السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صلي على محمد وعلى آل بيته وذريته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل بيته وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أهلا وسهلا ومرحبا بالكرام. هذا هو الدرس الثاني من اجتماعنا على قراءة كتاب التجريد الصريح، وهو مختصر الزبيدي لصحيح البخاري رحمه الله، مع تعليقات خفيفة؛ لأن هذا الكتاب المفترض أنه طليعة قراءتنا للكتب التي جمعت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الإسلام. أحب أن أذكر بما افتتحناه في الدورة السابقة، أقصد في الدرس السابق، لما ذكرنا مقاصد هذا الكتاب، وهو المرور السريع على أهم أبواب الإسلام؛ لأن كتاب البخاري جمع تقريبا سبعة وتسعين بابا من أبواب العلم، وسمها البخاري بأسمائها للكتب، منها بدء الوحي، وعلى اختلاف هل بدء الوحي كتاب أو أقدمه الأقرب عندي أنه مقدمة، وبعد ذلك الإيمان والعلم، وبعد ذلك دخل في الوضوء والصلاة، وهكذا من أبواب الإسلام ذكرتها في مقدمة المحاضرة السابقة.
وذكرنا الحضور الكرام بنية الاهتداء مما نتعلم، وكذلك أن نقيد السنن التي نتعلمها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كانت ذكرا من أذكار اليوم، أو كانت عملا، أو قولا، أو هديا، أو خلقا، وكذلك محاولة أن نعمل بهذه السنن، وأن ندعو الناس إليها، سواء كانوا في الأسرة، مع الأبناء، مع الجيران، مع الأصدقاء، في العمل. وأن هذا الكتاب من أجمل ما يكون فيه، أنك أنت تجعل له يوما في الأسبوع أو يومين مع أسرتك، أو في مسجدك، أو مع أصدقائك في العمل، أو في الرحلة؛ يعني يكون الكتاب مصاحبا لك، وتكون أنت داعيا إلى الله تبارك وتعالى، وينالك أجر الدعوة إلى الله وتعليم العلم.
وصلنا إلى الحديث رقم ثمانية وعشرين، عندي أنا في النسخة: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سببت رجلا فعيرته بأمه. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر عيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية. إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفهم ما يغلبهم، فإن كلفموهم فأعينوهم».
هذا الحديث بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد المؤمن ربما يكون فيه شيء من الجاهلية، أو شيء من المعاصي، أو شيء من، كما سيأتي إن شاء الله، شيء من النفاق. إذا، أول قاعدة عندنا نستفيدها من هذا الحديث، أن المؤمن قد يكون فيه بعض خصال الكفر، أو بعض خصال الجاهلية، أو بعض خصال النفاق. المقصود بالخصلة هنا؛ يعني بعض أعمال هؤلاء؛ فإن يعايره بأمه هذا ليس من الإسلام، واضح؟ وهذا هو الذي أراد البخاري، وأراد أن يرد به على الخوارج الذين زعموا أن الناس إما مؤمن خالص، أو كافر خالص، لهم بهذا الحديث أن المؤمن قد يكون فيه بعض المعاصي، أو بعض الصفات الجاهلية، أو النفاق كما سيأتي.
في هذا الحديث فائدة عظيمة، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وجاء يتمم صالح الأخلاق، والعبد يكون فيه شرور في نفسه، قد يكون فيه كبر، أو حسد، أو شح نفس، أو جاهلية، أو يكون فيه احتقار لمن هم أقل منه أو لمن يراهم أقل منه، فجاء الإسلام ليطهر النفس من شرورها، وهذا معنى قول الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشام: 7-10]. فتزكية النفس بأمرين: بتخليص النفس من شرورها، وتنمية الخير فيها. فكل انسان منا يعرف ما عنده من خير، وما عنده من شر، وانا أحب منك أن تدون هذا، أن تدون ما فيك من خصال الشر، وإن لم يعلمه أحد؛ يعني لا تخبر به أحدا، ولكن دون هذا لتعرفه، لأن معرفة هذا هو عرض نفسك على كتاب الله، وتنقية نفسك من شرورها، هذا من أعلى ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم.
أيضا في هذا الحديث كلمة: فيك جاهلية؛ يعني فيك خصلة من خصال الجاهلية. كلمة: إخوانكم خوالكم؛ يعني خدمكم أو حشمكم. والله سبحانه وتعالى جعلهم تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمهم مما يأكل وليلبسهم. يعني هذا فيه مكارم الأخلاق، انك أنت لا تستعلي عليه، وفيه كذلك استحباب معاملة الخدم بالرفق والمساواة معهم في المأكل والمشرب والملبس، وفيه كذلك أن تعينه على عمله، وأن تتألف قلبه، تتألف قلوب المسلمين، وفيه كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي كذلك انك أنت تخبر أخاك بما فيه من شر ولكن باسلوب حسن؛ يعني مثلا أنت لك صديق فيه خصلة معينة، يمكن أن تخبره بهذه الخصلة حتى يغيرها، ولكن تختار من الأسلوب ما يجعله يقبل منك الموعظة أو النصيحة.
باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9]. عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». فقلت يا رسول الله: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «انه كان حريصا على قتل صاحبه».
أراد البخاري أيضا من هذا الحديث أن يبين أن المؤمن قد يكون فيه خصلة من خصال المعاصي، وهذه كبيرة من الكبائر القتل، ومع ذلك ليس كافرا، لا يكفر بها، الكبيرة -احنا عندنا الكبائر دون الشرك- لا يكفر بها المسلم، ولكن قد يدخل بها النار، قد يدخل بها النار، سواء كان الزنا أو السرقة أو القتل أو شهادة الزور أو قذف المحصنات. الله سبحانه وتعالى لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ففي هذا الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم: إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ يعني تقاتلا، والمقتول في النار؛ فهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: هذا هو القاتل قتل فيدخل النار، تمام؟ وان كان مات على الاسلام ودخل النار فانه لن يخلد فيها؛ يعني يدخل في النار يعذب ثم يخرج بإيمانه، نعوذ بالله من النار. قالوا: فما بال المقتول؟ قال: «كان حريصا على قتله». يعني هذا يدل على أن العبد إذا حرص وعزم على أمر، ومنعه من هذا الامر عدم قدرته فإنه يأثم. انسان مثلا حرص على فعل لمحروم، وعزم عليه وأخذ بكل أسبابه المتاحة، لكنه لم يقدر عليه، منع منه فإنه يأثم. لكن هل يشارك أو هل يساوي إثم الفاعل؟ هذا فيه بحث أخذناه قبل كذلك في دراسة كتب ابن تيمية رحمه الله في رسالة مهمة جدا عن الهم والعزم، يعني هل العازم على الطاعة الذي لم يتمكن منها، والعازم على المعصية التي لم يتمكن منها يتساوى مع الفاعل؟ هذا فيه بحث طويل. المهم هنا أنه يشاركه الإثم، أو يشاركه في الثواب.
باب ظلم دون ظلم. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أينا لم يظلم؟» فانزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
نعم، أراد البخاري أيضا أن يبين أن الظلم درجات، منه ظلم وهو كفر؛ ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، أو أنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل. فهذا
اعظم ذل. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وهناك ظلم دون ظلم، أن يظلم الإنسان نفسه؛ بني آدم وحواء قال ربنا: ظلمنا أنفسنا. وموسى عليه السلام قال: ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي. ويونس عليه السلام قال: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. فهذا ظلم دون ظلم، يعني دون ظلم الكفر.
هو ظلم الإنسان نفسه أو ظلم غيره. لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]، شق ذلك على الصحابة، قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ يعني إذا نحن لسنا من أهل هذه الآية. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في رواية: ليس ذاك، وإنما هو قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، الذي هو لقمان لما كان يعلم ابنه، أو أنها نزلت أن الله سبحانه وتعالى أنزلها في هذا المشهد.
لكن هل معنى ذلك أن الظلم في هذه الآية فقط محصور في الشرك؟ الذي يبدو لي أنه ليس كذلك، وإنما كلما كان الإنسان أترك لأصناف الظلم، كلما كان أكثر للأمن والاهتداء. الذين آمنوا ولم يلبسوا، يعني لم يخلطوا إيمانهم بظلم؛ ظلم الإنسان نفسه، ظلم غيره، وهكذا. الظلم الذي هو الشرك، كلما كان الإنسان أترك لانواع الظلم، كلما كان أكثر ميلاً للأمن والاهتداء.
وفي كذلك خطر الشرك، وأعظم ما ينبغي أن يشاع بين الناس هو الكلام عن إخلاص الدين لله، وكذلك التحذير من الشرك وبيان هذا الشرك، لأن كثيراً من الناس يقع في الشرك وهو لا يدري.
باب علامات المنافق. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان».
من هذا الحديث يدل على أن النفاق له آيات، كما أن الإيمان له آيات، والكفر له آيات. فاية المنافق، يعني علامات؛ العلامة أو السمة التي تدل عليه. تمام، آياته يعني خلاصة هذا النفاق. خلاصة، طبعا هذه الآيات الظاهرة، وإلا فالنفاق أصله في القلب، أن الإنسان يظهر غير ما يبطن، والإيمان وايه؟ والله يشهد إنهم لكاذبون.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن الآيات؛ يعني خصال النفاق منها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان. هذه من اعظم خصال النفاق. طيب، هل المؤمن يمكن أن يكون فيه خصلة من هذه؟ نعم، يمكن فيكون فيه خصلة من خصال النفاق يجب أن يتخلص منها. من أعظم الفوائد في هذا الحديث أنك يجب أن تعرف آيات النفاق والكفر والفسق والمعاصي والكبائر كما تعرف آيات الإيمان، هذا مهم جداً.
كثير من الناس يقع في الشر وهو لا يعلمه، أو لا يعلم درجة هذا الشر. فأنت أن يكون أمراً، أن تتعرف على سبيل المجرمين والمنافقين والكافرين والمفسدين وهكذا، وأن تعرف قدر الجرم. الإنسان ممكن يقع يتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». في هذا الحديث يبين أن أربع خصال، طبعا نتكلم هنا عن هذا ما يسمونه بالنفاق العملي، يعني خصال النفاق. تمام؟ اللي هي الظاهرة.
هذه الخصال إذا اجتمعت في شخص فهو منافق منافقاً خالصاً نفاقاً عملياً. ليس معنى ذلك أنه وصل إلى الكفر، لا، ولكن عنده خلاصة خصال المنافقين، اللي هي الخصال العملية. الخصلة الأولى: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. فهذا يدل على أن النفاق درجات، وبعض الناس بيجعل اللي هي بيسميها دركات. تمام، وفيه كذلك أن العبد إذا وجد في نفسه خصلة من هذه الخصال يجب أن يتخلص منها، ويجب أن يسأل ربه تبارك وتعالى أن يخلصه منها.
أن هذا يدل على أن فيه نفاقاً. الأمر الذي بعد ذلك أن المؤمن قد يكون عنده خصلة من خصال النفاق، وهذا أصل تبويب البخاري. البخاري يرد على من؟ يرد على الخوارج الذين زعموا أن من كان في خصلة من خصال النفاق أو المعاصي فانه يكفر بها، وهذا ليس صحيحاً، لأنه يمكن أن يكون فيه خصلة، ليس معنى ذلك أنه لا يجاهد نفسه في تركها، ولكن قد جعل الله لكل شيء قدراً. يعني بعض الناس يريد أن يخيف الناس من الزنا فيقول لهم إن الزنا كفر، هذا ليس صحيحاً. الزنا كبيرة من الكبائر، تعظم في النفوس ويخشى منها، لكن لا يصح أبداً أن نغالي فيها، أن نبلغ بها ما لم يذكره الله تبارك وتعالى عنها.
باب قيام ليلة القدر من الإيمان. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».
البخاري هنا يريد أن يبين أن الأعمال من الإيمان، وهو يرد بذلك على المرجئة الذين زعموا أن العمل لا يدخل في الإيمان. فهذا الحديث واضح: من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، يعني إيماناً بها وبفضلها، واحتساباً لأجرها عند الله تبارك وتعالى، غفر له ما تقدم من ذنبه.
وهذا يدل على أن أعظم ما يرزقه العبد في عمله الاحتساب. كثير من الناس يغفل عن هذا الاحتساب، أضرب لكم مثلاً؛ ممكن يذهب إلى أقارب زوجته بزيارة، واخذ لهم لحماً ودجاجاً، وهو فقط يفعل ذلك بمجرد العرف، واضح؟ لا، لابد أن يحتسب ذلك لله، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك تحتسبها لك فيها أجر». وكذلك لما قال لأصحابه: وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم إن وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إن وضعها في الحلال كان له فيها أجر».
فالاحتساب من أعظم ما يرزقه العبد، ويجب أن تعلمه ولدك. مثلاً بيعمل شيء عاجل جداً، مثلاً بيأكل صديقه في المدرسة سندويتش مثلاً، لازم تعلمه الاحتساب، يعني هذه النية مهمة. وكان يقول الصحابة رضي الله عنهم، بعض الصحابة: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. فمن رزق نية الاحتساب فقد فتح له باب من الحسنات لا يعلمه إلا الله. من جلالة هذا الباب في نومه، لو أراد أن يحسن شكله أو جسمه أو يلعب رياضة، وأراد أن يضع رائحة عطر جميل، في كل في ذلك يحتسب أن يكون مؤمناً نظيفاً جميلاً قوياً، فهذا عظيم جداً. وكان العلماء دائماً يحثون طلابهم على هذا، على تعلم النية، وهذا طبعا فيه فضل ليلة القدر وهذا سيأتي له باب إن شاء الله.
باب الجهاد من الإيمان. وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة. ولولا أن أشق على أمي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل».
في هذا الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم يذكر عن الله تبارك وتعالى، وبعضهم يسميه حديثاً قدسياً لأن الكلام فيه عن الله تبارك وتعالى. يعني عن فعل الله أو قول الله تبارك وتعالى: انتدب، كأنها بمعنى ضمن أو وعد، كأنها تأتي بهذا المعنى أو أعد مثلاً. فانتدب الله لمن خرج في سبيله، يعني خرج في سبيل الله في الجهاد، لا يخرجه
إيمانا بي وتصديقا برسلي. وهذا يدل على أن الأعمال قد تتساوى في الشكل أو في الظاهر، وتختلف في النيات، الله سبحانه وتعالى يحاسب على النية، الله سبحانه وتعالى يحاسب العبد على نيته وليس فقط على عمله الظاهر.
لا يخرج إلا إيمانا بي وتصديقا برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة. ولولا أن أشق يعني يرجع بالأجر والغنيمة، وإذا لم يحصل له أجر أو غنيمة فإن الله سبحانه وتعالى يضمن له الجنة. يعني هو في كل الأحوال يكون رابحا. وطبعا إذا خرج مجاهدا في سبيل الله ونوى بذلك وجه الله وإعلاء كلمة الله فإنه فما ناله من الأجر وإن كان أقصد الغنيمة يعني وإن كان له في الدنيا فكذلك له الأجر العظيم به عند الله تبارك وتعالى.
والنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أعلى الناس همة وقصدا وعزما قال: «ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية». وجه الشق هنا أن هذا سيجعل كل يعني هذا سيجعل من يقعد خلف السرية وإن كان معذورا أو قعد مصلحة الدين أنه يتحرج من قعودي، كيف يقعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعني على رأس على رأس السرية؟ قال: «ما قعدت خلف سرية ولوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيي ثم أقتل ثم أحيي ثم أقتل».
هذا به أمران؛ الأمر الأول: فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه كان أعلم الناس وأخشاهم وأسبقهم إلى رضوان الله تبارك وتعالى. والامر الثاني: فضل الجهاد في سبيل الله أكمل، وطبعا فيه شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وفيه كذلك أن من كان في مقام يتبع فيه لابد أن يراعي الناس، لا يفكر فقط في عمله هو، لأنه ربما يشق على الناس من حيث لا يشعر.
أكمل باب تطوع قيام رمضان من الإيمان. وعنه رضي الله عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
نعم، فائدة هذا الباب أن يبين أن المستحبات أيضا من الإيمان، وهذا عمل، ويدل على أن العمل من الإيمان، والمستحبات كذلك من الإيمان. من قام رمضان قيام رمضان اللي هو صلاة التراويح أو صلاة التهجد. يعني كل الصلاة التي بعد صلاة العشاء وقصد بذلك وجه الله وكان مؤمنا بها بأن الله فرضها غفر له ما تقدم من ذنبه.
وهذا الحديث فيه حجة لمن قال بأن الكبائر قد تكفر بغير توبة. لأنه في خلاف بين أهل العلم هل الكبائر يشترط فيها التوبة كالشرك؟ أم أن العمل الصالح يبلغ أن تكفر به الكبائر؟ الاقرب عندي أن العمل الصالح قد يبلغ أن تكفر به الكبائر. وهذا ذكرته مفصلا في شرح البخاري اللي هو الأصل وليس المختصر.
أكمل باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
المعلق في كتاب اللي هو فتح الباري حاشية على الزبيدي قال: ذكر في الفوائد فضل صيام رمضان وقيامه وانه يكفر ما مضى من صغار الذنوب دون الكبائر. وفي الواقع الحديث لا يثبت هذا، الحديث أطلقه، فهو لو حتى أراد أن يقيد هذا الحديث بغيره لابد أن يذكر وجه تقييده.
الأقرب عندي أن هذا الحديث يبقى على اطلاقه ولا يصح لأحد من أن يخصصه، وما جاء من الأحاديث الأخرى ما اجتنبت الكبائر ليس المراد منه أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة. وإنما المراد منه أن هذا الصنف من أجر يشترط فيه اجتناب الكبائر، اللي هو إيه؟ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إن اجتنبت الكبائر.
هذا الحديث فيه أن فعل هذه الطاعات مع اجتناب الكبائر يكفر الصغائر، لكن ليس فيه أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة، فلذلك هذه فائدة عندي فيها نظر.
طيب، من صام رمضان إيمانا واحتسابا هذا فيه أيضا أن فضل صيام رمضان مع أنه واجب، وهذا يبين أن من فقه الداعية أن هو الداعي إلى الله حتى أنت مع ولدك أنك إذا أخبرته بأمر من أمر الله لا تخبره فقط مجرد أن الله أمرنا به وإن كان هذا أصل، لكن تخبره كذلك بفضل هذا العمل. يعني إذا كلمته عن الصيام كفرض كلمه كذلك عن الصيام كباب من أبواب العمل الصالح الحسنات.
أكمل باب الدين يسر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».
في هذا الحديث بين صفة هذا الدين. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
فهذه صفة الدين، فإذا كان الدين يسرا فلا يحل لأحد أن يشاد هذا الدين، يعني أن يتشدد في الأعمال والطاعات ويترك الرفق. والنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. وهذا يدل على خطأ القاعدة الموجودة في بعض كتب الأصول أو كثير من كتب الأصول والفقه وكتب الزهد والرقائق التي هي الأجر على قدر المشقة.
الصواب أن الأجر على قدر الاتباع وليس على قدر المشقة، قد يكون كلما كنت أكثر اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم كلما كنت أكثر أجرا. فما كان فيه شيء من المشقة وفعلته اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى تفطرت قدماه، فأنت تأسيت بهذه السنة فإنك تؤجر ليس على مجرد المشقة ولكن كونك اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم.
واضح، فهذا يدل على أن مجرد المشقة أو تعذيب النفس ليست مقصدا شرعيا، وإنما المقصد الشرعي أن تعبد الله كما أمرك الله فاستقم كما أمرت. وهذه القاعدة في الأصل هي مأخوذة عن النصارى، وهي فكرة الرهبانية. يعني جاءت في بعض كتبهم من أراد أن يخلص نفسه فليهلكها، واضح لأنك أنت بقدر ما تشق على نفسك أي مشقة حتى لو كانت ليست مشروعة.
وهذا معنى قول الله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]. إلا أنها تخالف الفطرة، فكل من شرع في عبادة تخالف الفطرة فلا يمكن أن يرعاها حق رعايتها، فلذلك كان الأصل هذه الثلاثية؛ أن تعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وثانيا أن تعلم أنه أكمل الهدي وأتمه، وثالثا أن تعلم أن أي طريق يخالف هذا الهدي لن يقبله الله منك.
واضح، فهذا معنى أن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. يعني معناها أن أي واحد يتشدد على نفسه فلابد أن ينقطع عن العبادة. وقد ذكر بعض أهل العلم أنهم رأوا من يبالغ في العبادات، كما كان يحصل من بعض متعبدة البصرة كانوا يتعبدون بما لم يشرعه الله.
أحدهم يتعبد بالصمت، والاخر يتعبد بالحزن، والاخر يحرم على نفسه الطيبات، وكان يمدح بعضهم يقال فيه ما ذبح ولا نكح، يعني لم يتزوج ولم يأكل اللحم، وكل هذه بدعة. بعضهم لم يتزوج، واضح كده؟ أن هو يتقرب إلى الله بعدم التزوج بها، وكل ذلك مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وكثير من الكتب المسماة الزهد والرقائق والولاية ونحو ذلك موجود فيها هذه الأمور المبتدعة، إذا الأصل عند كل مؤمن أن يتعلم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الله عليه وسلم في كل أبواب الدين، وأن يبدأ منه وأن يرد إليه كل خلاف، وأن يزن به كل قول قائل من أول اصطحابه إلى عصرنا هذا وإلى يوم الدين، كل قول قائل يوزن بقول وفعل النبي صلى الله عليه وسلم. كلمة سددوا يعني ألزَمُوا السداد، يعني بلا إبراز أطول تفريط واضح؟
وفي الدعاء النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ علي بن أبي طالب قال: «قل اللهم اهدني وسددني»، وأذكُر بالهداية هداية الطريق، وبالسداد سداد السهم، يعني حاول أن تسدد، يعني أن تصيب الحق. ولا يكفي فقط أن تتحراه وأن تقصده، وكلمة قارب يعني إذا لم تستطع السداد: قاربوا، يعني حاول قدر الإمكان أنك أنت تبلغه. الغدوة اللي هي أول النهار، والدَّلْجَة اللي هي السير في آخر الليل. هذا طبعاً فيه هذا الحديث أعظم ما فيه أن تتعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وألا تشدد على نفسك فيما لم يشرعه الله تبارك وتعالى.
أكمل: باب الصلاة باب الصلاة من الإيمان. عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قَدِمَ المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قِبَلَ بيت المَقْدِسِ ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِِبَلَ البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت.
وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما ولَّى وجهه قِبَلَ البيت أنكروا ذلك، يعني هو وَجَّهَ والحديث معروف فيه طبعاً استجابة الصحابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي كذلك أن الصلاة من الإيمان، لأنه جاء في بعض الآثار أن أقواماً ماتوا ولم يصلوا إلى الكعبة، فخشي الناس أن تكون صلاتهم قد حَبِطَتْ، يعني لم تقبل، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، يعني الإيمان هنا بمعنى الصلاة، صلاة تجاه بيت المقدس. هذا وجه الاستشهاد من كلام البخاري لكنه لم يذكره في الرواية هنا.
أكمل: باب حسن إسلام المرء. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله».
نعم، الآن البخاري هو يقول: حسن إسلام المرء يدل على أن الإسلام درجات، الناس في أصل الإسلام ثم يختلفون في إسلامهم واستجابتهم لله. ففي هذا الحديث: «إذا أسلم العبد فححسن إسلامه»، هذا يدل على أن حسن الإسلام شيء زائد عن أصل الإسلام، تمام. طيب، ما هو حسن الإسلام؟ حسن الإسلام هو العلم عن الله واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو حسن الإسلام. لا يمكن أن يحسن إسلام عبد إلا بقدر علمه وعمله، إذاً هذا الحسن فيه معنيان: أن تعلم عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل باب من أبواب الدين، ما أنت مثلاً تصلي تعرف فقه الصلاة، تصوم، تتصدق، تزكي، كثير من الناس بيطلع فلوس دون أن يعرف مصارف الزكاة، ودون أن هذه الزكاة لا يتعب في حسبتها، أو مثلاً يتاجر ولا يعرف فقه التجارة. فحسن العمل أساسه العلم.
والأمر الثاني: تقوى الله فيه، أنك أنت تتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، جزاء هذا الذي أسلم وحسن إسلامه: «يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها»، زلفها يعني فعلها أو قدمها. فالله سبحانه وتعالى من رحمته أنه يكفر العبد بأعماله الصالحة، كما قال الله سبحانه وتعالى في آية إن شاء الله سيكون لنا معها وقفة كبيرة جداً عنها درس خاص الجماعة اللي هم عدوا أربعين سنة زي حالاتي كده: آية عظيمة جداً في سورة الأحقاف: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].
فماذا قال الله لهذا الرجل الذي تاب وقرر أن يقف من نفسه موقفاًَ يعني بلغ هذا العمر فأراد أن يكون ما بقي له من العمر في طاعة الله؟ قال الله سبحانه وتعالى -شف هذا الجزاء العظيم-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: 16]. فالله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده أن العبد إذا تاب إليه وحسن عمله فإن الله يتقبل عنه احسن ما عمل ويتجاوز عن سيئاته.
في الحديث قال: «وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف»، يعني الله سبحانه وتعالى يكفر عنه ما مضى، طيب وما يأتي؟ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله تبارك وتعالى عنها. والحمد لله رب العالمين، والحمد لله على نعمة الإساءة.
أكمل: باب أحب الدين إلى الله أدومه. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: «من هذه؟»، قالت: فلانة، تذكر من صلاتها. قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه».
نعم، هذا الحديث الذي هو باب أحب الدين إلى الله أدومه، هذا يدل الدين هنا بمعنى العمل، هذا يدل على أن الاعمال عند الله تبارك وتعالى درجات، والمؤمن الذي يطلب معالي الأمور ويطلب ما عند الله لابد أن يعرف هذه الدرجات. هذا مهم جداً الشباب، لا تكتفي بمجرد معرفة أن هذا العمل من جملة الصالحات، لابد أن تعرف قدر هذا العمل في الإسلام، واضح؟ هذه فكرة مهمة، لابد أن تعرف قدر هذا العمل في الإسلام حتى تعطيه ما يستحق، لأنك ربما تتعب نفسك في عمل أقل وأنت قادر على العمل الأعظم الأكبر.
في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يتفقد أصحابه، وهذا من أعظم ما ينبغي للداعي إلى الله أو العالم أو المربي أو المعلم أن يحاول أن يعلم أحوال من هم حوله، حتى يثني عليهم بما فيهم من خير ويسدد ما فيهم من نقص. أم المؤمنين رضي الله عنها ذكرت هذه المرأة وذكرت صلاتها، واضح أنها كانت تصلي كثيراً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الاعتبار ليس بمجرد العمل، يبين أن الاعتبار ليس بمجرد كثرة العمل، وإنما بأن يكون متبعاً النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا».
طبعاً هذا اختلف في معنى هذا الحديث كثيراً، هل هذا يثبت أن الله يمل، يعني أن الله يمل إذا مل العبد؟ يعني أن الله تعالى يمل، أو هذا ينفي الملل عن الله تبارك وتعالى؟ ذكرت ذلك بتوسع، وأياً كان، فهذا لو ثبت فلن يكون نقصاً في الله، لأن ممكن تكون الصفة في أصلها فيها وجه حسن وفيها وجه سيء. كما مثلاً صفة السخرية وصفة الاستهزاء وصفة المكر، وصفة المحال أو الحيل، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]، وقال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]، فالمكر فيه حسن وفيه سيء، تمام.
وصفة الملل هنا بناءً على لو احنا عبرناها بمعنى السأم، هذا هو أصل المشكلة هنا في تفسير هذا المعنى، وهل أصلاً النبي صلى الله عليه وسلم ينفي هذه الصفة؟ يعني يقول: «فوالله لا يمل الله حتى تملوا»، يعني وإن مللتم وإن سئمتم فالله لا يمل، تمام؟ فهذا فيه بحث طويل، المهم أن الله سبحانه وتعالى عندنا أصل وهو أن الله تبارك وتعالى له الكمال.
فعلى فرض ثبوت هذه الصفة، إذا ثبتت، فلا يكون لله تبارك وتعالى منها إلا الوجه التام أو الكامل.
في هذا الحديث أود أن نتكلم بشكل مختصر عن أعظم ما في هذا الحديث، وهو المداومة. الناس لا ينقسمون إلى ناجح وفاشل، ينقسمون إلى مواظب صابر وإلى سريع الملل. فكرة مهمة جداً أنك بقدر الإنسان يصلحه القليل الدائم أكثر من الكثير الزائل. أنك مثلاً كل يوم عندك خمس دقائق مثلاً تقرأ فيهم حديثاً، أو تجتمع بالأسرة مثلاً خمس دقائق في اليوم، هذا أفضل ما تجتمع بهم عشر ساعات وبعد كُّلَ ذلك لا تجتمع بهم مرة أخرى. أنك مثلاً كل يوم تواظب على ركعتين أو ست ركعات خفيفات قبل النوم أفضل ما تصلي مثلاً يوماً كاملاً وبعد ذلك لا تصلي باقي الأيام. فأحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه؛ هذا يدل على أن الإنسان يصلحه المداومة على العمل أكثر من كثرة العمل نفسه.
أفضل شيء في ذلك أن تنوع الأعمال؛ يعني مثلاً يكون عندك يوم واحد في الاسبوع تصومه مثلاً وتداوم عليه، وعندك مثلاً قبل النوم ركعتين، ومثلاً قبيل الفجر أربع ركعات مع الوتر، أو مثلاً تصلي بربع واحد من القرآن وتواظب عليه، وعندك السنن، عندك مثلاً صدقة في الأسبوع، عندك مثلاً زيارة لأقاربك، عندك وهكذا؛ يعني أنك تنوع بين الأعمال وتداوم على القليل منها، وطبعاً هذا هدف الأعمال المتنوعة. أما في الباب الذي تطلبه مثلاً في تعلم القرآن أو تعلم الحديث أو الدعوة إلى الله، لا، إذا كان هذا هو أعظم باب عندك فهذا يستحب لك أن تأخذ منه بقدر ما تستطيع.
أكمل. باب زيادة الإيمان ونقصانه. عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير».
في هذا الحديث سبق معنا أن المؤمنين درجات تمام، وهذا الحديث يدل على أن الإيمان درجات وأنه يزيد وينقص، وأن نقصان الإيمان ليس كفراً كما يقول بعض الفرق. يقولون: إن إذا نقص الإيمان يقولون الإيمان كل لا يتجزأ، إذا زال بعضه زال كله؛ لا، هذا الحديث يثبت أن الإيمان درجات، وأن المؤمنين درجات، وأنه ربما يكون في قلب المؤمن مثقال ذرة من إيمان. وفيه كذلك أن العبد وإن مات ودخل النار -العبد المؤمن وإن مات ودخل النار بذنوبه- فإنه لن يخلد فيها، وسيخرج بما في قلبه من الإيمان، ونعوذ بالله من النار.
أكمل. وفي طبعاً سعة رحمة الله تبارك وتعالى. وفيه كذلك أصل الإيمان؛ أنه ينبغي أن يكون عنده أصل للإيمان. وفيه أن الكافر لا يمكن أن يدخل الجنة؛ يعني أن الكافر لن يخرج من النار ولن يدخل الجنة. هذا لأن الله سبحانه وتعالى جعل أصل الخروج هو أن يكون في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان؛ فمن ليس عنده إيمان لن يخرج من النار، ولن يدخل الجنة.
أكمل. معلوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عیداً. قال: أي آية هي؟ قال: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا﴾ [المائدة: 3]. فقال عمر: قد عرفنا اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
نعم، وجه الاستشهاد من هذا الحديث أن الله تبارك وتعالى قال: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ﴾، هذا يدل على أن الدين -يعني أن الله سبحانه وتعالى كمل هذا الدين- كان الدين في بدايته ليس كاملاً، والله سبحانه وتعالى كمله وأتمه. ما معنى ذلك؟ طبعاً الدين الإيمان يزيد وينقص باعتبارات؛ منها مثلاً باعتبار نزول الدين؛ فمثلاً الشرائع التي نزلت في وقت خديجة رضي الله عنها ليست كالشرائع التي نزلت عند قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لا شك أن الدين يزيد، تنزل فيه الشرائع والأحكام وتفاصيل هذه الأحكام، فهذا اعتبار. الاعتبار الثاني: باعتبار علم العبد؛ فقد يختلف الناس في قدر ما يعلمونه عن الدين، فهذه جهة. الأمر الثالث: قدرة الناس على القيام بأعمال الدين؛ هذا أيضاً يختلف فيه الناس، كما قال الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] واضح؟ وكذلك في قبول الأعمال. فأراد البخاري أن يبين هنا أن الإيمان يزيد وينقص، فما وجه الاستدلال؟ أن الله قال: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ﴾؛ إذاً، قبل ذلك لم يكن بهذا الكمال، وادح، وإن كان كاملاً في وقته لكن هذا أكمل وأتم.
في هذا الحديث أن أمير المؤمنين رضي الله عنه لم يجاري هذا اليهودي في بدعته؛ هذا الرجل يقول: لو نزل علينا لاتخذناه عيداً. هذا ليس مشروعاً، النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعله عيداً بهذا المعنى كما تفعله اليهود. فعمر رضي الله عنه قال: نحن قد عرفنا ذلك اليوم، نحن نعرف ذلك ونقدره، ولكننا لا نتخذه عيداً ما لم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم عيداً. وهذا طبعاً فيه سعة علم أمير المؤمنين رضي الله عنه بكتاب الله.
أكمل. باب الزكاة من الإسلام. عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يقول: جاء رجل من أهل نجد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس، نسمع صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الزكاة». قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق».
قلت إن هذا الباب -باب الزكاة من الإسلام- أراد البخاري أن يبين أن الإسلام علم وعمل، إيمان وعمل. الأمر الثاني في هذا الحديث أن الرجل جاء يسأل عن الإسلام، هذا أعظم ما يسأل عنه أحد؛ أي إنسان أعظم ما يسأل عنه دينه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري». الأمر الثالث في هذا الحديث أن أعظم ما تتفقده في نفسك وأهلك وولدك ومن حولك ومن تحب، إسلامهم ودينهم؛ بعض الناس مثلاً يجلس مع والدته يروح يزور والدته مثلاً يوم في الاسبوع أو يوم في الشهر خلاص، لا يسألها عن دينها ولا يعلمها شيئاً، وإذا أراد مثلاً أن هو ينزه والدته ممكن يذهب بها إلى باريس أو كذا لو مقتدر يعني، ولا يذهب بها إلى عمرة، وهذا خلاف ما كان عليه الانبياء عليهم السلام، أعظم ما كانوا يتفقدونه في من حولهم في أبنائهم وأهاليهم هو الإيمان والإسلام.
بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم علمه محكمات الإسلام، وهذا أعظم ما ينبغي أن تعلمه؛ يعني أولاً تهتم بدينه، طيب، ما الذي تهتم فيه؟ محكمات الإسلام؛ الشهادتان، الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج. كذلك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. كذلك التحذير من الكبائر؛ أن تعرفه الشرك، وأن تعرفه جرم الزنا والفواحش، وهكذا.
الأمر الذي بعد ذلك في هذا الحديث تعظيم الفرائض، أن أعظم ما يتقرب به إلى الله الفرائض. شخص قبل أيام يقول لي: أنا بتصدق، ما فيش حد بيتصدق زيي، وهو ما بيركعش ركعة، يعني هو لا يصلي واضح ولا يزكي، هو بتصدق فقط يعني هو متخيل أن هو كده حتى قضى فرض الزكاة، وهذا ليس صحيحاً.
إذاً؛ أعظم ما يتقرب به إلى الله الفرائض، يبقى يجب أن تميز الفرائض عن المستحبات وأن تبدأ بالفرائض.
من معاني الكلمات عشان بعض اللي معنا مثلاً؛ ثائر الرأس يعني شعره منكوش بالمعنى المصري، أو منتفش، الشعر منتفش، الدوي اللي هو الصوت، الصوت المرتفع المتكرر الذي لا يفهم، يعني أنت تسمع صوت بس لا تستطيع أن تميزه.
كذلك طبعا في هذا الحديث فيه التطوع، في فضل التطوع، وفيه كذلك الحث على أسباب أمور الدين.
أكمل.
باب اتباع الجنائز من الإيمان. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع».
أكمل، أكمل، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط، نعم، كل قيراط، كل قيراط مثله، أعدها تاني يا أسامة كده: كل قيراط مثل أحد.
نعم، أحسنت، تفضل. في هذا الحديث باب اتباع الجنائز من الإيمان، هذا يدل على أن العمل من الإيمان، وهذا مقصد البخاري رحمه الله.
وفي هذا الحديث كذلك فضل اتباع الجنائز، وفيه كذلك الاحتساب، لأن بعض الناس يتبع الجنازة ليس محتسباً، وإنما يفعلها من باب العادة، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على هذا المعنى؛ الإيمان والاحتساب، أن تؤمن بها وبفضلها، وأن يكون فعلك لها لوجه الله ولأن الله أمر بها.
الأمر الثاني؛ فيه طبعا الأجر العظيم لمن تبع الجنازة ولمن بقي معها ولاقصد لمن صلى عليها وتبعها، ومن بقي معه حتى تدفن.
أكمل. باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق».
هل الصوت قبل ذلك كان يا أسامة ولا لأ؟ يعني حديث الجنائز التعليق ظهر فيه تمام خلاص، أنا لا أغلق الصوت بعد ذلك إن شاء الله، أرجو أن هو يكون كويس.
طبعا الشباب هذه الأبواب لا يظهر معناها بهذا المختصر، البخاري يا شباب حينما يبوب بابا فإنه يذكر من الآيات والأحاديث وآثار الصحابة والتابعين ما يشهد لمفردات الباب، اللي هو ترجمة دخل لما بابو خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
هو هنا لم يأتِ لك إلا بهذا الحديث، لكن عند البخاري ستجد ما يبين مقصود البخاري.
طبعا خوف المؤمن، هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن المؤمن لا يزكي نفسه بالعمل، وأن الاعتبار يعني المؤمن يخاف من أمرّين: يخاف من تقصيره في عموماً في العمل، ويخاف ألا يقبل منه عمله، يبقى في عندنا جهتان؛ الجهة الأولى أنه أصلاً مقصر، لذلك نقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيراً، لأنك إذا أردت قولك وفعلك على كتاب الله ستجد أنك مقصر بلا شك.
الأمر الثاني؛ أن نفس العمل الذي تعمله ترجو من الله أن يقبله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق»، يعني لو واحد سب مسلما هذا يكون فعل من أفعال الفساق.
هذا يدل على أن المؤمن قد يكون فيه خصلة من خصال الفسق، كما سبق أنه يمكن أن يكون فيه خصلة من خصال الجاهلية أو آية من آيات النفاق، يعني فعل من أفعال المنافقين، وكذلك يمكن أن يكون عنده عمل من عمل الفسق؛ مثل الزنا، والسرقة، شهادة الزور ونحو ذلك.
فهذا يدل على أن المؤمن يجب أن يميز هذا، يجب أن يعلم أن السباب، كثير من الناس يتساهل في هذا، يجب أن يعلم أن السباب من الكبائر وليس من الصغائر؛ لأنه سماه فسوقاً، ومن علامة كون الشيء من الكبائر أن يسمى كفراً أو جاهلية أو فسوقاً أو نحو ذلك، هذا يدل على الأقل على أنه ليس ذنباً صغيراً، أقل الأحوال وإن كان كل الذنوب لا ينبغي أن نستهين بها.
قال: «وققاله كفر». البخاري أتى بهذا الحديث ليبين أن المؤمن وإن حصل فيه خصلة من خصال الكفار دون الشرك فإنه لا يخرج بها من الإسلام، لذلك ربنا قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] فسماهما مؤمنين، خلاص كده، وقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَيكُم﴾ [الحجرات: 10] يعني سماهم مؤمنين وجعلهم إخوة، فهذا يدل على أن من فعل كبيرة من الكبائر دون الشرك فإنه لا يكفر بها، وإن كان على أمر عظيم لا ينبغي له أن يبقى عليه، يبقى هذا هو وجه الشاهد.
أكمل. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان في المسجد، فقال: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وأنه تلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس».
تلاحى يعني تنازع وتخاصم، وكلمة تلتمسوها يعني اطلبوها. فالحديث أظن معناه واضح، في كذلك أن الخصومة إذا لم تكن بحق أو كانت جدالاً أو مراءً فإنها لا تأتي بخير، وفي كذلك الحث على الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر، وفي كذلك ليلة القدر أنها تكون في الليالي العشر الأواخر في الوتر من الليالي العشر.
أشر في كذلك أن المسلم قدر الإمكان لا يختلف مع أخيه الاختلاف الذي يؤدي إلى التنازع، وإلا مجرد الاختلاف في الرأي أو في القول هذا إذا صفوت القلوب فانه لا يمكن أن يحدث فرقة، وإنما المشكلة أن يصاحب هذا الاختلاف، يصاحبه حسد أو غل أو حقد أو أو استكبار أو نحو ذلك، لكن نفس الاختلاف؛ يعني نفس اختلاف لا يؤدي أبداً إلى الشقاق إلا إذا كانت القلوب فيها أمراض أو نحو ذلك.
أكمل.
باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزاً يوماً للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث».
قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان».
قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
قال: متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله».
ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34] الآية، ثم أدبر فقال: «ردوه»، فلم يروا شيئاً، فقال: «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم».
طبعا هذا الحديث من أعظم محكمات الإسلام، يعني هذا الحديث ينبغي أن تعلمه، ينبغي أن تعتني به، أنت أصلاً لا تعتني فيه به مجرد مثلاً أن تحفظه، لا، لابد أن تعرف معانيه، ولابد أن تعرف أن هذا هو الذي بني عليه دين الإسلام والإيمان.
لابد أن تعلمه ولدك، لابد أن تعلمه كل من حولك، يعني مثلاً أنت عندك موظفين، أصدقاؤك، كلمهم عن هذا الحديث، كلمهم عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر، كلمهم عن معنى الشهادتين، كلمهم عن الصلاة، عن الزكاة، عن الحج، وهكذا.
في هذا الحديث، وإن كان رواية مسلم هي أوسع شوية من هذه الرواية، اللي هو الحديث الطويل المعروف اللي هو من رواية عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما، طبعا أشراط الساعة يعني علامات الساعة، وولدت الأمة ربها أي أن المرأة من الإماء تلد.
اه رجلا فيكون سيدا لها أو مالكا، هذا من بعض الآية؟ من بعض التفاسير لهذا. والبهم اللي هم يعني مجهول النسب، مجهول الأنساب. طيب من فوائد هذا الحديث العلم بما بني عليه الإسلام، وبمحكمات الإسلام.
وفي كذلك الإحسان؛ هو أن تعبد الله كأنك تراه، يعني أن تستحضر أن الله تبارك وتعالى يراك، فتحسن العمل، فلا يراك الله تبارك وتعالى على معصية. طيب أكمل.
باب فضل من استبرأ دينه، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
نعم، في هذا الحديث يبين كمال الإيمان عند المؤمن، أن من كمال الإيمان أن يستبرئ المؤمن لدينه، يعني يتحرى في دينه أن يكون ورعاً. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحلال بين والحرام بين».
الله سبحانه وتعالى فصل الحلال والحرام، لكن بينهما يعني بين الحلال والحرام أمور مشبهات، يعني تشبه أن تكون حلالاً وتشبه أن تكون حراماً، لا يعلمها كثير من الناس. هذا يدل على أنه لا يمكن أن يكون أمر مشتبه على جميع المسلمين، لا، يكون لأن الاشتباه جزئي، لا يمكن أن يكون نص في كتاب الله يكون مشكلاً في ذاته أو مشتبهاً، لا، إنما يكون مشكلاً عند بعض الناس دون بعض، فهذا فيه فضيلة من يتعلمون هذه الأمور حتى يبينوها للناس، كما أكد على ذلك ابن تيمية كثيراً، يقول مثلاً: إن بيان الحق عند اشتباهه والتباسه خير ما عبد الله به.
وفيه كذلك أن العبد إذا كان عينده الأمر بيناً واضحاً، لا ينبغي له أبداً أن يماري فيه، كثير من الناس يعرف أمراً من الدين ويعرف أنه محكم في الدين، ويريد أن يخرج عنه بأي حيلة.
الأمر الذي بعد ذلك، أن اتقاء الشبهات هذا من الاستبراء للدين والعرض. وفيه كذلك أن الوقوع في الشبهات يؤدي إلى ما بعده، يعني ممكن لمن وقع في الشبهات أن يقع في الحرام. لماذا؟ لأن الإنسان الذي سلك خطوة في طريق فإنه لا يؤمن عليه ربما يقع فيه. وفيه كذلك أن أصل الإيمان في القلب، أصل الإيمان في القلب، وإذا صلح قلب العبد انتفع بكل ما يعرض على قلبه من العلم، وكذلك نفر من كل فتنة يقع فيها يعني أبلى فيها بلاء حسناً.
كلمة الحمى يعني المحمي، يعني شيء محمي، والمضغة اللي هو ما يمضغ، يعني قدر المضغ. طبعا الحديث فيه فوائد كثيرة جداً، منها اتقاء الحرام البين، الاستمتاع بالحلال البين لا مشكلة فيه، وإن كان طبعا الاقتصاد في المباحات هو من أهم خصال الإيمان، الإنسان لا يسرف على نفسه في المباحات، بمعنى أن هو مثلاً واحد طول اليوم عمال يلعب ومباح في الأصل، لكن هو لم يخلق ليلعب. واضح؟ طيب أكمل.
باب اداء الخمس من الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من القوم؟» أو «من الوفد؟». قالوا: ربيعة. قال: «مرحبا بالقوم» أو «بالوفد غير خزايا ولا ندامة». فقالوا: يا رسول الله، إننا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، أمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع.
بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس». ونهاهم عن أربع: عن الحنثم والدباء والنقير والمزفت وربما قيل المقير، وقال: «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم».
نعم، في هذا الحديث أراد البخاري أن يبين أن العمل من الإيمان، أداء الخمس من الإيمان، ويبين أن الإيمان قول وعمل. واضح؟
طيب، في هذا الحديث أن وفد عبد القيس أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن الدين عما يحتاجونه، يعني أخبرنا مرنا بأمر فصل. هذا أول ما فيه أنهم سألوا عن دينهم وتحروا في دينهم، هذا اعظم ما يشتغل به المؤمن ويشغل به.
الأمر الثاني نخبر به من وراءنا، أن المؤمن الذي يحب الله ورسوله ودينه يريد أن يعلم الناس وينشر هذا في الناس، قال: وندخل به في الجنة، وهذا غاية، يا سلام على هذه الكلمة يا شباب، كل ما ينبغي أن تكون هذه الغاية في كل يعني واحد بيطلب العلم، يطلب العلم لذاته؟ لا، نحن لا نطلب العلم لذاته، العلم ليس مجرد لذة معرفية كما عند الكفار، لا، نحن نتعلم العلم لأنه قربة إلى الله.
شف هما ماذا قالوا؟ مرنا بأمر فصل أخبر به من وراءنا، والغاية من ده كله وندخل به الجنة، وهذه فوائد مهمة جداً، في طبعا كذلك الرحلة في طلب العلم. وبعد كده سألوه عن الأشربة لأن هذا هو أخص ما كانوا يحتاجونه بعد الإيمان.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بمحكمات الإيمان، الإيمان بالله وحده، ثم قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. هذا يدل على أنك يجب أن تعلم الناس التعليم مفصلاً، لا تكتفي بذكر الكلام المجمل، لا تقل لهم مثلاً وحدوا الله واتركوا الشرك، طب ما هم لا يعرفون ما معنى توحيد الله، وربما يقعون في الشرك وهم لا يدرون أنه شرك، يعني ناس كثيرة تذهب إلى الأضرحة وتذبح لبدوي، وتنذر للحسين ومثلا تطلب الحاجات من بعض الصالحين مثلاً، وهو لا يعرف أن ذلك شرك، يبقى أنت لابد أن تفصل لهم ذلك، لا تكتفي بمجرد الكلام المجمل، لا تقل للناس أحذروا الكبائر، لا، لابد أن تعرفهم ما هي الكبائر.
النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم هنا ذكر عن الإيمان ما ذكره قبل ذلك عن الإسلام، وهذا يدل على أن الإيمان والاسلام في بعض الموارد يكونان بمعنى واحد، ولكن إذا اجتمعا في نص واحد فيكون الإيمان له دلالة لا تطابق دلالة الإسلام، كما في قول الله إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، أو في قول الله قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، أو في فاخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين، فالايمان والإسلام إذا جاء في نص واحد فلا يتطابق معناهما، لكن إذا جاء كل واحد منهما في نص مفرداً فيدل على الآخر أو فيه الآخر.
كذلك في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل إعطاء الخمس من المغنم هذا من الإيمان وهذا عمل، وكذلك إقام الصلاة عمل وإيتاء الزكاة وصيام رمضان. ونهاهم عن أربع هذا فيه أن العالم أو الداعي يأمر الناس وينهاهم بما يحتاجونه، لأن الدعوة يا شباب هي تبدأ من المدعو وليس من الداعي، يعني أنت مثلاً تدعو الناس بما يحتاجون إليه وليس بما عندك أنت من العلم، ألا قد تحدث الناس عن أمر لا يحتاجونه أو هناك ما هو أولى منه.
يبقى هذا يدل على علم الداعي بالمدعوين. طيب، الحنثم والدباء والمقير، هذه أسماء لأوعية كانوا ينتبذون فيها النبيذ فيصير خمراً، فالحنثم هي الجرار التي كان تحمل فيها الخمر، والدباء هو القرع، القرع اليابس كانوا أيضاً يضعون فيه العنب ثم يدفن حتى يصير خمراً، كذلك المقير وهو المطلي بالقار، وهو نبات يحرق إذا يبس وتطلى به السفن وغيرها، والمزفت كذلك وعاء مطلي بالزفت، والنقير أصله أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء.
أن يتخذ منه وعاء، كل هذا توضع فيه الأنبذة مثلا يضعون فيه لأنها بتكون سريعة التخمير فمثلا لو وضعوا فيها العنب أو الشعير أو التمر أو نحو ذلك فانه تكون سريعة في تخمير هذه الأوعية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أذن لهم فيها، قال: «اشربوا في الظروف ولا تسكروا». يعني أذن لهم فيها ولكن جاءت في نص آخر.
باب ما جاء أن الأعمال بالنية؛ عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات». وقد تقدم في أول الكتاب وزاده هنا بعد قوله: «إنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». وسند باقي الحديث، نلاحظ هنا هو كرر الحديث لأن الحديث أولا لما ذكره كان ذكره فيه كيف كان بدء الوحي، ولكن الأليق أن هو لو هيختصر الحديث أن يذكره في بابه، اللي هو باب الأعمال بالنية حسبة واضح، لكنه كرر هنا اضطراراً.
أكمل؛ عن أبي مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة». نعم، في هذا الحديث يدل على أن الأمور التي يفعلها الإنسان عادة أو يفعلها الإنسان وله فيها غرض، يعني هو أصلاً يحبها مثل أن يأتي أهله، هذا شيء يحبه، إذا احتسبه يكون له فيه أجر.
والأمور التي يفعلها من باب العادة، سواء كانت أموراً يفعلها عادة كما مثلا يضع اللقمة في في فم امرأته، هذه يحتسبها له فيها صدقة، طب إذا لم يحتسب هذا لا يكون له فيها صدقة. هذا أمر مهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق ذلك على الاحتساب، أن تجعل ذلك لوجه الله، وهذا من أحسن ما يكون.
وهذا الحديث فيه معانٍ عظيمة جداً بين الرجل وأهل بيته، أن هو يضع لقمة في فم امرأته ويحتسب بذلك وجه الله، ومن أعظم ما يبارك الله تبارك وتعالى به الود والرحمة والسكن في البيت المسلم مثل هذه الأعمال، أن تحسن إلى امرأتك لوجه الله. الاثنين مع بعض مش واحد فقط، ممكن واحد يأتي لزوجته بهدية أو كذا، لأ، الاحتساب هو الذي يبارك الله تبارك وتعالى فيه بقليل العمل تمام؟ لا يكون مناً، يعني ممكن واحد يفعل ذلك مع زوجته لكن يمن عليه، هذا يفسد العمل، والله لو جبت لها الدنيا كلها لن ترضى، وممكن تسمعها كلمة واحدة.
نية صادقة الله سبحانه وتعالى يفتح بها. أكملت باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة؛ عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
نعم، طبعا كلمة الدين النصيحة هذا حديث موجود في صحيح مسلم، حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، ولكنه لم يصح على شرط البخاري وإن كان هو صحيحاً، فلذلك البخاري أتى بحديث آخر، ولكن بوب الباب أو ترجم لهذا الباب بعنوان الحديث الآخر، ولكن هذا الحديث أيضاً في هذا المعنى. عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
النصح لكل مسلم فيه معنيان؛ المعنى الأول أن تدله على ما ينفعه وأن تريد بذلك وجه الله كلاهما، يعني لو واحدة منهم تنفع، يعني واحد مثلاً ربما تنصح شخصاً وأنت جاهل بحاله وجاهل بما ينفعه تمام؟ فأنت لست ناصحاً له، لو كنت ناصحاً له حقاً لعلمت به ولعلمت بما يحتاجه من الدين ومن النصيحة.
الأمر الآخر؛ يمكن أن تنصحه وأنت تريد أن تذله، أو تريد أن تعيره، أو تريد أن تفضحه، فلا يجتمع النصح إلا بهذين الأمرين، أن تعلم بحاله وبما ينفعه وأن تريد بذلك وجه الله. أكمل؛ عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: إني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم قلت أبايعك على الإسلام، فشرط علي والنصح لكل مسلم، فبايعني على هذا.
نعم، وفي هذا الحديث بذل النصيحة لعامة الناس، شف لكل مسلم ولا تخص بها معارفك. الأمر الثاني تحريم الغش؛ بأن النصح يخالف الغش، المؤمنون نصحة والمنافقون غشاشة، فلما يأتي شخص مثلاً يستنصحك لابد أن تكون صادقاً في نصحه، لا تغشه. خلصنا كده، ندخل في كتاب العلم، تفضل.
كتاب العلم؛ باب فضل العلم؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدّث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: «أين أراه السائل عن الساعة؟». قال: ها أنا يا رسول الله. قال: «فاإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
نعم، كتاب العلم البخاري رحمه الله أراد أن يبين فيه أموراً، من أعظم هذه الأمور أن يبين ما هو العلم الحق الذي يجب أن تشتغل به، الأمر الثاني الذي هو علم الدين، علم الوحي، كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، دينك الذي هو عصمة أمرك، هذا أعلى معنى للعلم، وما سواه فإنما يستمد فضله بقدر نفعه وبقدر أثره عليك، أما علم الدين فهو أعلى العلوم، أنك أنت تعلم ما تحتاجه من دينك.
فالبخاري أراد أن يبين ما هو العلم الذي ينبغي أن تشتغل به، ثانياً أن يبين أخلاق العالم والمتعلم، ويبين فقه العالم وحكمة العالم والمتعلم وغير ذلك من الأمور. طبعا من عيوب الاختصار أنك أنت تجد الحديث أحياناً لا يتماشى مع الترجمة واضح، فلذلك أنا عندي مثلاً في النسخة التي عندي باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل، لم يذكر فضل العلم لأن الحديث لا يتكلم عن فضل، وإنما يتكلم عن حكمة العالم، أو أدب السؤال ونحو ذلك.
في هذا الحديث أن الرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ طيب هل هذا السؤال هو متى الساعة؟ هل هو ينفع؟ لا، لا ينفع. فلذلك من فضل المعلم وحكمة المعلم ليس أن يجيب على كل سؤال يسأله المتعلم، خطأ أن يعلم المتعلم ما الذي ينبغي أن يسأل عنه، فكرة مهمة دي يا شباب.
أن أحياناً أنا آسف، ودائماً بقول يا شباب عشان لساني واخد على الطلاب اللي معنا، ولأن في واحد زعل قال لي: يعني احنا كبار في السن مش لازم تقول لنا شباب. مع أن كلمة حلوة والله. فكرة مهمة؛ مثلاً أحياناً ولدك يسألك عن شيء لا يلزم أن تجيبه، علم ولدك ما الذي ينبغي أن يسأل عنه، بيقول لك مثلاً إيه طب وربنا فين؟ طيب هو الساعة هتقوم امتى؟
طبعاً الله سبحانه وتعالى في السماء، لكن أنا ضربت لك أمثلة للأسئلة، لو أنت تماديت مع هذه الأسئلة ربما يكون ابنك يحتاج صنفا آخر من العلم غير الجواب على هذه الأسئلة. لذلك أنا مثلاً لما بروح أي محاضرة أقول للشباب: الأفضل أننا لا نأخذها جواباً في الأسئلة، وإنما نأخذ محاضرة متكاملة أفضل؛ لأن الأسئلة لا تنتهي.
فهذا مهم، أن الرجل قال: متى الساعة؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجب هذا الرجل، وبعد ذلك أتم حديثه، ثم قال: «أين أراه السائل عن الساعة؟». قال: ها أنا يا رسول الله. قال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لا يعلم متى الساعة.
كلمة وسد يعني فوض الأمر أو أسند. فيه كذلك العناية بجواب السائل، وفيه كذلك أن تعلم السائل ما الذي ينبغي أن يسأل عنه، وفيه كذلك كما جاء في حديث آخر لما قال: وماذا أعددت لها؟
هذا من أجمل ما يكون، أنا أرى أن هو يتمم هذا السؤال لما قال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ أن هو لفت انتباهه إلى الأمر الذي ينبغي أن تشتغل به. يعني أنت لا يهمك متى الساعة أو متى تموت أو كيف تموت، وإنما يهمك ما الذي تموت عليه وتلقى ربك، لذلك قال خبيب: ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي، عادي. ما دمت أنا هاموت مسلما لا يهمني أموت مقتولا محروقا، لا يهمني. المهم أن أنا ألقى الله مسلما.
أكمل: باب من رفع صوته بالعلم. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار». مرتين أو ثلاثة، نعم.
البخاري أراد أن يبين أن من آداب المتعلم أنه أحيانا يرفع صوته بالعلم. يعني حينما يعلم. وطبعا البخاري كما ذكرت لكم يريد أن يستخرج من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يحتاجه المؤمن، سواء كان متعلما أو عالما أو تاجرا أو زوجا أو أبَا أو أخا أو صديقا، كل ما يحتاجه المسلم، لا يحتاج فيه مثل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا يرفع صوته بالعلم، وأحيانا العالم يحتاج أن يرفع صوته.
كلمة تخلف يعني تأخر خلفنا. وكلمة فأدركنا يعني لحق بنا. وكلمة أرهقتنا الصلاة يعني ضاق بهم الوقت فحمَلَتْهم الصلاة على أدائها، يعني لم يبق لهم وقت. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأعقاب من النار» لأنهم كانوا يمسحون، يعني لا يغسلون أرجلهم، مجرد فقط يمرر عليها الماء أو لا يتقن غسلها. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأعقاب من النار» التي لم يمسها الوضوء، أي لم تسْبِغ.
وهذا الحديث فيه الحث على إسباغ الوضوء، وفيه كذلك ملاحظة العالم للمتعلمين. أنك ابنك مثلا -أنتم تعرفوا يا جماعة، بلاش بلاش يا شباب، تعرفوا أن أنا قابلت عدد من الشباب، واحد عنده ثلاثين سنة، أنا آسف في الكلمة نحن أخوة- لا يعرف الجنابة ولا يعْقِل الاغتسال ولا يعرف يقرأ الفاتحة. هذا أنا قابلتهم الشباب، أنا دائما أتكلم معهم عشان أكتشف الشاب ما يعرفش، ما يعرفش يعني إيه هذه الأمور.
أنت لابد أنت كوالد تتفقد ولدك في هذه الأمور، وتتفقد من تعرفه. لأنه أنت تبني على أنه لابد أن يكون عارفا، لأ مش لابد، ممكن ما يكونش عارف أصلا. لذلك أنا عملت السلسلة هذه التي هي كيف تعلم ولدك ما يحتاج من دين الإسلام، فلابد أن تتعهد أبناءك ولابد أن تسألهم، تعلمهم سنن الفطرة، تعلمهم النظافة. الأم تعلم ابنتها، والرجل يعلم أبناءه، وهكذا.
أكمل. تفضل: باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟». فوقع الناس في شجر البواِدِي. قال عبد الله: ووقع في نفسه أنها النَّخْلة.
قال: إن من الشجرة شجرةً لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسه أنها النخلة، فاستحييتُ. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخلة».
نعم، كثير من الشباب مثلا إذا أراد أن يدرس في طلب العلم فإنه يهتم بالكتب التي هي آداب العالم والمتعلم وآداب طالب العلم، هذا جميل، لكن لابد أن تعلم أن أنفس ما تحتاجه في الكلام عن العلم وخلق العالم والمتعلم، والعلم الذي يرضي الله، هو ما جاء في كتاب الله عن العلم، وما جاء في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلما ومعلما، وأحسن ما جاء في ذلك كتاب العلم في صحيح البخاري. هذا الكتاب هو أفضل كتاب في آداب طالب العلم على الإطلاق، ومع ذلك لم أجد أحدا نبه عليه في الكلام عن كتب آداب طالب العلم، دائما يذكرون الكتب المتأخرة.
وهذا فيه نفع لا شك، لكن البخاري من حكمته ومن سعة علمه أن هو جعل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل باب هو الأصل. فشوف هنا يذكر لك أن من فقه العالم أن يطرح المسألة على طلابه ليختبر ما عندهم. طيب، فطبعا الحديث -أظن- سهل، البوادي جمع بادية التي هي الصحراء بخلاف الحاضرة. والنخلة، وجه الشبه بين المسلم والنخلة من جهة البركة، ومن جهة أن البركة في النخلة حاصلة من جميع أجزائها، يعني هذا من بعض أوجه التشبه أو التشبيه.
فيه كذلك امتحان العالم لأذهان الطلاب، وفيه التحريض على الفهم، وفيه كذلك ضرب الأمثلة، وفيه توقير الكبير؛ لأنه استحيا عبد الله بن عمر لأنه كان أصغر القوم وكان يتأدب في المجلس.
ما جاء بالعلم: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جَمَلٍ فأناخَه في المسجد، ثم عقله ثم قال: أيُّكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم. فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجبتُك».
فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمُشَدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تَعْجَبْ في نفسك. فقال: «سل عما بدا لك». فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آللَّه أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آللَّه أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ فقال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آللَّه أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ فقال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آللَّه أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم نعم». فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضِمَامُ بن ثَعْلَبَةَ أخو بني سعد بن بكر.
نعم، في هذا الحديث -يعني- خلينا نذكر المعاني: كلمة أناخَه يعني أن هو أبرك الجَمَلَ، خلى الجَمَل يبرك. وعَقَلَهُ يعني شد حبله على ساق الجمل حتى يمنعه من الحركة، ربطه يعني. ومُتَّكِئٌ يعني مستند. وكلمة أنشدك بالله يعني أسألك بالله. وكلمة اللهم نعم، كلمة للجواب.
طيب، في هذا الحديث أول ما نقف فيه: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، أن الرجل دخل لم يميز النبي صلى الله عليه وسلم عن باقي الصحابة، لا يتميز ولا يتعمد أن يتكلف على أصحابه. ولذلك أن يكون كما قال بعض الناس إن أهل العلم يجب أن يميزوا عن عامة الناس، هذا ليس صحيحا، إنما لا ينبغي أن يتميز المؤمن عن الناس لا بلباس ولا بشكل، إذا كان اللباس مباحا عادي.
يعني يقول لك: لا يجب أن تكون مميزا عن الناس، هذا ليس صحيحا. سنة النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها هذا العمل، فالانسان بالعكس، الإنسان كلما وافق عُرْف الناس كان أقرب إليهم. الإنسان لا يتعمد، خد بالك، إذا كان الإنسان بطبعه له ملابس معينة عادي، لكن لا يتعمد أن يتميز عن الناس، دي مهمة. تمام، طيب هذا دي أول شيء. الأمر الثاني: أن الرجل جاء يتثبت من النبي صلى الله عليه وسلم وجاء يسأل عن دينه.
وسأله كذلك بالله تبارك وتعالى، وسأله عن أهم ما في الإسلام وهي الصلاة ونحو ذلك، وبعد ذلك الرجل أخبر أنه رسول من ورائه، يعني أنه سيخبرهم وسيعلمهم. في الحديث كذلك عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، كما قال: أرسلك الله للناس كافة.
في كذلك الحلف جواز الحلف لزيادة التأكيد، يعني أظن الحديث سهلاً.
أكمل: باب ما يذكر في المناولة. عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلاً، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقَه. قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمزقوا كل مُمزق.
طبعاً وجه ذكر البخاري أو إتقان البخاري لهذا الحديث في كتاب العلم، حتى يبين أن المناولة جائزة؛ أن محدثاً راوياً يناول كتابه لأحد الطلاب ويقول له: اروِ هذا عني. فالبخاري يقول: إن هذا جائز؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك؛ أنه بعث بكتابه رجلاً وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين. واضح؟
فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه. الشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل كتابه واعتمد ذلك. فطبعاً ذكر بعض العلماء شروطاً، منها مثلاً: أن يتحقق أن هذا الكتاب فيه أحاديث العالم، وأن يتثبت منه ونحو ذلك.
أكمل: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً -أو أراد أن يكتب- فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً. فاتخذ نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده. نفس الشيء هنا؛ كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً أو أراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً.
البخاري ذكر هذا الحديث ليؤكد أن الكتاب -يعني كلما احتطنا فيه؛ مثلاً واحد يريد أن يرسل كتابه إلى عالم، مثلاً الزهري يريد أن يرسل كتابه إلى يونس وهو أحد تلامذته، وكلما احتاط في ذلك، يعني كان الرجل المرسل أميناً الذي هو يأخذ الكتاب ينقله إلى الراوي أو إلى التلميذ، كان أميناً أو كان الكتاب مختوماً- كل هذا أفضل في الاحتياط في الحديث.
قال: فاتخذ خاتماً من فضة نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده. هذا وجه الاستدلال؛ منه طبعاً جواز اتخاذ الخاتم من غير الذهب لختم الرسائل، وفي كذلك طلب التثبت من صحة الرسائل، وفي كذلك مراسلة الأمم والملوك لدعوتهم إلى الإسلام، وفي جواز لبس الفضة للرجال وجواز نقش الخاتم. هذا واضح من الحديث، ولكني أذكر من ذكر البخاري الحديث.
أكمل: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها. عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذهب واحد.
قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوَى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض الله عز وجل عنه».
في هذا الحديث يتكلم البخاري رحمه الله عن آداب المتعلم، ونلاحظ أن هؤلاء الثلاثة عرض عليهم نفس العمل، وهذا ما أذكره كثيراً؛ أن رد فعل الناس يختلف مع أن العمل واحد، كما ذكرناه في قصة قارون، وذكرناه كذلك في مشهد الأحزاب؛ فعل المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، التمايز بينهم.
هنا هؤلاء الثلاثة رأوا مجلساً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أحدهما أو هؤلاء -أقبل اثنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذهب واحد- يبقى أول واحد أراد تماماً. طيب، والاثنان؟ واحد منهم رأى فرجة فجلس، الآخر فجلس خلفهم، واما الثالث فأدبر ذاهباً. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟» يعني أخبركم حال هؤلاء؟ قال: «أما أحدهم فأوَى إلى الله فآواه الله».
وهذا يدل على الفكرة التي نذكرها كثيراً يا شباب؛ أن العبد يبدأ منه العمل، يبدأ منك أنت. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-7]. من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى. يعني البادرة، لابد أن تبادر؛ كثير من الناس يسأل عن الخطط والبرامج ولا يبدأ، بادروا بالأعمال.
«وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه»، وهذا يثبت هذه الصفة لله تبارك وتعالى على ما يليق به، وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يستحي من الحق، هذا جاء (والله لا يستحي من الحق)، لكن هذا جاء في الحديث، ثبت؛ فنثبت لله تبارك وتعالى وله المثل الأعلى وله الكمال.
«وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه»، هذا يدل على أن من أعرض عن الله فإن الله تبارك وتعالى يستغني عنه. كفروا وتولوا واستغنى الله. وإذا استغنى الله عنه، فكيف تقبل أنت عليه؟ يعني رجل مثلاً أنت دعوته للإسلام وحاولت معه وبينت له الحجج والأدلة وتحقق لديك أنه ينفر من ذلك، وأنه يكره هذا ويبغضه تماماً ولا يعيرك سمعاً، هل هذا هو الأولى أن تعطيه وقتك أم من جاءك يسعى وهو يخشى؟
الحديث فيه فوائد كثيرة، من أعظمها الإقبال على الله تبارك وتعالى.
أكمل: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوْعى من سامع. عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قعد النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره، فأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه، ثم قال: «أي يوم هذا؟» فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه.
قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: بلى. قال: «فأي شهر هذا؟» فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: «أليس بذي الحجة؟» قلنا: بلى. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل الشاهد أن يبلغ من هو أوْعى له منه».
في هذا الحديث طبعاً البخاري جعل له باب رب مبلغ؛ المبلغ الذي يخبر، نحن عندنا راوٍ للحديث وواحد تلقى هذا الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: رب مبلغ -يعني شخص يبلغ بالحديث- يكون أوْعى وأفقه وأفهم ممن روى هذا الحديث. وهذا يدل على أن الدين كله أمران: رواية، وفقه لهذه الرواية. يعني آية أو حديث أو أثر، وفقه لهذه الآية أو الحديث أو الأثر، يعني استنباط؛ الفهم الأول أنك تفهم، وبعد ذلك تستخرج منه المعاني.
فطبعاً الحديث معروف، وإن شاء الله سيأتي معنا بإذن الله في كتاب الحج أو في غيره. وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حرمة الدماء والأعراض، وكذلك حث على تبليغ العلم، وفيه كذلك التعظيم -حرمة الدماء والأموال والأعراض- وفيه كذلك الحث على حفظ الرواية وفقه الرواية كلاهما. لماذا نقول ذلك يا شباب؟ لأن عدد الطلاب مثلاً ممكن يعيش على كتب اللغة تماماً دون أن يستعمل هذه الكتب في فقه القرآن والحديث.
يعني هو عمال مثلاً يدرس في الشعر والنحو والصرف، وهو أصلاً كنا ندرس الشعر والنحو والصرف لمجرد هذا الأمر، طب ما الفرق بين الكيمياء والفيزياء والنحو والصرف؟ إذا لم تستعمل النحو والصرف واللغة في فقه الكتاب والسنة، ما الفرق بينه وبين الكيمياء والفيزياء؟ لا فرق. واضح؟ فالعلم إذا كان شرعياً لابد أن يتصل بوجه ما بكتاب الله وحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
أشخاص أعرفهم من عشرين سنة عمالين يدرسون في مصطلح الحديث فقط؛ يعني عمال يدرس مثلاً أن الحديث الصحيح تعريفه كذا والحديث الشاذ تعريفه كذا، دون أن يهتم بتطبيق ذلك على كتب الحديث، فضلاً عن أن يفقه الحديث نفسه، يفقه الحديث نفسه ويعمل به.
لا يا شباب، لابد أن نعرف أن كل العلوم إنما تطلب ليتعرف على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبلها طبعا كتاب الله وتفقه، هذا هو الأصل، تمام؟ فيبقى هذا الحديث فيه حث على حفظ العلم، كذلك على فقه العلم.
أكمل: باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا.
نعم، هذا أيضا من فقه العالم؛ أن العالم لابد أن يراعي حال المتلقين، وهذا مهم جداً يا شباب، فيه أكثر من دلالة: أولاً طبعاً هو ابن مسعود نفسه كان يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
طيب، هل معنى ذلك أن هذا هو الأصل في التعليم؟ لا، هذا هو تعليم الناس عامة الناس؛ يعني أنا أعطي درساً في المسجد أو أعطي لأبنائي أو أعطي لأصدقائي في العمل، أتخولهم بالموعظة؛ يعني أتخفف عليهم.
لكن إذا كان إنسان جعل قربته إلى الله طلب العلم، وتفرغ له وعنده الإمكانات والمواهب والوقت، هل نقول له يتخول بالموعظة؟ لا، بل هذا ينبغي أن يعود نفسه على كثرة الطلب، وحفظ الوقت، وكثرة القراءة والكتابة والتلخيص والمراجعة والمدارسة.
يبقى هذا الحديث يا شباب نأخذ منه أصلاً، ألا وهو مراعاة حال المتلقي؛ فإذا كان المتلقي ليس متفرغاً لطالب العلم، إنساناً عنده شغل أو عنده كذا؛ يعني يتفرغ للعلم وقتاً قصيراً، فلا ينبغي أن نزيد عليه، أما إذا كان شخصاً جعل العلم أصلاً في حياته، فهذا ينبغي أصلاً أن نقوي عزمه ونرغبه في الازدياد من العلم.
وفيه طبعاً عن فضل النبي صلى الله عليه وسلم وحكمته، وكلمة يتخولهم يعني يتعهدهم؛ يعني يراعي الأوقات التي يعظهم فيها، والموعظة التي هي النصح والتدبير، وهذا فيه، كما قلت لكم، مراعاة حال المتلقي، وفيه الحكمة في الدعوة إلى الله، ومنها كمان -وهذه فائدة مهمة جداً- ألا يكثر على الناس الأمر والنهي.
بعض الناس مثلاً يقابل ولده في اليوم ربع ساعة تكون كلها أمر ونهي: صل، ما تسمعش كذا، ما تعملش كذا. لا، ينبغي أن يكون هذا كالملح في الطعام؛ الأصل أنك تتكلم معه، تودي، تسمع منه الحكاوي بتاعته، وفي وسط الكلام ممكن تأمره تنهاه، واضح؟
أكمل: عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا». نعم، أيضاً هذا من أدب أو فقه المعلم أو الداعي؛ أنك أنت بقدر ما تيسر على مسلم، وهذا يدل على الحب والحرص.
ليه يا شباب؟ لأن الدعوة إلى الله ليست مجرد إقامة حجة، تجد إنساني مثلاً يناقش شخصاً يناظره ويعني بنسميها في مصر بينقر معه كده، لأ! أنت المفروض بتحاول تسهل له العبادة، تحببه فيها، تعينه عليها، تشجعه، يعني عارف أقول لك إيه؟ هذا من معنى قول الله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ [التوبة: 128].
في فرق بين أن تقول لابنك: أنت ما بتصليش! ده اللي ما بيصليش هيدخل النار! أنت ما عندكش دم! وبينك تقول له: ليه يا حبيبي! ده الصلاة جميلة! الله سبحانه وتعالى أنعم عليك بكذا وكذا، والصلاة عماد الدين والصلاة فيها فضل كذا وكذا، بحب وحرص، آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما.
فالتيسير منه مثلاً أن تختار له الأعمال السهلة المناسبة، تختار له ما يستطيعه، طبعا الفرائض أصل، لكن باتكلم على المستحبات.
كذلك تعينه، هذا من التيسير، تشجعه، تثني عليه، صح ولا لا؟ كل هذا من اليسر، كل هذا بالمناسبة يدل على رحمتك.
على فكرة، هو اتصال بي واحد -قبل مدة- وبيقول لي: أنا بنتي كافرة، بيقول له: ليه يا ابن الحلال؟ قال لي: أصل وحاسس، أنا مش بيقول مثلاً كده عشان نحاول ننقذ بنته، لأ، ده هو فرحان! أنا أول مرة في حياتي أشوف واحد كهذا الصنف في حياتي؛ يعني من عشرين سنة تقريباً وأنا أدخل مع الناس في محاولات حلول ونتكلم ونناقش وكذا، والله ما رأيت واحداً كهذا الرجل، يعني مش بس إنه بيقول إن بنته كافرة -وطبعاً هو غلطان أصلاً، هو جاهل، ليس عنده علم أصلاً، ويفتري على البنت، بنت صغيرة عندها حوالي تلتاشر سنة أو أربعتاشر سنة- اللي غاظني فيه مش بس إنه بيقول كده، لأ، إنه بيتشفى فيها! فرحان! ده أنا قلت له: يا أخي، ده سيدنا نوح اللي ابنه كان كافر صرف، وطلب الرحمة له من الله تبارك وتعالى، وأنت بنتك لسة في الحياة وأنت كرهتها ونفرتها في الدين!
يبقوا دي فكرة مهمة يا جماعة؛ لابد يكون معك رحمة، ترحم الناس بالعلم، مش مجرد أنك تقيم عليهم الحجة، تلقي لهم الآية والحديث وانتهى الأمر، يعني التيسير خلاصته أن تختار لهم أول شيء تحسن الطريقة لتدعوهم بها، ثاني شيء تختار لهم من الأعمال ما يناسبه -طبعاً أنا باتكلم عن المستحبات، الفرائض الأصل- تعينهم، تشجعهم، ترغبهم، تذكر لهم ثواب العمل، تثني عليهم، تتابعهم.
بين وقت وآخر، أنت مثلاً في العمل، عندك صديقة، أنت مدرسة مثلاً، وصاحبتك مدرسة بدأت تصلي، ابعتي لها رسالة: أخبار الصلاة أيه؟ ما شاء الله كذا، يعني أي حاجة، يعني هذا والله من أعظم الناس حبا لله من يدعو الناس إلى طريق الله، هذا إنسان يفرح بأن الناس تعبد الله تبارك وتعالى.
يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا.
أكمل: باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله».
نعم، من أحسن الأمور هنا أنك تعلم أن الله هو الذي يفقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لابن عباس: «اللهم فقهه في الدين». فالله هو الذي يفقه، نحن نطلب هذا الفقه، لكن الفقه في الدين منة من الله، فلذلك أكثر من دعاء: اللهم فقهني في الدين؛ لأن ليس كل من عنده معلومات أو يطلب العلم يفقه في الدين.
الفقه في الدين في رأيي فيه معنيان: حسن الأخذ، وحسن العمل والاستثمار؛ أنك تعرف ما الذي ينبغي أن تأخذ؟ وكيف تأخذ؟ وكيف تستثمر هذا العلم؟ يعني سواء في نفسك أو في دعوتك.
وقليل جداً من الناس من عنده هذه المنظومة، بعضهم أصلاً لا يعرف ما الذي ينبغي أن يتعلمه، وممكن يبقى عمراً طويلاً وهو عمال المتون والمختصرات والحواشي ولم يقرأ لا القرآن ولا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تمام؟ ده فضلاً بقى عن من يدرس الفلسفة والمنطق والحاجات دي ويعيش فيها طول عمره يفكر كده أنه يدرس علم شرعي، فاهم؟
فالأصل أنك أنت تطلب الهداية، أن يهديك الله لما ينبغي أن تدرسه ولما ينفعك، الأمر الثاني أن تححسن الأخذ؛ يعني أن تعرف كيف، ما هو العلم الصحيح وكيف تتفقه فيه؟ ثانياً أن تعمل به، ثالثاً أن تستثمره؛ يعني أن تستخرج منه ما ينفع نفسك وما ينفع، وهذا فضل من الله.
لذلك حتى جاء في الحديث: «وإنما أنا قاسم والله يعطي»، الله تبارك وتعالى هو الذي يعطي، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يفقهنا في الدين.
طبعاً الحديث فيه بيان أنه لا تزال لهذه الأمة طائفة تقوم على الحق حتى يأتي أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، بل الذي
خالفهم يزيدهم إيمانا وثباتا. أكمل باب الفهم في العلم: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأوتي بجمار، فقال: «إن من الشجر شجرة» وذكر الحديث.
وزاد في هذه الرواية: فإذا أنا أصغر القوم فسكت. نعم، تلاحظ أن الزبيدي رحمه الله سيضطر إلى تكرار بعض الأحاديث، لماذا؟ لأن البخاري جعل لها أبوابا، وإن كان هو طبعا لم يذكر كل أبواب البخاري، فهذا الحديث كرر معنا.
من ضمن فوائد هذا الحديث أن الصحابة كانوا يجلسون أبناءهم معهم في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من أحسن ما يكون. من أحسن ما يكون أنك أنت تجعل ولدك صاحبك، يعني تجعله يشاركك بقدر ما عنده؛ يسمع لك القرآن، والله من أجمل ما يكون يسمع لك، أو مثلا يكتب لك محاضرة، أو يعمل لك بوربوينت مثلا، يعني لي أصدقائي بيكون مثلا مجهز محاضرة، علم ولده أن هو يعمل له الباوربوينت، الولد يشارك في هذا العمل، ممكن يصورك هو لو أنت بتعمل، أو ممكن يلخص لك كتابا، أو المكتبة، أو أنت تسمع له، أو يعني أنك أنت تشارك ولدك معك بما بقدر ما عنده.
أنا لا أقول أنك أنت تلزمه بنفس ما عندك، أنت مثلا بتذاكر في اليوم خمستاشر ساعة، هتخلي ابنك يذاكر كده؟ لا، أنا لا أحب ذلك، لا أرى ذلك من الحكمة، بعض الناس يفكر أن هذا ذكاء، أن يقول لك: يا ابني حفظ القرآن في ثلاث شهور، يعني يحبسه عليه، أنا لا أوافق على هذه الفكرة، أنا أحب أن يعيش الولد يومه يلعب ويفرح مع أصحابه، ولكن يكون هذا العلم جزءا من يومه، واضح؟
بعض الناس يخالف في ذلك يقول لا، أصل فترة الصغر لازم أن الولد يعني نحفظه القرآن، أنا أرى أن الحفظ هو رحلة عمر، وحتى الأولاد اللي يحفظون القرآن ينسونه بسرعة. المهم أن هذه أمور اجتهادية، عادي ممكن أنت عايز تحفظ ولدك يعني في أيام قليلة براحتك، ولكن أنت لازم تفهم أن ده مش حفظ، دي مجرد يعني حاجة أفقية.
الشاهد من الموضوع أن أنا أحب منك أن تشارك ولدك في أعمالك، كما كان الصحابة يجلسون أبناءهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أكمل باب الارتباط بالعلم والحكمة: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها». نعم، الحسد أنك أنت يعني تتمنى ما عند غيرك، تمام؟ وفيه شح النفس.
شح النفس أنك أنت تكره أنعام الله على الناس، وهذه من أعظم خصال السوء، اللي هو شح النفس: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. أنك أنت تكره ما عند الناس من خير، بغض النظر يعني هل تريد أن يكون لك مثله أو لا، أنت بتكره أن ترى نعمة الله على عباده.
مثلا أنت شفت واحد جارك وهو بنى بيتا، فتكره أن هو بنى بيتا، أو مثلا ورث عن أبيه، أو وجد شابا جميلا، أو واحد حفظ القرآن، أو كان عنده مكتبة، أو مثلا سافر بعثة أمريكا أو أوروبا، يعني أنت تكره هذا، من أعظم خصال السوء، يجب أن تدعو الله كثيرا: اللهم قني شح نفسي.
الحسد هو من أمراض القلوب، تمام؟ وهذا الحسد ليس محمودا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني في هذا الحديث لا يحفز على هذا الحسد، وإنما يقول: إذا كان هناك حسد، حسد مشروع أنك تتمنى وترجو أن يكون لك مال أحد من إخوانك، فليكن في أحد هذين الامرين؛ إما في العلم الذي يقضي به ويعلمه، أو في المال الذي ينفق في سبيل الله. لكن هذه ليست الدرجة العليا، الدرجة الأعلى منها، النبي صلى الله عليه وسلم هنا يتكلم عن أصل المشروعية، يشرع لك ذلك، يشرع عادي، يعني يمكن أنك أنت مثلا وأنت جالس في البيت هنا سمعت جارك وهو يقوم الليل، فترجو أن يكون عندك ما عند جارك من الخير دون أن يزول منه، هذا مشروع.
لكن الأعلى من ذلك ألا تفكر في هذا أصلا، أنك أنت لا يشغلك ما عند الناس، أنت الذي يشغلك فقط أن تكون على خير، يعني لا تطلب أن تكون مثل الناس ولا أعلى منهم، أنت تطلب أن تتقي الله بما تستطيع، وأنا ذكرت هذا بتوسع في درس البخاري، لا أريج أن أكثره لأن الأصل في التعليقات هنا أنها تعليقات خفيفة عشان يكون عندك تصور عن الحديث.
فالأكمل في هذا ألا تلاحظ غيرك في هذا الباب، لا تهتم مثلا، أنت بتصوم يوم في الأسبوع فأخبروك أن فلانا يصوم يومين في الأسبوع، تمام، فكان الدافع لك أن تصوم يومين هو أنك أنت تكون مساويا له؟ لا، لا ينبغي أن يخطر ببالك هذا أصلا.
لماذا؟ لأن في قاعدة هم بيقولوها في بعض كتب الرقائق وهي قاعدة باطلة: إذا استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل. هذا ليس عندنا نص في الإسلام فيه هذا المعنى، قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26] ليس المراد منه أن تقصد أن تكون أعلى من الناس وهم دونك، لا، المقصود أن تبذل ما تستطيع بغض النظر هل سبقت الناس أم لا.
لماذا؟ لأنك لو وضعت في نفسك مجرد أن تسبق الناس في نوعان من الخطأ: النوع الأول: أن تحزن بأن يسبقك أحد، طيب وأنت تحزن ليه؟ أنت دلوقتي لما واحد يقول لك إن فلانا هذا حفظ القرآن كله وأنت لسه حافظ نص القرآن، هل تحزن ولا تفرح؟ ينبغي أن تفرح. طب لو قالوا لك إن فلانا هذا أنت مثلا تريد أن تذهب إلى هم نصارى تريد أن تدخلهم في الإسلام، فقالوا لك: والله فلان سبقك وأدخل الناس في الإسلام، تزعل؟ لا، ينبغي أن يحزنك هذا بل ينبغي أن تفرح به، يبقى هذا هو الأمر الأول.
الأمر الثاني: أن أصلا أنت ممكن تقيس نفسك على أناس ضعفاء، فتكون أنت أسبق منهم مع أن أنتم الاتنين ضعفاء، أنت يمكن كنت أفضل منه، واضح؟ يبقى فكرة إذا استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل، فكرة خطأ. إنما الصواب: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] دون أن تلاحظ هل سبقك، هل هو كوكبة، بل ينبغي أن تفرح إذا عرفت أن أحدا من إخوانك سبق، لأنك سبحان الله مش هو فاعل خير؟ يعني هو فاعل خير أو لم يفعل خيرا؟ فعل خيرا.
المهم أن هذه الكلام له تفاصيل، وأنا عموما لا أحب هذه المواعظ التي هي متكلفة، أنا أحب أن يكون اهتداؤك بكتاب الله وبهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. كلمة سارعوا أو سابقوا أو استبقوا أو في ذلك فليتنافس، ليس المراد منها أن تتعمد أن تكون أعلى والناس دونك أبدا، وإنما المراد فيها أن تتقي الله ما استطعت.
زي بالضبط أنت في حارة بتجري، أنت تريد أن تقطع المائة متر في أقل وقت ممكن لك، سواء بقى في حد سبقك، في حد كان وراك، في حد كان مساويا لك، هذا لا يشغلك أصلا. ولذلك يا شباب، أنا أحب منك أن تأخذ باب التقرب إلى الله عن القرآن والحديث، وليس من كتب المواعظ إلا إذا كانت كتب تعتمد على القرآن والحديث. ربما تجد كتاب للرقائق من أوله لآخره فيه آية ولا حديث، كله كلام وقصص عن فلان العابد وفلان التائب، وهكذا، ولذلك يقع في فعلهم وأقوالهم كثير من الغلط، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم هو الميزان.
يبقى معنى حديث هذا: إن كان هناك حسد مشروع فليكن، يعني إذا أردت أن تتمنى مالا لأحد من الناس فليكن.
تتمنى العلم الذي يبذل أو المال الذي يبذل في سبيل الله، هذا إذا كان. فطبعا المقصود بهذا، هذا الحسد سموه بعد ذلك الغبطة، لكن هو حسد. هل هذا النبي صلى الله عليه وسلم سماه غبطة ولا حسد؟ سماه حسداً، هو حسد، تمام؟ لكنه مأذون فيه. في فرق بين مأذون فيه وبين أنه مستحب، لا، هو مأذون فيه فقط، ليس مستحباً.
ليس مستحباً أن تركز مع الناس، تمام؟ أنت ممكن تقول: طب ليه، إيه المشكلة يعني؟ طب ده هو على خير وأنا عايز أكون مثله، لا، لأن الدافع لك هو أنك تكون مثلاً له. لا ينبغي أن يكون الدافع لك في العمل الصالح أن تكون مثلاً له، الدافع لك في العمل الصالح أن هذا عمل يحبه الله ورسوله، وأنا أريد أن أكون عليه، سواء كان الناس كلهم عليه أو ليس واحد منهم عليه أو بعضهم عليه وبعضهم ليس عليه. لا ينبغي أن يكون الدافع لك أن تتساوى مع الناس أو تسبقهم، لا، الدافع لك أنك تريد أن تعمل العمل الصالح لله فقط، سواء الناس تساووا معك أو لا.
ولا ينبغي أبداً أن يحزنك ما عند أخيك من الخير، مثلاً أنت تصورت -وبيحصل كتير أن مثلاً واحد هو حتى واحد قالها لي- قال لي: أنا بأخرج من خطبة الجمعة بألاقي المسجد اللي جنبي الشيخ اللي يخطب حاضر له أنا كان حاضر لي خمسمائة بأتضايق! ما هو ده نفس الشيء، وهو متصور بكده أنه بيعمل عمل صالح! يقول: لا، لأنه سبقني إلى الله، وإذا أردت أن، وإذا استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل. ما هذا الكلام؟
فينبغي أن تفرح بكل من أحب دين الله، أحب من يدعو إلى الله، وأحب الخير للمسلمين. لما واحد يقول لي إن فلان هذا صارت له دعوة، ويستشعر بيته، والحمد لله أصبحوا يسمعون هنا دروسه، أزعل؟ أقول: لا، ينبغي أن أنا اللي أسبقه، لا. يعني شوف مثلاً عبد الله بن عمر لما علم فضل الصلاة على الجنازة، ماذا فعل الصحابة؟ سبقوه إلى ذلك. هل قعد يقول: إيه ده؟ الصحابة سبقوني؟ لا، قال: قد فرطنا من قراريط، يعني أنا ضيعت. فهو زعلان على أن هو ضيع، مش زعلان أن هم نالوا خيراً.
الإنسان لو زعل أن إخوانه نالوا خيراً، هذا من نقص الإيمان، من أعظم علامات الإيمان، فلذلك أنا كثيراً ما أنبه على هذه الفكرة، وإن شاء الله أضع لكم هذا المنشور، يعني اللي هو نقض هذه الفكرة اللي هو: إذا استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل. هذه الفكرة من أساسها غلط، وليست مأخوذة من القرآن، وليست هي معنى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ليس تنافس أن تريد أن تكون أعلى والناس دونك، لا، التنافس أن تبذل ما تستطيع.
طيب، عندنا الأثر وهو أن عمر قال: اليوم أسبق أبا بكر. تمام؟ هذا ليس من الكمال، الكمال ما فعله أبو بكر رضي الله عنه، يعني ما فعله عمر هو مأذون فيه، مشروع أن الإنسان يريد أن يسبق، هذا يشرع له، لكن الذي فعله أبو بكر أكمل، أنه لا يلاحظ، لا يهتم هل هو السابق أو المسبوق، ولا يهتم، الذي يشغله فقط أن يبذل ما يستطيع. يعني أنت مثلاً عندك عشرة جنيه، ماشي، تصدقت بها، فعرفت مثلاً أن صاحبك تصدق بعشرين جنيه، فتقول: آه، لا، ده أنا كنت أريد أن أكون أعلى. طب وليه تريد الادعاء؟ طب هل صاحبك فعل خيراً أم شرا؟ فعل خيراً.
هذه بالمناسبة منزلة عالية من الإيمان؛ أنك أنت تفعل الشيء وتحب الخير لإخوانك، تحب أن يشاركوك فيه، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَان بهم خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. لذلك لا تعود ولدك على هذه المنافسة: فلان أحسن منك أو أنت أحسن من فلان. لا، كلمه عنه هو كشخص، يعني أنت كانسان ماذا فعلت؟ لأنه ممكن مثلاً يكون عندك فروق فردية، ولد يحفظ كويس جداً ابنك، والتاني حفظه ضعيف بيتعب، لكن هو إمكانياته كده، فلو أنت قسته على الأخير تبقى ظلمته، فاهم؟ وكمان بتعلمه الحقد وبتعلمه أنه يفرح في خزي أخيه، لأنك لما كل مرة تقول له: أخوك أحسن منك حفظاً وأنت ما حفظتش، يبقى يتمنى أن أخوه ما يحفظش!
خذوا بالكم أن هذه الأمور ليست منافسة، هذه الأمور تربي الحقد والحسد في النفس، وتجعل الإنسان يركز على غيره ويقيس نفسه على الناس وليس على نفسه. هذا باب من الشر كبير، النبي صلى الله عليه وسلم هنا لم يجعل هذه مرتبة عليا، وإنما قال: «لا حسد إلا في اثنتين»، يعني إن كان الحسد في شيء وإن كان مشروعاً فليكن؛ تتمنى ما عند أخيك من الخير في الدين، تمام، لكن ليس معنى ذلك أن يكون هذا هو الأصل، أنك أنت تريد أن تكون مثل الناس. لا، أنت تريد أن تعمل الأعمال الصالحة لأنها صالحة، ليس لأن الناس عملوها.
ماشي، أکمل يا أسامة، معلش أطلت في هذا.
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم علمه الكتاب. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم علمه الكتاب».
نعم، من أعظم ما في هذا الحديث هو أن خير المنتفع به لولدك ولمن تحب: اللهم علمه الكتاب، كذلك أن الله هو الذي يعلم، تمام؟ وفيه كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بصغار. أكمل.
باب متى يصح سماع الصغير؟ وعنه رضي الله عنه قال: أقبلت راكباً على حمار آتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الآتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك.
نعم، طبعا آآ أنا أنست يعني قارب، يعني قارب البلوغ، ابن عباس كان بالبلوغ، والآتان اللي هو أنثى الحمار، وإلى غير جدار يعني ما كانش أمامه، لم يكن أمامهم ستْر. خلاص، فابن عباس بيحكي أن هو دخل المسجد وهو قارب الاحتلام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار يعني إلى غير سترة، فمررت بين يدي بعض الصف، يعني ابن عباس رضي الله عنه مر أمام الصفوف، فيدل على جواز المرور أمام الصفوف ما دام فيه إمام، وأرسلت الآتان -اللي هو أنثى الحمار- ترتع، ترتع يعني تأكل ما يشاء. هذا في جواز المرور بين الصفوف.
والبخاري أراد أن يستدل به على ماذا؟ على صحة سماع الراوي وهو صغير؛ لأنه لم يحتلم، يعني كان قبل البلوغ، هذا هو المراد.
أكمل. عن محمود بن الربيع رضي الله عنه قال: عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو.
نعم، يعني أن البخاري أراد أن يستدل على جواز سماع الصغير إذا كان الراوي صغيراً وقت التحمل. نحن عندنا فيه شيء اسمه التحمل وشيء اسمه الأداء؛ التحمل اللي هو السماع، والأداء أن هو يروي. فالبخاري يريد أن يقول: إن الاعتبار في السماع ليس بالسن، وإنما بالتمييز والعقل، فذكر هنا رواية لمحمود بن الربيع، وكان من صغار الصحابة، يعني كان طفلاً صغيراً جداً في وقت حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كان عنده خمس، يعني قبل خمس سنوات. فبيقول إن هو عقل من النبي صلى الله عليه وسلم مَجَّةً، عقل يعني إيه؟ حفظ أو فهم أو تذكر، والمجة اللي هو اللي، آآ هو إرسال الماء من الفم، عارفين اللعب ده، لمن تبخ أنت آآ في تبخ على وش ابنك مية أو حاجة بتلعب معه يعني، فهو بيقول: أنا متذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد البخاري أن يستدل بها على.
ده جواز سماع الصغير إذا عقل، وما رواه، وفي كذلك عبث النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مداعبة النبي صلى الله عليه وسلم للأطفال، وهذا من أحسن ما يكون. فيه كذلك حفظ الطفل أن الطفل قد يحفظ، وفي كذلك تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكمل فضل من علم وعلم.
عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».
طبعاً هذا الحديث هو أكثر حديث أنا أحدث به الناس وهو أحب الأحاديث إلى قلبي في العلم، لأن فيه منازل الناس في الانتفاع مما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، وأكملهم من قبل هذا الهدى وكان قلبه نقياً قبل العلم وانتفع وظهر أثر العلم على قوله وفعله وسلوكه مع أهله وزوجه وغير ذلك، وكذلك علم وعلم.
الغيث طبعا اللي هو المطر، ونقية يعني قطعة طيبة من الأرض، والكلأ اللي هو النبات، يعني يطلق على النبات اليابس والرطب، والعشب يطلق على النبات اللي هو الرطب، والأجادب يعني الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، والقيعان اللي هي الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت، وكلمة لم يرفع بذلك رأساً يعني أعرض عن هذا ولم يقبل الهدى الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعاً هذا الحديث أصل في التفقه في الدين والحث على طلب العلم وكذلك على التعليم وذم من لم يعمل بعلمه. أكمل باب رفع العلم وظهور الجهل، عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا». نعم.
طبعاً أريد أن أنبه تنبيهاً على الحديث السابق، كثير من الناس يظن أن الحديث السابق هذا في العلماء فقط، ليس صحيحاً، قد يكون الرجل منسوباً إلى العلم وهو من أفجر الناس ويكون ظهيراً للمجرمين، المراد في هذا الحديث من قبل العلم وتأثر به وعمل به وعلم.
ربة المنزل المرأة التي تعلمت حديثاً وعلمته ولدها تدخل في هذا الحديث من أوسع أبوابه، رجل نجار، نقاش، مبيض محارة، شغال في الحديقة، شغال مدير، دكتور، أي واحد يقبل على كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفقه فيه بقدر ما يعلم ويظهر أثره عليه ويعلم الناس فهو من الداخلين في هذا الحديث أياً كان مجاله، واضح؟
لذلك ابن تيمية كان ينبه على هذا المعنى كثيراً، اللي هو كم من زنديق في قباء، وكم من صديق في قباء، القباء هو لبس الأعاجم. يعني بعض الناس يقول إن أولياء الله فقط في العلماء والمجاهدين، لا، ممكن يكون يجاهد لنفسه لسمعة ويكون عالماً ويكون فاجراً، ويمكن أن يكون رجلاً بسيطاً، يعني في ميزان الناس رجل عامل أو صانع وليس منسوباً للعلم، ولكنه يدخل في هذا الحديث، لماذا؟ لأنه كلما علم شيئاً عن دين الله عمل به وعلمه فيدخل في هذا الحديث.
الحديث الآخر فيه رفع العلم وظهور الجهل، قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا». هذا فيه، طبعا أشراط الساعة علاماتها أو مقدماتها، ويرفع العلم يعني دليل على موت العلماء، لأن العالم، ما يموت في قلب العالم من العلم أعظم مما بثه في الناس، لازم تفهم دي، يعني ما في قلب العالم من العلم أكثر بكثير مما ذكره في دروسه أو كتبه.
ويثبت الجهل يعني ينتشر ويشيع، طبعاً هذا الحديث فيه تنبيه على نشر العلم والمبادرة إلى ذلك، وأن الإنسان العالم لا يضيع نفسه، يبذل هو يعلم، وفيه كذلك بيان أن قبل الساعة يكون فتن، نسأل الله تبارك وتعالى أن يقينا هذه الفتن وأن يجنبنا اياها.
أكمل، عنه رضي الله عنه قال: «لأحدثنكم حديثاً لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد».
طبعاً عنه، يعني عن أنس رضي الله عنه، لماذا قال لأحدثنكم حديثاً لا يحدثكم أحد بعدي؟ يعني لأنه من آخر الصحابة موتاً، تمام وعلم، طبعا كان تقريبا يكلم أهل البصرة هنا لأنه أقام في البصرة فترة، فكأنه قال لهم يعني لم يبق أحد يحفظ هذا الحديث، يعني أن الصحابة الذين كانوا يحفظونه توفوا، فذكر أن من أشراط الساعة نفس الشيء ولكن ذكر هنا تكثر النساء.
وعلامات الساعة لا تدل على الخير أو الشر هي مجرد علامات، يعني النبي صلى الله عليه وسلم هو من علامات الساعة، واضح كده؟ ونزول المسيح عيسى ابن مريم من علامات الساعة، وقتل الدجال من علامات الساعة، علامات الساعة لا يستلزم أن تكون شرا، واضح؟
كلمة تكثر النساء هذا خبر، النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن هذا من أشراط الساعة أو من علاماتها، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد، اختلف في هذا المعنى، إن شاء الله سيأتي في الكلام عن الفتن وغيرها، القيم اللي هو القائم، وهذا يدل على كثرة النساء على الرجال في آخر الزمان، وكذلك استنبط منه بعض العلماء حكمة في تعدد الزوجات من هذا المعنى، إذا كثر النساء، وكذلك فيه بيان أشراط الساعة، وفيه كذلك أن من الواجب على العلماء أن يبثوا العلم في الناس ولا ينبغي أن يظهر الجهل، ينبغي أن يفشوا العلم ولا يفشوا الجهل، إلا لقلة العلماء العاملين الدعاة إلى الله.
أكمل باب فضل العلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بين أنا نائم أوتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب». قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم».
نعم، هذا طبعا واضح في فضل العلم، وهذا أيضاً في تأويل الرؤى، أن من رأى نفسه يشرب قدحاً من لبن فهذا نرجو أن يكون خيراً في أنه العلم نافع إن شاء الله. القدح اللي هو المغرفة، كلمة فما أولته يعني ما فسرت وقوعه، في أظفاري يعني يخرج الري من أظفاري.
هذا فيه فضل عمر، وفضل، طبعا قبل ذلك، فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعة علمه، وفي كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤول، وأن تأويل الرؤيا يعلم، والبخاري عنده كتاب اسمه التعبير، يعني تعبير الرؤى أبو الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألون، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذبح ولا حرج». فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج». فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج».
نعم البخاري رحمه الله يريد أن يزن كل أقوال العلماء وأفعالهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبي صلى الله عليه وسلم، كيف؟ بعض الناس مثلاً يقول العالم ينبغي أن
أن يكون له حشمة، لا يعطي الفتيا إلا في مجلس، ويكون جالسا بوقار. النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الناس في الطريق وهو راكب الدابة، ليس مشكلة؛ فلذلك أعظم ما في هذا الحديث أن تبذل العلم في كل وقت. أنت طالع رحلة مع أصحابك، راكب قطار، راكب طائرة، راكب سيارة، راكب دراجة، بتتفسح، بتلعب معهم في البحر، جالس مع أولادك، تأكل مع أصحابك؛ في كل وقت يمكنك فيه أن تبث علما عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابذله.
أكمل أنا آسف. معنى الحديث يعني، أظن هو واضح يعني، إنه ثواني يا أسامة؛ عشان بعض الناس ممكن ما يفهمش معنى الحديث. معنى الحديث أن في ترتيب في مشاعر الحج أو أحكام الحج، فبعض الناس خالف هذا الترتيب، سأل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أجابه. النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجه يعني كان واقفا، فالبخاري استنبط منها أنك أنت عادي وأنت واقف تجيب الناس، أو تفتيهم أو يعلمهم.
ماشي، أكمل. باب من أجاب المفتي بإشارة اليد والرأس. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرم». قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال: «هكذا بيده»، فحرفها؛ كأنه يريد القتل.
نعم، أيضا هنا البخاري رحمه الله يرى أن هذا لا ينقص العالم قدره أن هو يستعمل يده للتمثيل، بل هذا من حكم البيان، أن تستعمل ما يعين على إوصل الفكرة للمتلقي؛ لأن الغرض هو البيان، فبأي شيء يتم ما دام مباحا ولا يخالف عرفا، فلماذا لا تفعل؟ تمثل للناس بيدك عادي، ليس مشكلة.
أكمل، أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أتيت عائشة رضي الله عنها وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء، فإذا الناس قيام. فقالت: سبحان الله، قلت: آية؟ فأشارت برأسها أي نعم، فقمت حتى علاني الغشي، فجعلت أصب على رأسي الماء. فحمد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه، ثم قال: «ما من شيء لم أكن أوتيته إلا رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، مثل أو قريبة من فتنة المسيح الدجال، يققال ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد هو رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى فأجبناه واتبعناه، هو محمد ثلاثة، فيقال: نم صالحا قد علمنا إن كنت موقنا به، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته».
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أخت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، جاءت فوجدت أم المؤمنين تصلي فقالت: ما شأن الناس؟ يعني ما خبر الناس؟ ما حالهم؟ فأشارت إلى السماء يعني عائشة رضي الله عنها، فإذا الناس قيام، فقالت: سبحان الله، قلت: آية؟ فأشارت برأسها أي نعم، هذا هو وجه استدلال البخاري، اللي هو إشارة. فذكرت الحديث بطوله سيأتي معنا إن شاء الله، يعني نجعل الكلام عن الحديث في موضعه، لكن المراد هنا فقط اللي هو استعمال الإشارة في التعليم، في المسألة النازلة وتعليم أهله.
عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، أتته امرأة فقالت: إني أرضعت عقبة والتي تزوج بها، فقال له عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف وقد قيل؟»، ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره.
نعم، البخاري أراد أن يبين أن من آداب المسلم عموما وليس طالب العلم، أنه إذا طرأ عليه شيء في دينه أن يرحل إليه. يعني في فرق بين أنك أنت ترتحل لطلب العلم، إنسان مثلا جعل طلب العلم قربته، يرحل ويتعلم، لكن هذا في طلب العلم، أما الحديث فيعني أن المسلم ينبغي أن يتحرى لدينه، وإذا لم يجد من يفتيه في بلده يسافر؛ لأنه ليس عنده أغلى من دينه.
هذا الصحابي الكريم تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فاتته امرأة، المرأة قالت: إني أرضعتك أنت وهذه التي تزوجتها. طبعا أراد أن يتثبت من هذا، فهو قال: ما أعلم، المهم أن هو ركب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «كيف وقد قيل؟»، ففارقها.
وجه الاستشهاد هنا حرص المسلم عموما وليس طالب العلم، حرص المسلم عموما على طلب ما يحتاجه من العلم. في فرق بين أنك أنت تتعلم كل العلوم وبين أن ترحل لما تحتاجه، أنت مثلا تاجر، أو دخلت في معاملة، أو تريد أن تفارق زوجتك، أو تريد أن تتزوج؛ يجب عليك أن تتعلم فقه هذا في الشريعة. طبعا الحديث فيه فوائد كثيرة: الابتعاد عن الشبهات ونحو ذلك، وأن الرضاع يحرم النكاح ونحو ذلك، لكن سيأتي أبوابه.
أكمل، باب التناوب في العلم. عن عمر رضي الله عنه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما، فاذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. فنزل الانصاري يوم نوبته، فضرب بابي ضربا شديدا، فقال: أثَمَّ هو؟ ففزعت فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم.
قال: فدخلت على حفصة فاذا هي تبكي، فقلت: طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري، ثم دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا قائم: أطلقت هن؟ قال: «لا»، فقلت: الله أكبر.
نعم، هذا الحديث يريد البخاري منه أن يتكلم عن أدب من آداب الطالب، وهو الحرص، أن الطالب الحريص يريد ألا يفوته شيء، يحصل له ظرف، يكون عنده مثلا أو عنده شيء يشغله عن الدرس، فلا يجب أن يفرط في هذا الدرس وقد غاب عنه، وإنما يجده من إخوانه وأقرانه، وفيه كذلك التكامل، وفيه كذلك التواضع أنك تتعلم من صديقك، وفيه كذلك التعاون على البر والتقوى، وفيه ما كان عند الصحابة من الحرص من التعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه كذلك التثبت، لو مثلا أنت بتحضر درس، اقصد غبت عن درس وصديقك أخبرك بأمر وأنت يعني كان في قلبك شيء منه، تثبت منه. تمام؟
والحديث فيه فوائد كثيرة جدا، ولكن اتفقنا أننا نقلل التعليق. طيب، نحن الحمد لله اليوم قرأنا أكثر من خمسين حديثا بحمد الله، خمسين حديثا، وأنا في الواقع أريد من الشباب أنهم يلتزموا معنا، فلا أريد أن أكثر عن الساعتين الأصل. أنا نفسي أننا ناخذ الكتاب كده مرة واحدة نقرأه كله، ولكن خلينا نطبق الحديث الذي قرأناه اليوم، خصوصا لأن كثير ممن يحضرون معنا متفرغين لهذا الأمر؛ عندهم أعمال وأشغال وأشياء، فلا أريد أن أشق عليهم، فخلينا نكتفي بكل مرة بساعتين، ولكن ربما إن شاء الله سنحاول أننا نأخذ كل يوم درسا.
لماذا؟ لأننا عندنا كتب كثيرة يا شباب، عندنا كتب كثيرة؛ يعني عندنا مختصر مسلم هو أكثر من ألفي حديث أيضا، وعندنا بعد ذلك الموطأ، وعندنا كتب الشافعي، وعندنا مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق إن شاء الله، والبخاري والكتب الستة، مسند أحمد لوحده فيه أكثر من أربعين ألف رواية، فالموضوع كبير. الكتب التي هي أرى أنها لعامة الناس هي مختصر البخاري ومسلم، باقي الكتب يعني إذا حضرتها فهو خير وبركة، وإذا لم تحضرها فيكفيك أنك حضرت البخاري ومسلم، ولكن لابد أن نفعل.
هذه الكتب يا شباب، اكتب هذه الأحاديث، حاول أن تحفظها، اكتب المعاني الصعبة، حدث بها أصحابك، حدث بها جيرانك، حدث بها الناس في المسجد، أحدث بها أهل بيتك، اعمل مثلاً اجلس خمس دقائق في اليوم، اقرأ حديثاً واحدك كفاية، حديث واحد ولا تكثر الكلام فيه، مجرد كذا أن تتلى في بيتك آيات الله والحكمة. والله هذا من أحسن ما يكون، في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله إلى آخر الآيات.
الحمد لله رب العالمين أن جمعنا على هذا، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن قبلوا الهدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفعهم الله به وفقههم فيه في دينه، جعلنا هداة مهتدين. بارك الله فيكم. بعض الناس يرفع يديه، يعني احنا اتفقنا أن الدرس لا يكون فيه أسئلة، لأن هذا الأمر يطول، وربما إن شاء الله نجعل يوماً بعد الفجر لتلقي الأسئلة إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق