بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ونواصل الحديث عن العبادات القلبية، وحلقة هذا اليوم سنتكلم إن شاء الله فيها عن عبادة عظيمة جليلة من العبادات القلبية التي فيها انكسار لله عز في علاه، وفيها خضوع، وفيها تذلل لله، وفيها أيضا إظهار الفقر ربنا ومولانا عز في علاه، وأعني بذلك عبادة الشكر.
شكر الله عز في علاه من أعظم النعم التي يتعبد بها العبد لربه ومولاه في هذه الدنيا، عبادة قلبية عظيمة يظهر فيها الإنسان الفقر لله، يظهر حاجته لله، يعظم الله عز وجل في قلبه بأن ينسب إليه هذه النعم التي يتقلب فيها ليل نهار. فعبادة الشكر أيها الأحبه عبادة عظيمة، بل جعلها بعض العلماء نصف الإيمان، يقولون: الإيمان نصف شكر ونصف صبر، فجعل عبادة الشكر هي نصف الإيمان، وهذا ولا شك يسنده الأحاديث العظيمة والكثيرة التي تبين فضيلة هذه العبادة الجليلة، وهي شكر ربنا ومولانا عز في علاه.
الشكر أيها الأحبه أن يقر الإنسان وأن يعترف بفضل الله ونعم الله عليه، وأن ينسب هذه النعمه لله، أن ينسب هذه النعم التي يتقلب فيها في هذه الدنيا أن ينسبها لله المنعم المتفضل، وأن يعترف بذلك، وأن يقر بها في قلبه، وأن يعترف بها بلسانه، وأن يعمل بها بجوارحه. فهذه هي حقيقة الشكر، هي حقيقة الشكر: إقرار بالقلب، واعتراف باللسان، وعمل بالأركان. إذا طبق الإنسان هذه الثلاثة فقد أدى شكر الله عز في علاه.
فالانسان يحرص أيها الأحبه في هذه العبادة العظيمة وهي نسبة الفضل إلى الله، بأن يشكر الإنسان ربه على كل نعمة أنعم بها عليه. فكل ما فينا من نعم، كل ما نتقلب فيه من نعم الله عز وجل العظيمة والجليلة التي لا تعد ولا تحصى. والله لو تفكر الإنسان في نعمة واحدة، في نعمة البصر، أو في نعمة السمع، أو في نعمة الكلام، أو قبل ذلك أعظم وأجل نعمة الإسلام والهداية واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
نعم عظيمة لا يقدرها حق قدرها إلا من تفكر وتدبر في هذه النعم، بأن ينظر إلى المقابل لها. انظر إلى حالك أنت وأنت مسلم، وانظر إلى غيرك ممن يعبدون صنما أو بقرا، أو يعبدون حجرا أو شجرا، تحمد الله عز وجل أن جعلك من أهل الإسلام ومن أهل الإيمان. عندما تنظر إلى أهل الضلال حتى من أهل القبلة وأنت على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى منهاجه الحق، تعرف هذه النعمة وهذه الفضيلة الكبيرة لله عز في علاه.
أيضا نعمة الصحة والعافية، نعمة السمع، نعمة البصر، كلما نظر الإنسان إلى ما يقابل ذلك؛ عندما ينعم الله عز وجل بنعمة البصر ينظر إلى الأعمى فيتدبر ويستشعر هذه النعمة، نعمة السمع، نعمة الكلام، نعمة الحركة، هذه كلها نعم نتقلب فيها ولا نستشعرها.
وهذا قد يوقع الإنسان في إشكال عظيم، في جحود لهذه النعمة وكفران لها إذا لم يستشعر هذه النعمة ويعرفها ويقدرها حق قدرها. ولهذا الموفق المسدد الذي دائما يستشعر فضل الله عليه، يستشعر نعمة الله عليه، والله هذه من أعظم النعم وأكبر النعم على الإنسان أن يتعبد الله عز وجل دائما برد الفضل لله، رد الكرم والجود والمنة لله عز في علاه. كلما يستشعره من نعمة فيشعر أن الفضل من الله، دائما يجعل هذا الأمر في قلبه، يزيد الإيمان في قلبه، ويحلق قلبه بربه عز في علاه أكثر وأكثر.
واذا أدى هذه العبادة، فيكون الشكر أيها الأحبه في القلب بأن يقر الإنسان ويعترف بفضل الله عليه، ولا يغتر بنعمة أنعم بها الله عز وجل عليه بأن هذه جاءت لكونه مثلا لمحبة الله له، أو لتفضيل الله له على غيره، أو لأنه فلان ابن فلان. أبدا والله، إذا لم يستشعر أن هذا هو محض فضل من الله، وكرم من الله، وجود من الله، وعطاء من الله، إذا لم يستشعر هذا في قلبه فقد جحد نعمه الله عليه. ولهذا يفعل كما يفعل بعض الطغاة، كما قال قارون وغيره: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]. نسب الفضل إلى نفسه وأن هذا لمكانته، وهذه والله خطيره جدا إذا دخلت في قلب العبد. فلا بد أن يكون القلب منكسرا لله، ذليلا لله عز في علاه، وأن يستشعر أن هذه محض فضل من الله. هذه النعم قد يسلبها الله عز وجل في أي لحظة، وهذا يراه الناس مشاهدة وعيانا، قد يكون الإنسان يتقلب في نعم الله ثم تتقلب به الاحوال بين يومه وليله وإذا به من غنى إلى فقر، ومن صحة إلى مرض، ومن بصر إلى عمى، ومن مشي إلى مشلول. وهذه يشعر بها الإنسان ويراها عيانا أمامه في أحوال الناس، فلا بد أن ينسب هذه النعم إلى ربه ومولاه، فهذا أول أمر: أن يقر وأن يعترف بهذه النعمة.
الامر الاخر أن يرضى بهذه النعمة وأن يقبلها وأن يشكر الله عليها، أن يكون راضيا قابلا لهذه النعمة ولا ينتقص منها. بعض الناس مع الأسف عندما يعطيه الله عز وجل عطاء، ينظر إلى غيره ويحتقر نعمة الله عليه، مع أنه مليء بنعم الله وفضل الله وكرم الله عليه، يكفي أن الله عز وجل هداه للإسلام وجعله من أمة خير الأنام صلوات ربي وسلامه عليه، فكل ما يأتي بعد ذلك والله فهو يسير.
فاذا استشعر الإنسان هذه النعمة وهذا الفضل يقر بقلبه ويعترف، ويرضى أيضا بنعم الله عز وجل ولا يجحدها ولا ينكرها، أيضا يثني على الله عز وجل، يثني على الله ويرد الفضل إلى الله، ويشكر الله، ويلهج لسانه بحمد الله. هذه هي حقيقة الشكر، أن يثني الإنسان على ربه ومولاه الذي أنعم عليه بهذه النعم. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. فيتحدث عن هذه النعمة العظيمة، أما بلسانه بأن دائما يحمد الله على هذه النعم، وأن يرد الفضل لله عز وجل عندما تذكر عنده هذه النعم أن يقول: هذا من فضل الله، هذا من كرم الله، هذا من جود الله، هذا من عطاء الله عز في علاه. هذا من التحدث بنعمة الله، وليس هو المقصود به أن يفتخر بهذه النعم وأن يباهي بها الغير، إنما حقيقة هذا المعنى في هذه الآية أن يرد الفضل في هذه النعم إلى ربه ومولاه.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5].
قال تعالى عن الأهلة: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَحِ﴾ [البقرة: 189].
قال ابن تيمية: فالذي جاءت به شريعتنا أمل الأمور، لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالابصار.
قال عليه الصلاه والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فان غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين».
فعن سهل بن سعد قال: ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة.
وبعد، فما زال الحديث ايها الأحبه عن هذه العبادة القلبية العظيمة، وهي عبادة الشكر. ذكرنا أن الشكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالأركان. أيضا المقصود به الأركان الجوارح.
فبالقلب الإنسان يستشعر هذه النعمة، ويعترف ويقر بها لله عز في علاه، ويتذكر قول الله عز وجل: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. كل نعمة صغرت أم كبرت هي من الله. كل ما في نفسك، وفي جسدك، وفي حياتك، وفي أهلك، هذه كلها من الله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. هذه نعم عظيمة نتقلب بها، لابد أن نقر ونعترف بقلوبنا لله عز في علاه بها.
أيضا باللسان، أن يتحدث الإنسان بفضل الله عز في علاه عليه، وأن يذكر هذا الفضل بلسانه، وأن يبين هذا الأمر بحاله ومقاله. أيضا أن يحمد الله على هذه النعم بلسانه، كلما تذكر هذه النعم هو يحمد الله عز في علاه على كل نعمة أنعم بها عليه.
وايضا أن يبادر ويسارع في الأذكار التي تؤدي شكر هذه النعم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث العظيم أن في أذكار الصباح والمساء أن الإنسان إذا قال: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قال الإنسان هذا الذكر فقد أدى شكر يومه. وإذا قاله في المساء: اللهم ما أمسى بي من نعمة... إلى آخر الحديث، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فقد أدى شكر ليلته. هذا هو من الشكر باللسان، أن يحافظ الإنسان على مثل هذا الذكر العظيم في أذكار الصباح والمساء ليكون من عباد الله الشاكرين.
أيضا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في عبادة اللسان أن الإنسان إذا ذكر الله عز في عند استيقاظه من نومه، إذا ردت إليه روحه ثم إذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور. هذا من شكر الله. أن الله ليرضى عن العبد إذا أكل الأكلة أن يحمده عليها، وإذا شرب الشربة أن يحمده عليها، فيرضى الله عز في علاه عن العبد إذا كان شاكرا لله في كل أحواله وفي كل شؤونه.
أيضا من طرائق شكر الله عز في علاه أن نشكر الله عز في علاه بجوارحنا بعد قلوبنا وألسنتنا. والشكر بالجوارح أن نصرف هذه الجوارح فيما خلقت له، ألا نستعين على معصية الله بنعم الله. يعني أن نعصي الله عز وجل بما أنعم علينا، الله عز وجل انعم عليك بنعمة البصر، فمن شكر هذه النعمة أن تصرفها في طاعة الله. أنعم عليك بنعمة السمع، فمن شكر النعمة أن تصرفها في طاعة الله. أنعم عليك بنعمة الكلام، فمن شكر النعمة أن تصرفها في طاعة الله. نعمة المال، نعمة الصحة، نعمة الذرية، نعمة الحركة والمشي، وهذه كلها نعم عظيمة يتقلب فيها الإنسان. فمن شكر النعمة أن يستعين بها على طاعة الله.
ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّن عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. كيف يكون العمل؟ يكون بأن نصرف هذه النعم التي منى الله بها علينا، أن نصرفها في طاعة الله، وألا نستعين بها على معصية الله. ألا نستعين بها على معصية الله، هذا والله ليس من شكر النعمة، بل هو من كفر النعمة. أن الله عز وجل أنعم عليك بنعمة البصر وحرم غيرك، فمن شكر النعمة أن تصرف هذه النعمة فيما يحبه الله وفيما يرضي الله. نعمة الكلام، نعمة السمع، نعمة المشي، نعمة المال، نعمة الصحة، هذه نعم عظيمة، من شكر النعمة أن نصرفها في طاعة ربنا ومولاه.
أيضا أن يقوم الإنسان بما يؤدي بشكر هذه النعمة. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصبح في كل يوم، كل يوم الإنسان يصبح على كل سلامى من أحدنا يصبح عليه صدقة. السلامة هي المفاصل، وهذه والله ترى من النعم التي تعود عليها الناس فلا يستشعر هذه النعمة. هذه المفاصل، الإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلا، هذه المفاصل والله نعم عظيمة. يتخيل الإنسان لو تخشبت يده، لو تخشبت قدمه، لا يتحرك رقبته، يستشعر الإنسان هذه النعمة. فالله عز وجل أعطانا هذه النعم حتى هذه النعمة ذكرها.
لنشكر الله عز وجل عليها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صبح على كل سلامة من أحدكم صدقة». يعني كل مفصل من هذه المفاصل يحتاج إلى شكر، يحتاج إلى شكر؛ ثلاث مئة وستون مفصلاً، فيحتاج الإنسان أن يشكر الله ليؤدي حق هذه النعمة، أن يشكر الله ثلاث مئة وستين مرة في اليوم. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم هناك أنواع من الشكر يذكرها الإنسان ويفعلها الإنسان، قال: «فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة».
هذه الصدقات هي شكر لله عز وجل مقابل هذه النعم، مقابل هذه النعم. فالانسان قد لا يحيط بهذا الأمر في يومه وليلته، والإنسان خلق ضعيفاً، والقصور هو حاله، ونحن كلنا ذلك الرجل، لكن من فضل الله عز وجل أعطانا ما يجزئ عن ذلك كله، ما يكافئ ذلك كله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعها من الضحى». يعني يغني عن هذا كله، ركعتان يصليها الإنسان في الضحى فانه يؤدي شكر الله عز وجل في هذه النعم العظيمة التي منى الله عز وجل بها عليه، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركع من الضحى.
وهذه عبادة جليلة، وهي صلاة الضحى، وهي صلاة الأوابين. فيصلي الإنسان بعد طلوع الشمس إلى قبل الزوال، قبل أذان الظهر بما يقارب من عشرين دقيقة؛ هذا وقت صلاة الضحى، من طلوع الشمس إلى قبيل الزوال. هذه صلاة الضحى، يصلي الإنسان ركعتين فانه يؤدي شكر يومه. والله ما أعظمها وأجلها من نعمة، وما أيسرها أيضاً. قبل أن يخرج الإنسان من بيته، إذا أنعم الله عز وجل عليه في جلسة الإشراق في المسجد يصلي ركعتين، وهذا هذه هي صلاة الضحى، جلسة صلاة الإشراق تدخل فيها صلاة الضحى، أو عندما يكون في بيته إذا كان يخرج إلى عمله قبل أن يخرج يتوضأ يصلي ركعتين، أو يصلي في عمله، المهم أن يحافظ على هذه الفضيلة والمزية العظيمة في هذه النافلة الجليلة، وهي صلاة الضحى.
وهناك أمر أيها الأحبه أوصي نفسي وإخواني به، داخل في في هذا الأمر، أنه عندما يصلي الإنسان ركعتين صلاة الضحى فيؤدي شكر يومه، يزيدها أيضاً ركعتين تصبح أربعاً، فيدخل في فضيلة عظيمة أيضاً، وينتقل من عبادة إلى عبادة، ومن فضيلة إلى فضيلة، ويرتقي من مرتبة إلى مرتبة. يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «ابن آدم صل أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره». فالانسان يصلي ركعتين الضحى ويزيدها ركعتين أخريين فيدخل في مزية عظيمة جداً، أنه يكون في كفاية الله وفي حفظ الله وفي حماية الله وفي رعاية الله طوال يومه. «ابن آدم صل أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره». يصلي ركعتين الضحى يؤدي شكر يومه، ثم يصلي ركعتين أخريين فيكون في كفاية الله وفي حفظ الله وفي حمايته.
وما أعظم هذه النوافل التي يحافظ بها الإنسان في يومه وليلته، يؤدي بها شكر يوم، ويحصل أيضاً على مزية عظيمة ودرجة عالية رفيعة في هذه الدنيا، وهذه والله من أحب الأعمال إلى الله. ومر معنا سابقاً في محبة الله قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». هذه هي النوافل التي يفعلها الإنسان، يؤدي بها شكر يومه، ويكون في كفاية الله وحفظه، ليصل إلى محبة الله وأيضاً إلى كفاية الله له في هذه الدنيا.
ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوته، إما لبره أو أدبه أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير، يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي أنا غلام فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً فاني لا أشهَدُ على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر الأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فان حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فما زال الحديث أيها الأحبة عن هذه العبادة القلبية العظيمة، وهي عبادة الشكر، وما أعظمها وما أجلها من عبادة. هذه العبادة أيها الأحبة مع ما فيها من إظهار الفقر لله عز وجل والذل والانكسار بين يديه، واعتراف القلب وأقراره بالفضل لله عز في علاه، أيضاً هذه العبادة الإنسان مامور بها؛ يعني ليس هو في اختياره أن يشكر الله أو لا يشكر الله عز وجل، بل هو مأمور بشكر الله، وواجب في حقه أن يرد الفضل إلى الله عز وجل. وقد أمر الله في كتابه الكريم بشكره، فقال الله عز وجل: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. واشكروا لي؛ وهنا الأمر يقتضي الوجوب، واشكروا لي؛ يعني اشكروا لربكم ما أنعم به عليكم من هذه النعم ولا تكفرون؛ وهنا الكفر الذي يقابل الشكر، أن الكفر قد يقابل الإسلام، وهنا الكفر الذي هو الجحود، جحود النعمة وعدم رد الفضل لله عز وجل.
وهذا تكرر في أكثر من معنى في كتاب الله، أو في أكثر من موضع في كتاب الله عز وجل، عندما يخبر الله عز وجل كفر العباد للنعمة؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن النساء أنهن يكفرن العشير، بمعنى يجحدن فضل الزوج. فالكفر قد يكون مقابل الإسلام، وقد يكون الكفر أيضاً من معانيه أنه يقابل الإقرار بالنعمة والفضل لله عز في علاه. فهنا الله عز وجل يقول: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. أيضاً أمر الله عز وجل في قصة لقمان بقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]. أن اشكر لي؛ فالله عز وجل أمر بشكره، وأيضاً ألحقه بشكر الوالدين لعظم حق الوالدين، أيضاً والله عز وجل قرن حق الوالدين في عدد من الآيات بحق الله عز في علاه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
أيضاً الله عز وجل أمر الأنبياء عليهم السلام الذين هم من اعظم الشاكرين لله عز في علاه بل هم أعظم الشاكرين لله، أمرهم الله عز وجل ليربي الناس على هذا الأمر، فالأمر للأنبياء يدخل فيه اتباعهم، يدخل فيه اتباع الأنبياء. فالله عز وجل أمر الأنبياء، فالله عز وجل يقول لموسى عليه السلام: ﴿قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144]. وكن من الشاكرين بعد هذا الفضل والنعمة بأن الله عز وجل اصطفاه بالرسالة وبتكليف الله له، قال الله عز وجل: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144]. بعد هذه النعم لا بد أن تكون شاكراً لله عز في علاه.
أيضاً يقول الله عز وجل نبينا وحبيبنا وامامنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول له ربنا عز في علاه: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 66]. بل الله فاعبد وكن من الشاكرين؛ وهو من أعبد الناس لله، ومن أعظمهم شكراً لله، سيد الشاكرين هو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، لكن هذا فيه تربية لنا نحن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذين نقرا كلام الله ونقرا خطاب الله لنبيه صلوات ربي وسلامه عليه في كتابنا الكريم، فنمتثل لأمر الله الذي أمر به نبيه صلوات ربي وسلامه عليه الذي هو أعظم الناس شكراً لله عز في علاه.
أيضاً أثنى الله عز وجل على عدد من أنبيائه بأنهم من الشاكرين، فقال الله عز وجل عن نوح عليه السلام: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3]. فهذا نبي من أنبياء الله، من أولي العزم من الرسل، كان شاكراً لله. أيضاً إبرام عليه السلام، إمام الحنفاء، يقول الله عز وجل عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ من الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: 120-121]. شاكراً لإنعمه، شاكر لنعم الله وفضل الله عليه، وهذا هو حال الأولياء الأصفياء الأتقياء الأنبياء الذين يعرفون فضل الله عز وجل عليهم، ويعرفون هذه النعم التي من الله عز وجل بها على عباده، فيشكرون الله عز في علاه، ولهذا أثنى الله عز وجل عليهم في كتابه الكريم.
والله عز وجل قسم العباد في كتابه الكريم، قال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. فالإنسان إما شاكر لله في هذه النعم، وإما أن يكون كافراً بهذه النعم، يعني جاحداً لها، إما أن يكون من الشاكرين أو من الجاحدين لهذه النعم. ولا شك أن المسلم الموفق المسدد الذي يريد الخير لنفسه أنه يريد أن يكون في فريق الشاكرين الذين أثنى الله عز وجل عليهم، وأثنى على الأنبياء الذين اتصفوا بهذه الصفة وهذه المنزلة والمرتبه العالية الرفيعة بأن كانوا من عباد الله الشاكرين. فما أعظم الشكر وما أجل مكانته، وما أعظم منزلته عند الله عز في علاه.
ولهذا أيها الأحبة، هذا يبين لنا ما فعله عدونا الأكبر وهو إبليس عليه لعائن الله عندما أقسم أمام ربنا عز وجل بأمر، ويتفكر الإنسان لماذا أقسم إبليس على أن يصرفنا عن هذه العبادة؟ قال الله عز وجل عن إبليس عندما أخرجهم من الجنة، عندما أقسم أمام ربنا: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83] وقال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17].
لماذا يريد الشيطان أن يصرفنا عن شكر الله؟ لأنه يعلم أن هذه العبادة عظيمة وجليلة وكبيرة ولها منزلة عالية عند الله. فالشكر هو إرجاع الفضل والمنة لله، والشكر أيها الأحبة كما قيل هو قيد النعم الحاصله، وجالب للنعم المفقودة الغير موجودة، وأيضاً هو فيه أداء لحق الله علينا بإرجاع الفضل له عز في علاه. ولهذا كان الشيطان حريصاً على أن يصرفنا عن شكر الله، ولهذا قال في قسمه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17]. لأنه يعلم عليه لعائن الله، يعلم أن عدم الشكر هو الكفر والجحود لنعم الله، والجاحد لنعم الله هذا انسان ضعف الإيمان، بل خلى الإيمان من قلبه، ضعف الإيمان في قلبه ولم يعظم الله عز وجل ولم يعرف حق الله عز وجل عليه.
فالشيطان يريد أن يصرفنا عن هذه العبادة، لكن المسلم الحريص على الخير هو الذي يسعى دائماً في ذكر الله وفي شكره وفي الإكثار من هذه الفضيلة، وهذا الذكر باللسان وهذا الإقرار والاعتراف بالقلب، يعرف نعم الله وفضل الله عز وجل عليه في كل صغيرة وكبيرة، ويكون أيضاً سائراً في طريق الأنبياء الذين أثنى الله عز وجل عليهم بأنهم كانوا شاكرين لله عز في علاه، بل أمرهم الله عز وجل بهذه الفضيلة وهذه العبادة. والشيطان لا يريد لنا الخير، الشيطان لا يريد لنا الخير؛ لأن الله عز وجل قال في كتابه: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
فدائماً أيها الأحبة الذي يريد الزيادة من الله عز وجل يكثر من شكر الله، يكثر من شكر الله؛ بقدر ما تكثر من الشكر بقدر ما يزيدك الله، بقدر ما يزيدك الله عز وجل من فضله وخيره ونعمه وبركاته. فكل منا، كل واحد منا أيها الأحبة إذا أراد أن يحافظ على النعمة، أولاً أن يحافظ على النعمة أنعم الله عز وجل عليك بنعمة أياً كانت هذه النعمة؛ نعمة الصحة، نعمة المال، نعمة الذرية، الزوجة الصالحة، المسكن، أي نعمة أنعم الله عز وجل عليك بها تريد أن تحافظ على هذه النعمة ابتداءً فانت تشكر الله، ثم إذا أردت الزيادة فأنت أيضاً تشكر الله، تكثر من الشكر. فالشكر يحافظ على النعمة والإكثار منه يزيد هذه النعمة، فما أعظم الشكر وما أعظم منزلته وما أعظم بركته على العبد في دينه وفي دنياه.
ونقف عند هذا الحد في هذه العبادة، ونواصل في الحلقة القادمة إن شاء الله ما يتعلق بهذه العبادة، العبادة القلبية العظيمة، وهي عبادة الشكر، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني