بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وما زال الحديث أيها الأحبة في هذه الحلقات عن العبادات القلبية، وتوقفنا في الحلقة الماضية عند عبادة عظيمة من العبادات القلبية التي يتقرب بها العبد إلى ربه ومولاه؛ وهي عبادة الشكر، عبادة شكر الله عز في علاه على ما أنعم به علينا من هذه النعم العظيمة التي نتقلب فيها ولا نحصيها، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]. تكلمنا في الحلقة الماضية عن هذه العبادة وعن فضيلتها العظيمة، وأيضاً عن حكم هذه العباده، وما أمر الله عز وجل به بهذه العبادة في كتابه الكريم، وما أمر بها أنبياءه عليهم السلام في الامتثال لهذه العبادة العظيمة.
وذكرنا أيضاً ما أقسم به الشيطان عليه لعائن الله أمام ربنا عز وجل، بأن يصرفنا عن هذه العبادة لعظم حقها ولعظم قدرها. وهنا يتفكر الإنسان: لماذا هذا العدو يريد أن يصرفنا عن هذه العبادة؟ لأنه يعلم أن عبادة الشكر عبادة عظيمة جليلة كبيرة عند الله، وهي مما تنفع العبد وترفعه عند ربه. سنتكلم إن شاء الله في هذه الحلقة عن الأسباب المعينة على الشكر، الأسباب المعينة على الشكر التي تجعل الإنسان دائماً يكون شاكراً لله في كل أحواله وفي كل شؤونه. هناك أمور تعين الإنسان وتساعده على أن يكون من الشاكرين، من المكثرين لشكر الله في يومه وفي ليلته.
من أعظم هذه الأسباب: أن يتذكر الإنسان نعم الله عليه دائماً، يستشعر هذه النعم وأن يتفكر فيها؛ لأن الإنسان مع طول الأمد ينسى، ومع الألفة والعادة يستخدم هذه النعم دون أن يستشعر ما فيها. ولهذا الإنسان إذا عاش مثلاً في قصر عظيم وجميل ينبهر به في البداية، ثم بعد ذلك يعتاد عليه. الإنسان عندما يسكن في منزل جديد يعتاد عليه، عندما يشتري سيارة جديدة يفرح بها في البداية ثم يعتاد عليها. وهكذا الإنسان إذا اعتاد على النعمة فانه يالفها ولا ينظر في فضل الله عز وجل عليه فيها.
فمن الأسباب المعينة على شكر الله دوماً: أن يتذكر الإنسان وأن يسترجع دائماً هذا الأمر، وأن يتذكر فضل الله في هذه النعم التي يتقلب بها، إذا رأى من حرم هذه النعمة يتذكر هذه النعمة ويرجع الفضل إلى الله عز في علاه. ولهذا يقول بعض السلف: ذكر النعمة سبب في شكرها. ذكر النعمة، يعني: لما ترى الأعمى تتذكر نعمه البصر تقول الحمد لله، ترى المشلول تتذكر نعمة المشي تقول الحمد لله، كلما نظرت إلى واحد مريض تتذكر نعمة الله عز وجل تقول الحمد لله، ترى إنسان عقيم وأنت رزقك الله الولد فتقول الحمد لله.
فكلما نظر الإنسان في هذه النعم التي يتقلب فيها تذكر فضل الله عز وجل عليه وأدى شكر هذه النعمة، ودائماً يستحضر في عقله وفي قلبه قول الله عز في علاه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. وما بكم من نعمة صغرت أو كبرت فهي من الله عز في علاه. ولهذا الإنسان دائماً يحاول أن يتذكر هذه النعم، كلما أحدث الله له نعمة يحدث لها شكراً، ويحاول دائماً أن يقيد هذه النعم بالشكر.
وانظر من تدبر القرآن أيها الأحبة، والعيش مع القرآن، والنظر في المعاني العظيمة التي جاءت في كتاب ربنا؛ مثلاً في قصة سليمان عليه السلام الذي أعطاه الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. لما أرادت بلقيس أن تأتي إليه، قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ [النمل: 38-39]، فكانه استطال هذه المدة ما يقوم من مقامه إلا آخر النهار، فأراد ما هو أعظم وأكبر، حتى قال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40]. فلما رآه مستقراً عنده هذا العرش العظيم أتى من اليمن إلى فلسطين، سليمان عليه السلام في فلسطين وبلقيس في اليمن، ويأتي في طرفة عين! أمر ليس والله بالهين، أمر عظيم جليل يفوق حتى ما يتخيله الإنسان في هذه الدنيا، معجزة عظيمة.
لكن انظروا إلى سليمان عليه السلام ماذا قال: هل قال هذا من الملك الذي أعطاني الله عز وجل إياه؟ هذا مما فضلني الله به؟ لا والله، حال عظيمة. حال سليمان عليه السلام في هذه القصة قال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40]. سبحان الله، يعني هذا العمل العظيم وهذه المنّة العظيمة والعطاء الكبير من الله لسليمان بأن ينتقل عرش بلقيس كاملاً من اليمن إلى فلسطين في طرفة عين، ثم يعرف سليمان عليه السلام أن هذا هو فضل من الله وابتلاء من الله ليبلوه أيشكر أم يكفر! والله هذه منزله ومرتبه عالية عظيمة، ولو استشعر الإنسان كل ما جاءه من فضل وهو لا شك أقل مما حصل لسليمان يقيناً. كل ما يأتيك من خير ومن بركة ومن رزق هو أقل مما أعطاه الله عز وجل لسليمان عليه السلام، لكن لو امتثل الإنسان وتدبر هذه الآية وسار على درب هذا النبي العظيم، أن كل ما حصلت له من نعمة فيرد الفضل مباشرة إلى الله عز وجل، ويشكر الله عز وجل على هذه النعمه، هذا لا شك أنه يكون في أعلى المراتب وفي أجل المنازل.
أيضاً من الأسباب المعينة على حصول الشكر والاكثار منه عند العبد: أن ينظر الإنسان دائماً إلى من هو دونه، ولا ينظر إلى من هو أعلى منه، حتى لا يزدري نعمة الله عليه، وحتى يعرف الفضل والمنة لله؛ لأن الإنسان إذا نظر دائماً إلى من هو أعلى منه في الدنيا فانه دائماً يزدري نعمة الله عليه. صاحب الألف إذا نظر إلى صاحب المئة ألف يزدري نعمة الله عليه، بل حتى صاحب المليون إذا نظر إلى صاحب المليار يزدري نعمة الله عليه! لكن لو الإنسان عود نفسه في أمور الدنيا أن ينظر إلى من هو أقل منه، إلى من هو أقل منه، حتى يعرف هذا الفضل وهذه النعمة التي يتقلب بها. أنظر إلى الفقير المعدم إذا كنت أنت تملك بيتاً، أنظر إلى العقيم إذا كان الله رزقك الولد، أنظر إلى المريض إذا رزقك الله الصحة، أنظر إلى الأعمى إذا رزقك الله نعمة البصر. يعني الإنسان ينظر دائماً إلى نعم الله عز وجل ولا ينظر إلى من هو فوقه فيكون هذا سبباً لازدراء هذه النعمه.
ولهذا وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر، ودل العباد -وهو الرحيم بهم صلوات ربي وسلامه عليه- إلى هذا الأمر. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو اسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فانه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». ونواصل الحديث عن هذا الأمر وعن هذا السبب بعد الفاصل إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فما زال الحديث أيها الأحبة عن الأسباب المعينة على الشكر، وكنا قد توقفنا قبل الفاصل عند حديث نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فانه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». هذه مرتبة عالية وعظيمة وجه إليها النبي صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن يصل إلى هذا المستوى من الإقرار لله عز وجل بالفضل والمنة، وأن يعرف نعمة الله عليه، وأن يكثر من شكر الله. دائماً ينظر إلى من هو أقل منه في أمور الدنيا، إلى من هو أقل في أمور الدنيا، فانه يعرف أنه يتقلب في نعم عظيمة حرم منها غيره.
ومن طريف ما يروى أن أحد الناس كان يمشي مع من وفقه الله عز وجل ودله على الخير وبصره بما ينفعه، فكان يمشي معه وينظر إلى هذه القصور وهذه البيوت الشاهقه وغيرها من النعم التي يستشعرها الإنسان أو يعرفها في الدنيا. فقال كلاماً، قال: يعني أين كنا عندما قسم الله هذه النعم؟ هذه القصور وهذه البيوت وهذه العماير أين كنا؟ لا يكاد لا يملك منها شيئاً. فقال: أين نحن عندما قسم الله عز وجل هذه النعم على هؤلاء الناس؟ فكان هذا الحكيم يعرف أن هذا الكلام خطأ، وأنه مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فوجهه بالعمل وليس بالقول؛ أخذه إلى المستشفى وزار به غرف المرضى، وقال له: أين كنا عندما قسم الله هذه الأوباء وهذه الأسقام وهذه الأمراض؟ هذا عنده فشل كلوي، هذا مصاب بالسرطان، هذا مشلول وهذا في غيبوبة وهذا مصاب بالجلطة. أين أنت وأنت تتقلب في هذه الصحة وفي هذه النعمة وفي هذا الفضل؟ أين كنت عندما قسم الله عز وجل هذه الأمراض وابتلى الله عز وجل هؤلاء الناس بهذه الأمراض؟
فهنا يعرف الإنسان فضل الله، يعرف نعمة الله، يعرف ما منّ الله عز وجل به عليه في حياته إذا نظر إلى هؤلاء المساكين أو إلى من هم أقل منه في النعم الدنيوية. لكن لو نظر إلى من هو فوقه، فانه يطمح ويعيش في شقاء أبدي، دائماً يزدري نعمة الله ولا يشكر الله عز وجل على هذه النعمة، ويقع في هذه الطامة الكبرى، وقد يتحقق فيه قسم الشيطان الذي ذكرناه قبل قليل عندما قال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17]. فالشيطان يريد أن يصرف الإنسان عن هذه النعمة وهذه الفضيلة بأن يخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فينظر إلى من هو فوقه ولا ينظر إلى من هو دونه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم».
فهذه وسيلة عظيمة وسبب عظيم لحصول الشكر عند الإنسان والإكثار منه، أن يعرف فضل الله، وأن يعرف منّة الله وعطاء الله عز وجل عليه، وأنه يتقلب والله في نعم كثيرة وعظيمة لا تعد ولا تحصى. فهو غني بهذه النعم حتى ولو كان معدماً من أمور الدنيا، حتى ولو كان معدماً؛ لو قاس نعمة البصر بالمال والله لا تقاس، لو قاس نعمة السمع، نعمة المشي، نعمة الصحة، نعمة الكلام، لو قاسها والله بالمال؛ لو دفع له أموال الدنيا مقابل هذه النعمة لا يرضى بهذا المال! فهو غني بهذه الفضائل وهذه الأنعام وهذه العطايا من الله عز في علاه، لكن الإنسان لجهله دائماً قد يجحد هذه النعمة أو يتناسى هذه النعمة لأنه ينظر إلى من هو فوقه.
أيضاً من الأسباب المعينة على كثرة الشكر ودوام الشكر لله عز في علاه: أن يعرف الإنسان أن الله عز وجل يحب الشاكرين. الله عز وجل أنعم علينا بهذه النعم ويريد منا فقط أن نشكره عليها. الله عز وجل ما كلفنا فوق طاقتنا بل كلفنا ما نطيق، بل الله عز وجل رحيم بنا، فالله عز وجل يريد فقط منا أن نشكره على هذه النعمة، ووعدنا من فضله وكرمه وجوده ومنه وعطائه أننا إذا شكرنا زادنا الله عز وجل، وهذه والله نعمة عظيمة من الله! فالإنسان إذا عرف أن الله عز وجل يحب الشاكرين فانه يفعل ما يحبه الله، فيشكر الله عز وجل على هذه النعمة.
أيضاً مما يعين الإنسان: أن يدعو الله عز وجل أن يرزقه شكر نعمته، أن يرزقه شكر نعمته. وهذا جاء نصاً في وصية نبينا صلوات ربي وسلامه عليه لحبيبه معاذ بن جبل رضي الله عنه، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ليدل على عظم هذا الذكر وهذا الدعاء، قدم له بمقدمة جميلة ورائعة من لسان الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه؛ كلام والله ترتاح له النفس ويشعر.
بمقدار الرحمة والشفقة التي في قلب نبينا صلوات ربي وسلامه عليه لمعاذ، ولبقية المسلمين الذين يأخذون بهذا الحديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «يا معاذ، والله إني لأحبك». الله أكبر! ما أعظمها من مقدمة، وما أعظمها من بداية لفتح القلوب. يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وححسن عبادتك.
لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة، يعني بعد كل صلاة تحافظ على هذا الذكر. اللهم أعني، أي ساعدني يا الله، تطلب العون والمساعدة من الله عز في علاه: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ثلاثة أمور لو توقف معها الإنسان لتدبر ما في هذا الذكر وفي هذا الدعاء من الفضل العظيم الجامع لأنواع الخير: اللهم أعني على ذكرك، ذكر الله عز وجل الذي هو من أعظم وأجل العبادات. وشكرك الذي هو قيد النعم وسبب لزيادتها. وحسن عبادتك، أن يؤدي الإنسان العبادة بحسن وأن تكون موافقة لما جاء عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. فهو هذا دعاء عظيم.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة». وهذا الذكر أيها الأحبه يعني ليس فقط يقوله الإنسان فقط الصلوات، بل هو من الأدعية التي يحافظ عليها في سجوده، في أوقات الإجابة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني ليبين عظم هذا الدعاء ربطه بالصلاة، لكن هذا لا يمنع أن الإنسان يحافظ عليه في أوقات الإجابة، بل يجعله يعني من الأدعية الثابتة في سجوده، في أوقات الإجابة، في الثلث الأخير من الليل.
كما هو الدعاء العظيم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لحبيبته عائشة رضي الله عنها وأرضاها، عندما سألته: أرأيت إن أدركت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». هذا دعاء عظيم، وليس خاصا بليله القدر، بل الإنسان دائما يحرص عليه، لكن ليبين النبي صلى الله عليه وسلم عظم الدعاء يربطه بزمن مبارك كليلة القدر أو أدبار الصلوات، فهذا يدل على فضيله هذا الدعاء، فيحرص الإنسان ويجعله من ضمن الأدعية التي يحافظ عليها دوما في سجوده، في أوقات الإجابة، بين الأذان والإقامة، وفي الثلث الأخير من الليل.
فهذا دعاء عظيم أيها الأحبة، يحرص الإنسان عليه ويقوله بعد الصلاة مهما انشغل، مهما انشغل حتى ولو كان مستعجلا، وقام بعد صلاته بعد أن ينتهي من أذكاره، يقول وهو خارج من مسجد وهو طري في طريقه إلى البيت وهو في سيارته: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ولم يقيده النبي صلى الله عليه وسلم بعدد، بل يقوله الإنسان ويكثر منه ما شاء، وكل ما أكثر فهو خير، والدعاء كله خير، الدعاء كله خير، خصوصا الأدعية العظيمة التي جاءت من لسان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
وهذا ولا شك هو أعظم الدعاء الذي يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لأحبابه وأصحابه ونحن ناخذ عنهم ونسير على طريقهم ونمتثل هذا الهدي الذي جاء عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. فهذه أيها الأحبة يعني اسباب عظيمه تعين الإنسان على كثره شكر الله والمداومه عليه اناء الليل واطراف النهار. نتوقف عند هذه الاسباب ونواصل ان شاء الله بعد الفاصل.
اقرأ، إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. إن الأمم القارئة هي الأمم القائدة، لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءه مبلغا عظيما، قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظره في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين بالمائة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك.
ولكي تكون قراءتك واعية فابدا بالمرحله التأسيسية، حيث تنتقي كتب اهل السنه التي تضمن بها سلامة العقيدة، واذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء. ولدفع النفور من القراءة ابدا بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرات قبل المطولات. ولدفع الملل استرح وارح عينيك وتحرك بين الحين والاخر. ويمكن اذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتميز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب، واستفد بما تقرا لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. نختم أيها الأحبة الحديث عن هذه العباده العظيمه الجليله، وهي عباده شكر الله عز في علاه. بعد أن ذكرنا الأسباب المعينة على الشكر، نختم بذكر ثمرات الشكر. الإنسان عندما يكثر من شكر الله، ويقر ويعترف بالفضل لله والمنة لله عز في علاه في كل نعمة أنعم بها عليه، فإن الإنسان بهذا يجني ثمرات عظيمة جليلة كبيرة، قد لا يدركها بعقله.
لكن كرم المولى عز في علاه، الذي الله عز وجل من اسمائه وصفاته الشاكر والشكور، فالله عز وجل من اسمائه وصفاته الشاكر والشكور، وهو الذي يعطي العظيم والكبير والجليل على العمل اليسير. الله عز وجل يشكر عمل العبد بأن يجازيه بالأجر العظيم بالعمل اليسير، والله عز وجل أيضا يحب الشاكرين، فهو شاكر شكور ويحب الشاكرين. ولهذا الإنسان إذا امتثل لهذه العبادة وسار على طريقها وأكثر منها، فانه يحصل ثمرات عظيمة جليلة لا يعلمها إلا الله.
من أعظم هذه الثمرات: أن يكون من أهل الإيمان. ونحن نعرف أن مرتبة الإيمان هي أعلى من مرتبة الإسلام، فيرتقي الإنسان من مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أماره كله له خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». يعني هذا الأمر وهذه الفضيلة وهذا وهذه المزية ليست إلا للمؤمن، لأهل الإيمان فقط، أن الإنسان إذا أصابته نعمة، إذا أصابته سراء نعمة وفضل وعطية ومنحة وهبة من الله، فإن المؤمن يشكر، هذا حال المؤمن الذي يكون من أهل الإيمان.
وإذا أصابته ضراء بلية مصيبة مرض ابتلاء من الله، فانه يصبر، فايضا يكون من أهل الإيمان. وهذا لا يكون إلا للمؤمن كما أخبر النبي صلوات ربي وسلامه عليه. فهذا دلالة على أن الإنسان من أهل الإيمان، هذه ثمره يصل إليها الإنسان بكثرة الشكر والصبر، أنه يكون من أهل الإيمان. أيضا من الثمرات العظيمة الجليلة: أن يرضى الله عن العبد إذا كان شاكرا لله، أن يرضى الله عز وجل عنه.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها». فالانسان يعني الحمد هو الشكر هو الشكر لله باللسان. فعندما ياكل الانسان يحمد الله، عندما يشكر يحمد الله عز وجل، فهذه نعمة عظيمة. وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم يعني عندما ذكر هذا الأمر، هو مذكور في كتاب الله قبل ذلك، يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِ الكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7].
فالله عز وجل يرضى لنا الشكر ويرضى عنا إذا شكرنا، وهذا والله من كرم المولى عز في علاه. أيضا من ثمرات الشكر العظيمة: مغفرة الذنوب. وهذه والله مزية عظيمة لو استشعرها الإنسان لهج لسانه دائما بشكر الله وحمده والثناء عليه. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقني من غير حول مني ولا قوة، ما الحاصل؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر له ما تقدم من ذنبه».
الله أكبر! والله حديث عظيم، الإنسان يأكل ويتنعم ويتلذذ بالطعام والشراب ثم النتيجة مغفره الذنوب. هذا الذكر اليسير الذي يحسن بنا أن نحافظ عليه، وأن نعلمه لأبنائنا، وأن دائما نحرص على ذكره في منازلنا وفي بيوتنا، وعلى سفر طعامنا أن نذكر يعني بهذا الحديث. يعني حتى لو جعل الإنسان الجوائز للابناء حتى يتربوا على مثل هذا الذكر دائما، مغفرة للذنوب بعد الإفطار، بعد الغداء، بعد العشاء، بعد أي طعام يحمد الله عز وجل فيغفر له ما تقدم من ذنبه.
أي فضل وأي كرم وأي عطاء وأي منة من الله عز وجل لنا بهذا الأمر اليسير، الذي هو حمد الله عز وجل والحمد كله خير. حمد الله هو جزء من الشكر، هو جزء من الشكر، دائما يعود الإنسان لسانه على حمد الله، والحمد لله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم تملا الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملان أو تملأ ما بين السماء والأرض. الحمد لله شأن، شأن عظيم عند الله عز وجل، والمؤمن المسدد الموفق الذي يكون الحمد دائما على لسانه، الحمد لله تكثر الخيرات والبركات عليه بسبب هذا الحمد، يلهج لسانه دائما به لربه.
أيضا من ثمرات شكر الله عز وجل وحمده والثناء عليه بهذه النعم: أن ينجو الإنسان من عذاب الله. أن ينجو الإنسان من عذاب الله عز وجل. ونص الله عز وجل على ذلك في كتابه الكريم في آية عظيمة يقول فيها ربنا عز في علاه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]. ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ يعني الله عز وجل لا يريد أن يعذبنا إن شكرنا وآمنا. الله عز وجل لا يريد هذا الأمر، بل هو يريد منا أن نشكره وأن نؤمن به ويكون سببا في نجاتنا.
فالله عز وجل يعني بهذه الآية فتح أبوابا من الخيرات والبركات للعباد أن يشكروا الله عز وجل وأن يؤمنوا به وأن يثنوا عليه. ولهذا يقول قتادة، كما نقل الطبري في تفسيره عنه رضي الله عنه ورحمه، يقول: إن الله جل ثناؤه لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا. وهذا استنباط من هذه الآية، وما أعظمه من استنباط وفهم وتدبر لكلام الله. قال: إن الله عز في علاه لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا. الله عز وجل يقول: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم.
الله عز وجل غني عنا وغني عن عذابنا، لا، والله عز وجل يريد لنا الخير ويريد بنا الإكرام. فالله عز وجل إن شكرنا وآمنا زادنا من فضله ونجانا من عذابه، الله عز وجل يعني يريد منا هذا الأمر، ويريد منا هذه الفضيلة وهذه العبادة لننجو من عذابه يوم القيامة. أيضا من أعظم الثمرات التي يجنيها الإنسان من كثرة شكره لله ومن لهج لسانه بحمد الله والثناء عليه: أنه يقيد هذه النعم الحاصلة له.
وهذا والله يعني هذا أمر ليس بالهين، أنت الآن أنعم الله عز وجل عليك بنعمة، لا تريد تريد أن يسلب منك هذه النعمة. نعمة الصحة، لا تريد أن يبتليك الله عز وجل بالمرض. نعمة المال، لا تريد أن يبتليك الله عز وجل بالفقر. نعمة الزوجة الصالحة، لا تريد أن يبتليك الله عز وجل بزوجه سيئة، أو بذرية صالحة، أو بأي أمر، نعمة وظيفه، نعمة ما سيارة، نعمة منزل. تريد أن تقيد هذه النعمة؟ فانك تشكر الله عز وجل، وهذه ثمرة عظيمة.
الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. يعني تأذن الأذن من الله هو الإعلام لنا. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ أَن لَّئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. لئن شكرتم لأزيدنكم، يعني ليس فقط يحافظ يحفظ الله عز وجل هذه النعمة، بل يزيدها. ووالله هذه يعني مزية عظيمة ونعمة كبيرة من الله، أن الإنسان ليس فقط يحافظ على النعمة، وإنما يزيدها. ولهذا يحاول الإنسان دائما في نعم الله، الحمد لله، الحمد لله، يجعل هذه الكلمه دائما على لسانه، يرى مبتلى: الحمد لله الذي عافاني بما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا.
يرى نعمة المنزل، نعمة الولد، أي نعمة: الحمد لله الذي أنعم علي بهذه النعمة. فهذا الحمد هو الذي يقيد هذه النعم بل يزيدها، كما أخبر ربنا عز في علاه في هذه الآية المحكمة الكريمة. فنسال الله عز وجل أن يجعلنا من عباده الشاكرين الذين يثنون عليه في نعمه آناء الليل وأطراف النهار، وأن يحفظ هذه النعم من الزوال، وأن يزيدها لنا ببركته ومنه وفضله وكرمه وجوده، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني