بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا أهلاً وسهلاً حياكم الله ويا مرحباً. هذه بداية سلسلة جديدة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون مباركة ونافعَة، وهي من السلاسل المتعلقة بالإنسان المسلم في طريقه الإصلاحي، الإنسان الذي يرجو أن يكون له أثر طيب، وأثر حسن، وأن يكون نافعاً للناس. السلسلة هذه عن أهمية ومركزية وتأثير التزكية في طريق المصلح. تعرفون يعني الحديث اليوم كثير عن مهارات يحتاجها الداعية أو المصلح أو القائد أو الرائد أو أياً كان، وتقدم في سياق أنه يعني كثير من الناس يركز على أمور مهارية يحتاجها المصلح أكثر من التركيز على المكون الذاتي الداخلي الإيماني بالنسبة للإنسان المصلح.
هذه القضية لها تأثير خطير جداً؛ لأنه تخريج مصلح يمتلك أدوات إصلاحية خارجية وهو يتوهم أنه مؤهل للإصلاح هذا وهم خطير جداً، ممكن يؤدي إلى نتائج ليس فقط أنه لن يكون مؤثراً أو نافعاً، بل قد تؤدي إلى نتائج سلبية وعكسية. ولأجل ذلك هذه السلسلة، بما أن هذا السياق هو سياق بناء تعليمي يرجى له أثره في المستقبل بإذن الله تعالى، فسيكون التركيز هنا على قضية التزكية للمصلحين. سأتناول فيها في البداية مفاهيم أولية مرتبطة بالتزكية من حيث مركزيتها في الإسلام، مركزيتها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، تأثيرها سلباً وإيجاباً إذا تحققت أو إذا فقدت.
وبعد ذلك بإذن الله سأتكلم عن قضايا محددة تعترض طريق المصلح، ويكون من أهم أسباب تجاوزها هو تفعيل التزكية: فيها الخلافات التي تحصل بين العاملين، التفرق، الإشكالات، انحراف البوصلة، تغيير الوجهة إلى وجهات خاطئة، الفتور، تغير العمل الدعوي أو الإسلامي من العمل الرسالي إلى العمل الشخصي المصلحي. هذه كلها عقبات تعترض الإنسان في طريقه، أليس كذلك؟ ولأجل ذلك إن شاء الله سنتناولها واحدة واحدة وسننظر كيف أن التزكية ستكون مؤثرة ومعالجة لها بإذن الله تعالى. أما اليوم فسيكون الحديث مختصراً أولياً عن مركزية التزكية من أربع جهات: مركزيتها في القرآن الكريم، مركزيتها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، مركزيتها من جهة آثارها الحسنة، ومركزيتها من جهة الآثار السيئة المترتبة على فقدانها أو تركها.
هذه أربع جهات هي ستكون محور حديث اليوم. الجهة الأولى التي هي مركزيتها في كتاب الله سبحانه وتعالى. طيب، بس قبل ما أذكر، خلونا نقف عند شيء مهم، أول كلمة قلتها قبل في القرآن ايش مركزيتها، هذه كلمة قصة طويلة جداً، قصة مهمة جداً، قصة خطيرة جداً، وهي أن تفقه وتعلم مركزيات الوحي. الوحي كله مقدس، كله من عند الله سبحانه وتعالى، كله حق، لكن لم ينزله الله إنزالاً يكون على درجة واحدة من حيث الأهمية والمركزية. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أنها تعدل ثلث القرآن، صح ولا لا؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في آية الكرسي أنها أعظم آية في القرآن؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الفاتحة أنها أعظم سورة في القرآن؟ هذا معناه إيش؟ أنه في تفاضل في الوحي، صح؟ في تفاضل من حيث الأهمية؛ لأنه يقول لك أعظم، أليس كذلك؟
إدراك التفاوت بين مراتب الوحي ودرجاته، سواء في الأوامر، الأوامر فيها تفاوت، صح ولا لا؟ في أركان الإسلام صح، وفي سنن ومستحبات، أليس كذلك؟ النواهي في الشرك، السبع الموبقات، في أكبر الكبائر، وفي الكبائر وفي الصغائر وفي اللمم وفي المكروهات، أليس كذلك؟ طيب، إحنا بنقول مركزية التزكية في القرآن، كلمة مركزية هذه خطيرة جداً. من الفقيه في الدين حقاً؟ من الواعي؟ من المستقيم؟ من الذي يفقه عن الله خطابه؟ من هو الذي يدرك المركزيات والأولويات وترتيبها، ثم يتعامل مع الإسلام في ضوء أولويات الشريعة؟
إيش الدليل على أن هذا هو الفقيه؟ الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل أبي بن كعب عن أعظم آية في كتاب الله، وهذا في البخاري، وكان أبي بن كعب لم تكن هذه المعلومة موجودة مسبقاً، إحنا الآن الصغار يعرفوها لأننا أخذناها جاهزة، بس هذا السؤال كان لأبي بن كعب يفكر فيه: يا أبي أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ وأي آية من كتاب الله معك أعظم؟ فأبي أخذ يفكر، وقف عند آية الكرسي، جذبه إليها المعاني المركزية الموجودة فيها، فقال: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره قائلاً: والله ليهنك العلم أبا المنذر. ليش ليهنك العلم؟ ايش وجه العلم؟ هل هي المعلومة أنه معلومة أن آية الكرسي أعظم سورة أعظم آية؟ إدراك أنه أي آية من كتاب الله معك أعظم، هنا تجي المراتب، فإدراكه أن هذه الآية أعظم هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول له ليهنك العلم. إذاً نحن نتكلم عن، إحنا ما نقول العنوان لم يكن التزكية في القرآن، وإنما كان مركزية التزكية في القرآن، حتى يدرك الإنسان قيمة وأهمية التزكية في كتاب الله سبحانه وتعالى.
طيب خلينا نأخذ بعض الآيات أو بعض المواضع القرآنية التي تبين لنا قيمة التزكية وأنها قضية مركزية في كتاب الله سبحانه وتعالى، ومرة أخرى إذا أردت أن تكون فقيهاً في دين الله فرتب أولوياتك ومركزياتك بناء على مركزيات القرآن وأولوياته، مركزيات الوحي، سنة النبي صلى الله عليه وسلم، عمل النبي صلى الله عليه وسلم، سيرته إلى آخره. طيب، في القرآن قال الله سبحانه وتعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، هذه خمسة أقسام الآن، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، هذا أحد عشر قسماً الآن، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.
أنت الآن لما تجي وتؤكد قضية خطيرة جداً ما تقسم عليها أي قسم صح، خاصة إذا كنت مهتماً بالموضوع جداً، فتلقاك أحياناً حتى تعبر بأقسام ليست هي المعتادة. يعني مثلاً إذا كنت تقول والله، فتقول: أقسم بآيات الله والله الذي لا إله إلا هو إني صادق، أنت تؤكد القسم، طبعاً ليس بهذه الصورة، ولكن تكرار القسم أحد عشر قسماً يقسم به الله سبحانه وتعالى معناه أن ما سيأتي بعده جواب القسم عظيم ومهم ومركزي جداً، فانتبه. إيش هو جواب القسم؟ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. إيش زكاها؟ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَمَن زَكَّى نَفْسَهُ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. أنت الآن ما ينبغي أبداً كإنسان تريد أن تفقه في دين الله سبحانه وتعالى، ما ينبغي أبداً تتعامل مع ملف التزكية بعد كل هذا على أنه يعني من الواجبات بس، لا، ليس هو من الواجبات فقط، هو قضية مركزية جداً.
آية أخرى، الله سبحانه وتعالى جعل الجنة جزاء للتزكية، يعني يذكر الله سبحانه وتعالى الجنة ويذكر فيها أمراً، ثم يقول مين اللي يجيب الآية؟ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى. هذا النعيم كله هو جزاء لخص في عمل وهو تزكى. وأحياناً يأتي ثواب الجنة أو يعني تأتي أن الجنة هي جزاء لمن؟ ولا يأتي لفظ التزكية وإنما يأتي عمل تزكوي معين هو من صميم عمل التزكية، حتى أنك لا تتخيل التزكية بدونهم. فمثلاً في سورة النازعات: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، هذا اختصار التزكية، اختصار التزكية؛ لأنه لما تقول الهوى، إيش الهوى؟ الكبر والغرور والشهوات، كله هوى، تمام؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى.
إذاً هذه القضية قضية التزكية في كتاب الله سبحانه وتعالى هي قضية مركزية، طبعاً هذه بس أمثلة سريعة، وإلا في القرآن لمن يتتبعه، طبعاً هو في سؤال مهم، أنه كيف تعرف المركزيات أصلاً؟ أحياناً تعرفها بالنص، صح؟ مثل أي آية معك أعظم، خلاص واضح، الآن هذا نص يدل على أنه هذه مركزية، صح، أو تعدل ثلث القرآن، هذا نص، أحياناً ليس بنص معين تعرف أن هذا الأمر هو من الأمور الأولية في القرآن، وإنما أحياناً من كثرة تكراره، جيد؟ فلما يكرر في كتاب الله كثيراً تعرف أن هذه القضية مركزية، وإلا لماذا تكرر؟ واضح؟
فأنت الآن تعرف مركزية التزكية في القرآن من جهتين، هذا حلو في الاختبار تمام: كيف تعرف مركزية التزكية في القرآن؟ من جهتين، الجهة الأولى من النصوص المؤكدة لمركزية التزكية وأهميتها مثل القسم الذي في سورة الشمس، الجهة الثانية من كثرة تكرار قضية التزكية في كتاب الله سبحانه وتعالى، حتى أنك تجد هذا في أغلب سور القرآن، أغلب سور القرآن تجد فيها قضية تزكية؛ لأنه التزكية هي تخلية وتحلية، تخلية عن الشوائب التي تلحق بالنفس والأهواء والأمراض التي تعصف بالقلب من الكبر والغرور والرياء والنفاق والشك والحسد إلى آخره، هذه التخلية طبعاً ومن آثارها السلوكية، والقسم الثاني في التزكية هو النماء والزيادة، النماء والزيادة التي هي تنمية القلب بالخشية والمحبة والإنابة والخضوع وما إلى ذلك، هذه كلها تزكية له.
طيب كم نصيب هذه في كتاب الله سبحانه وتعالى؟ ما شئت. إذاً كيف نعرف مركزية التزكية في القرآن الكريم؟ نعرف مركزية التزكية في القرآن الكريم من جهتين: الجهة الأولى من الآيات التي أكدت مركزيتها، الجهة الثانية من جهة تكرار هذا المعنى في كتاب الله سبحانه وتعالى. هذا الآن المحور الأول في مركزية التزكية بشكل عام. المحور الثاني هو مركزية التزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
مرة ثانية، مركزية التزكية، تمام؟ طيب، أنا تكفيني آية واحدة متعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم تبين لك مركزية التزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن نحن نذكر أمثلة كثيرة، أمثلة متعددة أقصد. الله سبحانه وتعالى اختصر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، اختصر وظائف النبي صلى الله عليه وسلم التي عملها في حياته الشريفة بثلاثة عناوين، فقال سبحانه وتعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. طبعاً هذه ليس معناها أن النبي صلى الله عليه وسلم أنت قد تنظر من جوانب أخرى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فتتناول جهات أخرى، لكن الفكرة هنا أن هذه العناوين الكبرى التي حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أدائها، هذه العناوين الكبرى التي يدخل داخلها أعمال جزئية كثيرة جداً.
وهذا المعنى هذه الآية مكرر معناها في كتاب الله، وذلك في دعوة إبراهيم: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وفي سورة البقرة أيضاً: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.
أظن ما يحتاج الإنسان دليلاً آخر يبين مركزية التزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، صح؟ لأنه هي الله سبحانه وتعالى يقول لك ترى هو أرسل ليزكي، واضح؟ فما يصير بعد كذا في أي سياق إسلامي ولا أي سياق إصلاحي ولا شيء، تكون التزكية على الهامش، لا يمكن أن يكون أي سياق يجعل التزكية على الهامش لا يمكن أن يوصف هذا السياق بأنه سياق يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم أبداً، مستحيل. أي سياق يضخم من كثير من الأمور الإجرائية والمهارية وما إلى ذلك ويقلل من قيمة التزكية، فهذه قضية فيها مخالفة لمركزيات النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، نأتي أيضاً بأدلة أخرى، قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأيام وهذا حديث صحيح تكرر المعنى أيضاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث بهذا المعنى. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينبه أصحابه في السياقات التي لا تتخيل أنت أنه ممكن يكون فيها احتياج للتنبيه على أهمية التزكية، ينبه النبي صلى الله عليه وسلم، تخيلوا يا جماعة إيش أقصى نصر كان في بال الصحابة حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، يعني خلنا نقول بعد النبي صلى الله عليه وسلم إيش أكبر نصر لو حققوه يكون تحقق؟
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أيش النصر العظيم الذي كان ممكن يتحقق؟ فتح كسرى أو قيصر صح؟ يعني إسقاط الإمبراطوريتين وفتح كنوز كسرى أو قيصر، إنه يعني جاء الإسلام أشرقت شمسه على أعظم القوى الموجودة في الأرض وأزيحت، ودخل الناس في دين الله أفواجاً صح؟ طيب هذه اللحظة، اللحظة هذه لما يتحقق الجهاد في سبيل الله، ها يعني فتح من الله سبحانه وتعالى يأتي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق جهاد في سبيل الله. هذه اللحظة يعني ما يجي ببالك إنها لحظة تحتاج تنبيه إلى أهمية التزكية في تلك اللحظة؟ لحظة نصر وتمكين وتحقيق إنجاز عظيم وقطف الثمرة الكبرى كسرى وقيصر.
في صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: نقول كما أمرنا الله سبحانه وتعالى أو نقول كما قال الله سبحانه وتعالى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون. ها، شف لاحظ كيف النبي صلى الله عليه وسلم ينبه الصحابة على قضية التزكية في أعلى مراحل النصر والتمكين. ولذلك من الأخطاء الكبيرة، لاحظوا هم طبعاً وفي سياق جهاد صافي ما فيه غبش، ما فيه يعني إيش عارف، يعني أقصد ضمن نية صادقة وصافية في الفتح والتمكين للإسلام، ومع صحابة رسول الله، وفي مرحلة مبكرة، إحنا نتكلم عن وقت عمر بن الخطاب ما نتكلم عن بعد تغير الأحوال، لا لا.
لاحظوا يعني شوفوا شوفوا كيف مركزية وأهمية التنبيه إلى هذا المعنى في مثل ذلك السياق، فما بالكم بما دونه من السياقات. لذلك من الخطأ الكبير الموجود عند في كثير من التصورات حتى الإسلامية، إنه بل بالعكس أنا أتكلم الآن عن الإسلامية بشكل خاص، إنه تغيا المشاريع، تجعل لها غايات، يعني تحقيق نصر معين، إنه إذا تحقق هذا الإنجاز بلغنا الغاية. بينما في الإسلام في الوحي، تجد من الواضح تماماً أن مرحلة الوصول إلى الثمرات الكبرى هي ليست إلا مرحلة من المراحل فقط، ليست هي الغايات. لذلك تجد أن موسى عليه السلام قال لقومه لما قال له: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. قالوا: أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا. قال: عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ. مو نقطة الآن: وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وهنا تبدأ يبدأ امتحان: فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وهنا نفس الشيء: إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ وقبل وفاته بأيام: إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي وإنما أخاف أن تفتح عليكم الدنيا.
اللهم صل وسلم على رسول الله، هذا تحت أي عنوان؟ كل هذا الكلام تحت مركزية التزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه صنع رجالاً وصنع مجتمعاً مربى من الرجال والنساء. صنعهم على قضية تتمحور حول الغاية التي خلقوا لأجلها، والسبيل النبوي الذي يوصل إلى تحقيق هذه الغاية، وهذه هي التزكية في الأخيرة. طيب أيضاً من الأشياء التي تبين مركزية التزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه على المستوى التربوي العملي وعلى المستوى التعامل مع الشباب، كان يبدأ بقضية التزكية ويحرص عليها، ولذلك الحديث المشهور حديث جندب رضي الله تعالى عنه قال: كنا غلماناً حزاورة عند النبي صلى الله عليه وسلم فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً. علمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً. وهذا المفروض يعيد ترتيب الأولويات بالنسبة لأصحاب البرامج التربوية التي مع الأولاد والجيل الصاعد وما إلى آخره، إنه تعلمنا الإيمان، إنه القلب هذا الذي يتلقى القرآن هو القرآن يا جماعة، مو إنه أنت تحفظه بس، هو طبيعة القلب الذي يتلقى القرآن.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتح للقرآن القلوب ويهذبها ويملؤها بإذن الله تعالى باليقين والخشية والإنابة، فتكون صالحة لتلقي القرآن، ولا شك أن من وسائل أصلاً تطويعها هو القرآن الكريم. طيب إذاً أهم قضية في مركزية التزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هي أن الله وصف وظائف النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهمها يزكي، هذا أهم شيء. ثم الممارسة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم نقطة أخرى مركزية في أهمية التزكية عند النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قسمت المراحل الأساسية في حياته النبوية، مرحلة مكية ومرحلة مدنية، المرحلة المكية أطول من المرحلة المدنية ثلاثة عشر عاماً، أليس كذلك في مقابل عشر سنوات في المدينة؟ المرحلة المكية لو أردت أن تختصرها المرحلة الأكبر الأكثر الأطول في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لو أردت أن تختصر هذه المرحلة فتقول ما الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم فيها؟
أول شيء من ناحية الأحداث وكثرتها، أيها أكثر في المدينة ولا في مكة؟ المدينة ما في مقارنة صح ولا لا؟ بدر أحد وكل الغزوات والأذى والمنافقين، كل أغلب الأحداث اللي في السيرة في المدينة في العشر سنوات، حتى إنك تقول ما هذه العشر سنوات العجيبة العظيمة المباركة، وكأنها قرن من الإنجازات والأعمال إلى آخره، أليس كذلك؟ طيب هذه عشر، طب بس باقي الأطول مرحلة أطول، ما الذي كان فيها من أحداث؟ ما كان فيها جهاد. ها ما يعني لما أنت ترجع للسيرة المكية ما تجد أحداث، يعني يمكن الأحداث اللي فيها إنه مثلاً راح الطائف عليه الصلاة والسلام ثم رجع، والصحابة راحوا الحبشة، فاهم؟ يعني ما في. طيب ايش العمل الذي كان يعمله النبي صلى الله عليه وسلم؟ أهم وأكثر عمل كان يأخذ وقت النبي صلى الله عليه وسلم وجهده في تلك الأعوام هما أمران: الأمر الأول تزكية أصحابه وتربية هؤلاء الثلة التي لديه على أعز المعاني وأعظمها وتربيتهم عليها عملياً. ولما تنظر في التاريخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم، الخلفاء الراشدون من ذيك المرحلة، وأكثر من برز يعني كان له دور هم من السابقين، حتى من السابقين المدنيين، يعني طيب هذا الشيء الأول الذي عمله النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني إيش؟
هذه في مرحلة مكية أهم ما عمل: الأمر الأول التزكية والتربية العملية للصحابة، الثاني خطاب المشركين دعوتهم ومجادلتهم، أليس كذلك؟ يعني أنت لما تيجي تقسم حياة النبي صلى الله عليه وسلم القسم الأكبر من حياته كان بالتزكية العملية وفي التربية العملية لصحابته، وهذا ليس شيئاً هامشياً يا جماعة، هو مو كذا يعني هو لم يكن ليكون ما كان لولا تلك التربية، أليس كذلك؟ ولذلك أنت اليوم في واقع مشتبك اشتباكاً إلى أبعد مدى، فيه مؤثرات فكرية وثقافية سلبية إلى أبعد مدى، مؤثرات اجتماعية خاطئة وفكرية إلى آخره، وفيه ظلم وتسلّط وإلى آخره إلى أبعد مدى، وفيه أشياء كثيرة جداً. إذا أردت أن ترجع لحياة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن واحدة من أهم المعالم التي يمكن أن تقتبس من حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو المعنى الذي صنعه النبي صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الأحوال، وهو تربية وتخريج أناس على مستوى عالٍ من الإيمان واليقين والصبر والثبات والعمل وما إلى ذلك.
طبعاً أهم شيء ما يصير مفهوم التزكية إنه يأخذ زاوية ومعاه سبحة طويلة ويسبح كم ألف تسبيحة وأنه هذه التزكية؟ التزكية واحدة من أهم معالمها قوة اليقين والصبر والثبات على الحق، وعدم الخشية أن لا يخاف في الله لومة لائم، هذه من أهم آثار التزكية، فهي التزكية ليست انعزالاً وتقوقعاً، مو هذه التزكية، بالعكس وسيأتي إن شاء الله بعض الأمور. عموماً هذا المحور الثاني وهو مركزية التزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
المحور الثالث: مركزية التزكية من جهة آثارها الحسنة. إحنا طبعاً نرجع للسؤال قبل شوي إنه كيف نعرف إنه قضية مركزية؟ إحنا قلنا واحد من الوسائل إيش؟ أن يأتي النص على أن هذه القضية مركزية. اثنين كثرة تكراره، جيد؟ ثلاثة كثرة آثاره الحسنة، كثرة متعلقاته وآثاره الحسنة لما تدرك إنه كل ما ترى أثر حسن هذا من إيش؟ من التزكية، لا أجل هذه قضية مركزية، زين؟ طيب أربعة كيف تدرك مركزية الأمر في الوحي أو في الشريعة؟ من كثرة الآثار السيئة المترتبة على تركه. واضح وهذه الأمور الأربعة هي في جواب مركزية التزكية في هذا اللقاء. طيب الآثار الحسنة للتزكية، زي ما قلنا لما تستعرض الآثار تعرف إنه الموضوع لا والله مركزي حقيقي جداً، غير ما ذكر سابقاً. طيب الآثار، بما إنه السياق اليوم مختصر فما يمكن الاستقصاء، لأن الآثار يبغى لها محاضرة ولا تكفي، تتكلم عن الآثار النفسية على نفس الإنسان، أقصد يعني الآثار الذاتية خلينا نسميها، الآثار الاجتماعية، دوائر في الدائرة الأسرية، في دائرة الأصدقاء، وفي دائرة مثلاً المحيط الاجتماعي القريب الجيران، وما إلى ذلك، يعني كل التزكية لها آثار كبيرة جداً عليها، وفي من الناحية الإصلاحية أثر التزكية الحسن على الإنسان من الناحية الإصلاحية.
فخلينا نأخذ سريعاً كذا بس من الناحية الذاتية والإصلاحية سريعاً تمام، واللي هي آثار كثيرة جداً. طيب من الناحية الذاتية والنفسية، واحد: الصبر على المصائب. إحنا لسه خارجين من رمضان من أكثر الأدعية اللي تدعى فيه في الوتر، لا في قضية المصائب، إيوه: اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. واضح العلاقة بينهم؟ ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ولا كيف الإنسان يصبر؟ من أعظم آثار التزكية الذاتية أن تهون على الإنسان مصائب الدنيا. مو بس تهون، بل لك أن تقول التالي: من الصعب جداً أن يحقق الإنسان أمر الله بالصبر عند المصائب إذا لم يكن عنده تزكية، من الصعب الامتثال لذلك.
لذلك تجدون مثلاً لما جاءت المرأة التي كانت عند المقبرة كانت تبكي، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اتق الله واصبري. قالت: إليك عني فإنك خل من مصيبتي. ثم إلى هذا النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت يا رسول الله، فقال: إنما الصبر عند أول صدمة. ليه؟ هنا في قضية مرة مهمة، كذا شرح باليدين، قضية مهمة جداً: التزكية لما تهيمن على الإنسان، مو بس التزكية أي معنى من المعاني المؤثرة في حياته بتكوينه، لما يعني أحد أمرين، إما أن يكون مهيمناً، تصبح كالسليقة وكالعادة هي التي تنتج ردة الفعل الأولى، أو لا تكن بهذه المثابة، فإذا وصلت التزكية عند الإنسان إلى أن تكون هي التي تنتج آثار وردات الفعل الأولى بحيث لا يمكن أن يفقدها الإنسان في أي موقف، فهي حالة الإنسان المؤمن التام الذي يحدث العجائب بمواقفه.
تمام، فهو النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: إنما الصبر عند أول صدمة، الموقف الذي عملته هي كان هو الموقف الطبيعي من حيث المشاعر البشرية، أليس كذلك؟ فهي ما وصلت عندها التزكية إلى حد أنه يكون الموقف الأول السليقي الذي هو يغلب الطبيعة أن يكون هو إنا لله وإنا إليه راجعون. فهي قالت: إليك عني فإنك خل من مصيبتي. ولذلك أنت تجد أغلب الناس تعبر عن المصائب بالتعبير الذي في خانة المرأة تلك، بس بدرجات طبعاً عالية صح ولا لأ؟ هذا الأصل، هذا الأصل إنه الإنسان يعبر بطريقة معينة. طيب هذا الأصل مع إنه فطري طبيعي إلا أنه ولأن الإسلام دين تكليف ولأننا في مرحلة اختبار، إلا أنه حرم تحريماً كبيراً في الإسلام، ويريد الله منك أن تضغط على هذه المشاعر وتبعدها، وجعل لك لها متنفساً بحزن القلب ودمع العين، صح؟ جعلك إنها متنفساً، وهذا الإسلام لما تجي القضية فطرية فيجعل لك فيها متنفساً، ويجعل لك حتى ترى في قصة طالوت: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ يعني جعلك متنفساً، خذ لك شربة، تمام.
نفس الشيء في الشهوات الجسدية جعل لك متنفساً في الزواج وما إلى ذلك، وحرم عليك أشياء. هنا نفس الشيء، أنت كإنسان عندك ممتلكات معينة أو عندك محبوبات معينة فقدتها، الموقف الشعوري الذي يمكن أن تعمله هو أن تغضب وتحزن وتقطع الدنيا، جيد؟ الذي يريد منك الإسلام أن تعمله هو أن تغلف هذه المشاعر بغلاف التزكية، تتجاوزها وتجعل لها المتنفس الطبيعي جداً، فإذا دمعت عينك وتحسر قلبك فهذا لا بأس به، أما إذا شقت الملابس ونفش الشعر وجاءت الولولة والصراخ والصياح وضرب الخدود، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف ذلك: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. وقال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، صدق عليه الصلاة والسلام: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة على الميت. صدق صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. أربع أمور مستمرة زي ما هي، يعني أقصد مستمرة لا تزال يعني عند الناس.
طيب، ايش فائدة التزكية من الناحية الذاتية؟ من أعظم فوائد التزكية من الناحية الذاتية، خاصة إذا بلغت المبلغ المهيمن، أنها تعين الإنسان على الصبر على المصائب. يا جماعة، لما نقول الصبر على المصائب، إحنا ما نتكلم الصبر على المصائب يعني مجرد أنه يموت إنسان تحبه؛ الإنسان لا يزال في بلاءات متقلب فيها. طيب، هذا جزء أساسي من حياتك، يمكن أن يقلب حياتك، يمكن أن يؤثر في مسيرتك، يمكن أن يرديك في النار، ولا مجال ولا سبيل ولا طريق لتجاوز هذا الإشكال إلا بالتزكية، ما في.
من الآثار الذاتية للتزكية أنها تبعد عن الإنسان الأوهام النفسية اللي خلنا نقول هي من جملة أمراض القلوب. يا جماعة، يا شين الإنسان ويا قبحه ويا سوءه إذا نسي أنه عبد لله سبحانه وتعالى. يا شين والله؛ يعني أنت الآن تجد مثلاً إنسان لأن الله مكنه من منصب دنيوي معين فهو يعيد تعريف نفسه، يكاد يعرف نفسه أنه إله، تمام؟ خاصة في بعض السياقات؛ تجد مثلاً ناس يفني مئات الآلاف من البشر لأنه هو الأحق بأن يكون في هذا المكان، أو إلى آخره مما تعلمون. طيب يا أبو الشباب، أنت وين رايح؟ أنت إيش تعريفك لنفسك؟ يا أبو الشباب، وين أنت؟ إنسان، الله سبحانه وتعالى إنما يذكر مثل هذه النماذج، يقول سبحانه وتعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ. وين رايح؟ نسي خلقه. قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ.
أنت الحين تقول عمرك أربعين سنة، نفسي أشوفك لما كنت بالحفاظة، كيف إيش كنت تقول؟ فاهم الفكرة؟ يعني ما يحيي العظام، يعني هو طبعاً ما يقول مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ إلا هو شايف أن الدنيا مائلة. طب ارجع بس شوية، يعني أنت ما تتكلم عن أي أحد، أنت لما كنت صغير تتذكر؟ فاهم الفكرة؟ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. ويقول الإنسان: أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا. بعدين ترى لاحظوا ترى تركيب الجملة يدل على النفسية، نفسيته هو المتحدث؛ إذا كانت وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، فرق بينه وبين أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا. فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ.
من أهم فوائد التزكية الذاتية أن الإنسان يعرف نفسه التعريف الذي يستحقه. أنت إنسان ترى، حتى لو كنت صالح، حتى لو كنت نبياً، لو كان نبياً من الأنبياء، النبي نفسه هو أكثر إنسان يتواضع لله سبحانه وتعالى، أليس كذلك؟ تعرفون النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مراحل نصره في فتح مكة دخل وهو مطأطئ خاشع متواضع، معترف لأنه هو في داخله يعلم أن هذا لم يكن لولا نصر الله وتوفيقه. بينما لو فقد الإنسان التزكية، أول شيء يعتقد أنه إيه، لأنه لما قالوا لقارون: لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي. هذا الفرق، وشفت هذه نفسية قارون: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي؛ هذه يشعر بها كل إنسان فاقد للتزكية ولديه بعض المكتسبات. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ.
إذاً، من أعظم الآثار الحسنة للتزكية على الذات أن تجعلك تعرف ذاتك تعريفاً لا ينفك عن معنى العبودية لله سبحانه وتعالى، وبالتالي تتواضع وتشكر عند المكتسبات، وتصبر عند المصائب والنكبات، وتدور في هذا الفلك بين الصبر والشكر، وهذا هو المؤمن الذي لخص النبي صلى الله عليه وسلم حياته بقوله: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. قال عليه الصلاة والسلام: وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ. وحط تحتها سبعة وثلاثين خط؛ وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، يعني لا بد من تذكية للمؤمن، تزكية لا يمكن أن يكون هذا الحال هو حال إنسان غير مزكى.
طيب، إذاً من مركزية التزكية من جهة الآثار الحسنة على الذات: الصبر عند المصائب، وتعريف الإنسان نفسه تعريفاً لا ينفك عن معنى العبودية، وبالتالي لا يحدث في قضية الاغترار حتى في طريقه الاصلاحي. المكتسبات، ترى ترانا صرت حافظ مدري إيش، عنده طلاب كثير، ألفت كم كتاب، تمام؟ إيه بس تمام ترى: وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا. ولو الله سبحانه وتعالى قطع عنك مدده قليلاً وأزال الستر بينك وبين أعين الناس، ترى الناس تركوك وهجروك، فهدي بالك شوي. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم الله إيش قال له في سورة الإسراء: وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا. صح؟ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا. وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ؛ الغافلين عن هذه المعاني، عن هذه الأمور، عن هذا الوحي الذي أنزله الله إليك. فهو منة من الله لك، وكما أنه منة من الله سبحانه وتعالى للنبي، أو على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو منة من الله علينا أن بعث لنا هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فما كان بنا من هداية وخير وعلم وتوفيق فهو بتوفيق الله سبحانه وتعالى وبما أرسل إلينا هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
فقيمة التزكية بالنسبة للإنسان المسلم في طريقه الإصلاحي، هذه الآن انتقال كمان حلقة وصل بين فقرة من الناحية الذاتية ومن الناحية الإصلاحية. من الناحية الإصلاحية أنه تدفع الإنسان المسلم والمصلح عند المكتسبات أن ينسب الفضل إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يشعر حقيقة أن الله سبحانه وتعالى وفقه، فلا يغتر، بالعكس، يعني أنا دائماً يعجبني موقف الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، في عفوًا الذين كانوا مع الأنبياء السابقين الذين ذكرهم الله في سورة آل عمران: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا. فأنت تتعجب من طلبهم من الله سبحانه وتعالى المغفرة وهم في ذلك السياق.
طيب، أمر آخر في الآثار الحسنة للتزكية في الناحية الإصلاحية وهو الثبات. الثبات، أنت الآن لما تكون في حالة رخاء، حتى في حالة دعوية مثلاً ولا في بعض المشاريع النافعة، ربما قد تمر عليك في حياتك الشخصية مواقف صعبة وتؤثر ربما على مسيرتك، لكن في نفس طريقك الدعوي أو الإصلاحي قد لا تأتيك العقبات الكبيرة إلا إذا اتسع النطاق عندك وكثرت الأعمال، اتصلت بشرائح مختلفة ومتنوعة وصرت محلاً للحسد، تمام؟ بس قبل ذلك قد لا تمر بمثل هذه المواقف. سواء مررت بها أو لم تمر أو كنت ستمر، ستأتي لاحقاً على مثل هذه القضايا، أو أياً كان خدمت الإسلام بأي طريق من الطرق، اعلم أن الثبات على الطريق ليس خاطراً تداعب به مشاعرك اليوم وتقول والله أنا لو تعرضت لابتلاء أنا سأكون من الثابتين، استغفر الله، لا، الثبات أنت لا تعرف نفسك عند الأزمات. لذلك حتى ترى على المستوى الشخصي، تعرف يقول لك السفر يسفر عن أخلاق الرجال ومدري إيش وأنه فلان ما أدري إيش، هل صاحبته؟ هل سافرت معه؟ لأنه شف وقت هذا في الناحية العادية، من ناحية الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، خاصة الطريق ذو النفع المتعدي، أنت ترى ما تعرف نفسك عند الأزمات. ياما ناس انتكست بسبب أزمات معينة، ابتلاءات معينة، أليس كذلك؟
أحياناً ليس بسبب أزمة مباشرة، أحياناً بسبب طول الطريق وعدم وجود ثمرات يلمسها الإنسان بيديه، أنه تعبنا وبذلنا ويا عمي إلى متى؟ يعني لسه شايف حال الناس كيف وحال مصائب وكوارث، يعني إيش أسوي إلى آخره. الثبات على الطريق الحق لا يكون إلا بتزكية عالية جداً، وإذا قلنا بتزكية عالية جداً، إيش إحنا قلنا؟ التزكية شقين: تخلية وتحلية. أي شق التزكية أكثر اتصالاً بقضية الثبات؟ تحلية. تحلية، أي عمل من أعمال التحلية أكثر اتصالاً بصفة الثبات؟ الصبر واليقين، وفي الحقيقة اليقين هو الباعث على الصبر.
آيات متعددة في كتاب الله تدل على أن اليقين كان سبباً في الثبات، ومن أبرزها كقصة كذا متدرجة واضحة قصة طالوت: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. هي نفسها هذه اللي أنا مين يقول لك أنه تمام؟ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا. هذه لسه الحين ما بدت المعركة ولا شي، بس كتب عليها، كتب أن يقتل، تولوا بدري، يعني عارف من بدري أصلاً. طيب بعث لكم طالوت ملكاً، هنا تجي المعايير، المعايير الفاسدة: أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ، جاي يحط معاييره على معايير الوحي، طب إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ.
المهم بعدين انطلق الجيش، فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ، الآن امتحان للثلة المؤمنة أو الثلة التي مشت. اللي مشت تجاوزوا هؤلاء الناس اللي أصلاً ما فيهم خير، اللي هو وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ. إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ، هذا اختبار الآن للخاصة داخل الطريق، فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ. فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ، لذلك ورد في بعض الأحاديث أنه كانوا بعدة أصحاب بدر الذين لم يشربوا، ثلاثمائة وبضعة عشر. فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ. الآن جاء اختبار آخر، وهو أنه في اختبار شهوات كبار، شهوات نجحنا فيه اللي هو كان شهوة الشرب، هنا في على الظمأ والتعب والنصب، يعني هي كمان ما يجي ببال الإنسان أنه كان شي سهل، أنه إحنا ماشيين متمشيين وفي نهر يلا اشربوا يلا لا تشربوا، ما هي كذا هي، وهم كانوا ماشيين مسيرة جيش، ما تدري ممكن، يعني عارف، إِنَّ اللَّهِ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ، يعني كان ابتلاء، كان ابتلاء وكان عطش وتعب وحالة تمام بس ابتلاء. وهذا بالمناسبة هذه الأشياء اللي تكشف خلنا نقول بالاصطلاح كذا، بعيداً هذا فلسفة الإسلام، بس هو التعبير هذا، تكشف المعاني المركزية في الإسلام من ناحية الابتلاء وما إلى ذلك.
قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، هنا يجي موضع الشاهد: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ، تختصرها في كلمة يقين، اليقين، إنه يَظُنُّونَ هنا يقين، يوقنون، تعرفون هذا اصطلاح في القرآن، يأتي الظن بمعنى اليقين، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ، ويأتي الظن بمعنى الشك، يجي ظن أيضاً في القرآن بمعنى شك، لكن الظن يأتي بمعنى اليقين. قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
الملخص من القصة كلها كفائدة نهائية، أثر اليقين في الثبات عند الأزمات في الطريق الإصلاحي، قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا. طيب، إذاً الخلاصة أن من أعظم آثار التزكية على الإنسان المؤمن على الإنسان المصلح -أنا جالس أتكلم العنوان العام هو التزكية للمصلحين- أنها من أعظم أسباب الثبات عند الأزمات، وإذا قلنا الثبات عند الأزمات فقلنا التزكية بشقيها، التزكية في شق التحلية هي الأكثر فاعلية هنا، وتحت التحلية الصبر واليقين. الصبر واليقين، طبعاً أيضاً الخشية والخوف قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ إلى آخره. الكلام يطول لكن لعله يأتي بعدين، يعني إحنا الآن بس كذا عرض سريع مجمل.
المحور الأخير وهو الآثار السيئة عند تخلف التزكية، هنا سأتجاوز كثيراً من التفاصيل أيضاً لأنه الآثار السيئة لتخلف التزكية هذه الآثار تظهر عليك كذات. تكلمنا قبل شوي عن الغرور والعجب والتكبر، ها قال لي عادي حيجي أنا هذا اللي حأركز عليه، بس أنا أقصد الأشياء اللي ما راح أذكرها؛ أثر فقدان التزكية على عدم الصبر عند المصائب، أثر فقدان التزكية على فساد العلاقات الاجتماعية القريبة الأسرية، فإذا ما أتكلم الفساد اللي هو كذا قدراً وإنما أتكلم عن الفساد الذي يكون فيه سبب من ناحية عدم التزام ما أمر الله سبحانه وتعالى به من حدود الله وشرعه إلى آخره. لكن أنا دائماً أتجاوز هذا كله، وأنتقل إلى الآثار السيئة لتخلف التزكية.
في الطريق الإصلاحي، أو في الناحية الإصلاحية، مثل ما قال أبو عمر: إنه بمجرد أن تقلب بصرك في الواقع تقليب الفاحص الناقد المتفهم البصير بمعاني الشريعة وبمعاني النفوس، ستدرك أن كثيراً من المشكلات في الواقع الإسلامي، وإن تغلف بغلافات كثيرة، يكون ضعف التزكية إما سبباً أساسياً فيها أو يكون سبباً مؤثراً فيها، ولو لم يكن هو السبب الأساسي.
أبرز صورة من الصور التي تحدث بسبب ضعف التزكية في السياق الإصلاحي هي الحسد؛ الحسد بين الصالحين أو بين العاملين. وهذا الحسد قد ذكره الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أننا سنتبع سنن من كان قبلنا: فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا. ود كثير من أهل الكتاب ليردونكم من بعد إيمانكم كفاراً، ليش؟ حسداً، ظلماً وعلواً. بس هنا في الحسد؛ طيب الحسد هذا واحد من الصور.
فأنا ممكن أرد عليك، أبدأ بس بمنشورات في الفيسبوك، بعدين تصير قصة طويلة، ممكن أرد عليك في الفيسبوك؛ لأنه أنت في نفس اختصاصي، وأنت جاي بعدي وشايف الوضع عليك أكثر، يعني إيش قصتك؟ بعدين أنت أصلاً ما معك شهادة علمية، أنا معي شهادة علمية، أنا تعبت في المجال هذا وأخذت دكتوراة، أنت ما أخذت. بعدين كم لي؟ خمس عشرة سنة وأنا لي في هذا المجال، أنت الحين توك مع شبكات التواصل اللي طلعت. لا من جد، فيعني لا، لا، أنا ما بقول لك إن أنا حاسدك، أنا ماني حاسدك -أستغفر الله- بس إنه أنا حاسدك، أنا ودي أقول إني ماني حاسدك بس أنا حاسدك، يعني ليش كذا؟
طيب، هذا الشعور طبيعي، هذه فطرة، هذه موجودة في النفس، إنه أنا تعبت وسويت وكذا وأنت جاي هذا وأنت والناس التفوا لك، فهذا طبيعي؛ زي ما أن شعور التذمر عند المصيبة طبيعي، بس حرام. طبيعي بس حرام، تنقول الشذوذ الطبيعي مثلاً، الطبيعي بس لو كان طبيعي منه مو طبيعي، فهو حرام بس حرام. حرام، إيه حرام؛ لأنه أصلاً هذا معنى الإسلام، هو الإسلام يجيب لك أشياء، وهذا معنى الاختبار، يا أخي: مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ، نهر ماء حلال وهو في أصله مما خلقه الله لنا، بس هناك في ذيك المرحلة كان حرام، بس ابتلاء بس ابتلاء. وهذا الإسلام أصلاً هو اللي فاهم الإسلام بالشقلوب بالمقلوب.
طيب نرجع، إيش كنت أقول أنا؟ الحسد، إيوة، شعور طبيعي في الأساس، بس حرام. الإسلام جاء يقول لك يا حبيبي اهدأ شوية: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا. عاد بحسب تزكية الإنسان، إذا استسلم لشعور الحسد فلا تسأل وين ممكن يوديك، فين ممكن يوديك؟ ممكن يوصل الإنسان إلى الكفر أحياناً؛ حسب طبع الإنسان، ممكن يوصله إلى أنه كان يعرف أن الطريق الذي تكون النكاية فيه بالمحسود يمكن أن يمر بمحطة الكفر ما عنده مشكلة. بعض الناس طبعاً، وهذا قلة الحمد لله، بس كثير من الناس يدخل في قضية الغيبة والنميمة، الاستنقاص، الاحتقار، إلى آخره، تصيد الأخطاء، التتبع. طيب هذا واحد. من الآثار السلبية، يا أخي أنا والله ممكن أكون شعرت بشيء من الغيرة، وجدت في نفسي أنه هذا كذا، بس حط طفاية الحريق هذي: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، تذكر نعم الله عليك، انظر إلى من هو دونك إلى آخره.
مشكلة ثانية تحدث من تخلف التزكية: التنازع والتفرقة. والله أنا ممكن أجتمع معك ونكون سوا بشرط أني أكون رقم واحد، طب يا حبيبي إحنا الآن في أزمة في مصلحة معينة، هذاك الثاني اللي سيجتمع معك هو يعني كذا، هذه التركيبة كلها ما حتصير أنت رقم واحد، خلاص أنا ماني جاي. يا حبيبي يا أبو الشباب في أزمة في كذا لازم، ما ني شايك. التنازع والتفرقة، أنه أنا بوصلتي تكون، وهذي رقم ثلاثة، انحراف البوصلة، أنه أنا بوصلتي تكون للعمل للإسلام، ولكن بسبب شركاء الطريق ونظرتي إليهم والاختلاف معهم انحرفت بوصلتي من العمل الإسلامي وتحقيق الغاية إلى قطع الطريق مع اليمين وأصحاب اليمين والشمال، وهذي مشكلة كبيرة وهي موجودة في الواقع كثيراً، التنازع والتفرقة، فهي من العقبات التي تواجه المصلح في طريقه الإصلاحي ومن أعظم أسبابها ضعف التزكية.
كذلك من الآثار لضعف التزكية التي يمكن أن أختم بها، التي يمكن أن تترتب على أو تكون في طريق الإنسان الإصلاحي: الفتور أو التوقف والانقطاع، أو ما بعد ذلك وهو الحور بعد الكور. هو ماشي في الطريق، طال الأمد، طال الطريق، فيبدأ يفتر قليلاً قليلاً؛ ما في مغذيات تزكية، ما في وقود إيماني عظيم يملأ هذا الإنسان، بحيث إنه حتى لو كان وحده، ليس فقط لو كان وحده، ولو كان الكل ضده: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ. وفي صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام عند الحديبية: والذي نفسي بيدي، لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره. تنفرد سالفتي، السالفة هي الرقبة؛ بعضهم قال هي كناية عن القتل، وبعضهم قال تنفرد سالفته أي حتى أقاتلهم وحدي؛ أي تقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك. ما بين هذا المستوى وما بين مستوى أنه التعب والفتور، طيب ما في أحد، طيب إنه ما أدري إيه، طيب إنه تمام، كثرة المشكلات والخواطر والاستفهام مات عند الإنسان في حياته، فيبدأ يفتر يفتر يفتر، وقد يظل في مرحلة الفتور، ما يصل إلى التوقف بس الفتور، وقد يصل لمرحلة التوقف تماماً، وقد يصل، ونسأل الله العافية، إلى مرحلة الرجوع إلى الخلف، وهذا كله من آثار ضعف التزكية.
طيب إذاً، خلاصة ما طرح اليوم هو أن موضوع التزكية بشقيها التخلية والتحلية ليس موضوعاً هامشياً ولا موضوعاً ثانوياً ولا موضوعاً محدود الأثر بحيث إنك تقول إن أثره على مثلاً الصلاح الذاتي بس، وإنما هو أمر مركزي في صلاحك الذاتي، وأمر مركزي في طريقك الإصلاحي، وأمر مركزي في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى، وأمر مركزي في الثبات وفي الصبر على المصائب وفي صلاح الأحوال وفي تعريفك لنفسك وفي اتباعك للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله سبحانه وتعالى قد أقسم عليه بأحد عشر قسماً في كتابه، وأنه وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى. فبناءً على ذلك كله لنعد ضبط العدادات والإعدادات والمعايير بالنسبة لنا في نظرتنا إلى قضية التزكية، وأنها متى ما كانت في الزاوية محصورة، أو كانت للبركة تجي كذا بس، أو كانت في رمضان بس، أو كانت كواحدة من المفردات التكميلية، فلنعلم أن ما أنت فيه أو ما نحن فيه ليس شيئاً صحيحاً.
طيب على أية حال، نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعطي نفوسنا تقواها، وأن يزكيها هو خير من زكاها، هو وليها ومولاها. وهذه طبعاً من الأدعية التي كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من الدالة على أهمية التزكية، وهذا في صحيح مسلم كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم آت نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وشكر الله لكم حضوركم وسعيكم، وتقبل منا ومنكم، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد