تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا في أكاديمية زاد في مادة التربية الإسلامية، وفي مقرر أعمال القلوب. وحلقة اليوم إن شاء الله عن عمل عظيم من أعمال القلوب، التي يحسن بالمسلم أن يعتني بهذا العمل، وأن يراعي حق الله عز وجل فيه، والمقصود بذلك هو الصبر.

الصبر الذي هو نصف الإيمان؛ فالإيمان نصف صبر ونصف شكر. والإنسان الذي يحقق هذا العمل القلبي العظيم، وهو الصبر في حياته، لا شك أنه يحقق جزءاً كبيراً من الإيمان الذي أمر الله عز وجل به. ولذا يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. فلا جسد لمن لا رأس له، ولا إيمان لمن لا صبر له». يعني لن يكتمل إيمان الإنسان إلا بالصبر. الصبر المقصود به هو حبس النفس؛ حبس النفس عن المحاب التي تخامر أمر الله عز في علاه، وحبس النفس على طاعة الله، وحبس النفس على الرضا بأقدار الله عز في علاه. هذا هو المقصود، وأعظم ما يكون في الصبر هو التسليم؛ التسليم لله في كل الأمور وفي كل الأحوال، والرضا بشرع الله وبأمر الله وبما جاء عن الله وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرضا بأقدار الله. هذه كلها يجمعها الصبر الذي هو هذه العبادة القلبية العظيمة.

الصبر يكون على ثلاثة أنواع: صبر على أوامر الله، والصبر عن محارم الله، والصبر على أقدار الله. إذا تحققت هذه الأمور في الإنسان؛ أن يصبر على أوامر الله على ما جاء في كتاب الله وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يصبر في أداء هذه الطاعات وهذه العبادات ويؤديها وهو منشرح الصدر، قابل لها، وهو راض بهذه العبادة، وهو مقبل على الله عز وجل فيها، مسارع، منافس، سابق؛ فقد حقق هذا الجزء العظيم من هذه العبادة، وهو جزء الصبر على عبادة الله والصبر على طاعة الله وعلى أوامر الله عز في علاه.

النوع الثاني وهو الصبر عن محارم الله. الصبر عن محارم الله هو أن يصبر عن المعصية حتى ولو كانت محببة إلى النفس، حتى ولو دفعت هذه النفس الأمارة بالسوء، دفعت الإنسان للوقوع في هذه المعصية، فإن المؤمن الموفق المسدد الذي يصبر عن محارم الله هو الذي يبتعد عن هذه المعصية؛ لأنه يمتثل لأمر الله ويبتعد عن محارم الله. الشهوات والمغريات في هذه الدنيا كثيرة، لكن المسلم الذي يعرف حق الله عز وجل ويحقق الإيمان في قلبه بامتثاله لهذه العبادة القلبية، وهي الصبر، فانه يبتعد عن هذه المحارم أياً كانت، ولو شعر ولو ظن أن فيها الخير له، لكن لامتثاله لأمر الله يجتنب هذه المحارم صبراً عنها طاعة لله عز في علاه.

الامر الثالث وهو الصبر على أقدار الله. فالدنيا طبعت على كدر، والانسان مخلوق في هذه الدنيا في عناء ومشقة في كل حياته؛ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. فلا بد من العناء، لابد من التعب في هذه الحياة. إنسان يتعامل مع هذه المصائب التي في الدنيا، والتي لابد أن تحصل يقيناً، هذا من أقدار الله عز وجل، ولو لم يكن إلا أن الإنسان يبتلى بالمرض أو يبتلى بمصائب أخرى من فقر وغيره، فلا بد أن يعترض الإنسان في حياته شيء من أقدار الله عز وجل، فيتعامل مع هذه الاقدار بهذه العبادة القلبية العظيمة، وهي الصبر.

الصبر أيها الاحبة لابد من تحققه في قلب العبد ليكتمل الإيمان عنده، كما قلنا أن الإيمان جزء صبر وجزء شكر. ولهذا أمر الله عز وجل به في كتابه الكريم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]. وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وهو سيد الصابرين، لكن هو تربية لنا من بعده صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. ليست القضية صبر فقط، إنما صبر ومصابرة، يعني فيها مجاهدة، زيادة عمل، أن الإنسان يصبر ويصابر ويرابط، ثم بعد ذلك يحقق التقوى لأنه هو سبيل الفلاح، ختم الله عز وجل الآية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أيضاً الله عز وجل يقول: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّه﴾ [النحل: 127]. هذه الأوامر التي جاءت في كتاب ربنا تدل على هذه العبادة العظيمة الجليلة الكبيرة، التي من حققها حقق جزءاً كبيراً من الإيمان في قلبه.

الله عز وجل ذكر الصبر في آيات كثيرة في القرآن، وصلت إلى المئة، ثناءً وذكراً لها في معرض العبادات وفي معرض مقابلة العدو وغيرها من المواقف العظيمة التي تحتاج إلى صبر. فالله عز وجل ذكر الصبر كثيراً في كتابه الكريم، وتكررت كلمات الصبر في القرآن للدلالة على أهمية هذا الأمر وأثره في حياة المؤمن. فالله عز وجل أثنى في كتابه الكريم على الصابرين، وأيضاً قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَضَرَّاءِ﴾ [البقرة: 177]. فثناء الله عز وجل على أهل الصبر يدل على فضيلته، وعلى أنه أداة عظيمة يحبها الله عز في علاه. أيضاً الله عز وجل يحب الصابرين، وذكر ونص الله عز وجل على ذلك في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]. فالذي يحقق الصبر هو يسعى إلى محبة الله له. إذا تحقق الصبر في قلب الإنسان في هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرناها؛ الصبر على طاعة الله، والصبر عن محارم الله، والصبر على أقدار الله، فإن الإنسان إذا حقق هذه الأمور الثلاثة فبإذن الله أنه ينال الشرف العظيم بمحبة الله له؛ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.

أيضاً الله عز وجل ذكر في كتابه أنه مع الصابرين، والله عز وجل يقول في كتابه وفي محكم التنزيل: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. فالإنسان إذا حقق الصبر فيشعر بمعية الله له، أن الله عز وجل معه يسدده ويؤيده ويعينه ويبارك في عمله ويثبت قلبه بسبب تحقق هذه العبادة القلبية العظيمة، وهي عبادة الصبر.

أيضاً الإنسان إذا حقق هذه العبادة فاز بأعظم مطلوب يناله الإنسان، وهي الجنة. إذا تحقق في قلبه، ولهذا الملائكة عندما يدخلون على أهل الجنة ويسلمون عليهم، وصف الله عز وجل ذلك اليوم، الحالة التي نسأل الله عز وجل أن نكون من أهل ذلك الموقف، تقول الملائكة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 24]. فهذه مزايا ومناقب عظيمة لمن تحقق الصبر في قلبه، امتثل لهذه العبادة العظيمة التي هي من أجل وأعظم العبادات. ونواصل إن شاء الله بقية الحديث عن هذه العبادة بعد الفاصل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن أهمية الصبر في حياة المسلم، وأنه يرتبط بكل حياته في العبادات والطاعات، وأيضاً في اجتناب المحرمات، وفي الصبر على أقدار الله عز وجل التي يبتلى بها العبد في حياته. الصبر أيها الأحبة لا يمكن أن تستقيم حياة الإنسان إلا به، ولا يمكن أن يسير على هذا الطريق إلى الفوز العظيم والنجاة يوم القيامة إلا بتحقق الصبر في حياته.

ولهذا كما ذكرنا قبل الفاصل أن الصبر هو نصف الإيمان، وكما قال علي رضي الله عنه أنه بمنزلة الرأس من الجسد. لماذا؟ لأن الصبر يتعلق أولاً في نوعه الأول؛ الصبر على طاعة الله. هذا يتعلق بكل العبادات، كل ما يقربك من الله عز وجل يحتاج إلى صبر. من أعلى العبادات كالصلاة وغيرها تحتاج إلى صبر، القيام إلى صلاة الفجر يحتاج إلى صبر، المحافظة على الصف الأول وتكبيرة الإحرام يحتاج إلى صبر، الصوم يحتاج إلى صبر، الذكر يحتاج إلى صبر، التفرغ للعبادة وطلب العلم يحتاج إلى صبر. كل هذه الأمور إذا لم يتحقق الصبر في حياة المسلم فإنه لن يفلح؛ لأنه لا يمكن أن يقبل على هذه الأمور إلا إذا تحقق الصبر في حياته. ولهذا يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا النوع الأول وهو الصبر على طاعة الله وعلى العلم وعلى الدعوة وعلى الفرائض وعلى أدائها، يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. وأخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].

فهذا العمل، هذه العبادة، هذه الطاعة، هذا الاقبال على الله، هذا الذكر، طلب العلم وغيرها من الأمور كلها تحتاج إلى صبر. الله عز وجل يقول في آيات كثيرة مبين هذا الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 9]. الأمر يحتاج إلى صبر؛ لأن الإنسان إن انشغل بهذه الأمور ولم يصبر عليها فانه يفرط في الأمانة التي جعلها الله عز وجل في عنقه. أيضاً يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: 65]. يعني العبادة فيها أمر وأيضاً فيها صبر. والله عز وجل يقول: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾، هنا لم يقل اصبر، وإنما قال اصطبر. ففيها زيادة حروف وزيادة مبنى، وكما يقول علماء اللغة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ففيها قوة أكثر من الصبر، الاصطبار فيه هو أكثر من الصبر. فالله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾.

أيضاً يقول الله عز وجل في جانب أمر الأهل والاصطبار على هذا الأمر، يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132]. أيضاً هنا كلمة واصطبر لعظم الأمر، لعظم الأمر في العبادة، لعظم الأمر في حث الأهل على دين الله عز وجل، والمصابرة مع الابناء والزوجة في البيت، فهذا الأمر يحتاج إلى صبر، وإلا لفرط الإنسان في الأمانة التي في عنقه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. فالامر يحتاج إلى صبر.

ولهذا لما جاء موسى إلى الخضر وطلب مرافقته، قال: ﴿إِنَّكَ لَن تستَطِيعَ مَعِي صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 67-68]. فهنا ذكره الخضر بعدم الصبر؛ لأن الإنسان قد يضعف للشيء الذي لا يعرفه أو ليس عنده معرفة سابقة به. فماذا قال موسى عليه السلام؟ قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: 69]. وهذا فيه دلالة عظيمة جداً على أن استنبط العلماء وأخذ العلماء منه أن العلم يحتاج إلى صبر، ومرافقة العلماء تحتاج إلى صبر، كما رافق موسى الخضر. ولا شك أن موسى أفضل، ولكن هذا فيه تربية لنا، وهي من دلالات القرآن العظيمة.

أيضاً في سير الإنسان إلى الله عز وجل يحتاج إلى صبر عن المعاصي؛ صبر عن المعاصي وهو النوع الثاني من أنواع الصبر. هذه الدنيا فيها الكثير من الشهوات والشبهات التي تعرض للإنسان، وفتن كثيرة جداً، فيحتاج معها إلى صبر. قد تزين المعاصي للإنسان، يزين الشيطان المعاصي للإنسان، فكيف يبتعد عنها وكيف يحفظ نفسه منها إلا بالصبر؟ الصبر أمام الفتن التي تعرض في حياته كلها، وهذا أمر عظيم جداً. وذكر العلماء في قصة يوسف عليه السلام وصبره في هذه الفتنة، لها مع امرأة العزيز، يوسف عليه السلام تذكر أمر الله عز وجل ورجع إلى نفسه وصبر عن هذه الشهوة العارضة، رفع الله عز وجل ذكره وخلد قصته في سورة كاملة في كتابه الكريم. أيضاً من الأشياء العظيمة جداً التي يجب أن يعتني بها الإنسان في سيره إلى الله عز وجل حتى يكون على هدى وعلى بينة في دين الله.

الصبر أيضاً على أقدار الله؛ لأنه عدم الصبر يعني التسخط والجزع وعدم الرضا عن الله عز وجل، وهذا أمر خطير جداً إذا وقع فيه الإنسان. فلابد أن يصبر على أقدار الله، وأن يعرف أن الله عز وجل رحيم بعباده، وإذا ابتلى العبد فإنما يبتليه ليكفر عنه من الخطايا أو ليرفع درجته في الجنة، فالله عز وجل يريد بنا الخير وهو أرحم بنا من أنفسنا، والله عز وجل أعطانا ما يعيننا على الصبر وهذه نعمة من الله عز وجل.

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]. ولهذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان في سفر، فجاءه خبر موت أخيه، فنزل عن دابته وصلى ركعتين، قال بعد ذلك: تلا قول الله عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. الله عز وجل يقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].

بشر الصابرين، بشارة لهم إذا ابتلاهم الله عز وجل فإن لهم بشارة من الله؛ إذا تحقق الصبر في قلبه، ورضي بما قسم الله له، ورضي بأقدار الله. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]. في المصيبة لا يتجزع ولا يتسخط، وإنما مباشرة يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. وهذه الكلمة عظيمة جداً؛ إنا لله يعني نحن من خلق الله، هو الذي خلقنا وهو الذي له الأمر والتدبير في حياتنا، وإنا إليه راجعون سنعود إلى الله عز وجل سيجازينا على صبرنا هذا.

ولهذا قال الله عز وجل بعد هذه الآية: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 156-157]. عز وجل جعل لهم الصلوات الثناء عليهم والرحمة، وزادهم أيضاً الهداية. ولذا يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه في هذه الآية: نعم العدلان ونعم العلاوة. العدلان يعني الجزاءان لهذا الصبر: الثناء من الله عز وجل صلوات والرحمة، والعلاوة وهي أن يكون من المهتدين.

أيضاً أن يمتثل الإنسان لأمر الله عز وجل ويسلم بقضاء الله وقدره، كما حصل مع أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، عندما توفي أبو سلمة فتذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصيب بمصيبة ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي هذه واخلف لي خيراً منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلفه خيراً منها». فلما مات أبو سلمة أرادت أن تقول هذا الحديث فتذكرت، قالت: ومن خير من أبي سلمة؟ زوجها وحبيبها وهو وحيدها، وهو الذي هاجرت معه من مكة إلى المدينة، ما عندها أحد غيره.

فتذكرت ثم رجعت وامتثلت لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي هذه واخلفني خيراً منها. فاخلفها الله بخير من ملء الأرض من أبي سلمة، وهو حبيبنا ونبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه. ونقف عند هذا الحديث ونواصل بعد قليل إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد توقفنا قبل الفاصل عند فضيلة الصبر على أقدار الله عز وجل، وذكرنا حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، وذلك الموقف العظيم عندما توفي أبو سلمة، وذكرت هذا الحديث الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا قاله أجره الله عز وجل وعوضه عن مصيبته خيراً.

فعوضه الله عز وجل بامتثالها في هذا الأمر وقولها لهذا الذكر العظيم الذي جاء على لسان الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه عندما يصاب الإنسان بمصيبة: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي هذه واخلف لي خيراً منها». هذه المزية وهذه الفضيلة ليست خاصة لأم سلمة، بل لكل مسلم يحرص على امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ويطبق هذه العبادة، ويمتليء قلبه من هذه العبادة القلبية العظيمة، وهي عبادة الصبر الذي هو فيه التسليم لقضاء الله عز وجل وقدره، فيجني الإنسان بذلك ثمرات عظيمة لا يعلمها إلا الله.

من أعظم هذه الثمرات أن الإنسان عندما يتحقق في قلبه الصبر، أنه ينال الخير العظيم والعميم والواسع الذي لا يعلمه إلا الله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر». فالذي يتحقق فيه الصبر وينال هذا الأمر يمتليء قلبه منه، فانه قد أعطي عطاء وخيراً عظيماً وعميماً كما أخبر النبي صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضاً مضاعفة الأجور والحسنات وكثرتها التي لا يحصيها إلا الله عز وجل، ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَيِرْ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. وهذا اللفظ يدل على أن الأمر عظيم والاجر وفير جداً، لم يحدده الله عز وجل بحد ولا بعدد معين، وإنما قال بغير حساب، والله عز وجل تكفل بالأجر للصابرين، وإذا كان الأمر بيد الله عز وجل فهنيئاً لمن كان أمره وعلق قلبه بما عند الله عز في علاه.

ولهذا يقول الأوزاعي رحمه الله في هذه الآية: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، يقول: ليس يوزن لهم ولا يكال لهم بل يغرف لهم غرفاً. الله أكبر، من الحسنات التي ينالونها ليست بالوزن ولا بالكيل، وإنما كأنهم يغرف لهم غرفاً يوم القيامة من الحسنات تحقيقاً لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَيِرْ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

أيضاً الصبر نور للإنسان في هذه الدنيا، يجعل الإنسان يتعامل مع ربه عز في علاه، يتعامل مع العبادات، يتعامل مع لله عز وجل بنور من الله. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء». يضيء للإنسان حياته في تعامله مع ربه، يضيء للإنسان حياته، يعرف أن الطاعة تحتاج إلى صبر، أن المعصية تحتاج إلى صبر، أن الأقدار التي يصاب بها الإنسان تحتاج إلى صبر. فالإنسان يكون له نور في قلبه وضياء في وجهه في تعامله مع هذه الأمور، مع هذه العبادات، مع هذه الفتن التي تمحص الإنسان، مع أقدار الله عز وجل، فانه يكون له هذا الضياء وهذا النور الذي هو خير عظيم من الله نعمة من الله يعطاها الإنسان. وكما قيل أو كما ذكرنا قبل قليل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر».

أيضاً الصبر وسيلة للفوز والنجاح والفلاح، الذي يستصحب الصبر معه في حياته، فانه هو الذي يكون في المقدمة دائماً، هو الذي يحصل الفوز والنجاح في هذه الدنيا سواء في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة. أما العجل السريع الملول فانه لا يتحقق له فيه هذا الأمر، فالإنسان الذي دائماً يتحقق فيه فضيلة الصبر وخلق الصبر، فهذا هو من أسباب النجاح في حياته أن يكون هذا الخلق العظيم. ولهذا الشاعر يقول: قل من جد في أمر تطلبه واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر. واستصحب الصبر معه في كل حياته، في كل أموره سواء في أمور دينه أو في أمور دنياه.

ويقول الشاعر أيضاً: لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى، فمن قادت الآمال إلا لصابرين؟ هي التي تنقاد له بإذن الله الأمور، سواء أمور الدنيا وأمور الآخرة، تسهل عليه إذا كان من أهل الصبر والثبات على دين الله عز في علاه. ولهذا الله عز وجل أمر به وحث عليه، بل بالغ في الحث عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. فهذه فضائل عظيمة ينالها الإنسان إذا تحققت فيه هذه العبادة العظيمة، ليس في أمور الدين فقط، حتى في أمور الدنيا أيضاً الإنسان إذا تحقق فيه الصبر ينال محبة الله عز وجل، الله عز وجل يحب الصابرين وذكر هذا في كتابه الكريم، فهنيئاً لمن تحققت فيه هذه العبادة العظيمة.

أيضاً الإنسان في حياته يحتاج إلى هذا الصبر ليدافع الشرور التي قد تعترض طريقه إلى الله عز وجل، الشيطان لا يترك الإنسان، هو أقسم أمام ربنا عز وجل: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]. قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17]. فالشيطان يعتدي طريقنا إلى الله عز وجل، فنحتاج إلى صبر ومصابرة ومثابرة ومرابطة حتى ننال الخير العظيم.

الله عز وجل يقول في السورة العظيمة التي ذكر الشافعي أنه لو لم ينزل الله عز وجل إلا هذه السورة لكفت العباد: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. فالتواصي بالصبر منزلة ومرتبة عالية جداً، أن الإنسان يصبر ويرابط على الصبر وأيضاً يوصي غيره بهذا الصبر؛ لأنه يدله على الخير العظيم الذي يوصيله إلى ربه في الطريق.

الصبر أيها الأحبة خلق عظيم خلق قويم، والنسان يستطيع بإذن الله، حتى لو كان عنده ضعف في هذا الامر، يستطيع بتصبره وإعانته بالله عز وجل أن ينال هذا الخلق وأن يتحقق في قلبه. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يتصبر يصبره الله». إذا ابتلي الإنسان بمصيبة فهو يتذكر ما عند الله عز وجل، يتذكر الرضا عن الله عز وجل، يتذكر أن هذا الامر مقدر عليه، فهو يتصبر فيصبره الله عز وجل.

ولهذا يقول الله عز وجل أيضاً في كتابه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]. يعني مستعيناً بالله. اصبر وما صبرك إلا بالله، أي مستعيناً بالله في هذا الصبر. وهذا الصبر صعب في بدايته لكن نهايته عظيمة وقويمة وجليلة، ولهذا يقول الشاعر: الصبر مر مثل اسمه، مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل. فاللهم اجعلنا من الصابرين، اللهم حقق هذه العبادة في قلوبنا، وأعنا على أمور ديننا ودنيانا، إنك ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.