تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا على طاعته، وأن يوفقنا لمرضاته، وأن يسدد أقوالنا وأعمالنا. ما زال الحديث أيها الأحبة في هذه العبادة العظيمة وهي عبادة التقوى من العبادات القلبية الجليلة، تحدثنا في الحلقة الماضية عن هذه العبادة، ونواصل إن شاء الله في هذه الحلقة عما يتعلق في هذه العبادة من جوانب لم نتطرق لها في اللقاء الماضي.

توقفنا في اللقاء الماضي عند الآية العظيمة التي في سورة فاطر والتي ذكر الله عز وجل فيها المراتب الثلاثة، وذكرنا ما ذكره الشنقيطي رحمه الله الإمام العلامة في أضواء البيان عند هذه الآية، وأن الله عز وجل قال بعدها مباشرة: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33] فالأنواع الثلاثة: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات؛ ولهذا قال بعض السلف: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، لأنها عادت على الأصناف الثلاثة، واو الجماعة عادت على هذه الأصناف الثلاثة. فنسأل الله عز وجل أن يشملنا بعفوه وكرمه ومنه وعطائه بزمرة هؤلاء المتقين.

من المهمات التي يجب أن يعتني بها الانسان في هذا الباب أن يعرف ما هي صفات المتقين ليسعى أن يكون ممن يدخل في هذا الباب، وما من مسلم حريص على الخير إلا وهو يسعى أن يكون من أهل التقوى ومن أهل الايمان، وهذا هو حال الموفق المسدد الذي يرجو ما عند الله عز في علاه. الله عز وجل ذكر في بعض الآيات ذكر شيئا من صفات المتقين التي يحرص المسلم عليها؛ من ذلك ما جاء في أول سورة البقرة، الله عز وجل ذكر في أول سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]. هدى للمتقين، من هم يا رب؟ من هم المتقون؟ قال الله عز وجل مباشرة بعدها: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3] أول صفة من صفاتهم التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآيات: الذين يؤمنون بالغيب، وهذا يدل على عظم شأن الايمان بالغيب.

لان الانسان ايها الأحبة في تعامله مع النصوص الشرعية لا يتعامل مع محسوس، وإنما يتعامل مع غيبيات في كثير من امور الدين، نتعامل مع غيبيات، نحن لم نرى الله عز وجل ولم نرى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعرف ما هو عذاب القبر، ولا نعرف أحوال يوم القيامة، لكن هذه كلها جاءت بالخبر الصادق الصحيح الذي لا شك فيه ولا ريب، جاءت على لسان أو في كلام ربنا عز في علاه، أو على لسان الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، وبالنسبة لنا هي أشياء غيبية، فالإيمان بها من أعظم أنواع الإيمان، وهو الذي يوصل الإنسان إلى درجة التقوى، أن يكون من أهل الإيمان بالغيب.

ولهذا نجد الآن من ضعف إيمانه وقل يقينه بالله ينفي مثل هذه الأمور الغيبية، لماذا؟ لضعف التقوى في قلبه. الله عز وجل أول صفة ذكرها في هذه السورة وفي هذه الآيات في سورة البقرة قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3]. أيضا حال المؤمن الذي يريد أن يحصل درجة التقوى وهي الدرجة العالية في ديننا؛ أن يكون ممن يقيم الصلاة ويحافظ عليها ويؤديها كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلّي».

فهذه أيضا من أسباب الحصول على منزلة التقوى، وهي صفة من صفات المتقين أنهم محافظون على صلاتهم. وهذا مشاهد في حال الناس، تجد الإنسان الذي يحافظ على الصلاة ويبادر إليها تجد في قلبه من تعظيم الله ومن الإيمان، وفي المقابل تجد أيضا الذي يقصر في صلاته ويتاخر عنها تجد عنده شيء من الضعف في إيمانه. ولهذا هي من أعظم الأعمال وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أي الأعمال خير؟ قال: «الصلاة على وقتها».

ولهذا هي ميزان، إذا أراد الإنسان أن يعرف مقدار الإيمان في قلبه، مقدار تعظيم الله عز وجل في قلبه؛ فلينظر إلى حاله في صلاته، إلى حاله خصوصا الفرائض. ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من حافظ على تكبيرة الإحرام أربعين يوما كتبت له براءتان: براءة من النفاق وبراءة من النار. بمعنى أنه باذن الله إذا حافظ على هذا العدد من الصلوات بتكبيرة الإحرام فإنه يحصل على هذه البراءة في الدنيا بأنه باذن الله لن يكون منافقا، وبراءة في الآخرة وهي أنه لن يكون من أهل النار الخالدين المخلدين فيها، وهذه نعمه عظيمه وهذه بركة هذه الصلاة التي قد يقصر فيها بعض الناس، بعض الناس قد يشعر حتى من أهل الخير يهتم بالنوافل، يهتم ببعض العبادات، لكن يخل بالصلاة التي هي الأصل، وهذا ولا شك خلل.

فالانسان ينظر إلى حاله مع تكبيرة الإحرام، إلى حاله مع الصف الأول الذي هو روض من رياض الجنة، والله عز وجل يصلي هو وملائكته على أهل الصف الأول، فهذا دلالة على أن هذا الإنسان الذي يحافظ على هذه الصلاة أنه باذن الله من اهل التقوى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]. أيضا من أهل النفقة والصدقة، سواء واجبه كزكاة أو التطوع، فالإنسان الذي يبذل ماله الذي تعب فيه واجتهد فيه ويبذل هذا المال ويعطيه لغيره، لا شك أنه مصدق ومؤمن بما عند الله عز وجل من الخير ومن الزيادة ومن البركة والنماء الذي يكون في ماله، وأيضا الحسنات التي يحصلها عند ربه ومولاه، هذه من أعظم صفات المتقين التي ذكرها الله عز وجل في سورة البقرة.

أيضا الله عز وجل ذكر من صفات المتقين العظيمة أنهم يعظمون شعائر الله، وهذه منزله عاليه وجميلة أن يحصل عليها الإنسان أنه عندما يسمع بشيء من أوامر الله فإنه يعظم هذا الأمر ويحرص عليه، وإذا سمع بشيء مما حرم الله فإنه يعظم هذا الأمر ويجتنبه، وهذا هو التعظيم الحقيقي: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. هي دلالة على تقوى القلب، إذا كان الإنسان عنده تعظيم لهذه الأوامر وهذه النواهي لكلام الله لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه دلالة على أن الإنسان تحققت باذن الله التقوى في قلبه.

ويحذر الإنسان من بعض الكلمات التي قد تخرج من اللسان أحيانا قد تكون بدون قصد، لكن يحرص المسلم المؤمن الموفق الحريص على الخير؛ يعني بعض الناس عندما تقول له شيء معين يقول: سنة ولا واجب؟ يعني هذا السؤال قد يصح أحيانا في معرفة الحكم، لكن أحيانا لأنه مهم ولا غير مهم أفعله أو لا أفعله، يعني هنا ياتي الخلل، لكن الإنسان يعظم حتى السنن اليسيره التي جاءت عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا دلالة على التقوى التي تكون في قلب هذا العبد. نواصل إن شاء الله الحديث بعد الفاصل بإذن الله.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. نواصل ايها الأحبة الحديث عن هذه العبادة القلبية العظيمة وهي التقوى، وتوقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن صفات المتقين. ذكرنا من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب، وأنهم يقيمون الصلاة، وأنهم يؤتون الزكاة، وهذه صفات عظيمة ذكرها الله عز وجل في أول سورة البقرة.

أيضا من صفات المتقين العظيمة أنهم يعظمون شعائر الله، يعظمون شعائر الله عز في علاه، فعندهم كلام الله عز وجل معظم، كلام النبي صلى الله عليه وسلم معظم، السنن، الآداب، الفضائل، الأعمال الخيرة، كل ما كان من دين الله عز وجل فهو عظيم، سواء عمله أم لم يمله في المباحات أو في الفضائل، لكنه عظيم في قلبه ويحرص عليه، وبقدر ما يحرص الإنسان على هذه الفضائل بقدر ما يرتقي ويرتفع عند الله عز في علاه، ويصل إلى درجات المتقين والمحسنين وأولياء الله عز في علاه. هذا هو الذي يميز المتقي عن غير المتقي، الذي يميز الطائع المحسن المنيب لله عز وجل عن غيره.

ولهذا يقول بعض السلف: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل. دائما متبع الآثار للسنن التي جاءت عن نبينا صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، وهذه منزلة عالية وعظيمة مرتبة رفيعة جدا يحرص عليها المسلم في مدخله، في مخرجه، في تعامله، في أخلاقه، في آدابه، في سلوكه، في كل أحواله يحرص على معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم فإنه باذن الله يوفق ويسدد ويعان ويبارك له في حياته وفي علمه وفي عمله، ويحصل على هذه المنزلة العالية وأن يكون من عباد الله المتقين ومن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أيضا من صفات المتقين العظيمة أنه يكون من أهل الصدق، فالإنسان الصادق هو الذي يكون متقيا باذن الله، لماذا؟ لأن الصادق لا يمكن أن يخل بأي أمر من أمور الدين، لأنه صادق مع نفسه، صادق مع الناس، صادق مع الله عز وجل. فمرتبه الصدق حتى ربطها بعض العلماء ربط مرتبة الصدق بالإخلاص، لأنه لا يتحقق الإخلاص إلا إذا كان الإنسان صادقا مع الله عز وجل في كل أحواله وفي كل شؤونه. ولذا يقول المولى عز في علاه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33]. إذا حقق فيه الصدق، سواء في كلامه وفي سماعه يصدق ويؤمن ويسلم، فإنه باذن الله من أهل التقوى.

والله عز وجل يقول أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. اتقوا الله ولتحصل هذه المرتبه كونوا مع الصادقين، كن من الصادقين، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وهي مرتبة عالية. والذي وصل إليها من هذه الامة بنص كلام نبينا صلى الله عليه وسلم مرتبة الصديقية هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، الذي هو خير من طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء والرسل، وخير هذه الأمة بعد نبيها صلوات ربي وسلامه عليه. هذا الصدق الذي كان في قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه في تحقيقه للإيمان والامتثال والاتباع جعله يصل إلى هذه المرتبة العالية الجليلة العظيمة التي أثنى الله عز وجل وأثنى نبيه صلى الله عليه وسلم على أهلها.

من الثمرات العظيمة التي يجنيها الإنسان إذا كان من أهل التقوى، تحققت فيه التقوى من الإيمان بالغيب، من تعظيم شعائر الله، إقامة الصلاة، من الصدق في الأقوال والأعمال؛ إذا تحققت هذه الأمور ووصل الإنسان إلى درجة المتقين -أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- بالأخذ بالأسباب، يعني هذه أسباب يفعلها الإنسان ليصل إلى الثمره العظيمة، والإنسان دائما يبحث عن هذه الثمرة أن يكون جامعا للخير كله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير». جماع كل خير، كل ما ترجوه من خير، من بركة، من سعادة، من فلاح، من فوز، من نجاح فهو موجود في تقوى الله عز وجل، فاذا تحققت التقوى في قلب العبد فقد فاز بخير الدنيا والآخرة، نسال الله عز وجل أن لا يحرمنا من هذا الفضل، ولهذا أيضا يقول النبي صلى الله عليه وسلم.

أوصيك بتقوى الله؛ فإنّه رأس كل شيء. أوصيك بتقوى الله؛ فإنّه رأس كل شيء، يعني الأصل لكل شيء هو تقوى الله. إذا تحققت التقوى في قلب الإنسان؛ ابتعاد عما حرم الله، وفعل ما أوجب الله، وسارع في الخيرات، ونافس وسابق إلى ما يريده الإنسان، فيتحقق بإذن الله إذا كان متقياً، إذا كان متقياً لله عز وجل، فهو مبادر، مسارع، منافس، مسابق في الخيرات، مبتعد عما حرم الله عز وجل، وفاعلاً ومنيباً وممتثلاً لأوامر الله عز في علاه.

فهذه ثمرة عظيمة من ثمرات التقوى يحصلها الإنسان، من اعظم الثمرات وأجلها وأكبرها أنها تكون سبباً في دخوله الجنة. ولا شك أن الذي تتحقق التقوى في قلبه بفعل الأوامر والواجبات وترك المنهيات والمسارعة في الخيرات؛ لا شك بإذن الله وبفضل الله وبكرم الله عز في علاه أنّه يكون من أهل الجنة، أنّه يكون من أهل الجنة. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63]، تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً، يعني يرثها من عبادنا من كان تقياً، من كان من أهل التقوى ومن أهل الإيمان.

فهنيئاً لمن تمثل هذا الخلق وهذه العبادة العظيمة وحقق التقوى في حياته، وسعى في ذلك وجاهد النفس الأمارة بالسوء ليتحقق هذا الأمر في قلبه. والأمر يعني مع أنّه ليس باليسير، أيضاً هو ليس بصعب، يعني الإنسان إذا حرص على الخير فإنّ الله يوفقه، والله عز وجل يبارك في عمله، والله عز وجل يدله على الخير، فالله كريم لطيف بعباده رحيم بعباده، أيضاً فيحتاج فقط من الإنسان أن يقبل على الله عز وجل بقلبه فيقبل الله عز وجل عليه.

لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ لاحظوا هذا السؤال العظيم، يعني الصحابة يعني عندهم حرص شديد جداً على الوصول إلى غاية ومبتغى الإنسان في هذه الدنيا؛ أن يكون من أهل الجنة، أن يكون من أهل الجنة، ولهذا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؛ ما هي الأعمال، ما هي العبادات، ما هي الأفعال التي توصل الإنسان أن يكون من أهل الجنة؟

ومن منا أيها الأحبه لا يسعى إلى هذا الأمر؟ أو يعني يتمنى أن يكون من أهل الجنة، مبتغى كل إنسان، حتى العصاة، حتى الخطائين المذنبين يتمنون أن يكونوا، أن يكون أحدهم من أهل الجنة. ما من مسلم على وجه الأرض يؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً؛ إلا وهو يريد أن يكون من أهل الجنة. ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما هو الذي يوصلنا، ما أكثر عمل يوصلنا إلى دخول الجنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تقوى الله وحسن الخلق».

وما أعظم هذا الأمر، وما أعظم هذه الإجابة من لسان الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه. تقوى الله: كل ما ذكرنا سابقاً، كل ما ذكرنا الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل؛ أيضاً أن يعمل الإنسان بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله، أن يجده الله عز وجل حيث أمره، وأن يفتقده الله عز وجل حيث نهاه. كل هذه إذا تحققت؛ وصل الإنسان إلى الجنة التي هي مبتغى كل مؤمن.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تقوى الله وحسن الخلق». وعجيب هذا الربط بين حسن الخلق وتقوى الله عز وجل، وهذه نراها في عبادات كثيرة، النبي صلى الله عليه وسلم يذكر حسن الخلق لماذا؟ لعله لكون حسن الخلق دلالة على أن الإنسان في قلبه من الحب والخير والرأفة والشفقة والرحمة التي تجعله يمتثل هذا الخلق، حسن الخلق يرجو ما عند الله عز وجل ويحسن إلى العباد ويكرمهم. هذه منزلة عالية، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». ولعلنا نقف عند هذا الحديث ونواصل إن شاء الله بعد الفاصل بإذن الله.

العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقرباً إلى تعالى وشكراً على إنعامه بنعمه الولد، وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاه». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية، بالضأن ما أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، ويتقى فيها من العيوب ما يتقى في الأضحية؛ العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة.

ووقت ذبح العقيقة يبدا من تمام انفصال المولود، فلا تصح عقيقة قبله، وتستحب العقيقه في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين، ويوم الولادة يحسب من السبعة ولا تحسب الليلة إن ولد ليله، بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينه بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه». والعقيقه يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد، فكيف ما فعل فجائز، ويجوز أن يخرج اللحم نيئاً أو مطبوخاً، والطبخ أفضل فهو زيادة في الإحسان وشكر النعمة.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. نواصل أيها الأحبه الحديث عن هذه العبادة القلبية العظيمة، وهي عبادة التقوى التي هي من أجل وأعظم العبادات القلبية. تحدثنا قبل الفاصل عن ثمرات التقوى، وذكرنا في آخر الحديث أعظم ثمرة يجنيها الإنسان إذا كان من أهل التقوى وتحقق هذا الأمر في قلبه؛ أنه يكون من أهل الجنة، كما قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63]، وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الانسان الجنة قال: «تقوى الله وحسن الخلق».

هناك أيها الأحبة ثمرات عظيمة يجنيها الإنسان قد تكون في الدنيا وقد تكون في الأخره، وقد يجمع الله عز وجل له بين الأمرين؛ بركة في الدنيا وبركة في الآخرة بسبب هذه العبادة العظيمة إذا تحققت في قلبه. من اعظم ما يجنيه الإنسان إذا تحقق هذا الأمر في قلبه؛ أن يكون من أكرم الناس عند الله، أن يكون كريماً. وأي عظمه، وأي فضل، وأي جلاله تحصل للانسان إذا وصل أن يكون كريماً عند الله! الإنسان قد يفتخر إذا ذكر عند مسؤول كبير أو عند أمير أو عند وزير، يفتخر الإنسان أن له مكانة عنده، فكيف إذا كانت هذه الكرامه عند المولى عز في علاه، عند العظيم الجليل سبحانه وتعالى؟ لا شك والله يا إخوان أن هذه منزلة عالية رفيعة يحرص الانسان على أن يصل إليها بإذن الله بعمل الأسباب التي تؤدي إلى هذا الأمر.

ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس الأغنى، وليس الذي من القبيلة الفلانية أو من البلد الفلاني أو صاحب المنصب صاحب الشهادة؛ أبداً والله إن أكرمكم عند الله أتقاكم، هذا هو الميزان الحقيقي عند الله عز وجل. أما هذه الموازين الدنيوية فإنها زائله، فإنها زائله بمجرد ما يوضع الإنسان في قبره؛ تذهب الشهادات، تذهب الأموال، تذهب المناصب، تذهب القصور، كلها تذهب ولا يبقى إلا ما ينفع الناس ويدخل معه في قبره، وهو التقوى التي تكون في قلبه إذا تحققت بإذن المولى عز في علاه، فيحصل على هذه الكرامه العظيمة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

أيضاً من الثمرات الجليلة الكبيرة التي يسعى إليها الإنسان عند تحصيله لهذا الأمر، وما من أحد إلا ويريد هذا الأمر في الدنيا قبل الآخرة؛ وهي السعادة وانشراح الصدر والراحه والطمأنينة التي تكون في هذه الدنيا. ما من أحد أيها الأحبة إلا ويسعى أن يكون سعيداً في دنياه، سعيداً في حياته، سعيداً مع أهله، سعيداً في أحواله في شؤونه كلها. لا شك أن الإنسان يسعى، فالتقوى هي سبب هذه السعادة، توصل الإنسان إلى هذه السعادة ولو كان من أفقر الناس ولو كان من أضعف الناس ولو كان فيه من البلاء ما الله به عليم.

لكن إذا كان هذا القلب تحققت فيه التقوى وامتلا بتقوى الله عز وجل فإنه سيكون سعيداً وإن نزل به أعظم البلاء إذا علق القلب بربه عز في علاه. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: 62-64]. الله عز وجل هنا يذكر أن أهل التقوى وأن أولياء الله عز وجل لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لا خوف عليهم من المستقبل ولا هم يحزنون على ما مضى.

وأيضاً ذكر الله عز وجل لهم البشرى في الحياة الدنيا؛ لهم البشرى، يعني يبشرهم الله عز وجل بالخير والفلاح والفوز والنجاح، أو قد يكون لهم البشرى عند خروج أرواحهم من أجسادهم يبشرهم ربهم بالمنزلة العالية والرفيعة التي لهم عند ربنا عز في علاه. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، لا يمكن لأحد أن يغير هذا الأمر مهما كان، حتى ولو كان الإنسان تسلط عليه أحد من عباد الله من الظلمة من الطواغيت، لكن لا يمكن أن يتسلط على قلبه لا يمكن. قد يتسلط على جسده بأي أمر من الأمور؛ بالتعذيب، بالسجن، بأي أمر من الأمور، لكنه لا يمكن أن يتسلط على قلبه. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله يقول: أنا جنتي في صدري، ويقول هذا الكلام وهو في السجن ومات في السجن رحمه الله، يقول: أنا جنتي في قلبي، يعني لا يستطيع أحد يتسلط على هذا القلب إن تسلط على الجسد، فيبقى القلب متعلقاً بالله عز وجل راضياً عن الله عز وجل. لا شك أن هذه درجة عالية رفيعة يحصلها الإنسان ويكون بإذن الله ممن ينال هذه البشرى في الدنيا والآخرة.

أيضاً من الثمرات العظيمة التي يحصلها الإنسان؛ سعة الرزق، وكل إنسان يريد أن الله عز وجل يغنيه عن الناس أن يوسع الله عز وجل له في رزقه ليغنيهم، وهذه وهذا مطلب لا باس فيه، وليس من خوارم التقوى أو ممن ينقص التقوى في قلب العبد. فكم من عباد الله المتقين كانوا من أغنى الناس، من أغنى الناس، لكن القضية تتعلق بالقلب والتعلق بالله عز وجل.

ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. يرزقه من حيث لا يحتسب، يتعلق القلب بالله ويعلم أن الرازق هو الله، وأن هذه الدنيا وهؤلاء الناس وهذه الوظائف وهذه الأعمال وهذه التجارات ما هي إلا أسباب، ما هي إلا أسباب، فالانسان يسعى ويعلق القلب بالله، يسعى في دنياه وياخذ بالأسباب لكن يعلق قلبه بالله. فوالله لو سعى الإنسان وجرى في دنياه من شرقها إلى غربها ولم يكتب الله عز وجل له الرزق فلن يناله، ولو كان في بيته معلقاً قلبه بالله عز وجل وأخذ بالأسباب اليسيرة فإن الله عز وجل بإذن الله أن يرزقه من واسع فضله، وما ذلك على الله بعزيز.

أيضاً من الثمرات العظيمة؛ تيسير الأمور، أن الله عز وجل ييسر له أموره، وهذه نص الله عز وجل عليها في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]. والإنسان دائماً يتمنى أن تتيسر أموره في كل أحواله ويدعو الله عز وجل: اللهم يسر لي أمري، اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى. فمن أسباب هذا التيسير في كل الأمور في حياته في بيته مع أهله مع زوجته مع أبنائه في عمله مع جيرانه؛ أن يتقي الله عز وجل، فباذن الله أنه يكون من أهل التقوى وتتيسر أموره تبعاً لذلك بنص كلام ربنا عز في علاه.

أيضاً البركة، البركة في المال، البركة في الصحة في الذرية في كل أحواله وفي كل شؤونه. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]، لابد التقوى تأتي بعد الإيمان أن يكون اصل الدين موجود في قلب الإنسان. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾، لو تحقق فيهم التقوى لفتح الله عز وجل الذي أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، لا يعجزه شيء عز في علاه. فالله عز وجل يقول: لو أنهم آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، والله عز وجل بيده الخزائن وهو يعطي ولا مانع لما أعطى عز في علاه، فالإنسان حتى ينال هذه المنزله وينال هذه الدرجه فإنه يسعى في أن يكون من عباد الله المتقين.

أيضاً من ثمرات التقوى أن الله عز وجل يعوض العبد بأفضل مما تركه اتقاء لله عز وجل. يعني من ترك شيئاً لله عوضه الله، فبقدر ما يكون الإنسان متقياً لله في تركه للحرام يعوضه الله عز وجل بالحلال، إذا ترك الخبيث عوضه الله بالطيب. فالله عز وجل يعوض العبد ويغنيه من واسع فضله، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة يقول: «إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله جل وعز إلا أعطاك الله خيراً منه، إلا أعطاك الله خيراً منه». بعض الناس الآن يتعامل بالربا يقول: أنا هي

وظيفتي أو هو عملي أو هي تجارتي فيظن أن الرزق لا يكون إلا من هذا، لكن لو اتقى الله عز وجل وترك هذا الأمر فإن الله سيعوضه ويغنيه من واسع فضله، وليس ذلك على الله بعزيز. فالإنسان إذا ترك الحرام خوفاً من الله واتقاءً لله عز وجل، فإن الله يعوضه ويعطيه من واسع فضله. وهذه قضية عظيمة يا إخوان إذا استشعرها الإنسان وتحققت في قلب العبد.

أيضاً من أعظم ثمرات التقوى، وهي ثمرة عظيمة، أن الإنسان إذا كان متقياً لله عز وجل علمه الله عز وجل ما لم يعلم، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. فينال ببركة هذه التقوى علماً زائداً على ما عنده من فضل الله وعطاء من الكريم عز في علاه.

هذا ما يتعلق أيها الأحبة بهذه العبادة القلبية العظيمة. أسأل الله عز وجل أن يرزقنا جميعاً التقوى، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي للظمان ومكارم الأخلاق ندرسها معاً أدب وتربية على الإحسان.

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.