بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وما زال الحديث أيها الأحبة عن العبادة القلبية العظيمة، وهي عبادة محبة الله عز في علاه. تكلمنا في الحلقة الماضية عما يتعلق بهذه العبادة، ونواصل في هذه الحلقة إن شاء الله بقية الحديث عن هذه العبادة العظيمة الجليلة، التي هي نعمة عظيمة يمن الله بها على العبد في هذه الدنيا أن يرزقه هذا الحب، أن يرزقه حبه ليبلغ محبة الله له، وهي أعظم شرف يناله الإنسان في هذه الدنيا أن يحبه الله عز وجل.
الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]. الأولى هي العظيمة والجليلة والكبيرة يحبهم؛ أن الله عز وجل يحبهم، والثانية هي سبب للأولى ويحبونه، فمحبتك لله عز وجل هي سبب في نيل الشرف العظيم أن يحبك الله، وما أعظمه من شرف.
هذه المحبة أيها الأحبة، محبة الله للعبد لها ثمرات عظيمة يجنيها الإنسان في هذه الدنيا بقدر ما يتقرب إلى الله عز وجل بهذه المحبة، ويفعل الأسباب التي توصله إلى هذه المحبة، بقدر ما ينال هذا الشرف العظيم الذي يسعى إليه كل مؤمن، الذي يسعى إليه بل يتمناه ويتطلبه في دنياه أن يصل إلى هذا الشرف العظيم أن يحبه الله. أي شرف وأي منزلة وأي مكانة ينالها العبد إذا أحبه ربه ومولاه.
من أعظم ما يجنيه الإنسان إذا سعى في محبته لله وبذل الأسباب التي توصله إلى هذه المحبة أن الله عز وجل بالتالي يحبه، وهذا شرف عظيم يسعى إليه الإنسان. جاء عن أحد الصحابة رضوان الله عليهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعله أميراً على سرية، فكان إذا صلى بهم الصلوات وهم في هذه السرية، كان إذا صلى بهم يقرأ سورة ثم بعد ذلك يقرأ بعدها قل هو الله أحد سورة الإخلاص.
فلما سألوه في ذلك قال: أنا أقرأ بكم هكذا، فإن أحببتم وإلا تركتكم، يعني لن أترك هذا الأمر وأنا محافظ عليه. فلما رجعوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، وهم دائماً يعودون إلى حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يمكن للانسان أن يصل إلى الخير إلا عن طريقه، لا يمكن للإنسان أن يصل إلى الخير في دينه ودنياه إلا عن طريق نبينا صلى الله عليه وسلم.
هم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يرجعون إليه مباشرة، ونحن الآن نحتكم إلى سنته ونرجع إليها، فهؤلاء رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سلوه لماذا يصنع ذلك؟» يعني ماذا صنع ذلك؟ لأي شيء يصنع ذلك؟ قال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فقال: إنها صفة الرحمن، يعني سورة الإخلاص قل هو الله أحد التي تعدل ثلث القرآن، قال: إنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها.
أُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروه أن الله يحبه»، وفي رواية: حبه إياها أدخله الجنة. نتيجة حبه لكلام الله ولصفات الله عز في علاه وصل إلى المنزلة والمرتبة العالية العظيمة ونال هذا الذي جاء على لسان الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، أخبره بأن الله يحبه، وهي شهادة عظيمة والله شهادة ومنزلة ومرتبة عالية جداً.
وهنيئاً لهذا الصحابي الذي نال هذا الشرف وجاء على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي منزلة ومرتبة عالية ورفيعة لا ينالها أي أحد إلا من وفقه الله عز وجل لهذه المراتب العلية. قراءة سورة الإخلاص والاكثار منها جعلت هذا الرجل يصل إلى أن يحبه الله، لأنه أحب كلام الله وأحب صفات ربنا في علاه، فهذه المحبة أوصلته إلى المحبة العظيمة أن الله أحبه.
أيضاً من الأسباب أو الوسائل والثمرات أو الثمرة العظيمة التي ينالها الإنسان إذا أحب الله ثم أحبه الله، نال شرفاً عظيماً بأن الله عز وجل يأمر خلقه بحب هذا العبد من ملائكة السماء ومن سكان الأرض، وهذه منزلة ومرتبة عالية يصلها العبد بأن يحبه أهل السماء وأهل الأرض.
ولهذا جاء في الحديث أن الله عز وجل إذا أحب عبداً نادى جبريل، وجبريل هو أمين السماء، نادى جبريل قال: «يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه». والان بلغ هذه المنزلة العالية، ارتفع إلى هذه المرتبة العظيمة من تعظيمه وحبه لله بلغ هذه المرتبة، أن الله عز وجل أحبه فقط انتهى الأمر؟ لا، الله عز وجل ينادي جبريل أمين السماء: «يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه»، فيحبه جبريل وهذه أيضاً منزلة عالية وعظيمة.
وليس ذلك فحسب، بل ينادي جبريل في أهل السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء وهم الملائكة. وأي شرف وأي فضل وأي مرتبة عالية ينالها العبد بأن يحبه جبريل عليه السلام ثم يحبه أهل السماء من الملائكة الذين لا يحصي عددهم إلا الله، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، ثم يوضع له القبول في الأرض، بمعنى أن يحبه أهل الأرض يحبه الخلق أجمعين.
الله عز وجل يجعل محبة هذا العبد في القلوب، يعني الإنسان أحياناً يقابل شخصاً فيشعر بارتياح وهو لا يعرفه، قد يكون لأول مرة يراه لكن يشعر بارتياح في مقابلته، يشعر بمحبة لهذا الإنسان ولا يدري من أين أتت، هي أتت من هذا، أتت من حب الله للعبد وأتت من هذا القول الذي قاله الله عز وجل لجبريل ونادى في أهل السماء فأحبوه ونادى وفي أهل الأرض، وأيضاً جعل الله عز وجل له القبول في الأرض فتنشرح القلوب له.
الله عز وجل أخبر في كتابه الكريم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]، وداً بمعنى حباً في قلوب العباد. وهذه مرتبة لا ينالها الإنسان إلا إذا بذل وعمل وتقرب إلى الله عز وجل وأكثر من الطاعات والعبادات، ولهذا صدرها الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]، أي في قلوب الناس، وهذه منزلة ومرتبة عالية عظيمة ويشعر بها الناس الآن في حياتهم.
تشعر أن بعض الناس محبوب، يعني له قبول عند الناس ولا يدري من أين أتى هذا الأمر، لكن فيه ارتياح له، وهذا بسبب محبة الله عز وجل للعبد أيضاً أنه جعل له القبول في الأرض، فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب العمل الذي يقربنا إلى حبه. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من إخوتهما، أما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل النعمان بن بشير يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم.
فأخذ بيدي وانا غلام فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير أكل ولدك سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور. ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته وأنه من الجور والظلم ولم يفرق بين الذكر وأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم.
ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره، لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. إن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم، ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل.
وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، توقفنا قبل الفاصل عند بعض الثمرات التي يجنيها الإنسان من محبة الله له، ومن محبته قبل ذلك لله، هو يحب الله ثم يجني هذه الثمرة بأن يحبه الله، وأيضاً تكون هناك ثمرات عظيمة بعد محبة الله له، فضائل يحصل عليها الإنسان بسبب هذه المحبة العظيمة من ربه ومولاه عز في علاه.
من الثمرات التي يجنيها الإنسان من حبه لله وحبه لرسوله صلوات ربي وسلامه عليه، أن الإنسان في هذه الدنيا يجد حلاوة الإيمان ويجد لذة الإيمان ويستطعم هذه الحلاوة كما يستطعم الإنسان الشيء الذي يشعر بحلاوته في فمه. ولهذا يقول نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان»، وجد بهن حلاوة الإيمان، وهل للإيمان حلاوة؟ أي والله، له حلاوة تفوق هذه الحلاوة التي يجدها الإنسان يجد طعمها في فمه.
حلاوة الإيمان عظيمة وجليلة، يعني يستشعرها الإنسان في قلبه ويستعظمها في قلبه، ويشعر بذلك الأنس والرفعة والعظمة التي تكون بسبب هذه المحبة. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر يقول: «ذاق طعم الإيمان»، ذاق هنا في ذوق هنا يعني أوضح من هذا الحديث في الدلالة على هذه المعاني العظيمة التي يجدها الإنسان في قلبه: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً».
فما أعظم أن يستشعر الإنسان والله مرتبة عالية، نسأل الله عز وجل أن يذيقنا طعم الإيمان. منزلة ليست بالهينة، أن يستشعر الإنسان هذه الحلاوة وهذه اللذة وأن يستطعمها. هذه تجعل الإنسان يتعلق قلبه بالله أكثر وأكثر ويقبل على العبادة، بل يتلذذ بالعبادة إذا وجد هذه الحلاوة وهذه اللذة في قلبه.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، هذه الأولى والثانية: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار».
فالأولى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، أن يجد الإنسان متى يصل إلى هذه اللذة وأن يستطعم هذه الحلاوة وأن يستشعرها بقلبه وبحياته كلها؟ إذا كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، أن يقدم محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم على كل شيء، على كل شيء، إذا تعارض حب الله وحب نبيه صلى الله عليه وسلم مع محبوباته الدنيوية فهو يقدم حب الله على هذه المحبوبات جميعاً.
كما مر معنا في آية المحبوبات الثمانية، يكون حب الله عز وجل مقدماً على كل شيء، وكذلك حب نبيه صلى الله عليه وسلم مقدماً على كل شيء فهو بعد حب الله مباشرة. هنا يصل الإنسان إلى هذه اللذة، يصل إلى هذه المتعة، يصل إلى هذه الحلاوة التي والله من استشعرها ومن لمسها ومن عاش معها والله شعر بسعادة لا يعلم بها إلا الله.
ومتعة وهي جنة الدنيا، جنة الدنيا التي كان بعض السلف يتأسف على من خرج من هذه الدنيا ولم يدخل الجنة فيها، التي تكون في الدنيا هي الجنة التي يستشعرها الإنسان بحلاوة هذا الإيمان وبطعمه وبعظمته في قلبه. والله هذه من أعظم الحلاوة التي تجعل الإنسان لا يشعر بأي تعب وأي جهد في عبادته مع ربه عز في علاه.
ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم وهو أعظم الناس وأعظم الخلق حبا لله، كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه حتى تتفطر قدماه. ولهذا لما صلى حذيفة مع النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة التي قام فيها مع نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وعندما قرأ سورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران.
يقول حذيفة: حتى هممت بأمر سوء. قالوا: وبما هممت؟ يعني كيف يهم الإنسان بأمر السوء وهو يصلي مع أحب الخلق إلى الله عز في علاه وأحب الخلق الينا وهو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وأي شرف وأي فضيلة ينالها الإنسان يكون بجوار النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: هممت أن أجلس وادع النبي صلى الله عليه وسلم قائماً تعب.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو يعيش في ملكوت عظيم، هذه اللذة والمتعة التي في قلب نبينا صلى الله عليه وسلم بمناجاته بربه لا يمكن للإنسان أن يصل إليها، لكن يسعى يسعى أن يسير على درب النبي صلى الله عليه وسلم ليتحصل شيئاً من هذه اللذة وهذه المتعة وهذه الحلاوة التي.
توصل إلى أن يكون الإنسان قريبا من الله، مسارعا في الخيرات، منافسا فيها، محبا للطاعات، مكثرا من قراءة القرآن ومن ذكر الله عز في علاه. هذه المحبة العظيمة والفضيلة الكبيرة التي يحرص عليها الإنسان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأي فضل أيها الأحبة عندما يصل الإنسان إلى هذا الأمر، أن يكون الأمر الذي يتعلق بالله ويتعلق برسوله صلى الله عليه وسلم هو المقدم عنده، هو المفضل هو المختار دائما، لا يقدم شيئا عليه، هنا تظهر المحبة الحقيقية كما قلنا.
وهنا يستشعر الإنسان هذه اللذة وهذه المتعة وهذه الحلاوة وهذا الأنس بالله عز في علاه. وهذا الشرف العظيم الذي يسعى إليه الإنسان في هذه الدنيا. ولهذا كان بعض السلف على ما فيه من أذى ومن تعب -قد يسجن، قد يؤذى في دين الله عز وجل- لكنه في سعادة وفي أنس بعلاقته؛ لأنه لا يمكن لأحد من البشر أن يصل إلى قلب الإنسان. ومن فضل الله عز وجل أن العلاقة بيننا وبين الله هي العلاقة القلبية، عندما يكون القلب متعلقا، لا يمكن لأحد أن يصل إلى هذا القلب. قد يتسلط بعض الخلق على جسد الإنسان، لكن لا يمكن أن يتسلطوا على قلبه، القلب يتعلق بالله عز وجل، القلب مطمئن بعبادة ربه ومولاه.
ولهذا كان بعض السلف يقول: أنا جنتي في صدري، وهو يشعر بهذه النعمة، يشعر بهذا الفضل، وقد يكون في كرب وفي شدة في الدنيا، لكن يشعر بهذه الجنة التي هي السعادة والأنس واللذة والمتعة بمناجاته لربه وبتعلقه بربه وبحبه لربه ومولاه عز في علاه. فهذا والله الشرف العظيم الذي يسعى إليه الإنسان ويبحث عنه، ويبحث عن الأسباب الموصلة إليه، وهذا والله شرف عظيم نسأل الله عز وجل ألا يحرمنا إياه في الدنيا.
ونواصل بقية الحديث إن شاء الله بعد الفاصل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]. الحجاب شعار المؤمنات وزي العفيفات الطاهرات، وتعميم الفتاة في ارتدائه سهل يسير، لكنه يحتاج إلى بضع خطوات؛ منها: أن يبدأ الوالدان مع ابنتهما في التزام الحجاب بالتدرج منذ الصغر، فقد تتشكل لديها مع الوقت قناعات خاطئة تصعب معالجتها.
أن يغرسا في ابنتهما نبتة المراقبة والخشية، ويرسخا في ذهنها أن الله يرضى عن المرأة العفيفة المحترمة المطيعة لأوامره. أن يظهرا اعجابهما بالحجاب، وذلك بالحديث عنه كثيرا أمامها مع ذكر صفاته ومحاسنه. الحرص على أن تصاحب الابنة الفتيات الصالحات المحجبات، فالصحبة الصالحة لها أكبر الأثر في السلوك والأخلاق. أن يمنح الوالد الأم فرصة اصطحاب ابنتها لدروس العلم وحلقات القرآن، إذ ينبغي أن تكون محجبة أثناء ذلك، مما يعودها ارتداء الحجاب. استخدام الهدية والمكافأة التشجيعية، وإعلام الفتاة أن المكافأة الكبرى إنما هي في تحصيل مرضاة الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
ما زال الحديث أيها الأحبة عن هذه العبادة القلبية العظيمة، وهي محبة ربنا ومولانا عز في علاه، التي يسعى إليها كل مؤمن يريد الخير لنفسه، ويسعى بما ينفعه ويرفعه عند ربه، يسعى إلى هذه العبادة الجليلة العظيمة التي هي سبب موصل لما هو أعظم وأجل وأكبر، وهو محبة الله للعبد. فنحن نحب الله حتى يحبنا الله، نحن نسعى في هذا الحب وفي أسبابه لنجني الثمرة العظيمة أن يحبنا الله.
وهذا هو الشرف الحقيقي في هذه الدنيا، أن يكون الإنسان ممن يحبهم الله، وهذه أثبتها الله عز وجل في كتابه الكريم، أن من العباد من يحبهم الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّوهُ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]. يحبهم، هذا هو الشرف وهذه المنزلة العالية والعظيمة أن يكون الإنسان محبوبا عند ربه ومولاه عز در في علاه.
أيضا الله عز وجل ذكر في كتابه الكريم آية عظيمة تبين حال المؤمنين مع ربهم في هذه المحبة، أنهم شديد الحب لله، ليس فقط هي محبة عادية بل هناك محبة أشد وأكبر من غيرها، الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]، هذا حال المشركين عياذا بالله، ثم قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ -أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلهِ﴾ [البقرة: 165].
هم أشد حبا لله من هؤلاء لأصنامهم، فنحن نحب الله عز وجل أعظم وأجل من حب هؤلاء المشركين لهذه الأنداد والاصنام التي يعبدونها من دون الله عز في علاه. فالمؤمن حبه لله أعظم وأشد وأكبر، وكيف لا يكون ذلك وهو المنعم المتفضل الكريم عز در في علاه، الذي خلقنا من العدم وأعطانا وكسانا وأوانا، فكيف لا نحبه وهو المنعم المتفضل علينا؟ فالذين آمنوا الذين يعرفون الله حق المعرفة هم أشد حبا لله من غيره، يعظمون الله، يمتلئ هذا القلب بحب الله عز در في علاه، تمتلئ شغاف القلب بحب الله عز در في علاه.
هذه والله مرتبة عظيمة، من وصل إليها وصل إلى خير عظيم، ونال منزلة ودرجة رفيعة في الدنيا، بل دخل الجنة التي هي بإذن الله سبب في دخوله إلى جنة الآخرة. جنة الدنيا هي محبة الله، هي التلذذ بطاعة الله، التلذذ بذكر الله، الأنس بكلام الله، هذه هي الجنة التي يعيشها الإنسان في دنياه، يشعر فيها بالسعادة، يشعر فيها بالقرب من الله، يشعر فيها بالأنس بالله عز في علاه. والله منزلة عالية وعظيمة، هنيئا لمن وصل إليها ومن سعى أيضا في الوصول إليها.
الله عز وجل يقول في هذه الآية مما يستفاد منها، يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: 165]. هنا كان الله عز وجل يبين أن الذين لا يحبون الله عز وجل، هنا يبين الله عز وجل أنه توعدهم بالعذاب، في المقابل الذي يحب الله عز وجل هو ينجو من هذا العذاب، والله عز وجل لا يعذب حبيبه.
ولهذا لما قال اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه، ماذا رد الله عز وجل عليهم؟ قال تعالى بعد هذه المقولة، بعد أن قال اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّن خَلَقَ﴾ [المائدة: 18]. يعني الله عز وجل لا يعذب حبيبه، فالله عز وجل عذبهم، الله عز وجل توعدهم وهددهم، وجعل حتى أيضا من العقوبة لهم في الدنيا أن يقتل بعضهم بعضا، وهذا ثابت في كتاب ربنا عز في علاه، وهذا يدل على أن الله عز وجل لا يحبهم، فالحبيب لا يعذب حبيبه. وهذا مما استنبطه بعض العلماء من هذه الآية، أن الحبيب لا يعذب حبيبه، ولهذا قال الله عز وجل لهم رادا عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ [المائدة: 18].
فالذين آمنوا أشد حبا لله، أكثر حبا لله من غيرهم، فهم يعلقون هذا القلب بالله، يمتلئ هذا القلب بحب الله ولا ينافسه شيء. ولهذا انظروا إلى صفات الأنبياء العظماء الذين امتلأت قلوبهم بحب الله، فرغوا كل محبوب غير الله عز وجل من هذا القلب، أخرجوه، فوصلوا إلى المراتب العالية كما نالها إبراهيم عليه السلام، الذي هو خليل الرحمن، لما أمره الله بذبح ابنه ماذا فعل؟ مباشرة امتثل لأمر الله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنَّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ [الصافات: 102].
جاء هذا الابن الذي أيضا يحب الله ويعظم الله، قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. فهذا نبي عظيم يحب الله، وابنه أيضا نبي عظيم يحب الله فامتثلوا لأمر الله. الله عز وجل فدى إسماعيل بذبح عظيم، لكن نال إبراهيم المنزلة والمرتبة العالية الرفيعة أنه كان خليل الرحمن، وأيضا إسماعيل الله عز وجل وصفه بأنه الصادق الوعد وأنه رسول نبي.
فبلغوا هذه المنزلة العالية عندما فرغوا قلوبهم من حب غير الله عز وجل، وامتثلوا لأمر حتى في هذا الأمر العظيم أن يذبح الإنسان ابنه. نحن الآن لم يكلفنا الله عز وجل هذا الأمر العظيم الجليل الذي قد يفشل الإنسان في هذا الاختبار، لكن الله عز وجل يختبرنا بما هو أقل وأدنى، من أكل الحرام، من ظلم، من غيرها التي تتعارض مع ما يحبه الله عز وجل من الفضل والاحسان والكرم والجود والعدل والإنصاف، هذه هي التي يحبها الله عز وجل. فهذه اختبارات بسيطة في الدنيا، أقل شأنا من الاختبار الذي كان لإبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه.
أيضا مما يناله العبد في حبه لله وحب الله عز وجل له، أن ينال الخاتمة الحسنة، وهذه والله من اعظم المطالب التي يسعى إليها الإنسان في هذه الدنيا؛ أن يختم الله له بخير. ولهذا كان بعض السلف أعظم ما يشغله ويهتم له هو حسن الخاتمة أو سوء الخاتمة، لأن الإنسان يبعث يوم القيامة على ما مات عليه، ولا يدري الإنسان بماذا يختم له. فمحبة العبد لله ثم محبة الله للعبد ينتج عنها حسن الخاتمة.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبدا استعمله». قالوا: وما استعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه». وهذا والله مزية عظيمة، أن الإنسان إذا أحب الله ثم أحبه الله، فإن الله عز وجل يوفقه قبل موته لعمل صالح يقبضه عليه. ولهذا الإنسان يسعى إلى الاكثار من الأعمال الصالحة التي قد تكون هي آخر أعماله في الدنيا، ونحن لا ندري، الإنسان لا يدري متى يموت. الإنسان يسعى دائما في الخير، ودائما يرجو ما عند الله عز وجل، ويبادر في كل طاعة وفي كل فضيلة؛ لأنها قد تكون هي الأخيرة في حياته، الإنسان لا يدري متى يموت ومتى تكون النهاية. فهو يسعى في حياته ويجتهد ليصل إلى هذه المنزلة العالية والمرتبة الرفيعة. وهذا من فضل الله وكرمه على العباد؛ أنه إذا أحب العبد استعمله كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى استعمله: أن يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه.
فالانسان يكثر من الأعمال الصالحة التي توصله إلى محبة الله، وأيضا تكون سببا في الخاتمة الحسنة. وهناك أيضا أيها الأحبة نختم به، هو أن يكثر الإنسان من الدعاء بأن يرزقه الله عز وجل محبته، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربني إلى حبك». هذا حديث عظيم أيها الأحبة ودعاء جليل يكثر الإنسان منه؛ لعل الله عز وجل أن يرزقه هذه المحبة، وأن يصل به إلى هذا الشرف العظيم والمنزلة والمرتبة العالية الرفيعة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب العمل الذي يقربنا إلى حبه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
يأتيك ميسورا بأي مكان، ارو غلة الظمآن، ومكارم الأخلاق ندرسها معا، أدب وتربية على الإحسان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني