الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد. الحمد لله الذي هو في عليائه سميع قريب، وهو بعباده رحيم ودود. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
أما بعد، لا زلنا في سلسلة التزكية للمصلحين، وهذه السلسلة مترابطة الموضوعات، لا يغني موضوع منها عن الآخر. بدأنا بإثبات مركزية التزكية وأنها كانت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تعامله مع أصحابه وفي تربيته لهم، كانت في الوسط وفي المحور وفي المركز، لم تكن يعني أخذت شيئا يسيرا من الوقت أو من الجهد أو من العناية، بل أخذت صميم العناية النبوية. وأثبتنا في تلك المحاضرة كيف نستدل على أن الشيء مركزي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أصلا ومنه التزكية، أليس كذلك؟ ثم انتقلنا في المحاضرة التالية والثانية إلى معالم التزكية، معالم التزكية اللي هي خارطة التزكية العامة، ما هي هذه التزكية؟ ما الذي تتضمنه؟ ما الذي يدخل فيها؟
ثم بعد ذلك، بعد أن تصورنا القضية بشكل جيد وأدركنا أهميتها، انتقلنا إلى الوسائل، كيف نحقق، كيف نصل إلى هذه التزكية؟ وكانت الوسائل محاضرة موزعة على محاضرة المعالم، يعني على نفس خارطة معالم التزكية اللي أخذناها، جاءت محاضرة الوسائل موزعة على تلك الخارطة؛ فكيف تحقق الوسائل تلك المعالم؟ على أن محاضرة الوسائل قد ابتدأت بـ: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ، فهي من الله سبحانه وتعالى والوسائل أسباب.
حسنا، أخذنا الأهمية والماهية والوسائل، بقي أن نأخذ العوائق والحواجز والحجب والمثبطات التي تعيق طالب التزكية عن الوصول إلى التزكية؛ وأن تعرض الشيء مبينا حقيقته وأهميته ووسائله، فهذا أحيانا وإن كان مفيدا ومثريا، إلا أنه لا يكون كافيا، حتى تبين ما الذي يمكن أن يظهر لك في الطريق فيعيق، ما الذي يمكن أن يكون حاجزا أو مانعا حتى تتنبه له مبكرا. وبذلك تكمل بإذن الله عملية التزكية، ونظرا لكثرة العوائق وتشعبها فلا يمكن أن تقدم في محاضرة واحدة، لذلك ستكون هذه المحاضرة والمحاضرة التالية بإذن الله عن العوائق. وأرجو أن نستطيع إنهاءها في المحاضرتين، وألا نضطر إلى محاضرة ثالثة.
وبهذا المجموع؛ المركزية والأهمية فالمعالم فالوسائل فالعوائق، أرجو أن يكون موضوع التزكية قد قدم بشمولية وبعرض مفصل، وبذكر آليات ووسائل وعوائق تعين بعد ذلك بإذن الله تعالى للوصول إلى الناحية العملية؛ لأننا هنا لسنا في مقام يراد منه وله أن يكون تنظيريا مجردا، أي ليست الثمرة هي أن نخرج ببحث ورقي أو معرفي إلكتروني في أن هذه التزكية وهذه خارطته أو هذه معالمه. هذه تقزمة نظرية ممزوجة بوسائل العملية، يرجى منها تحقيق القضية العملية.
طيب، العوائق سأتحدث عنها في محورين، وهذان المحوران كما قلت سيستغرقان لقاءين كاملين أو ثلاثة. المحور الأول: عوائق التزكية من حيث مصادرها. عوائق التزكية من حيث ايش مصادرها؟ حمزة ها ايش معنى عوائق التزكية من حيث مصادرها؟ ها، صحة المصادر؟ عوائق التزكية من حيث مصادرها، عوائق التزكية من أين أتت التزكية ولا من أين أتت العوائق؟ جيد، عوائق التزكية من حيث مصادرها أي أنني سأتحدث عن المصادر التي تسبب العوائق، المصادر التي تسبب العوائق.
المحور الثاني: سأتحدث عن عوائق التزكية من حيث مضامينها. من حيث مضامينه يعني ايش؟ أيوه ما هي العوائق؟ يعني مضامينها؟ ما هي العوائق؟ ما هي هذه العوائق؟ تفاصيل العوائق، في عوائق كذا وفي عوائق كذا، وهذه تنقسم إلى، ثم، وهذا مهم تنبهون له، في الخارطة لم أفرده في محور هو في بطن المحور الثاني، حلول تلك العوائق. يعني سأعرض العائق وأعرض معه بعض الحلول. جيد، طيب صارت هاتان النقطتان هما المرافقتان في عنوان عوائق التزكية.
طيب، عوائق التزكية من حيث مصادرها، ما المصادر التي يمكن أن تنتج عوائق تحول بيننا وبين الوصول إلى التزكية التي عرفنا معالمها، تلك التزكية الشريفة العالية التي هي كما ذكر الشاطبي خلاصة مقاصد الشريعة أصلا، يعني الشريعة جاءت لتصل إلى هذه الحالة التي قال فيها وقصد الشارع من وضع الشريعة هو إخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبدا لله طوعا أو اختيارا، كما هو عبد له اضطرارا.
من حيث المصادر، ما المصادر التي يمكن أن تكون سببا لعوائق التزكية؟ عندنا أربعة مصادر: المصدر الأول هو النفس، المصدر الثاني الشيطان، المصدر الثالث البيئة المحيطة وتشمل أصدقاء، مجتمع، ثقافة سائدة، أفكار مهيمنة إلى آخره. ايش تتوقعوا المصدر الرابع؟ عدم التوفيق، هو عدم التوفيق يدخل في كل شيء يعني قد يكون، لأنه شوفوا طيب يلا خلينا سؤال سؤال كذا مهم ذكرني بمقال عدم التوفيق، هو قال عدم التوفيق أنه قلت له عدم التوفيق ومرتبط بكل المصادر، طيب ايش في دليل قرآني على أنه عدم التوفيق مرتبط بواحد من المصادر اللي ذكرتها الثلاثة، إذا أنه الله يعاقب إنسانا فيعيده عن التزكية عبر واحدة من هذه المصادر الثلاثة لكنها من عقوبة الرحمن له؟
أنا ما أقول جيبوا دليل على أن النفس يمكن أن تكون عائقا، مم أحسنت مائة بالمائة، وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ. هذا الآن مصدر الشيطان صح، لكنها السبب خذلان الله للعبد، عدم توفيقه له بسبب وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ. واضح الفكرة؟ طيب، فعدم التوفيق هي داخلة في كل المصادر، لكن مصدر محدد؛ نفس، شيطان، بيئة، فالأصدقاء سوء تشمل ثقافة مدري ايش. في مصدر رابع يعني هو ممكن يدخل في البيئة لكنه، لا هذه ضمن ضمن ضمن البيئة، جميل غلبة الباطل يعني ممكن أنا سميتها الأعداء، وسأبين كيف أن هناك علاقة خاصة في الزمن المعاصر بين أهل الباطل وأعداء الإسلام وبين تنشئة أو إنشاء العوائق الحائلة بين الإنسان وبين التزكي، ومثل ما ذكرت في اللقاء الماضي يا جماعة، يعني إحنا نحاول نكون مركزين في نفس العناوين، يعني أنا إذا أتكلم عن عوائق التزكية إذا ذكرت شيء لازم أربطه بعوائق التزكية، ما يصير الكلام فيه كلاما عاما، لا يعني الأعداء من جهة كونهم عائقا وحائلا عن التزكية. تمام، هذه الآن المصادر الأربعة التي سأتحدث عنها في عوائق التزكية. ثم بعد ذلك من حيث المضامين يوجد خارطة واسعة، قد نبدأ ببعضها اليوم إن يسر الله.
طيب، نرجع الآن للمحور الأول: عوائق التزكية من حيث مصادرها، العائق الأول النفس. قبل أن أذكر تفاصيل متعلقة بهذا العائق أريد أن أقول شيئا؛ الإسلام، الوحي يعرف الإنسان على نفسه، المنتجات العلمية السائد اليوم في الدائرة الأكاديمية خارج الإطار الإسلامي تبني الحواجز بين الإنسان وبين نفسه، النفس كثير من البشرية اليوم تسير في حياتها وليس لديها تعريف للنفس حقيقي، ليس لديها تعريف أن النفس يمكن أن تكون أمارة بالسوء، أو داعية إلى الخير، أو أن تكون مطمئنة، أو أن تكون لوامة، أو نحو ذلك من النواحي الإيمانية الغيبية. فيسير الإنسان وهو يحمل نفسا بين جنبيه، هذه النفس متصلة اتصالا وثيقا بعالم الغيب وبالخير والشر، وكثير من البشر لا يدرك هذا المعنى أصلا وليس مطروحا في قاموسه، وإنما يتعامل مع النفس مما يمكن أو بما يمكن أن يقاس أو لا يقاس من الأمراض النفسية وما يتعلق بها.
أما القرآن، الوحي الذي أنزله خالق النفس البشرية فإنه يقول لك أن هذه النفس عالم فسيح، وهذه النفس أنت في رحلة، يعني في رحلة خلنا نقول رحلة مكابدة مع هذه النفس. ولذلك تجدون أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر لفظ الجهاد أو المجاهدة في شيء متعلق بالنفس، وذلك في قوله وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وقد سبق الحديث عن هذه الآية وأن المتعلق محذوف؛ فالذين جاهدوا فينا أنفسهم، الذين جاهدوا فينا الشياطين، الذين جاهدوا فينا المنافقين، الذين جاهدوا فينا الأعداء والكفار، فهذا تنبيه مهم جدا. ولذلك تجد أن لفظ جهاد النفس هو لفظ متداول ووارد في حديث، وهو متداول في علم السلوك ويتداوله علماء الإسلام بشكل كبير جدا.
قال الله سبحانه وتعالى في سورة النازعات: فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ، هذه الآية أنا أعتقد أنها هي أهم آية قرآنية فيما يتعلق بالنفس تحت دائرة التزكية، وهي آية تثبت أن النفس لها أمر ونهي، وهي تثبت أنك يمكن أن تتحكم في هذا الأمر والنهي، وهي تثبت أن من أهم وسائل هذا التحكم في الأمر والنهي الموجه للنفس هو خوف مقام الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وهذا هو المحرك، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ، الله سبحانه وتعالى يقول لك أن نفسك التي أودعها بين جنبيك جعل لها أهواء مشتهيات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في البخاري: والنفس تتمنى وتشتهي، والنفس تتمنى وتشتهي.
هذه النفس التي تتمنى وتشتهي، من أعظم صور التكليف الإلهي للبشر هو أنه جعل نفوسهم على هذه الأماني والشهوات، وجعل وسيلة دخول الجنة هي القدرة على منع هذه النفس عن أن تأمر بخلاف ما أمر الله سبحانه وتعالى، أو أن تنهى عما أمر الله سبحانه وتعالى. لذلك يقسم الله بالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار والليل إلى آخره، ثم يكون جواب القسم قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وتزكيتها بالقدرة على نهيها عن أن تسير في هواها.
إذا أنت يا طالب التزكية، يا طالب النجاح في سيرك هذا، يجب أن تستحضر أن واحدة من المصادر التي يمكن أن تولد العوائق التي تحول بينك وبين أن تصل إلى التزكية هي النفس. فإذا غفلت عن هذا فقد غفلت عن مصدر عظيم من مصادر العوائق، فتكون من جملة الغافلين الذين تولد لديهم العوائق وهو لا يدري أنها عوائق.
المصدر الثاني من مصادر عوائق التزكية هو الشيطان. يا جماعة إحنا موجودين في دار ابتلاء، دار ابتلاء حقيقية، وبقدر غفلتك عن معاني الابتلاء بقدر ما تعيش مرتاحا في هذه الحياة راحة زائفة، راحة متوهمة، راحة تظن أنها راحة، وبقدر ما تدرك حقائق هذا الابتلاء الذي تعيش فيه، تزداد عندك قيمة معالم هذه الحياة وتدرك أن الأمر حق، وأن الأمر مكابدة ومجاهدة، وأن الحياة ليست حياة نعيم، وأن الأمر عظيم.
يعني أن تدرك أن النفس وحدها هذه مصدر كبير للعوائق، ثم تدخل في عالم مصدر الشيطان في عوائق التزكية، فتقول كيف لي؟ فإذا ذهبت إلى البيئة والمحيط تقول، وإذا ذهبت إلى الأعداء تقول يا رب، تقول مثل قول إبراهيم عليه السلام: لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. ما في هناك أناس يعيشون وهم غافلون عن هذا كله، ولذلك تجدهم أبعد الناس عن إدراك الغايات الكبرى التي خلقوا لأجلها.
الشيطان، القرآن يثبت لنا وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تثبت لنا أن الشيطان، أن علاقة الشيطان بالإنسان علاقة مؤثرة وعلاقة واسعة وممتدة ومتصلة من بداية حياة الإنسان إلى وفاته، وهي من جملة ما نؤمن به من الغيب، وإن كنا نلمس آثار وسوسة الشياطين وأذاهم في عالم الشهادة.
الشيطان، حديث الرحمن عن الشيطان حديث مفصل. الله سبحانه وتعالى يبين لنا أولا مركزية العداوة بين الإنسان والشيطان، فقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا. وحين يأتي أهل النار إلى النار يقول الله لهم: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ، وفي سورة الكهف: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ، هذا محور من محاور حديث الرحمن سبحانه وتعالى للإنسان عن الشيطان، محور مركزية العداوة بين الشيطان والإنسان.
محور آخر، ومحور وسائل الشيطان في التأثير والإغواء، وهذه الوسائل من أبرزها التي كررت في القرآن ايش؟ الوسوسة، طريق، خطوات، اتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وهذه الخطوات الحديث عنها طويل جدا لا يسع له هذا المقام، لكن راجعوا كلام ابن القيم في خطوات الشيطان ستة أو سبعة لو ستسجلوها عندكم مهمة جدا، ذكرها في مدارج السالكين، مهمة وعظيمة، كيف هذا الشيطان يتدرج بالإنسان بالخطوات، وكيف أن نفس الشيطان طويل، وكيف أنه يرضى أحيانا بأقل النتائج حتى لا يخسر على الأقل، وكيف أنه يعرف المداخل التي على الإنسان.
فإن كان المنزع الذي يمكن أن يدخل عليه منك هو منزع الغلو، يزيدك تدينا، يعني يحثك على مزيد من التدين بصيغة أو بطريقة ليست هي الطريقة الصحيحة، فيؤزك إلى الانحراف عن السوية من جهة الغلو. وإن عرف فيك التراخي والكسل والفتور، أزك أزا إلى هذا التراخي وزاده فيك، وهكذا. وكيف أنه الشيطان أحيانا يرضى بنتيجة إشغالك بالمفضول عن الفاضل؛ إذا يئس من أن يوقعك في الكفر، أو يئس أن يوقعك في البدعة، أو الكبائر، أو حتى الصغائر، فقد يرضى الشيطان أن يشغلك بالمفضول عن الفاضل. وتفصيل ابن القيم رحمه الله في خطوات الشيطان هذه وتفاصيلها هو من الأمور التي تدل على الفقه في الدين ومعرفة الخطاب القرآني واستقراء هذا الخطاب، واحدة من وسائل الشيطان في الإغواء، يعني نصب العوائق وهذا مهم، أنا عنوان المحاضرات.
التزكية للمصلحين، فأنا سأركز في بعض العوائق فيما يتعلق بالمصلحين تحديداً بأصحاب الاستقامة بمن يريدون أن يقدموا شيئاً. الوسوسة يا جماعة؛ الوسوسة الشيطان، الشيطان إذا عرف أن باب الكبائر عندك مغلق فضلاً عن باب الإلحاد أو الشرك، وكان يتعب معك في قضية الصغائر فكلما ظفر منك بذلة مردغته في التراب بالاستغفار والتوبة والرجوع؛ إذا يئس منك في هذا يتجه لغير قضية الفاضل والمفضول، يتجه إلى قضية التحزيم والأذى الداخلي بالوساوس والخواطر.
هذه الوساوس والخواطر على قسمين؛ منها ما هو عقدي، وهذا له صور كثيرة. ممكن يجي يقول لك: أصلاً أنت عندك شك، حبيبي والله ما عندي شك، طيب ذاك اليوم أنت لما جاءت هذه الآية أنت فكرت أنه ممكن بنسبة واحد فاصلة سبعة وثلاثين ألف أنه ما يكون صحيح، طب أنا ما فكرت هي بس خاطر. لا؛ هذاك فكرت، أنت فكرت، طيب ايش يعني دحين؟ أنت الآن وقعت في الشك، طب أنا ايش أسوي دحين؟ أنت لازم تدخل في الإسلام الجديد. تمام، هذا باب في ناس يلقموا الطعم على طول، فيقولها أنا لا والله ويدخل، فإذا الشيطان شافك أنك ممكن تستجيب في هذا الباب قال: يا حلاوة هذا تخصصي. هذا ترى واحدة من أكبر تخصصات الشيطان، خبرة كبيرة وطويلة وعريضة. ممكن يجيك من ناحية ثانية أيضاً عقدية، فيجي يقول لك: يعني الآن الخلود للأبد، البداية كيف؟ متى؟ من خلق كذا؟ ليش الموضوع؟ طب ايش؟ طب كيف؟ يلا تصور لي الموضوع! ويدخل لك في هذا الباب، فأنت قد ما تعطيه يعطيك، قد ما تسترسل معاه قد ما يعطيك.
ثم تبدأ في رحلة عاد بحسب ما تصل، يا جماعة من أكثر الأشياء المؤسفة التي كانت ولا تزال تصل -يعني آخرها الأسبوع الماضي تقريباً- على أسئلة هذي الناس، آخر مجال الأسبوع الماضي أو حتى يمكن قبل ثلاثة أربعة أيام؛ واحد ترك الصلاة، ترك الصلاة! ما يصير يصلي طالب علم ملتزم ترك الصلاة، يقول أنا الآن لا أصلي، ليش؟ دخل في باب الوساوس، طبعاً الوساوس في القسم الثاني الذي هو الطهارة إلى آخره، وطبعاً والنية وما يتعلق فيها، وأحيانا يشبك هو بين الطرفين، فيدخل بالوساوس العقدية والفكرية ويشبكها بوساوس الطهارة والصلاة. تعرفوا في ناس يعيشوا رحلة عذاب حقيقي، عذاب؛ يعني قبل الصلاة ساعة في الحمام وبعد الصلاة عشان يدخل في الصلاة يبغى له قصة، وكل جزء يمكن أن يسبب لك إشكال في الصلاة. بقطعة كريم حطيته على يدي وما أدري يوصل الوضوء للجلد ولا ما وصل، في مدري ايش كذا إلى آخره، في قطة مرت من البيت لمن نقلنا وأظنها يمكن تركت أثر نجاسة في، وتقعد تصير الصلاة عندك بدل ما كنا نتكلم قبل قليل تنهى عن الفحشاء والمنكر، تقف بين يدي الله وأنت خاشع مطمئن القلب مرتاح النفس تشتاق للصلاة، تصير الصلاة مرتبطة عندك ذهنياً بمسلسل شاق من الطهارة والوضوء والتأكد والملابس فيها شيء ولا ما فيها شيء، ويمكن خرج شيء ويمكن ما خرج شيء والى آخره، فتحسب حساب وتشيل هم الصلاة الجاية، وتصبر نفسك أنه لا هذا فرض واجب وتخاف من النار والى آخره، لكن ذهنياً ونفسياً صارت الصلاة عليك من أثقل ما يكون إلى أن يصل الحال بالبعض بترك الصلاة.
وهذا تكرر بالنسبة لي ما وصلني أكثر من حالة بهذه الطريقة يترك الصلاة، وهذه القضية هي من جملة وساوس الشيطان، ولا يعني هذا لا يلغي أو لا ينفي أن يكون هناك بعض وسائل علاجية من خلال الدائرة النفسية، لكن دخول الشيطان في هذه المناطق هو دخول أساسي ووثيق. وقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا. واحدة من غايات الشيطان إذا لم يستطع أن يأسرك في مستنقع أو في سجن الشهوات والمحرمات أن يدخلك في مربعات التحزين، تدخل في هذه المربعات لن تكون مصلحاً ولن تكون عاملاً ولا تستطيع أن تتجاوز مشكلة نفسك حتى تنقذ البشرية. جيد، هذي من جملة عوائق التزكية؛ ولذلك يجب على الإنسان أن يستنير بالحلول الشرعية في هذه الأبواب، ويتعامل معها طريقة المتشبث بالحل الذي يسلم أن ما جاء به الوحي في مثل هذه القضايا هو حق، وإن خالف طبيعة ما يصور له من خلال هذا الأذى.
ولكم أن تتخيلوا يا جماعة وقد شعر الصحابة بالقسم الأول الذي هو الوساوس العقدية، الشيطان استعمل هذا الأسلوب مع الصحابة، بس وقت الصحابة كان الجواب النبوي بالنسبة لهم يدخل في خانة التفعيل المباشر، يسمع الجواب يدخل في خانة التفعيل، فالمشكلة ما تأخذ أكبر من حجمها. والغريب الجواب النبوي والمدرسة النبوية هذي العظيمة، يأتي الصحابة يقولون: يا رسول الله إنّا لنجد في أنفسنا ما أن يخرَّ أحدنا من السماء أحبُّ إليه من أن يتحدث به؛ يعني في وساوس تأتینا عن الله سبحانه وتعالى عن الإيمان عن هي أقبح وأشد وأغلظ من أن يمكنني أن أتلفظ لك يا رسول الله بأيش اللي يجيني من الخواطر؟ شوفوا المستوى! الجواب النبوي عجيب والله غريب، وكما قلت يعني أحياناً أنت تلتمس دلائل النبوة في بعض المناطق التي لا يشعر بها الكثير ولا يراها الكثير، وهذا كما قلت ليس في مقام جدال المنكرين والملحدين؛ لا، في سياق المؤمن الذي يستطيع أن يلتمس بعض الجوانب النبوية التي هي في صميم ما يثبت لك عظمة وربانية هذا الدين العظيم.
تخيل الصحابة جايين بهذه الطريقة، ويجي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وقد وجدتموه؟ قد شتمتموه؟ هذا في صحيح مسلم حديث صحيح. قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان، ذاك صريح الإيمان. شوف المفارقة بين إنسان جاي بنفسية أنه يعني تعرفوا صورها الآن كثير من الناس أنه هل أنا كفرت ولا ما كفرت؟ والصحابة جايين بنفسية أنه يا رسول الله الموضوع أكبر من أن أنا أقدر أتلفظ فيه؛ فيجي يقول لهم ذاك صريح الإيمان، ذاك صريح الإيمان. حين تكلم العلماء عن هذا الحديث قالوا: المقصود هو طرق مثل هذه الوساوس عليكم، كراهيتكم لها ودفعكم لها؛ هذا صريح الإيمان، هذا صريح الإيمان. وفي السنن حين جاء أيضاً الصحابة فقالوا: يا رسول الله إنّا لنجد في أنفسنا ما أن يكون أحدنا حُممة أحبُّ إليه من أن يتحدث به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. وابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أيضاً محذراً، فقال كما في البخاري: يأتي الشيطان أحدكم، وهذا فيه دليل واضح على الشيطان في الوساوس الفكرية والعقدية، قال عليه الصلاة والسلام: يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتهي.
كما قلت الجواب هذا كان بالنسبة للصحابة قابل أو مباشرة يتحول إلى تفعيل، لذلك يا درة الأزمان كما يقال، أعني من يأمل أن يكونوا من المصلحين، تنبهوا إلى حيل الشيطان في إقعاد الإنسان المسلم عن أن ينطلق في آفاق العمل وفي آفاق التزكية وفي آفاق الإصلاح عن أن ينطلق في هذه الآفاق بشرك الوساوس والأفكار التي يمكن أن يؤسر فيها فلا يخرج. إن أصابك شيء من هذا فيجب أن تعلم أنك لست أول من يصاب، وأن الصحابة قبل ذلك قد تعرضوا لمثل هذا. إياك أن تستجيب، إياك أن تسترسل، إياك أن تظن أن القضية أنك منافق، إياك أن تجيب بنعم أو بلا إذا قال الشيطان إنك كفرت أو نافقت بمثل هذه الوساوس الأفكار، هذا أتكلم عن عالم الأفكار والوساوس، أما عالم الشهادة فله أحكامه وله صوره المعروفة التي لا تلتبس بغيره.
مرة أخرى المصدر الثاني من مصادر توليد العوائق بينك وبين التزكية شيطان والصور كثيرة جداً جداً، واحدة منها ركزت عليها لأننا في سياق الكلام عن المصلحين؛ الوسوسة التي تقعدك عن العمل والوسوسة التي تدخلك في دائرة تحزين، والتي تنقلك وبعضهم يجي يقول لك: أنا كنت مؤمِّل وكنت مؤمِّل دخلت برنامج كذا ودخلت برنامج كذا وبدأت بطلب العلم، بعدين أصبت بوسواس وكذا وكذا؛ الآن غاية أملي أني إذا جيت أصلي أني ما آخذ ثلاث ساعات ولا ساعتين قبل الصلاة وبعد الصلاة ومعها في الوضوء والطهارة، بس أبغى أصلي، يا أخي بس أبغى أصلي كويس. شوف فين الأفق، انتقل من ذلك الأفق العالي الواسع إلى ذاك الأفق الصغير الضيق وهو من جملة مكائد الشيطان. بوابة الشيطان مع الشهوات أيضاً هذي بوابة كبيرة وضخمة جداً، وفيها نصوص كثيرة لكن سأرجئ الحديث عنها إلى المضامين بإذن الله تعالى.
المصدر الثالث من مصادر العوائق هو البيئة والمحيط، ويدخل في ذلك أمور كثيرة، وهذه مطلقة أم نسبية؟ نسبية، هذه ليست مطلقة وإنما نسبية. طيب النفس الشيطان مطلقة ولا نسبية؟ مطلقة. أي إنسان مكلف فالنفس والشيطان هما من مصادر عوائق التزكية، هذا مطلق. البيئة والمحيط نسبية، نسبياً كل البيئات فيها تحديات لكن فيه نسبية، قد تكون البيئة التي أنت نشأت فيها أنعم الله عليك بأن جعلها بيئة مساعدة للتزكية، وقد تكون البيئة التي نشأت فيها من جملة الابتلاءات التي عليك أنها بيئة عائقة أو معيقة عن التزكية، لكن الذي يجب أن يدركه الإنسان هو أن الوحي قد ذكر المعالم التي يمكن أن تستفيد منها في مختلف البيئات من ناحية التزكية.
فأنت تجد مثلاً ما يتعلق بالصداقة والصديق، سواء من حيث الإرشاد الإيجابي أو من حيث التحذير السلبي ستجدها في الوحي، فتجد مثلاً في سورة الفرقان قال الله سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا. هذي الآيات فيها فوائد كثيرة؛ واحد، الصديق السوء وأثره وما يمكن أن يؤديه إلى الدخول إلى النار. اثنين، علاقة الشيطان كمصدر بالبيئة كمصدر؛ ليتني متخذ فلاناً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً. فين خذلان الشيطان للإنسان هنا؟ تخذيل الشيطان للإنسان هنا أنه كان أمامه الطريقان، لأنه في أول الآيات يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً، وقال بعدها لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني؛ في الرسول وفي الذكر هذا طريق، وفي الخليل هذا السيء، جيد؟ فكان دور الشيطان هو تشويه هذا الطريق وتزيين ذلك الطريق، وهذا خذلان الشيطان للإنسان. نحن اليوم وإذا كنا نتكلم عن سياق المصلحين أيضاً، فنحن نتكلم عن واقع البيئة فيه مليئة بالتحديات ومليئة بالعوائق، حتى يكاد يكون أكثر الناس لديهم في بيئتهم عوائق.
هناك كثيرون يجدون العوائق في العائلة، وهناك بعكسهم أناس عائلتهم أو عوائلهم هي الداعمة لهم في الخير. هناك آخرون يجدون المشكلة في بيئة المدرسة أو في بيئة الجامعة، وهناك آخرون لديهم بيئات بديلة. لذلك من أهم وسائل الضمانات في هذا العائق والآيات قد أشارت إليه، هو ضرورة إيجاد بيئة للمصلح تكون معينة له على تجاوز تحديات نفس البيئة، إيجاد الخيار الإيجابي، الخيار الصحيح، الخيار الحق؛ أن يعيش الإنسان في هذا الخيار في هذه البيئة الصالحة، هذا أمر في غاية الأهمية والضرورة بالنسبة للإنسان الصالح المصلح. وهذا الخيار يجب ألا يكون محل تهاون، ويجب ألا يكون محل إرجاء، ويجب ألا يكون محل تأخير؛ الصداقة الصالحة، الصحبة الصالحة، الأخوة في الله، المحبة في الله، هذه البيئات هي من أعظم ما يعين الإنسان على تجاوز ليس فقط العائق الذي هو البيئة، وإنما حتى على عوائق النفس والشيطان، وأنت تعرف وتعلم أنك إذا خلوت بنفسك أن أمارة نفسك بالسوء أسهل من أمرها لك بالسوء وأنت مع إخوانك، وهكذا الشيطان. لذلك الحل؛ واحدة من أعظم الحلول هو ضرورة إيجاد البيئة الصالحة المحيطة بالإنسان، وأن هذا الخيار بالنسبة لحياته وطريقه ليس خياراً تكميلياً، بل هو خيار أساسي.
المصدر الرابع من مصادر العوائق هم الأعداء، وهذا مصدر نسبي أيضاً، والأعداء دورهم الأساسي هل هو في أن يقيموا العوائق بينك وبين التزكية أو هو في القضاء على الحق محاربة الحق؟ يعني أقصد في الأساس -من تنظر دور الأعداء في وقت النبي صلى الله عليه وسلم- أكثر دورهم هو محاربة الحق، جيد، وأحياناً محاربة الحق تزيد التزكية ولا تنقصها، ليس أحياناً بل بكثير؛ حينما تكون المواجهة صريحة بين الحق والباطل ترتفع التزكية والإيمان وتظهر حقائق من الإيمان لا تظهر إلا في الصراع بين الحق والباطل. ولكن أحياناً يكون من أدوار الأعداء، وهذا وجد في وقت النبي صلى الله عليه وسلم بصور معينة خاصة في اليهود وفي المنافقين، يكون من أدوار الأعداء هو الحيلولة أو محاولة الحيلولة بين المسلم وبين الاستقامة على طريقه، بتعرفوا الشبهات؟ الشبهات مثلاً بث الشبهات جيد، مثلاً وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ سوّوا أنكم مؤمنين عشان يصير في اختلال في القضية، تمام؟ طب هذا يؤثر؟ طيب، قال الله سبحانه وتعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ.
إذ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا، تمام؟ مع أنهم مؤمنون. قد يكون هذا بسبب لا خروج انسحاب المنافقين، هذا في أحد، فالأعداء لهم دور. طيب يا جماعة، اليوم دور الأعداء في إضعاف التزكية والحيلولة بين المسلم وبين التزكية هو أكبر من أي وقت مضى.
أكبر من أي وقت مضى في مشاريع إفسادية مرتبة وشمولية للحيلولة بين المسلم وبين استقامته على دين ربه، وفيها صور كثيرة؛ شهوات على كيفك على مستوى عام عبر مواقع وغيره، أو على مستوى خاص عبر تهيئة الفساد حتى أحياناً لأناس مصلحين بأعيانهم حتى يزلوا بمثل هذه المستنقعات. وعبر الشبهات، أنتم تعرفوا مثلاً لما تتكلم عن مرحلة القرن العشرين والقرن التاسع عشر لما تقول: من هم أعداء الأمة الإسلامية؟ وما أبرز ما قدموه؟ لازم تذكر المستشرقين، صح ولا لا؟ المستشرقون إيش كان دورهم؟ بث الشبهات. وبث الشبهات الذي قدمه المستشرقون نجحوا بالفعل في صرف أناس كثير من المسلمين عن دينهم وعن الاستقامة وعن التزكية بسبب الشبهات التي بثوها.
وظهر عندنا طائفة وشريحة من العرب والمسلمين التابعين لأولئك المستشرقين فكراً ومنهجاً وعملاً، وهذا كله من جملة تأثير الأعداء. اليوم مع كثرة الوسائل الإلكترونية خاصة سهولة إيصال الشبهات والشهوات، ويعني هذا فقط طرف الخيط وما يمكن أن يُرى، وإلا ففي الباطن وفي أروقة المفسدين من الكيد للإسلام وأهله ولأهل الإصلاح في قضية الاستقامة والصلاح والإصلاح ما لا يُتصور. ولذلك يجب أن يعي الإنسان المسلم أن من أعظم عوائق التزكية ومصادر عوائق التزكية: مصدر الأعداء، وصور كثيرة ما في داعي نذكر تفاصيلها الآن.
هذا المحور الأول، وهو محور صغير وقصير وسريع ومستعجل وفيه لفت الانتباه إلى مجموعة مصادر. الهدف والثمرة من هذا العرض هو أن تدرك وأنت تسير في هذه الحياة أنك تسير بين جملة تحديات كبيرة جداً، وأنه لا ملجأ ولا مخرج ولا سبيل إلا بالتوكل على الله والاعتصام به والاستهداء به والاستمداد منه سبحانه وتعالى. ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً، إذا قرأتم بداية الآية ستعرفون العلاقة بينها وبين هذا الموضوع، إيش بداية الآية؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. لاحظوا: هذا يأمر بالفحشاء والمنكر وتنهى عن الفحشاء والمنكر، هي وطيدة في موضوع التزكية؛ فاربطوا بين الآيات والنصوص.
طيب المحور الثاني، وسأذكر شيئاً غير كثير فيه، هو عوائق التزكية من حيث مضامينها. كيف ممكن نقسم مضامين عوائق التزكية؟ إيش ممكن نقول؟ ولا تنقسم إلى ماذا وماذا؟ نفسية وخارجية، طيب تقسيم آخر؟ شبهات وشهوات، جميل؟ إيش أيضاً؟ يا سلام، داخلية وخارجية، جميل جميل، التقسيمات صحيحة. فينا نعتمد أنه شيء داخلي وشيء خارجي من حيث المضامين، وفينا نعتمد شهوات وشبهات وهو ما سنسير عليه إن شاء الله. مضامين عوائق التزكية الصادرة عن الأربعة مصادر تمام؟ مضامين عوائق التزكية الصادرة عن النفس أو الهوى، أو الشيطان، أو البيئة، أو الأعداء؛ ما يصدر عن هذه المصادر الأربعة هو في مضامينه قسمان: إما شهوات وإما شبهات.
وبما أننا نركز على التزكية للمصلحين، فسأركز على أقسام في الشهوات والشبهات يمكن أن تكون ذات علاقة. الشبهات التي سأذكرها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: شبهات فكرية عقدية، وشبهات نفسية، وشبهات منهجية. وبالنسبة للشهوات فسأقسمها إلى قسمين: شهوات قلبية متعلقة بالقلب، وشهوات متعلقة بالجوارح يمكن أن نسميها جسدية. هذه الآن خارطة عامة للمضامين. إيش يدخل تحت الشبهات الفكرية العقدية من أمور يمكن موجودة اليوم ويمكن أن تكون مؤثرة في الإنسان المسلم المصلح؟ الإلحاد، التشكيك في السنة، إنكار بعض الثوابت الشرعية، سلطة الثقافة الغالبة، العلمانية، الليبرالية. ومن الجهة الأخرى أيضاً إيش الشبهات؟ الغلو والزيادة العقدية.
طيب شبهات نفسية، إيش ممكن يكون؟ الوسوسة ممكن، بس الوسوسة أقرب للعقدية، هو يعني خلنا نقول ممكن تسميتها بالشبهات يكون نوعاً ما غريباً، لكن هي شبهات فعلية، شبهات نفسية بس أنها ممكن تعرض على التحديات. أنا طبعاً ذكرتها هنا ليش؟ وهي جديدة نوعاً ما، مرتبطة بالواقع الذي نعيش فيه، ومرتبطة بملاحظة شخصية لاحظتها في المهتمين الجدد، طلاب العلم من الأجيال الجديدة، الشباب، ليس الجيل الجديد يعني ما دون الثمانية عشر أو العشرين، لا، يعني حتى ما قارب ذلك، خلنا نقول سن الجامعة تقريباً وما حوله وما قبله. في بعض التحديات والإشكالات والشبهات النفسية التي لم تكن حاضرة حضوراً واسعاً في الأجيال السابقة من المصلحين أو من المهتمين.
شبهات نفسية وهي ظاهرة وكثيرة، منها سؤال الثقة بالذات وبالطريق؛ مو سؤال الثقة بالذات يعني أنا ماني واثق في نفسي، ما أقصد زي كذا، سؤال الثقة بالذات والطريق أنه تأتي مضامين تشكيكية بأنه أنا لا أصلح، أو أنه إيش اللي يدريني أنه صح؟ طريقنا مثلاً طريق الاستقامة، بس ما تعرض بناءً على معطيات معرفية وإنما تعرض بناءً على ضعف نفس. فيعني أحياناً يلفت انتباهي مجموعة أسئلة غريبة، هي أسئلة جديدة ما كانت موجودة بهذه الكثرة سابقاً. سؤال العجز والضعف؛ يا جماعة نحن في البرامج العلمية تواجهنا بعض الأسئلة خاصة في الدفعات الأخيرة، أسئلة غريبة. يعني خلنا نقول مثلاً في طلب العلم سابقاً، مو قديماً يعني قبل خمسة عشر سنة، أربعة عشر سنة، هذه الحدود ترى طالب العلم يجي للمسجد ولا يجي الدرس، هو يسوي كل شيء، الشيخ ما يسوي شيء بس يعطي الدرس ويمشي. طالب يكتب كل شيء ويلخص، وبعدين تلقاه في آخر المسجد رايح جاي يحفظ ويراجع، بعدين يرجع، بعدين هو الذي يسأل. وكثير من الأحيان ما يكون يتجاوب معه بشكل يومي أو يتم زجره أحياناً أو كذا، هو يصبر وتلقاه محتسب والأمور تمام كويس ومجتهد.
الآن ممكن تعطينا تفريغ المحاضرة؟ طيب أبشر، نعطيك تفريغ المحاضرة. ممكن تقول لي إيش الأشياء المهمة في التفريغ التي في المحاضرة؟ هذه الأشياء المهمة ثلاثة أشياء. والله في الاختبار يوم السبت بس أنا ماني عارف إيش أذاكر، والله من جد يا جماعة أنا ماني عارف إيش أذاكر، عندك أنت خمسة محاضرات وكتابين وبرنامج واضح وحطينا ملخصات وفيه تفريغات. طيب ممكن تقول لي إيش المهم؟ أنا ما أعرف إيش أذاكر، من جد والله ما أعرف إيش أذاكر. وقس على ذلك، أسئلة يعني أسئلة كثيرة، يعني هو عارف أن الإنسان جاي وهو يبغى يكون مخدوم، ومفصل له تفصيل دقيق في كل شيء عشان هو نفسياً يرتاح. وإذا ما كان في كل هذه المضامين يقول لك: والله دخلت البرنامج، برنامجهم مو واضح، منهجهم ما أعرف والله هم صراحة الناس كويسين سمعتهم كويسة وأعرف ناس من أصحابي استفادوا، بس أنا دخلت ما لقيته مو واضح، حتى الجدول نزلوه ألوانه ما كان تصميمها حلوة، عارف؟
فأنت يعني لازم تنتبه، ويا الله إذا في خطأ في جدول قلتم لنا إنه يوم السبت الاختبار، الحين نزلت الجدول اليوم أنت خلاص آسف، معلش هدوا علينا شوية. بس يا جماعة هذا السؤال، سؤال الضعف والعجز، سؤال من أكثر الأسئلة فعلاً، أنه أنا ما أعرف عند الكتاب كيف أقرأ الكتاب؟ مو كيف أقرأ كتاب الذي هو مهارات القراءة العامة، لا لا، أنه طيب أسئلة أسئلة متكررة وكثيرة وصارت ظاهرة. لما تسير بصيغتها المعرفية العامة ما فيها إشكال، يعني مثلاً سؤال علمي عام عن الطريق الأنفع لقراءة المطولات أو قراءة الكتب المركزية، فيكون الجواب يأخذ الإنسان الجواب وهو يجتهد، هو يجتهد يحاول يُسقط. أنت بعد ما تشرح تقول: طيب كتاب كذا يدخل في كذا، تمام تجاوب. يجي واحد ثاني: طب الكتاب الثاني يدخل؟ يا حبيبي اصبروا شوية، خذوا القاعدة العامة، أنتم اجتهدوا أغلطوا عادي، ما هذه إشكال. هذه يا جماعة شيء حقيقي، يعني أقصد هذا شيء ملاحظ الآن، أنا بالنسبة لي كمحتك بطلاب العلم في البرامج هذا الضعف والعجز بدأ يظهر ويطفو.
أقصد المصلحون ينتبهون إلى أنه في تساؤلات جديدة وشبهات جديدة، والجيل الصاعد الناشئ، نحن مثلاً كمربين للجيل أو كمتعاملين معه يجب أن نغطي هذه الملفات. لذلك أنا عملت مثلاً سلسلة "سوية المؤمن"، في أول حلقة ثبات ذكرت عنوان "السوية النفسية"، أنه فعلاً فيه احتياج الآن ضروري لذكر مثل هذه الملفات والموضوعات، وسابقاً كما قلت ما كانت موجودة بشكل كبير. أنت الآن مثلاً الشباب الموجودون هنا، بس الحمد لله الشباب لهم سنتين أمورهم تمام، بس أول ما بدأت مثلاً تخيل لو عملت مرة واحدة بموجب ما فعله من أمور تستوجب ضرب الخيزران، تمام؟ فلو أني مرة واحدة فعلت هذا خاصة في بداية الصيام، لا مو كسرة قلوب، أنت في بعض الدوائر تخاف أنه يقول لك زي ما قال أمس واحد من الشباب إنه بعد كم سنة يألف كتاب: لماذا خلق الله الألم في الحياة؟ أحسن له ضربة خيزران وهو صغير في التحفيظ، عارف؟
بينما سابقاً واحد يتعرض لمشكلات وتحديات والى آخره، ما يعني تحنكا في مجاوزة ومبالغة وخطأ في هذا الجانب، لكن فعلاً في قدر من الترف. أنا أذكر واحد من المشايخ كان يقول: أنتم الجيل الجديد من طلاب العلم جيل المؤلفة قلوبهم، والله يقول جيل مؤلفة قلوبهم، يعني لازم تراعي وتنتبه. والشباب أنا ما قصدي يا شباب أنكم يعني، أنتم كويسين وأموركم تمام، بس هو انعكاس لقضية نوع من الضمور النفسي أو الضعف النفسي، أو نوع من خلنا نقول الهشاشة، نوع من الهشاشة التي تحتاج تسوية. لذلك الشبهات النفسية، نحن ما بدأنا ولا بشبهة، بس نعرض الخارطة. الشبهات النفسية بالنسبة للسياقات الجديدة أو للأجيال الجديدة من المهتمين من طلبة العلم من المصلحين، هذا ملف ليس سهلاً وليس هامشياً وينبغي العناية فيه وسنتعرض له إن شاء الله بشكل سريع.
ثم الشبهات المنهجية التي هي من أبرزها اليوم بالنسبة لمن يريد أن يكون مصلحاً، سؤال الجدوى، هذا السؤال من أكثر الأسئلة ترد اليوم. جدوى يعني هل في ثمرة لو أنت اشتغلت الآن عملت للإسلام؟ طب أنت ما أنت شايف الوضع كيف؟ ما أنت شايف الواقع؟ أعطني بس بصيص أمل، ما في شيء، كيف أنا، إيش ممكن أسوي؟ هل بالله في أمل لسه أنه الواحد يبدأ ويطلب العلم، بعد خمس سنوات وسبع سنوات ممكن يقدم شيئاً ويبدأ؟ بالله لسه في أمل؟ لسه في إمكان؟ لسه في جدوى ممكن؟ يعني هذا سؤال منهجي. وهذا السؤال ما قبل أحد عشر سنة أو عشر سنوات من الآن لم يكن سؤالاً شائعاً، يمكن أن يكون سؤالاً عند بعض الأفراد، بعض الناس، لكن لم يكن سؤالاً شائعاً. في السنوات الأخيرة صار سؤالاً شائعاً، وأحياناً يكون شائعاً لا ينص على إخراجه وإنما أنت تلمس آثاره، تلمس آثاره؛ ذاك الإنسان الذي كان يحترق هماً ويعمل ويبذل ولا يضيع أوقاته متفائلاً، تجده قد ضمر وسحب وترك وصار بالكاد ممسكاً بطرف الحبل.
هذا السؤال طبعاً قد يكون في علاقة، بس هو سؤال الجدوى هو سؤال منهجي، أحياناً يكون سببه وجود مؤثرات خارجية قوية جداً لم يكن مستعداً لها، ولم يكن عنده جواب عن آثارها فيما لو حصلت. يعني هو كان يسير في حالة رخاء وحالة أريحية، ولم يكن هناك من التحديات الخارجية ما يستوجب عنده هذا السؤال أصلاً، فلما جاءت التحديات الخارجية وكسرت آماله وحطمت الآفاق التي كان يسعى لها، نتج عنده هذا السؤال. فهو نفسي باعتبار الأثر الذي حصل له من أثر خارجي، لكن صورته الأساسية برأيي ليست من الصورة الأولى، الشبهات النفسية الناتجة عن نفس محضة ضعيفة هشة لم تُربَّ على درجة عالية من البذل والعطاء والتضحية والصبر. بالعكس ترى هذا سؤال الجدوى قد يكون في نفسه قوياً، وقد يكون صبوراً، وقد يكون صاحب تجربة، وقد يكون بذل وقدم، ولكن نظراً للظروف الخارجية المحيطة التي استجدت عليه وعلى طريقه لم يعرف كيف يمكن أن يتجاوز مثل هذه الأزمة، فقعد عن العمل، فهو سؤال منهجي أقرب منه نفسي.
السؤال المنهجي أيضاً من الأسئلة، قلق الوجهة؛ أنا نزلت فيه مقطع مفاتيح حول سؤال قلق الوجهة، نفس الشيء قلق الوجهة أنه تمام بس إيش فين اتجاهات مدري إيش، هذا ما أتكلم عن السؤال القديم أنه في اتجاهات أساسية، لا، في فوضى في الأطروحات، في منابر جديدة كثيرة، في تضارب، خلنا نقول خاصة بين أطروحات التجديد والأصالة، هل نحن نسير مع هذا النفس مع هذا الطرح التجديدي؟
أو نسير مع آه نفس آخر، طيب هذا إيش حدوده؟ طيب هذا إيش حدوده؟ في أسئلة منهجية من هذا من هذا الإطار، هذا الآن عرض سريع آآ لخارطة الشبهات ما دخلنا فيها. يعني عرضتها وصفتها.
ثم بعد ذلك إن شاء الله في اللقاء سنتعرض لها بشكل فيه نوع من التفصيل، مع بعض الحلول، وبعد ذلك ننتقل إلى القسم الثاني اللي هو الشهوات، اللي هي إيش قلبية وجسدية؟ القلبية إيش يدخل فيها؟ أمراض القلوب، أمراض القلوب الكبر والعجب، ولأننا نتكلم عن التزكية للمصلحين سأركز على بعض الأدواء، فمثلا حب الجاه والتصدر يعني ما يتعلق بهذا الملف سأتناوله إن شاء الله في اللقاء القادم.
كذلك التفرق والتنازع والحسد وتصيد الأخطاء هذا كله إن شاء الله. هذا من جملة الشهوات القلبية، الأمراض القلبية. وأما الجسدية فأيضاً سأعرض أو ساتعرض لها تعرضاً سريعاً بإذن الله تعالى.
جزاكم الله خيراً الحضور، وشكر الله لكم، وشكر الله سعيكم.
الشيخ أحمد السيد