يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان بشرى لنا زد لك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله في اللقاء الثالث من هذه السلسلة المباركة في أكاديمية زاد وفي مادة التربية الإسلامية في مادة أعمال القلوب.
في هذا الفصل الثاني تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن عمل عظيم من أعمال القلوب، وهو الإخلاص. وسنتحدث إن شاء الله في هذا اللقاء عن عمل آخر عظيم من أعمال القلوب أيضاً، وهو التقوى، وما أجلّ هذا العمل الذي هو من أعظم وأجلّ أعمال القلوب!
وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا العمل يتعلق بالقلب؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في يوم من الأيام لأصحابه: «التقوى هاهنا»، وأشار إلى قلبه ثلاث مرات: «التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا». فهو عمل قلبي متمحض في هذا الأمر.
وهذا العمل له شأن عظيم، هذه العبادة جليلة وعظيمة عند الله عز وجل، ولهذا أمر الله عز وجل بالتزود منها، فقال عز من قائل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]. يعني تزود، وأعظم ما تتزودون به هو تقوى الله عز وجل، لأن هذه التقوى هي التي تفاضل بين الناس.
يعني ما الذي يجعل هذا أفضل من هذا؟ ليس في ميزان الدنيا وإنما في ميزان الآخرة، في ميزان الله عز في علاه؛ التفاضل يكون بالتقوى كما قال الله عز في علاه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. إن أكرمكم أعظمكم أجلّكم شأناً عند الله: إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
فهذا الأمر له شأن عظيم عند ربنا عز في علاه، ولهذا أمر الله عز وجل بالتزود منه، وجعله هو السبب أو هو المقياس الذي يتفاضل به الناس، ليس مقياس الدنيا الذي هو فانٍ وزائل، المقياس الباقي يوم القيامة هو التقوى. ولهذا الله عز وجل أمر العباد الذين يحبون الخير ويرجون ما عند الله، أمرهم بالتعاون في هذا الأمر، وقال عز من قائل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] على هذا الأمر، لأنه هو سبب نجاتكم وهو سبب فلاحكم في الدنيا وفي الآخرة.
ما معنى التقوى؟ التقوى عمل قلبي، لكن ما المقصود به؟ المقصود بالتقوى أن يجعل الإنسان بينه وبين عذاب الله عز وجل وقاية، يجعل بينه وبين عذاب الله عز وجل وقاية بفعل الواجبات وترك المحرمات، هذه هي حقيقة التقوى.
والعلماء لهم تعاريف كثيرة جداً في معنى التقوى، لكن يجمعها شيء جامع وشامل، وهو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: التقوى فعل ما أمر الله وترك ما نهى الله. يعني هذا يجمع هذه المعاني العظيمة؛ فعل ما أمر الله، وترك ما نهى الله.
فعل ما أمر الله؛ ما أمر الله عز وجل به وجوباً أو استحباباً، فالانسان يفعل هذا الأمر وهذا من تقوى الله عز وجل. وترك ما نهى الله عز وجل عنه، ابتعد عن المحرمات عن ما نهى الله عز وجل عنه، هذا هو حقيقة التقوى.
واختلفت كلمة العلماء قديماً في تعريف التقوى، لكن هذا هو المعنى الجامع الشامل، ولهم عبارات رائعة وبديعة في معنى التقوى، كمثل القول الذي يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تعريف التقوى أنه: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
لا شك أن هذه الكلمات عظيمة جداً إذا صحت عن علي رضي الله عنه وأرضاه، وهو من علماء الصحابة، فهذه الكلمات لها دلالات عظيمة جداً. الخوف من الجليل هو الذي يمنعك عما حرم الله عز وجل. العمل بالتنزيل هو الذي يجعلك تقبل على ما عند الله عز في علاه. الرضا بالقليل القناعة، أن الإنسان تكون هذه النفس قانعة فلا ترغب فيما حرم الله عز في علاه. والاستعداد ليوم الرحيل هذا المعنى العظيم والجليل.
إذا عرف الإنسان أنه خارج من هذه الدنيا وأنه سيقدم على ربنا عز في علاه وسيُحاسبه عن النقير والقطمير والفتيل، فإن الإنسان لا شك يتقي الله عز وجل في دنياه وفي حياته وفي كل أحواله، في بيعه في شرائه في تعامله، لابد أنه يستحضر هذا الأمر إذا كان يعرف أنه سيخرج من هذه الدنيا وأنه سيلاقي أعماله يوم القيامة.
أيضاً من المعاني التعريفات الجميلة في هذا الباب التي وردت عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، ما جاء عن طلق بن حبيب رحمه الله لما سئل عن التقوى قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله. وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
كلمات رائعة وكلمات عظيمة وجليلة تخاطب القلب مباشرة؛ أن تعمل بطاعة الله، هذه هي التقوى، أن تعمل بطاعة الله عز وجل بما كان يريده الله عز وجل ويحبه الله عز وجل. أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، على بصيرة، يعني أن تعبد الله عز وجل على بصيرة على نور من الله، ماذا تريد؟ ترجو ثواب الله، ترجو ثواب الله. أنت تعمل هذه الطاعة ترجو ما عند الله، وهذا يدخل في باب الإخلاص الذي تكلمنا عنه في العبادة الأولى أو في الحلقتين الماضيتين.
ترجو ما عند الله، أنت عندما تعمل بالطاعة تريد ما عند الله. وأن تترك معصية الله، هذا هو هذه حقيقة التقوى، أن تترك معصية الله على نور من الله أيضاً، أنك تعرف أن هذا حرام ورد في كتاب الله أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فانت تعبد الله على بصيرة حتى في ترك المحرمات.
ماذا ترجو؟ تخاف عقاب الله. لماذا تترك هذا الأمر؟ لماذا تترك هذه المحرمات؟ لماذا يترك الإنسان شرب الخمر؟ لماذا يترك الإنسان الزنا؟ لماذا يترك هذه المحرمات والموبقات؟ لأنه يخاف عقاب الله، يعلم أن الله عز وجل حرم هذا وأن الله عز وجل تعاقبه يوم القيامة إذا لقي الله، فهو يترك هذا الأمر على نور من الله يخاف عقاب الله. هذه التعريفات العظيمة التي جاءت عن سلفنا الصالح في حقيقة التقوى.
وهناك أمر ذكره العلماء أيضاً وهو أيضاً يصب في هذا الباب بشكل واضح وجلي، وهو التقوى ألا يراك الله حيث نهاك. من الأشياء أو المعاني الجميلة التي تجمع حقيقة التقوى بفعل الإنسان: ألا يراك الله عز وجل حيث نهاك، وألا يفقدك حيث أمرك، هذا هو تطبيق عملي للتقوى.
ألا يراك الله حيث نهاك؛ مكان فيه معصية، فيه أنواع من سخط الله عز وجل، فيه عدم رضا من الله عز وجل، فإن الإنسان لابد أن يخرج عن هذا المكان ولا يكون فيه، ألا يراك الله عز وجل في هذا المكان، هذه حقيقة التقوى. وألا يفقدك الله عز وجل في مكان أمرك الله عز وجل التواجد فيه المكثف، مثل المسجد أو غيره من أعمال الطاعات التي يحرص الإنسان على أن يفعلها ابتغاء ما عند الله عز في علاه.
ونواصل إن شاء الله بقية الحديث عن هذه العبادة بعد الفاصل إن شاء الله. هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [النساء: 124].
وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عاتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي.
ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ نواصل الحديث أيها الأحبة عن هذه العبادة الجليلة العظيمة من العبادات القلبية وهي التقوى. تحدثنا قبل الفاصل عن حقيقة التقوى ومعاني التقوى وما ورد من أقوال للسلف الصالح رضوان الله عليهم عن هذه العبادة العظيمة.
مما يروى أيضاً في هذا الباب وهو جليل عظيم، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وهو الفاروق، سأل أُبيّ بن كعب رضي الله عنه وأرضاه وهو أقرأ الصحابة لكتاب ربنا عز في علاه، سأله عن التقوى. فأراد أُبيّ رضي الله عنه أن يمثل هذا بشيء عملي، فقال يا أمير المؤمنين -أو قال يا عمر رضي الله عنه- قال: هل أخذت في طريق فيه شوك؟ قال: نعم. قال: ماذا فعلت؟ قال: شمرت واجتهدت؛ الإنسان يشمر طريق فيه الشوك تشمر وتجتهد بأن لا تطأ هذا الشوك. فقال أُبيّ رضي الله عنه: هذا هو التقوى.
يعني هذا هو فعل المتقي، فعل المتقي في حياته في طريقه إلى الله عز وجل أن يشمر وأن يجتهد، فيعرف ما أحل الله ويعرف ما حرم الله عز وجل عليه، فهذا لابد أن يكون في قلب العبد ليعرف حقيقة التقوى. وهذا مثال عظيم وجليل من أُبيّ رضي الله عنه أن الإنسان في حياته لابد أن يكون بصيراً، لابد أن يكون عالماً، لابد أن يكون حذراً في طريقه إلى الله عز وجل لكثرة الشبهات وكثرة الشهوات التي تصرف الإنسان عن تقوى الله عز وجل، من الشهوات ومن الشبهات التي تصرف الإنسان عن تقوى الله عز وجل وعن طاعة الله، الإنسان يكون حذراً كالذي يمشي في أرض فيها شوك.
وما أجمل قول الشاعر الذي صور هذا المعنى وهذه وهذا النموذج الذي ذكره أُبيّ رضي الله عنه بقوله: خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التُّقى، واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى. لا تحقرنَّ صغيرةً إن الجبال من الحصى. وما أجمل والله هذه الأبيات: خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التُّقى، واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحقرنَّ صغيرةً إن الجبال من الحصى.
يحذر من الصغائر كما يحذر من الكبائر، هذا هو حال المتقي الذي يخاف الله ويراقب الله عز وجل ويعظم الله عز وجل، أنه ينظر إلى الصغائر كما ينظر إلى الكبائر، كما قال في هذا البيت الأخير: تحقرنَّ صغيرةً إن الجبال من الحصى؛ صغيرة على صغيرة حتى توبق الإنسان عياذاً بالله وتصرفه عن تقوى الله التي إن تحققت في قلبه نجا وأفلح وفاز في دنياه وفي أخراه.
الوصية بالتقوى أيها الأحبة لها شأن عظيم، وهي مما يحسن بالناس فيما بينهم أن يتواصوا بهذا الأمر. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 1] وهو سيد المتقين صلوات ربي وسلامه عليه. فهذه الوصية عظيمة، بعض الناس قد يأنف منها أو يشعر أنها قد تكون دلالة على أن عنده قصور، هذا خلل في التفكير.
اعظم كلمة وأجل كلمة، يعني أعلى وصية يوصي بها الإنسان أخاه أو صديقه هي الوصية بتقوى الله عز وجل التي جاءت في كتابنا الكريم. الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. فالوصية بتقوى الله عز وجل ليست خاصة بأمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه، بل هي عامة حتى في الأمم السابقة، لماذا؟ لعظم شأنها، لعظم شأنها لأنها هي الطريق الموصل إلى الله عز وجل، أن يبتعد الإنسان عن الذنوب والمعاصي وأن يسارع ويبادر في الأعمال الصالحة وفيما يحبه الله عز في علاه.
ولهذا يقول القرطبي في تفسير هذه الآية يقول: الأمر بالتقوى كان عاماً لجميع الأمم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. الوصية كانت سابقاً ولاحقاً بتقوى الله عز وجل لجميع الأمم، فما أعظم هذه الوصية!
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بهذه الوصية العظيمة الجليلة وهم خير الخلق بعد الأنبياء والرسل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم ويوصيهم بهذه الفضيلة وهذه العبادة الجليلة وهذا العمل القلبي يوصيهم به لعظم شأنه، لعلمه صلوات ربي وسلامه عليه أن هذا الأمر له أثر كبير في إيمان الإنسان.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر العابد الزاهد رضي الله عنه وأرضاه، يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». ما أعظم هذا الحديث! والله لو بقي الإنسان يتفكر ويتدبر في هذا الحديث لخرج منه بفوائد عظيمة جليلة في حياته؛ ثلاث جمل، كل جملة تحتاج إلى وقفات ووقفات.
ما أجمل أن يخاطب الإنسان نفسه بهذا الحديث! ما أجمل أن يتدارس هذا الحديث مع أهل بيته، مع إخوانه، مع
أصدقاؤه في مواعظه في خطبه أن يذكر هذا الحديث: «اتق الله حيثما كنت». يعني أجعل تقوى الله عز وجل رفيقاً لك في كل مكان؛ لوحدك، أمام الناس، مسافر، بعيد، خلوت بنفسك، فأنت هذه التقوى هي مصاحبة لك في كل مكان. لا شك أن هذه دلالة الإيمان العظيم في قلب ذلك العبد. اتق الله حيثما كنت؛ الإنسان قد يتقي الله عز وجل أمام الناس، لكنه إذا خلا تضعف هذه التقوى في قلبه، ولا شك أن هذه دلالة على وجود شيء من النفاق في قلب هذا الإنسان. ولهذا الله عز وجل ذكر في صفات المنافقين: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُم مَّعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108]. هذه قضية خطيرة جداً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر وهي للأمة بعد أبي ذر: «اتق الله حيثما كنت». ثم بقية الحديث: «واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
وصايا عظيمة جليلة يحرص الإنسان على التمثل بها. أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر أحد من أصحابه يوصيه بتقوى الله: أوصيكم بتقوى الله في حال السفر. لا شك أن هذه وصية عظيمة جليلة يحرص عليها الإنسان؛ لماذا؟ لأن تقوى الله أيها الأحبة هي طريق موصل إلى الحصول على الولاية، أن تكون ولياً لله، أن تكون من أولياء الله. بقدر ما يكون هذا الأمر في قلبك، بقدر ما تتحقق هذه العبادة في قلبك، بقدر ما تكون قريباً من الله وتكون من أولياءه. والله عز وجل يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. الذين آمنوا؛ يعني الإيمان الأصل، أصل الدين في قلوبهم. الذين آمنوا وكانوا يتقون؛ مع أصل الدين كان هناك التقوى في قلوبهم. ويقول الله عز وجل أيضاً في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنفال: 34]. يعني أن أولياء الله عز وجل إلا المتقون؛ يعني هم أولياء الله عز وجل حقاً وصدقاً، هم أهل التقوى.
وما أن تتحقق هذه العبادة في قلب المسلم أن يحقق التقوى في قلبه، لا شك أن هذا أمر عظيم جداً جداً، أن يصل الإنسان أن يكون ولياً لله. من منا أيها الأحبة لا يسعى ولا يطمح ولا يأمل أن يكون من أولياء الله عز وجل، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ كيف يصل الإنسان إلى هذه الولاية؟ بقدر ما يكون في قلبه من تقوى الله عز وجل، من تعظيم الله، من الخوف من الله، من إجلال الله عز وجل، بقدر ما أكون ولياً لله عز في علاه. ولهذا قال الله عز وجل: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب».
كيف طيب الإنسان يصل إلى الولاية، إلى أن يكون ولياً لله عز وجل؟ قال: يقول الله عز وجل: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». يعني أن يصل إلى هذه الدرجة وهذه الولاية أن الإنسان يبتعد عن الذنوب والمعاصي، وأيضاً يسارع ويبادر في الأعمال الصالحة لعله أن يكون من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ونواصل إن شاء الله بعد الفاصل.
لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُمُ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً لمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى. كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية قناطر ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أُسراً وأفراداً. وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. نواصل أيها الأحبة الحديث عن هذه العبادة الجليلة العظيمة، وهي عبادة تقوى الله عز وجل التي هي من العبادات القلبية. ذكرنا قبل الفاصل أن حصول التقوى في القلب وعظم تقوى الإنسان لله عز وجل في قلبه أن هذا يوصله إلى درجة الولاية التي ما من مسلم إلا وهو يسعى أن يصل إليها بهذه الأعمال الصالحة، هذا هو طريق الحصول على ولاية الله عز في علاه.
هناك أيها الأحبة مراتب للتقوى ذكرها العلماء، مراتب للتقوى استنبطوها من كلام الله ومن كلام رسوله صلوات ربي وسلامه عليه. بعضهم أخذ ذلك من قول الله عز وجل في سورة فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّفُونِسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]. جاء هذا التقسيم لمن ورث الكتاب من هذه الأمة وكان على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، جاء التقسيم الثلاثي لهم؛ فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات.
الظالم لنفسه وهو النوع الأول الذي بدأ به ربنا عز في علاه؛ الظالم لنفسه هو الذي عنده أصل التوحيد أصل الإيمان في قلبه، موجود مقيم لشعائر الدين، لكنه متساهل في الوقوع في بعض الذنوب وفي بعض المعاصي، وأيضاً عنده تقصير في المسارعة والمنافسة في الخيرات، فهو ظالم لنفسه بوقوعه في هذه الذنوب، وظالم لنفسه بأنه لم يسعى فيما تنفعها من الأعمال الصالحة التي تنفعه وترفعه عند ربه. فهو كما قيل: خلط عملاً صالحاً وآخراً سيئاً. ولعله يدخل في قول الله عز وجل: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102]. هذا هو النوع الأول، وهو داخل في دائرة الإسلام، في دائرة الإيمان، لكنه حصل له هذا التقصير وهذا الخلل. ولا شك أن الإنسان يحاول أن يرتقي بنفسه، أن يرتقي بنفسه من مرتبة إلى مرتبة أعلى.
وهذا أمر لا شك أن العناية به أمر عظيم جداً، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في مراتب الدين: الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. يحرص المسلم الموفق المسدد الذي يريد الخير لنفسه، ويريد النجاة له يوم القيامة، يحرص أن يترقى لدرجة الإسلام إلى درجة الإيمان؛ درجة الإسلام التي هي القيام بشعائر الدين الظاهرة، درجة الإيمان أن يهتم بالأعمال القلبية ويهتني بها ويرتفع بذلك يتحقق الإيمان في قلبه، ثم درجة الإحسان وهي أعظم وأعلى درجة التي نسأل الله عز وجل أن يرزقنا إياها: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
لا شك أن هذه منزلة عالية وجليلة وعظيمة، والانسان لا يستسهل الذنوب ويظن أنه داخل يعني في دائرة الإيمان والإسلام مع تساهله في الصغائر، أن هذه قد تكون سبَب في يعني انزلاق الإنسان في هذا الدرب وفي هذا الضلال ولا يدري إلى أين به، لكن الإنسان دائماً يراجع نفسه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. هذا هو حال المتقي إلى الله عز وجل. ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه التساهل في هذه الصغائر: «إياكم ومحقرات الذنوب»؛ المحقرات يعني التي يحتقرها الناس، يرى أنها أمور بسيطة وسهلة ويسيرة، فتتراكم على قلب الإنسان حتى يصبح هذا القلب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «كالكوز مجخياً لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً» بسبب التساهل في هذه الصغائر والتمادي فيها.
والشيطان يريد من الإنسان هذا الأمر بل حريص عليه؛ الشيطان حريص إن لم يستطع كما ذكر ابن القيم رحمه الله في مراتب الغواية وخطوات الشيطان أنه ما استطاع لا بالكفر ولا بالكبائر ولا استطاع يعني لم يستطع عليه بالكبائر فنزل إلى الصغائر، وهذا يعني مطلب للشيطان لو استطاع أن يخرج من من الإنسان بهذا الأمر فيعتبر الشيطان يعتبر منتصراً، وهو يريد ويحرص عليه. إذا لم يستطع في الكبائر فعمل على الصغائر، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فانهن يجتمعن على الرجل فيهلكنه». يعني إذا اجتمعن على الإنسان صغيرة ثم صغيرة ثم صغيرة، يصبح الإنسان يعني عنده كم هائل من هذه الذنوب التي قد تكون سبباً في أن يطبع على قلبه عياذاً بالله من ذلك.
هذا هو النوع الأول الذي يحرص الإنسان على أن ينتقل منه إلى النوع الثاني بملازمة ومداومة تقوى الله عز في علاه. النوع الثاني وهو المقتصد؛ المقتصد الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية، الذي عنده أصل الإيمان، عنده أصل الإيمان وعنده تقوى الله عز وجل، لكنه وهو مبتعد عما حرم الله، مبتعد عما حرم الله، لكن عنده تقصير في جانبي المنافسة والمسارعة في الخيرات، فهو يؤدي ما عليه لكنه لا يبادر إلى الأعمال الصالحة التي تنفعه وترفعه عند ربه، فهو مقتصد بالقيام بالاعمال الواجبة التي أوجبها الله عز وجل عليه، وهذا ولا شك أمر عظيم وجليل. لكن الله عز وجل أمرنا في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]. لأن الإنسان لا يدري أي عمل يكون سبب نجاته يوم القيامة، فيحرص الإنسان على المسارعة والمبادرة والإكثار من الأعمال الصالحة لعل الله عز وجل أن يعفو عنه. فهذا هو النوع الثاني وهو المقتصد، وهو على خير عظيم لأنه ترك ما حرم الله وابتعد عما نهى الله عز وجل، لكنه قصر في فضائل الأعمال في المبادرة والمسارعة فيها.
النوع الثالث وهو السابق بالخيرات؛ أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم. السابق بالخيرات هو الذي تحقق فيه الإيمان، وابتعد عما حرم الله، وفعل ما أمر الله عز وجل، وسارع وبادر ونافس، وضرب سهماً في كل باب من أبواب الخير، فهو مسارع ومبادر دائماً بالخير. ما من عمل صالح إلا وهو يسعى في أن يكون من أهله، ولا شك أن هذا على خير عظيم جداً، وهذا هو الذي قد تتحقق فيه ولاية الله عز وجل له: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: 32]. فالانسان يحرص بقدر المستطاع أن يسارع ويجاهد هذه النفس، ويحرص على عمل الخيرات، وأن يرى كلما رأى باباً من أبواب الخير أن يحاول أن يضرب بما فيه بسهم لعله يكون من السابقين بالخيرات.
ولا شك أن الإنسان إذا عمل هذه الأعمال وسعى في هذا الأمر أنه يوفق وأنه يسدد، والله عز وجل لطيف بعباده، بقدر ما يرى من العبد الإقبال عليه فالله عز وجل يقبل على العبد أكثر وأكثر، ويفتح له من أبواب الخير ما لم يكن في حسبانه. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. يهديك الله عز وجل لسبل من الخير ما كانت في ذهنك ولا ولم تتصور ولم تتوقع أن تكون من أهلها، أبواب من أبواب الخير يفتح الله عز وجل لك فيها من البركات والخيرات بسبب هذا الاقبال على هذه الطاعات.
هذه الآية أيها الأحبة من باب الفائدة؛ هذه الآية ذكر الشيخ الشنقيطي رحمه الله أنها من أرجى الآيات في كتاب الله، من أرجى الآيات في كتاب الله؛ لأن الله عز وجل بعد أن قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]، ماذا قال الله عز وجل بعدها؟ قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: 33]. لاحظوا هنا قول الله عز وجل هذه الواو أيها الأحبة واو الجماعة تعود على الجميع، على الأنواع الثلاثة. ولهذا يقول بعض أهل العلم: يقول حق فيه الواو أن تكتب بماء العينين، أن تكتب بماء العينين لأنها شملت الأنواع الثلاثة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلني وإياكم من المتقين، ونواصل إن شاء الله في الحلقة القادمة ما يتعلق بهذه العبادة العظيمة وهي عبادة التقوى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ يأتيك ميسوراً بأي مكان. ومكارم الأخلاق ندرسها معاً، أدب وتربية على الإحسان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني