ولن يسأل الناس شيئا، فمن كان على مثل هذه الحال يتصدق بما يحتاجه ولا يتكفف الناس، ويعمل هو ويجتهد ويستغني عن الناس يعني بها ونعمة، يكون من أكبر الأعمال، يؤثر على نفسه، هذا من أعظم الأعمال تمام؟ لكن لا يريد الشرع منك أن يكون فعلك للخير مجرد فلتة تندم عليها بعد ذلك أو تتحسر أو حدثك نفسك أنت ضيعت نفسك أو أنك تذل بعدها وتحتاج، لأ، لابد أن يكون قرارا صحيحا.
فيه فرق يا شباب بين العزم على الخير وتهور في فعل الخير تمام؟ لازم يكون عندي حكمة وأناة وحلم تمام؟ فلو أنا عندي أنا أنا عندي حاجات وبيتي عنده حاجات، ازاي نحن نجمع بين هذين الامرين اللي هو المسارعة في الخيرات وما جاء عن الصحابة أنهم كانوا يذهبون يحاملون ويتصدقون وبين هذا الكلام؟ لا صدق عن ظهر غنى، أن أنا أكون بصيرا بنفسي، ما كنت محتاجا إليه فعلا وهو ضروري لي وللأسرة أو علي دين أو نحو ذلك فهو الذي أبدأ به، هذا هو الترتيب وما فضل عنه، وهو كثير إن شاء الله أجود به.
والجود لا ينحصر في المال كما سيأتي إن شاء الله بيانه في باب بعد ذلك، فلا يريد الشرع منك أن تندم على فعل قدمته أو ترجع فيه أو تتحسر عليه تمام؟ فخير الصدقة ما بقيت بعدها مستغنيا عن سؤال الناس. حديث أبو بكر.
طبعا أذكر هنا فائدة مهمة جدا ذكرها ابن تيمية رحمه الله في كتاب القواعد النورانية، وهو من أجمل وأنفع الكتب في الإسلام، وأن الكتاب انتفعت به كثيرا، هو تلتماية وخمسين صفحة فقط، ولكن هذا الكتاب نفيس جدا في بيان حكمة الله في التشريع، وبيان خلاصة فقهية في أبواب العبادات والمعاملات والإيمان والنثور.
من ضمن ما قال، قال: وذلك لأن النفوس إذا اعتادت المعصية فقد لا فقد لا تنفطم عنها الفطاما جيدا إلا بترك بترك ما يقاربها من المباح، كما قيل.
لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال. كما أنها أحياناً لا تترك المعصية إلا بتدريج لا بتركها جملةً؛ ركز بقى. قال: فهذا يقع تارة وهذا يقع تارة. ولهذا يوجد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لمن خشي منه النفرة عن الطاعة الرخصة له في أشياء يستغني بها عن المحرم، ولمن وثق بأيمانه وصبره النهي عن بعض ما يستحب له تركه مبالغة في فعل الأفضل؛ لأن نفسه تقبل الأفضل.
خلاص، في شخص مثلاً يتحمل أنك أنت تكلمه عن قيام الليل وصيام النوافل والصدقة وزيارة المقابر وعيادة المريض، هو نفسه تتحمل؛ في شخص تاني لو أكثرت عليه ربما ينفر، فكن حكيماً، وأحب له ما يناسبه من الخير. شف بقى مثل بماذا؟
آآ قال: ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه وصبره من فعل المستحبات البدنية والمالية كالخروج من جميع ما له -آآ مثل أبي بكر الصديق- ما لا يستحب لمن لم يكن حاله كذلك، كالرجل الذي جاء ببيضة من ذهب -في حديث ضعيف يعني إسناده فيه ضعف-.
في سنن أبي داود جاء رجل بمثل البيضة من ذهب وأراد أن يتصدق بها وعرض نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم حذفه بها لو أصابته لأوجعته. تمام؟ آآ فقال: «يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس»؛ يعني يفضل يشحت من الناس. «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، هذا طبعا اللفظ الصحيح، لكن باقي القصة في إسنادها ضعف.
فشوف بقى الفكرة الجميلة هنا، أن الناس مراتب، والعاقل هو الذي يختار لنفسه وللناس ما يفعلونه بانشراح الصدر لا ما يندمون على فعله؛ ما هو ممكن واحد في لحظة كده يسخن، بيعملوا الناس مثلاً ييجوا في المساجد يقول لك تصدق ولا تبخلوا كذا وكذا ويسخنك ويحركك للصدقة، فتقوم أنت مثلاً تتصدق بمالك كله أو تتصدق وعليك دين؛ لأ، الشرع لا يريد أن يكون فعلك للخير هفوة أو ذلة تندم عليها، لا يريد أن تأخذ القرار. يبقى أنت تجمع بين أمرين؛ المسارعة والعزيمة في الرشد، والحكمة والحلم والناة. تمام؟
طيب قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى». طبعا اختلف في تفسير اليد العليا واليد السفلى، آآ والتفسير الذي جاء بعد ذلك أن اليد العليا هي -ثقة- آآ بعضهم قال إن اليد العليا هي المستعفة هي التي لا تسأل الناس. المهم، بعضهم قال إن كلمة اليد العليا واليد السفلى هذا تفسير من الصحابي، وإن كان غيرهم رجح أن هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. آآ قال: «وابدأ بمن تعول»؛ لاحظ أنك تبدأ بالواجب بالفرض بمن تعول، لا تضيع من تعول وتنفق على غيره؛ لأ. آآ قال: «وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»؛ يعني أن يبقى أن تبقى بعده مستغنيا عن سؤال الناس، يعني غنيا به. شف بقى: «ومن يستعفف يعفه الله».
من يستعفف؛ من يطلب العفاف ويتحراه، الله سبحانه وتعالى يعفه. الله سبحانه وتعالى شكور، ويزيد الذين اهتدوا هدى. «ومن يستغني يغنه الله»؛ يغنه الله فيها دلالتان، أن يغني نفسه يقنعه بما بين يديه، والامر الثاني أن يغنيه فعلاً، يعني أن يكفر ماله.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يغنينا من فضله. وطبعا الحديث الآخر فيه نفس المعنى، وإن كان فيه الكلام عن اليد السائلة واليد المعطية. آآ طيب، التحريض على الصدقة؛ اتفضلي.
باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها. عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء».
التحريض على الصدقة والشفاعة فيها. التحريض أنك الحث والتذكير. والبخاري بدأ بحديث ابن عباس في موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء في العيد وأمرهي بالصدقة واستجابة النساء.
والشفاعة هو التوسط، أنك أنت تتوسط لشخص في قضاء حاجته، أو تتوسط له في -آآ يعني كأنك تكون شفعاً معه- بدل ما هيروح لوحده تكون أنت معه. تمام، والبخاري ذكر هذا الحديث في باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً؛ يعني التعاون على البر والتقوى وقضاء الحاجات.
والله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: 85]. فالشفاعة منها شفاعة حسنة أو شفاعة سيئة، الشفاعة الحسنة ما أذن فيه الشرع؛ يعني أخوك يحتاجك في أمر مباح، اه مثلاً عنده مشكلة مع مدير العمل، اه يريد مثلاً أن يخطب وأنت تتوسط له وأنت تراه أهلاً لذلك، اه مم، هو مثلاً عليه دين أنت تروح يعني تقول للمعسر يعني أنظره، أو مثلاً آآ تطلب من أحد أن يقرضه وأنت تثق فيه وتعرف أنه يريد أن يرجع المال، أو تصلح بين متخاصمين واحد يقول لك أنا مخاصم فلان ممكن يعني تشفع لي عنده، فكل ما يعني يحتاجه أخوك من الخير والبر فأعنته عليه فلك فيه أجراً حتى لو لم تقبل شفاعتك.
هذه مهمة جداً يا شباب، حتى لو لم تقبل شفاعتك؛ يعني فلنفترض أنك أنت آآ رحت تصالح اتنين على بعض، فأنت تؤجر بمجرد الشفاعة، لذلك قال: «اشفعوا تؤجروا»، لم يقل: اشفعوا إذا قبلت شفاعتكم نالكم الأجر؛ لأ، بمجرد الشفاعة في الخير يحصل لك الأجر وإن لم تقبل شفاعتك، سواء قضيت الحاجة أو لم تقضَ. وفي رواية للحديث: «اشفعوا فلتؤجروا»؛ يعني تعرضوا لهذا الأجر.
وخلاصة هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيئه أو يأتيه سائل أو تطلب إليه حاجة فيقول: «اشفعوا تؤجروا». والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان يشفع، كما شفع لمغيث عند بريرة وغير ذلك من الأمور، لما قالت: أتأمر أم تشفع؟
المعنى؛ فالمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه صاحب حاجة يريد أن يقضيها له، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: اشفعوا، يعني توسطوا لهم وأعينوهم على حاجاتهم وخذوا بالسبب. وما قال: ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء، يعني وما قدر الله سبحانه وتعالى كان، فما قدره الله أو قضاه حصل، والأجر لكم على كل حال سواء قضيت هذه الحاجة أو لم تقضَ، فهذا فيه أن تسعى في أن تشفع مع أخيك في الخير أو لأخيك في الخير، والامر الثاني أن تعلم أن أجرك محفوظ، والامر الثالث أن قضيت -إن قضيت شفاعتك- تعلم أنه بفضل الله وإن لم تقضَ شفاعتك فهو بتقدير الله تبارك وتعالى، فاشفع بمالك، بجاهك، بمعارفك، كل شخص مش مش كل واحد يستطيع أن يتوصل للناس، ممكن أنت مثلاً تستطيع أن تتوصل لرئيس، لمدير في العمل، صاحبك مثلاً موظف في شركة ومثلاّ عمل خطأ وأنت شايف أن صاحبك ده محترم وكويس فعلاً وأنه يعني ما ينفعش يترفد بسبب هذا فتتوسط له، لكن بعض الناس يضن بماله وجاهه ومعارفه ويبقى شحيح النفس؛ لأ، ابذل، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، لا تبخل، جد بما عندك من الخير.
آآ طيب، آآ أظن كده الحديث، أنت ندخل بقى في الحديث الذي بعده؛ اتفضل. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «لا توكي فيوكى عليك». وفي رواية: «لا تحصي فيحصي الله عليك، لا توعي فيوعي الله عليك ما استطعت». هذا أيضاً في الحث؛ النبي صلى الله عليه وسلم يحرض -يعني يحث- يحرض المؤمنين. كلمة التحريض ليس كما يظن الناس أن التحريض دائماً تأتي في الباطل؛ لأ، التحريض هو الحث، تمام؟ أو أو التشجيع أو التحفيز يعني، فهذا يدخل، النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «لا توكي»؛ يعني لا تربطي بالوكاء اللي هو الرباط، يعني أن هي تربط الماء البخلاً وكناية عن الايه؟ عن البخل، واحد يمسك ويشح بالمال، فيلقي الله عليك هذا الجزاء من جنس العمل، اللهم أعط ممسكاً تلفاً؛ يعني سيتلف، تمام كده؟ ولا يبارك الله له ولا يقنعه بما لديه ولا يشبع، خلاص؟ وفي رواية: «لا تحصي فيحصي الله عليك».
فيحصي الله عليك لأن هذا جواب النهي، والفاء هنا فاء السببية، بالفعل المضارع بعدها يكون منصوباً. فالإكاء هو شد رأس الوعاء، اللي هو الرباط. تمام؟ والإحصاء معرفة قدر الشيء وزناً وعداً.
يعني تعرف واحد كده مثلاً أول ما يخطر بباله الصدقة مثلاً، عرف أن جاره محتاج أو مثلاً يعرف إخوان المسلمين في أي مكان، في سوريا، في مصر، في أي مكان، في أفريقيا، في غيره، عندهم حاجة، فيقوم يعمل إيه بقى؟ هو يبدأ يفكر، الشيطان يعدكم الفقر، فيبدأ يفكر: أنا لو طلعت الفلوس دي، طب ما أنا؟ طب ما كذا؟ طب ما أنا هحتاجها؟ طب ما كذا؟ لأ، فيه فرق. شف الحديث اللي قبله بيقول لك: أنك أنت تبدأ بمن تعول، وتبدأ بما يجب عليك، ولا تضيع نفسك. نعم.
لكن ليس معنى ذلك أنك تبخل بما هو زائد عندك أو بما هو موجود، بالعكس، أنت تؤثر على نفسك، تمام؟ فيعني كن على يقين، لذلك الصدقة برهان. الصدقة برهان على يقينك في وعد الله، ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268]، وما نقص مال عبد من صدقة. فبقدر، لذلك شف الصدقة برهان، شف الصلاة نور، والصبر ضياء، لأن الضياء هو النور الذي تتألم به، مثل الشمس؛ الشمس ضياء والقمر نور، والتوراة ضياء والقرآن نور، كانت التوراة سميت بالنور، لكن الضياء فيه شيء من الألم، فكذلك الصدقة برهان، برهان على يقينك بالله، وعلى يقينك بوعد الله، وعلى طلبك للأجر، وعلى صدقك.
قال: «ولا توعي فيوعي الله عليك». يعني تضعيه في وعاء، ودلالة على البخل. يعني ارضخي، يعني أعطي قليلاً من كثير، الله سبحانه وتعالى أعطاك.
باب من تصدق في الشرك ثم أسلم. عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحدث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة وصلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما سلف من خير».
البخاري أيضاً يريد أن يبين، يعني من فقهه، أن من قام بعمل صالح في حال شركه ثم أسلم، فإن من فضل الله تبارك وتعالى ورحمته وفضل إسلامه أن الله سبحانه وتعالى يقبل عمله.
طبعاً الأصل أن المشرك حال شركه لا يقبل عمله، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54] إلى آخر الآيات. والله سبحانه وتعالى لا يقبل عمل المشرك، وفي صحيح مسلم أن عائشة رضي الله عنها ذكرت ابن جدعان، ذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم وقالت: كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» يوم أن كان كافراً بالله وبالبعث.
وكثير من الناس ينفق يريد الشهرة، يريد الذكر الحسن، يريد السمعة، لا يريد وجه الله ولا الدار الآخرة، فله ما أراد، يعني فعل ذلك ليذكر بين الناس. عنترة مثلاً كان يجاهد ويقاتل ليذكر بين الناس وذكر، وحاتم الطائي كان يفعل ذلك ليذكر بين الناس، خلاص ونال ما أراد. فالشاهد أن كل من عمل شيئاً من هؤلاء، ولم يكن مؤمناً بالله تبارك وتعالى، عمله ليذكر به، وأراد به شيئاً وناله كما في الحديث.
لكن الله سبحانه وتعالى من فضله أن العبد إذا أسلم، حفظ الله تبارك وتعالى له اجر ما عمل حال شركه، وهذا تفضل من الله. ذكر حكيم، وهذا يبين أن خيركم في الجاهلية خيركم في الإسلام. حكيم كان نفسه يفعل، قلت: يا رسول الله أرأيت أشياء؟ فكان يسأل، وهو وهذا سؤال مهم، أشياء كنت أتحدث بها، كلمة أتحدث يعني كأنها بمعنى التبرر، يعني كأنه يكفر بها عن خطاياه، الحمس في الأصل هو الإثم، والمعنى أتَبَرَّر بها، يعني ألقي عن نفسي الإثم بسبب فعلها، تمام؟
هذا هو المعنى يعني، وبعضهم قال: إن التحنث بمعنى التعبد، لكن الواضح والله أعلم أن هو المعنى الأول، يعني يتبرر بها في الجاهلية، يعني كان مشركاً من صدقة أو عتاق، عتق الرقاب، أو صلة رحم، فهل فيها أجر؟ الله سبحانه وتعالى قال يا شباب في سورة النساء: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]. فسمى هذه الخصال خيراً، لكنه لم يترتب الأجر على مجرد هذه الخصال، وإنما جعل الأجر بماذا؟ بقصد وجه الله.
فسأله: فهل فيها من أجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما سلف من خير». اختلف في تفسيرها، لكن الأقرب، والله أعلم، أن الله سبحانه وتعالى إكراماً له، بركة من بركة الإسلام، أنه يقبل. الإنسان مثلاً كان كافراً، كان يطعم، وهذا في رأيي من اعظم ما يشجع الكفار على الإسلام، من أعظم، لم أقل إنه السبب الوحيد، أنك أنت لما تجد شخصاً من أهل الخير، رجل طبيب مثلاً يعالج الناس مجاناً، عنده رحمة، أو رجل مثلاً يبني مستشفيات أو رجل يساعد الناس أو يطعمهم، أنت حينما تبين له أن الله سبحانه وتعالى سيكتب لك أجر جميع ما سلف من الخير، والله لعل ذلك يكون مشجعاً. كما في حديث ابن عباس في صحيح مسلم، حديث عظيم جداً، أن ناساً من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن الذي تدعونا إليه لحسن، لو تخبرنا أنا لما عملنا كفارة؟ والله اللي أنت بتقوله ده كلام جميل جداً.
تروح نفسها تدخل إسلام بس احنا عملنا بلاوي، تمام كده؟ فانزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70]. ونزل هذا، قول ابن عباس: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. شف كم كانت هذه الكلمات مشجعة لهؤلاء على أن يدخلوا الإسلام.
اسباب اجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد. عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخازن المسلم الأمين، الذي ينفذ، وربما قال: يعطي ما أمر به كاملاً موفراً طيباً به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به، أحد المتصدقين».
نعم، هذا فيه تعديم للخادم أو الخازن، مربي للخازن، أن تصدق بأمر صاحبه غير مفسد، فيه أنه أحد المتصدقين، يعني له أجر. له أجر، هل هو اجر نفس المتصدق أو لا؟ المهم أنه من جملة الذين يأخذون أجرهم.
الخازن، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمور؛ المسلم، أن هو مسلم، وأمين، وينفذ ما أمر به صاحبه، ويكون طيباً به نفسه، ويدفعه طبعاً إلى مستحقيه. يعني ممكن يكون خمس أمور؛ واحد مسلم، أمين، ينفذ ما أمر به، ويكون طيب النفس به.
لأن واحد ممكن يكون مؤتمناً على المال، والله اعرف من كان، وهذا حصل امامي شخص، رجل من من الناس الأغنياء، الله يبارك فيه، أعطى شخصاً مالاً ليوزعه على أصحابه. أقسم بالله كان لا أقول أنه مثلاً كان شحيح النفس به، لا، ده كان يذل أصحابه به، يعني كأن هو وهو أصلاً المتصدق نفسه أعطاه يأتمنه. وهذا حصل أمام عيني، لا أنسى قصة حصلت قبل تسع سنوات؛ رجل طيب أعطى شخصاً، قال له: أعطي للناس دي، وهو كان من أبناء بلدي، من أبناء بلده هم كلهم كانوا في غربة وكانوا طالع عين أبوهم، وبدل ما هو يقول لهم: ده ربنا فتح علينا وكذا وكذا، وقفهم طابور ويديهم، الله أعلم، يعني في طبعاً في بعضهم كان يأكل أصلاً.
من المال هذا؛ فهذا ليس مؤتمناً، وليست طيبةً به نفسه. كان عنده شحٌّ للنفس. واصلاً مالك يا سبحان الله! يعني صاحب المال يعطيه بسخاء نفسٍ، وأنت تعطيه بشح نفسٍ. نعوذ بالله. عشان تعرف أن شح النفس مرض في النفس؛ ما لوش علاقة بأنك تملك أو لا تملك، ممكن يكون معك كنوز الدنيا وأنت شحيح النفس، تكره أنعام الله على غيرك.
شف مثلاً؛ واحد عنده عربية، أو عنده زوجة، وعنده أولاد، أو أولاد حافظين للقرآن أو كده، أنت تكره هذا. تكره أن هو دكتور في الجامعة. تكره مثلاً أن هو حصل على شيء معين. شح النفس؛ ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، وذكر هذه الصفات سيكون أحد المتصدقين. أنا في رأيي أن مثل هذه الأحاديث لابد أن تعلم للخدم، وتعلم للعمال والموظفين؛ للحث على الأمانة من جهة، والاحتساب للأجر من جهة أخرى. أكملت باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: 5].
اللهم أعط منفق مال خلفاً. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً».
أنا اريد منك أن تلاحظ ملاحظة دقيقة: البخاري لم يتكلم إلى الآن عن الزكاة، لم يتكلم عن فقه الزكاة، ولا عن أحكامها، ولا عن مصاريفها، ولا عن الأنصباء، يعني اللي هو قدر الزكاة. فأريد منك: لماذا فعل ذلك؟ لأن العبد بقدر ما يعلم فضل هذا العمل يثبت عليه. وهذه الفكرة التي أنا نفسي دائماً أحدث نفسي بها: أنك وأنت قاعد بتتعلم، بتحفظ قرآن، بتصلي قيام الليل، بتصوم، بترعى أبناءك، بتهتم بأهل بيتك، بتتصدق؛ لازم تستحضر فضل هذا العمل لأمرين: لتقوى على فعله، ولتحتسب فعله.
تمام، طيب، ذكر هنا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: 5]. ما مناسبة ذكر هذه الآية؟ مناسبة ذكر هذه الآية، والله أعلم، أن البخاري يرى أن معنى الآية: أما من أعطى؛ يعني من تصدق، واتقى؛ واتقى الله فيما له، وصدق بالحسنى. الحسنى هو الخلف؛ الخلف الذي هو العوض، يعني صدق أن الله سيخلف عليه. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 7]؛ اللي هو الخلف من الله سبحانه وتعالى. وهذا تفسير مروي عن عدد من السلف، وهو الذي رجحه عدد من المفسرين؛ فكأن المعنى: أن من أنفق قاصداً وجه الله تبارك وتعالى، موقناً بخلف الله، فإن الله سبحانه وتعالى سيخلف عليه. والخلف هو العوض.
في الحديث طبعا: «ما من يوم يصبح...»؛ يعني كل يوم الملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً؛ وهو العوض، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً. الخلف لا يلزم -ركز، لا يلزم- أن يكون في ذات المال بتكثيره، لا، يمكن أن يكون في ذات المال بالبركة، وبأن يسد الله عليك الأبواب التي تضيع مالك. ما أنت ممكن يكون معك فلوس كثيرة وتقابل واحد نصاب يضحك عليك. ممكن يكون معك فلوس كثيرة وزوجتك ليست مقتنعة، ليست قنوعة، أو أنت نفسك مش راضي، أو دائماً تمد عينيك إلى ما متع به غيرك.
يعني واحد أعرفه اشترى تلفون مثلاً غالي جداً، بعدها بشوية قابل واحد صاحبه معه تلفون أغلى، احتقر ما بين يديه وحس بالفقر، يقول: إيه ده؟ إيه التليفون المعفن اللي معه ده؟ مع أن التليفون اللي معه غالي جداً ونضيف، وفيه كل حاجة، وهو لا يحتاج فيه أكثر من ذلك. فمن العقوبات أنك أنت تمد عينيك إلى ما متع به غيرك، فلا تقنع بما بين يديك.
لا، يبقى الخلف من الله؛ وهو العوض، أبلغ بكثير وأوسع من مجرد كثرة المال؛ البركة، وسد الأبواب التي تضيع عليك، وهدايتك بحسن التصرف به. ما أنت ممكن ربنا يوفقك في مشروع، يكون معك مبلغ قليل، والمشروع الحمد لله ينجح. ممكن يكون معك مبلغ كتير وتقع في واحد نصاب، أو لا تحسن التخطيط، وترمي فلوسك مثلاً في قطعة أرض، وبعد مدة يبخس بها الأرض. أو يكون معك مثلاً جنيه مصري مثلاً وأنت غيرته دولار، وبعد كده دولار يقع، وهكذا. أنا بضرب لكم أمثلة واقعية عشان تتصور الفكرة.
من كذلك من الخلف: الرضا. أن الله سبحانه وتعالى يغنيك، الغنى ليس من كثرة العرض، الغنى غنى النفس؛ أن تكون غنياً قنوعاً.
باب مثل المتصدق والبخيل. وعنه رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا صبغت -أو وفرت- على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع».
نعم، هذا الحديث من أعظم أحاديث الصدقة؛ لأنها تبين حال المتصدق، يعني تبين نفسية المتصدق من انشراح الصدر، ومن سهولة الصدقة عليه من كثرة ما اعتاد عليها. صارت سهلة، صار لا يتكلف ولا يحاسب نفسه ولا يتردد. وهذا معنى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، أعانهم على ما يتقون من كثرة ما قدموا وبذلوا.
طبعاً هذا الحديث أنا عملت عنه درساً في رمضان قبل الماضي في مفاتيح النجاح من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأريد منكم أن تراجعوه. لكن خليني أذكر هنا معنى هذا الحديث مختصراً. هذا الحديث فيه مثل؛ يعني حال، والله سبحانه وتعالى يضرب الأمثال، الأمثال تقرب الأمر وتبينه وتفهمه كأنك تشاهدها. فبين هنا مثل البخيل والمتصدق، الممسك الذي يمسك ماله، والذي ينفق؛ قال: «كمثل رجلين...» لاحظ بقى الاثنين بدآ بإمكانيات واحدة، عليهما جبتان أو جنتان، الجنة هي ما تجن صاحبها؛ يعني تحميه أو تحصنه، عامل زي الدرع كده. عليهما جبتان من حديد، خلاص، الاثنين عندهم نفس القيد؛ يعني هو ده شح النفس، هو ده هوى النفس الموجود عند كل الناس.
بعض الناس أول ما يشوف شخص ناجح يقول لك: لا، ده شخص استثنائي، ده عنده قدرات خاصة، ده خارق، ده محظوظ، ده مدعوم، أصل ده غيري، أصل أنا كسول، أصل أنا لا. الاثنين زي بعض أهم، بادئين بالضبط، الاثنين عليهما جبتان من حديد، وبعدين بقى من الثدي إلى التراقي؛ وهي جمع الترقوة.
فاما المنفق: إنسان عود نفسه على البذل، خالف هواه، لم يستسلم لداعي الهوى، لم يستسلم لداعي الشيطان الذي يصده، لا، انفق، تعب، جاهد، صابر. هو ده الفرق؛ الفرق بين الناجح والفاشل كلمة واحدة: المجاهدة، والتعاهد، والمواظبة، والصبر، هذه هي الكلمة. إنما تقول لي: أصل هو كذا، أصل إمكانياته، أصل أنا ضعيف، أصل أنا كسلان، أصل أنا ما بتغيرش، لا، ما فيش الكلام ده، لابد أن تعلم قدرتك على تغيير نفسك، أنت اللي مش عايز تتغير.
طيب، فأما المنفق: فلا ينفق إلا صبغت -أو وفرت- شف، كل ما يعمل حاجة توسع شوية؛ هي كانت ضيقة جداً وماسكة عليه خانقاه، لكن أول ما هو انفق صبغت، وفر، اتسعت على جلده مرة في مرة في مرة في مرة، حتى تخفي بنانه؛ تستره، البنان هو الأصابع، وتعفو أثره؛ بقت طويلة، تمام كده. وهذا كناية على أن نفسه جادت بهذه الأعمال الصالحة، لم تعد صعبة عليه، صار يبذلها. ما هو ده معنى العادة يا شباب؛ العادة هو كل شيء تفعله بغير عناء، تفعله تلقائياً وبطلاقة وبمهارة.
فيه واحد مثلاً أنا كنت مثلاً سايق مع واحد شاب من إسبانيا خمس عشرة ساعة، لم يقف فيها إلا في الصلاة، يعني وقفنا صلينا في الطريق ومشينا، وكنت منبهراً بالسياقة، وكنت أدعو له أن يبارك فيه؛ يعني عمال نتكلم مع بعض وهو يعدي بين العربيات وكذا وكذا. أنا بالنسبة لي أنا ما أعرفش أسوق، ما بعرفش أسوق سيارات.
بالنسبة لي دي مهارة صعبة. ازاي بيعمل كده بالطلاقة دي؟ هي دي، معنى كده فاهم، فالانسان لما بيتمرس في الشيء يفعله تلقائياً. وهذا مثل السباحة ومثل قيام الليل وغيره من الأعمال التي يفعلها الإنسان فلا يأتي إلا بتعب.
لكن فيه إنسان يريد أن يكون مكان البطل وقت استلام الجائزة، ولا يريد أن يأخذ طريق البطولة. مع أن المتعة في طريق البطولة والله، أقسم بالله.
طيب، قال وتعفو أثره؛ يبقى خلاص الراجل ده جادت نفسه، صارت سهلة عليه. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق هو أصلاً، اتبع هو نفسه وأخلد إلى الأرض. فمرة في مرة تحول الكسل إلى عجز، هو الأول كان قادر بس كسل، مرة في مرة بقت صعبة عليه جداً خلاص، فلا يريد أن ينفق شيئاً حتى مجرد الإرادة، مجرد أنه يفكر، إلا لزقت كل حلق اختم مكانها، لزقت فيك إن قبضت عليه، فهو يوسعها ولا تتسع، والله الحديث ده عايز يتشرح فيديو.
وأنا شرحت في الحديث مثلته بالفيديو: الشيطان يعدكم الفقر. الاتنين عندهم نفس هوى النفس، عندهم الشح جُبَّة من حديد، وعنده أهواء نفس وتذكير والشيطان، لكن واحد منهم طوعت له نفسه أن يتبع الهوى، والشخص الآخر لم يطع هواه، لكن عنده بذل. كل الناس عندها نفس القدرات، لا أقول نفس القدرات جنس القدرات، لأ، كل واحد عنده قدرة، عنده ما يمكن أن يبذل به كما سيأتي في، يبقى لا تظن أن الشخص الناجح استثنائي وعنده قدرات خاصة أو محظوظ، لأ، أنت عندك ما تستطيع أن تكون ولياً به عند الله، ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ [محمد: 38].
يعني أنت المنتفع من عملك وأنت الخاسر. هذا فيه أيضاً أن الصدقة من أعظم أسباب انشراح الصدر واطمئنان القلب، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من المتصدقين ونعوذ بالله من البخل وشح النفس.
طيب، اتفضل يا أسامة.
«على كل مسلم صدقة، فمن لم يجد فليعمل بالمعروف». عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على كل مسلم صدقة». قالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق». قالوا: فمن لم يجد؟ قال: «أيعين ذا الحاجة الملهوف». قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف، أمسك عن الشر فإنها له صدقة».
أنبه تنبيهاً أخيراً عن الحديث السابق في معنى كلمة «إلا لزقت كل حلقة»، يعرف المعنى ده عايز أشبّهه لك بالبلدي كده: تعرف أنك محبوس أو ممسوك عن الشيء؟ كتير من الشباب بيقول لي: أنا قدامي المصحف والله ما قادر أفتحه، وحافظ القرآن ومش قادر أصلي بالليل، وعارف أن الدورة دي هتنفعني وما باخدش فيها. لازم تفهم أن هذا بسبب عملك، الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئاً، لا يمكن أبداً أن تكون إرادتك صادقة والله سبحانه وتعالى لا يهديك، مش ممكن!
يبقى لازم تفهم القيد هذا من أين؟ بسببه إيه؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155]. إيه؟ فتش في نفسك يا أخي، شوف إيه اللي حابسك عن الخير. الناس حواليك عمالة تتسابق، ما تنزلش أنت بقى للناس اللي ضايعة حواليك، ناس كثيرة جداً ضايعة، تشرب الخمر، ماشية مع بنات، تفعل الفواحش، بيقضي يومه في اللعب والتسالي، لكن في غيرك بيسبقه في الخيرات، لماذا ترضى لنفسك مثل السوء؟ لماذا أنت مقيد ومحبوس؟ والله عندك قدرات وإمكانات تصير بها في الفردوس الأعلى، والله سبحانه وتعالى ما كلفك بشيء إلا وأنت مستطيع له، يبقى اكسر هذا القيد، اخرج من مقاعد المتفرجين.
بعض الناس حتى إنسان كويس وكل حاجة، لكن يكتفي بالانبهار بالناجحين حوله، ويفضل يحدثك طول النهار عن غيره. طب يا أخي ما تشد حيلك أنت وتعمل الحاجة، وما ظلمهم الله.
طيب، في هذا الحديث بقى، هذا الحديث متمم لما قبله، أنه كل مسلم من جهة عليه صدقة وهو قادر على التصدق والجود بما يملك، لا يمكن إلا يكون لديك ما تجود به. قال: «على كل مسلم صدقة»، تمام؟
وقال، طبعا العلماء لما تكلموا فيها قالوا: إن هذه من آكد المستحبات، ولكن أنا في رأيي أن هذا يدل على شيء من الوجوب، أنه عموماً يجب عليك جنس هذه الصدقة. وفي حديث اللي هو: «يصبح على كل سلامى من الناس صدقة»، وفيها أن صلاة الضحى تعدل ذلك.
المهم هنا، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، لاحظ بقى، اه طبعا هذه الصدقة شكراً لله سبحانه وتعالى وحباً له واعترافاً بفضله: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ هم ظنوا أن الصدقة فقط في المال. قال: «يعمل بيده». شوف بقى، فمن لم يجد يعمل إيه؟ يقول: أصل لست واجداً، لا، يعمل حتى يكون واجداً، كما مر معنا، كان يذهب فيحامي، يشتغل حمال عشان يكون معه فلوس يكف نفسه وفي نفس الوقت يتصدق، يعمل بيده أولاً ينفع نفسه، الذي يعمل أول من ينتفع هو، ويتصدق، يبقى بدل ما كان هو مجرد سائل ومستهلك تمام وطاقة سلبية، لا، يبقى إنسان منتج فعال.
تمام، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «يعين ذا الحاجة»، يعني يعين أخاه على مطالبه، «الملهوف» الملهوف اللي هو المستغيث يعني، سواء علم هو من حاله أو هو طلب منه. قالوا: فإن لم؟ قال: «فليعمل بالمعروف». وفي رواية: «فليعمل بالمعروف وينهى عن المنكر وليمسك عن الشر».
طبعاً لو أمسك عن الشر لابد أن يكون محتسباً، لأن بعض الناس يمسك عن الشر لكونه لا يقدر عليه، هذا لا يؤجر، أو لكونه لا يحتسب فيه، لا، لابد أن تحتسب. قال: «فإنها له صدقة»، هذا يبين سعة الصدقة.
طيب، اتفضل.
باب قدر كم يعطى من الزكاة والصدقة؟ عن أم عطية رضي الله عنها قالت: بعث إلى نسيبة الأنصارية بشاة فأرسلت إلى عائشة منها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عندكم شيء؟» فقلت: لا، إلا ما أرسلت به نسيبة من تلك الشاة. فقال: «هات، فقد بلغت محلها».
لها طبعاً هذا بداية الأبواب التي تتكلم عن فقه الصدقة، ولكن سنأخذ هذا الحديث لأن له تعلقاً بما قبله من جهة قال: قدر كم يعطى؟ يعني المستحق للصدقة.
هل يجب هل يمكن أن تخص واحداً من مصارف الزكاة؟ إنما الصدقات والفقراء والمساكين، مصارف الزكاة التي ذكرت في سورة التوبة، هل يمكن أن تعطي قسماً واحداً منهم بكل زكاتك؟ أم يجب أن توزع زكاتك على المصارف؟ هذه فيها خلاف يعني.
فكأن البخاري يرى أنه يمكن أن تصرف الزكاة لشخص واحد لمستحق واحد، لا يلزم أنك تستوعب كل الأفراد به أو كل الأصناف بها، وهذا بحث طويل ليس هذا مجال عرضه.
قدره كم يعطى من الزكاة اللي هي المفروضة يعني والصدقة اللي هي المستحبة؟ قال: ومن أعطى شاة، يعني أعطى غيره يعني الشاة، أعطى شخصاً واحداً شاة تمام، فكأنه يقول يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى لنسيبة اللي هي أم عطية رضي الله عنها فآتت يعني أعطاها أو هذه حصة في، تمام، فيمكن أنك أنت تعطي لشخص واحد نصيب من النصيب من الزكاة.
بعث إلى نسيبة الأنصارية بشاة فأرسلت إلى عائشة منها، يعني أعطت جزءاً لعائشة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل عندكم شيء؟» نفس الكلام، لن أكرره مرة أخرى، النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح يقول: «هل عندكم طعام؟» وأحياناً يقول: «إذاً فإني صائم» إذا لم يجد، نفس هذا السؤال يدل على أنه أحياناً كثيرة لا يجد طعاماً.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يغنينا من فضله، وأن يغني أنفسنا فقالت: لا، إلا ما أرسلت به نسيبة، يعني كأنها تعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم يحرم عليه الصدقة.
كأنها تقول هذه صدقة، فهل تأكل منها؟ فقال: «هاتي، قد بلغت محلها، لقد بلغت محلها»، يعني هذه الصدقة بلغت وصلت إلى مستحقيها، وصارت ملكاً له يتصرف فيها كما شاء، فهي أهدتها للنبي عليه الصلاة والسلام، أهدت منها.
فيمني كما في حديث بريرة: «هو لها صدقة ولنا هدية»، تمام. فبلغت محلها أو محلها يعني بلغت المستقر، يعني حلت محل الهدية أو أنها صارت مستحقة أم عطية وهي أهدتها لنا، تمام.
فنسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأنا أطلت عليكم كثيراً، وسبحان الله كلما أنوي أن أنا اختصر أخاف أن من حضروا معنا هذا الكتاب لن يحضروا معنا الدروس الآتية إن شاء الله. فأريد أن أذكر لهم ما يحتاجونه أو ما أراه أنهم يحتاجونه من الفوائد لعلمي أن كثير منكم هو خطيب جمعة أو إمام مسجد أو مدرس أو معلم أو مربي أو والد يريد أن يعلم أبناءه أن يعلم أسرته، فأحاول أن أعطيه مفاتيح ليستنطق من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يهتدي به في دينه ودنياه ومعاشه ونجاحه وغير ذلك.
وأنا أراه وعندي يقين قطعي في ذلك، أن من أقبل على كتاب الله وهدي النبي صلى الله عليه وسلم مستهدياً به يتعب فيه ويطلب أن يستخرج منه الهدى، فإن فيهما الكفاية ورب الكعبة. أقسم بالله لم أطلب باباً في حياتي من النشاط أو الجد أو العزم أو التخطيط أو نحو ذلك إلا وجدت في كتاب الله وحديث النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء والتمام والكمال.
وأحياناً يذكر لي بعض الناس قواعد يقول لك مش عارف قالها المفكر الفلاني ومش عارف العالم في التنمية البشرية الفلانية، فأذكر له آيات وأحاديث في المعنى أجل وأتم ينبهر، يقول: إذا سبحان الله! والله ما كنت أعلم أن هذا موجود. قلت له: ما أنت لم تطلبه أصلاً. اطلب هذا من كتاب الله، أصدق الحديث كلام الله، أحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق