بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله في أكاديمية زاد في مادة التربية الإسلامية وفي مقرر مادة أعمال القلوب.
تحدثنا أيها الأحبة في حلقتين سابقتين عن عمل قلبي عظيم، وهو الرضا؛ الرضا عن الله، والرضا بالله؛ الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وأيضاً الرضا بالقضاء والقدر. هذه أنواع الرضا الأربعة التي إذا تحققت في قلب العبد نال خيراً عظيماً وذاق طعم الإيمان وحلاوة الإيمان وأنس بالله عز في علاه.
وأيضاً كان حقاً على الله عز وجل أن يرضيه إذا ذكر ذلك بلسانه، كما ذكرنا في الحلقة السابقة في أذكار الصباح والمساء أن يقول الإنسان ثلاث مرات: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، في الصباح ثلاث مرات، وفي المساء ثلاث مرات. يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن فعل ذلك: كان حقاً على الله أن يرضيه، كان حقاً على الله أن يرضيه.
وهي دائماً تذكر الإنسان؛ يذكر الإنسان بالرضا بهذه الأمور، خصوصاً الثلاثة الأولى التي جاءت في حديث واحد: الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. هي تذكر الإنسان دائماً بتلك الأسئلة التي سيسأل عنها في قبره؛ لأن الإنسان إذا وضع في قبره سيسأل عن: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟
فالانسان عندما دائماً يستحضر هذه الأمور الثلاثة، الرضا بهذه الثلاثة وهو يمتثلها ويطبقها ويحققها في حياته، فانه بإذن الله سيوفق ويهدى ويثبت بالقول الثابت عندما يسأل هذه الأسئلة الثلاثة في قبره.
هناك أيها الأحبة ثمرات عظيمة للرضا إذا تحقق في قلب العبد؛ تحقق أيضاً في جوارحه، في لسانه، وفي أفعاله. إذا تحقق هذا الرضا فإنه يجني ثمرات عظيمة، يجني ثمرات عظيمة بتحقيقه لهذه العبودية القلبية الجليلة والعظيمة التي يحبها الله عز في علاه.
من أعظم هذه الثمرات أن الإنسان يبلغ بتحقيقه لهذه العبودية يبلغ مبلغ الشاكر لله عز وجل؛ الشاكر لله الحامد لنعمه وفضله ومنته وعطائه. إذا تحقق في قلب العبد هذا الرضا فإنه يكون شاكراً لأنعم الله عز وجل، مثنياً عليها، راضياً بها، قابلاً لهذه النعم، ولا يتسخط ولا يرد هذه النعم، ويرى دائماً أنها ليست في حقه وإنما هي قليلة ليست عظيمة.
هنا الإنسان إذا تحقق هذا الرضا في قلبه، فإن النعم في عينه تعظم؛ النعم في عينه تعظم، لأنه يعرف أن هذا محض فضل من الله، لأننا لا نستحق هذا بأعمالنا ولا بأشكالنا ولا بألواننا ولا بجنسنا ولا بقبائلنا ودولنا، وإنما هو فضل من الله، هو محض فضل من الله. كل ما جأنا من نعم هي من الله، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].
ولهذا الإنسان إذا رضي بهذا الامر فإنه تتحقق فيه هذه العبودية العظيمة، عبودية الشكر دائماً لله، الثناء على الله عز وجل في كل أمر صغيراً كان أو كبيراً، فإنه يثني على الله عز وجل ويرد الفضل إلى ربه ومولاه على لسانه: الحمد لله. إذا أنعم الله عز وجل عليه قال: الحمد لله. إذا ابتلي قال: الحمد لله.
ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه ما يسره يقول: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا سمع ما يسوؤه يقول: «الحمد لله على كل حال، الحمد لله على كل حال». وهذا هو تحقيق في الرضا؛ رضا عن الله عز وجل، أن يكون الإنسان دائماً مثنياً على الله، ويحقق عبودية الشكر التي هي من اعظم العبادات لربنا ومولانا.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس». الإنسان إذا كان راضياً عن الله تحصل عنده فضيلة ومزية عظيمة، أنه دائماً يكون في سعادة ويكون في راحة؛ لماذا؟ لأنه يرضى بما قسمه الله له. أما الإنسان الذي لا يرضى فهو دائماً في شقاء وفي عناء، لأنه لا ينظر إلى النعم التي عنده، وإنما ينظر إلى النعم التي عند غيره. قد ينعم الله عز وجل عليه بنعمة المال، لكن ينظر إلى من هو أكثر منه فيشقى، وقد ينعم الله عز وجل عليه بنعمة السكن، ينظر إلى من عنده سكن أعظم من سكنه فيشقى.
لكن الذي يوفق ويسدد هو دائماً الذي ينظر إلى من هو اقل منه، ينظر إلى من هو أقل منه، ويعرف نعمة الله وفضل الله عز وجل عليه، ويكون حامدا لله دائماً. ولهذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا رأى مبتلى لابد أن ينظر بعين الفضل من الله له، فيقول: «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً».
هنا الإنسان؛ هذا نوع من الرضا، أن الله عز وجل أنعم عليه بنعمة الصحة والعافية، وعافاه من هذا البلاء. فهنا الإنسان دائماً يظهر لله عز وجل الفقر، ويظهر لله عز وجل الرضا عن كل ما يأتي من الله عز وجل. فهذه نعمة عظيمة ومزية كبيرة وثمرة عظيمة جداً يجنيها الإنسان إذا تحقق الرضا في قلبه، ويكفي كما قلنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس».
مشكلة الآن كثير من الناس أنه ينظر إلى الآخرين، وهذا ما تسبب أيضاً عدم الرضا عن الله وتسخط، وأيضاً أصبح عند الناس تطلع وتشوف لما في أيدي الآخرين، وهذا قد يسبب أحياناً العين والحسد الذي يكون في قلوب الناس، لأنه دائماً لا يرضى بنعم الله عز وجل، وإنما ينظر بالنعم التي عند الناس. وقد يصل إلى درجة من عدم الرضا يرى أن هذا لا يستحق هذه النعمة، وهذا والله كارثة ومصيبة إذا ابتلي بها الانسان، لأن هذا فيه اعتراض على قدر الله وعلى أحكام الله؛ من الذي أعطى؟ الذي أعطى هو الله.
والذي يعترض على هذا الأمر يقول: فلان ما يستاهل، فلان ما يستاهل؛ كلمة خطيرة جداً تخرج من ألسنة بعض الناس وهو لا يشعر، ولعلنا نبين حالها أكثر بعد الفاصل إن شاء الله.
للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديمآ قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفرج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد. وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور، منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير، تسيير التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقائه، ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها.
ويبتدأ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوي عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».
كما يستحب له السرى، وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وانيساً، والدعاء قريناً له وسميراً، فهو مظنة إجابة.
وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها. وإن نزل منزلاً دعا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فانه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والاتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين وكذا الجمع إذا كان سائراً، فان كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً، ويجوز له الجمع. ويستحب له ألا يطيل في السفر وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته. فان عاد من سفره ودنا من بلدته قال: آيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فقد توقفنا قبل الفاصل عند قبول الإنسان لنعم الله عز وجل ورضاه عن الله عز وجل، وفي المقابل هناك من لا يرضى ويتسخط، ويظهر من الأقوال ويخرج من لسانه ما يكون فيه غضب أو سخط من الله عز وجل على هذا العبد.
وذكرنا قبل الفاصل أن بعض الناس عندما ينظر إلى النعم التي في أيدي الناس ولا ينظر إلى النعم التي عنده فيشقى، وقد يبتليه الله عز وجل حتى بأמור قد تكون سبباً لسخط الله عز وجل عليه، كما قلنا قبل الفاصل، هناك من يقول مثلاً عندما يرى نعمة على أحد من البشر يقول: فلان ما يستاهل. هذه الكلمة أيها الأحبة يقولها بعض الناس ويتساهل فيها: فلان ما يستاهل.
يعني كأنه يقول: إن الله أخطأ، تعالى الله عز وجل عن ذلك، أنه أخطأ في إعطائه لهذه النعمة، لهذا المال أو لهذا المنصب أو لهذا الجاه أو لغيره. فهذه كلمات أيها الأحبة هي تخرج بسبب عدم رضا الإنسان عن ربه ومولاه، وعدم رضا الإنسان عن نعم الله عز وجل، وعن عدم رضا الإنسان عن أحكام الله عز في علاه، وهذه كلمات خطيرة جداً يحذر الإنسان منها.
فالمؤمن الموفق المسدد هو الذي يرضى بنعم الله، ويرضى بما أعطاه الله عز وجل، ويحمد الله عز وجل ويشكره على هذه النعمة. فان كانت قليلة فالحمد والشكر يزيدها بإذن الله، ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. فالحمد والشكر هو قيد النعم، يعود الإنسان لسانه دائماً أن يحمد الله عز وجل على نعمه وعلى فضله وعلى كرمه ومنه.
ونحن أيها الأحبة نتقلب في نعم كثيرة لا يعلمها إلا الله، والله الانسان لو تفكر في نفسه فقط: ﴿وَفِي أَنفُسِكَ أفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]. ننظر إلى هذه النعم التي نعيشها؛ نعمة الصحة والعافية، نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة المشي، نعمة الكلام، أنعام كثيرة لا يعلمها إلا الله. لو نظر الإنسان فيما يقابلها ممن فقدوا هذه النعمة عرف أنه من أغنى الناس، عرف أنه من أغنى الناس وتحقق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس». أي والله تكن أغنى الناس.
دائماً تشعر أنك في نعمة، في فضل، في خير من الله. هذا حال الإنسان الموفق الذي يقر ويعترف بنعم الله عز وجل عليه. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم مربياً لنا على هذه الفضيلة: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فانه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».
يعني الإنسان في النعم هذه ينظر إلى من هو أقل منه، لا ينظر إلى من هو أعلى منه، لأن هذا يجعله يتسخط ولا يرضى، ويشعر بقلة ما عنده، ما يقبل نعم الله عز وجل. لكن لو نظر إلى من هو أقل منه؛ إذا كان عنده مال ينظر للفقير، إذا كان يملك بيتاً ملكاً ينظر إلى المستأجر، إذا كان مستأجراً ينظر إلى من يعيش في العراء. فكل ما نظرت في نعمة تجد من هو أقل منك.
الإنسان الذي عنده أبناء ينظر إلى العقيم، العقيم ينظر إلى إنسان ابتلاه الله عز وجل بأمراض الدنيا وهو في نعم وفي صحة وفي عافية. فكل ما نظر الإنسان -أياً كانت عنده هذه الابتلاءات- فيجد من هو أقل منه وأشد منه وأبلى منه، فيرضى بنعم الله، يرضى بنعم الله عز في علاه.
قد رأيت مقطعاً قبل أيام لطبيب أكاديمي في جامعة في كلية الطب، يقول يذكر أنه دخل مع عدد من طلابه في سنة التخرج وهم يتكلمون عن قلة المكافأة، وفيه تسخط في كلامهم وعدم رضا. يقول: دخلنا على مريض وإذا به مريض مصاب بالسرطان في المريء ولا يستطيع أن يبلع ريقه، لو بلع ريقه لأصيب باختناق، فكان عنده -أكرمكم الله- دائماً يخرج ريقه في إناء بجواره.
فلما دخل أراد أن يربي هؤلاء الطلاب، فقال للمريض: ما هي أعظم مطالبك وأمانيك؟ يعني أعظم أمنية تتمناها؟ قال: أعظم أمنية أتمناها أن أبلع ريقي! أن أبلع ريقي!
انظروا يا إخوان، نحن نبلع ريقنا الآن، نتنفس، في نعم، في فضل من الله، في كرم، في جود، في خير عظيم، لكن لا نستشعر هذه النعم. فانكسر الطلاب وعرفوا أنهم كانوا في عدم توفيق في كلامهم وعدم رضا عن الله عز وجل فيما سبق، عندما رأوا هذا المسكين الذي يتمنى فقط أكبر وأعظم أمنية عنده أن يبلع ريقه.
فهذه يا إخوان نعمة عظيمة. نسأل الله عز وجل أن يديمها وأن يحفظها من الزوال. وهذا لا يكون إلا بالرضا عن الله عز وجل، أن نرضى عن الله عز وجل، وأن نرضى بالله، وأن نرضى بقضاء الله وبقدره، وبما أعطانا الله، وبما أنعم الله عز وجل به علينا، وأن نعود ألسنتنا دائما أن نترجم هذا الرضا بالشكر لله، ورد الفضل لله، وحمد الله عز وجل في كل أحوالنا وفي كل شؤوننا.
يعود الإنسان أيها الأحبة لسانه على كلمة الحمد لله. والله إن هذه من أعظم الكلمات ومن أجلها ومن أكبرها أن يعود لسانه الحمد لله. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الكلمة الحمد لله تملأ الميزان. كلمة تقولها، ومن منا لا يريد أن يثقل ميزانه يوم القيامة؟ كلمة الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض.
فحبذا أن يستحضر الإنسان دائما هذا الأمر، وأن يترجم ذلك بلسانه بأن يحمد الله، وأن يجعل الحمد جزءا من حياته، جزءا من أذكاره، الحمد لله الحمد لله، يكرر هذه الكلمة. والله ستتغير حياة الإنسان، ويشعر بالرضا والطمأنينة والسعادة والأنس بالله عز وجل، ويستشعر نعم الله عز وجل، ويكون في نعيم وفي غنى نفس.
لأن غنى النفس أيها الأحبة مطلب عظيم، وهو نعمة ينعم بها الله عز وجل على بعض العباد. بعض الناس عنده فقر في نفسه، حتى عنده من المال من الولد من الأهل، لكن هناك فقر في نفسه لأنه دائما ينظر إلى من هو أعلى منه، دائما قلبه فقير، قلبه فيه فقر لا يسده شيء أبدا مهما زاد من أمور الدنيا فهو يريد أكثر. لماذا؟ لأنه لا يقنع، انتفت عنده القناعة، وأصبح في قلبه من الفقر والحاجة ما لا يمكن أن يسد، مهما اخذ الإنسان من أموال الدنيا ومن جاه الدنيا ومناصب الدنيا لن يقنع، سيجد من هو أعلى منه وأفضل منه.
لكن الذي يقنع بما قسم الله عز وجل له ويرضى فانه يكون غني النفس، يكون غني النفس. وغنى النفس شيء عظيم، ولهذا يدعو الإنسان ربه: اللهم اجعلني من أغنى عبادك بك، ومن أفقر عبادك إليك. هذه دعوة عظيمة أيها الأحبة، هذا دعاء عظيم يحرص الإنسان عليه. اللهم اجعلني من أغنى عبادك بك، ومن أفقر عبادك إليك. أنت غني بالله وفقير إلى الله، أنت غني بالله وفقير إلى الله.
هنا يتحقق فعلا الرضا بالله والرضا عن الله عز في علاه، إذا ترجم الإنسان هذا الأمر، إذا تيقن بقلبه وترجم ذلك بلسانه أن ينطق به. وهذه والله مزية ومرتبة عالية ورفيعة لا يوفق لها إلا من أراد الله عز وجل به الخير، إلا من أراد الله عز وجل به خيرا؛ أن يكون دائما في رضا وفي قناعة وفي سعادة وفي أنس وفي طمأنينة بكل ما يأتي من الله عز وجل، بل ما يأتي من الله عز وجل فهو خير، ويعلم أن حتى البلاء إذا أتى فهو خير له؛ لأن الله عز وجل لا يأتي إلا بخير، وهو أرحم بنا من أنفسنا عز في علاه، أرحم بنا من أنفسنا، فنعم أن كل ما من عند الله عز وجل فهو خير لنا، علمنا أم لم نعلم، قد يكون هذا الخير في الدنيا، وقد يكون هذا الخير في الآخرة تكفيرا للسيئات أو رفعة للدرجات. لا شك أن الإنسان إذا تيقن هذا بقلبه وصل إلى هذه المرتبة العالية والرفيعة.
ونكمل إن شاء الله بقية الحديث بعد الفاصل إن شاء الله. يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم.
لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم. قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديما يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن دواء الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بادبهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه.
ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد،
قد توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن الرضا عن الله عز وجل وعما قسم الله عز وجل للعبد في هذه الدنيا، وهذه نعمة عظيمة إذا تحققت في قلب فإنه يكون غنيا بالله، يكون غنيا بالله وفي الوقت نفسه يكون فقيرا إلى الله. وهذه والله مرتبة عالية ورفيعة، وحبذا أن يسأل الإنسان دائما ربه أن يجعله من أغنى الناس به ومن أفقر عباده إليه.
هذه والله مرتبة عالية وعظيمة أن يكون الإنسان غنيا بالله وفقيرا إلى الله في الوقت نفسه. وهذا كما قلنا من ثمرات الرضا، من ثمرات الرضا إذا رضي الإنسان بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، ورضي بأقدار الله عز وجل، ورضي بالقدر خيره وشره، فإنه بإذن الله يكون غنيا بالله، فقيرا إلى الله، راضيا عن الله عز وجل، مطمئن القلب، سعيدا، فيه الأنس بالله عز في علاه. وهذه مرتبة عالية ورفيعة يسعى إليها المؤمن، ويسأل الله عز وجل أن يرزقه إياها.
أيضا من ثمرات الرضا البركة في الرزق. كما أن عدم الرضا قد يمحق البركة؛ لأنه يكون كفرانا للنعمة وجحودا لها، وهذا يكون سببا في سلبها عن العبد. في المقابل، الذي يرضى يبارك الله عز وجل له في رزقه. لماذا؟ لأن الراضي حامد وشاكر لله عز وجل، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. فهو يشكر الله عز وجل ويحمد الله عز وجل بعد أن يرضى عن الله عز في علاه في نعمه وفي عطاياه، فهذا يكون فيه الخير والبركة للعبد والزيادة في الرزق.
وقد لا تكون الزيادة حسية بل قد تكون معنوية؛ أن يطرح الله البركة في المال القليل، وفي العمل القليل، وفي كل ما يفعله، يطرح الله عز وجل فيه البركة. والبركة نعمة عظيمة، وإذا حلت البركة بالعبد أو بعمله فهو والله على خير عظيم. بهذه البركة قد يعمل عملا يسيرا ويبارك الله عز وجل فيه فيعظم عند الله، البركة التي تحل بسبب رضاه عن الله ورضاه بالله عز في علاه.
أيضا من الثمرات العظيمة التي يجنيها الإنسان بتحقق هذه العبادة القلبية وهي الرضا في قلبه، هذا ينتج عنه دخول الإنسان الجنة، وهي أعظم المنى والمطالب أن يصل الإنسان إلى جنة الرضوان. أعظم مطلب في هذه الدنيا أن يكون الإنسان من أهل الجنة برضاه عن الله، ورضاه بالله، ورضاه بدين الإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، ورضاه بالقدر خيره وشره، فإنه بإذن الله يكون من أهل الجنة.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدري يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد: «يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وجبت له الجنة». وجبت له الجنة وجوبا. وهذا ليس من كلامي يعني كلام يطلق هكذا، وإنما هو من لسان الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه: «من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وجبت له الجنة، وجبت له الجنة».
فهنيئا لمن تحقق هذا الأمر وهو الرضا عن الله والرضا بالله، حقق في قلبه، فإنه بإذن الله يكون من أهل الجنة. ولهذا عجب أبو سعيد رضي الله عنه وأرضاه كما جاء في رواية الحديث، عجب هذا الأمر وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدها، يعني حتى يريد أن يتأكد، يعني أمر عظيم: وجبت له الجنة. هذه منزلة ومرتبة عالية ورفيعة، وما من أحد إلا وهو يسعى إلى الجنة، فاذا كان هذا الأمر يوصله إلى الجنة فلا شك أن تحقيق الرضا مطلب عظيم؛ لأنه يوصل الإنسان إلى غاية مناه ومبتغاه، وهي جنة الرحمن عز في علاه.
أيضا من ثمرات الرضا أن ينال الإنسان رضا الله عنه، يعني هو يرضى عن الله فيرضى الله عنه ولا يسخط عليه. وبالمقابل، لو لم يرض عن الله سخط الله عز وجل عليه. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم عن صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]. وقال عن المؤمنين -أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم-: رضي الله عنهم ورضوا عنه. فنحن نرضى عن الله، وبالمقابل، وهو الأعظم والاجل والأكبر، أن يرضى الله عنا، أن يرضى الله عنا.
فمن اعظم الثمرات التي يجنيها الإنسان أن يرضى الله عز وجل عنه، ولهذا مر معنا في الحديث في حديث أذكار الصباح والمساء: «من قال رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا» ثلاث مرات في الصباح ثلاث مرات في المساء، كان حقا على الله عز وجل أن يرضيه يوم القيامة. وهذا يجعل الإنسان يحرص أشد الحرص على هذا الذكر في الصباح وفي المساء أن يقوله ليتحقق هذا الرضا من الله عنه.
وهذه نعمة وفضل ومنة من الله عز وجل على العباد بهذا الذكر اليسير الذي لا يأخذ إلا ثوان فيقوله الإنسان ويتحقق هذا المطلب العظيم وهذا الفضل الكبير أن يرضى الله عز وجل عن العبد.
أيضا الرضا عن أقدار الله عز وجل تصيب العبد، هنا أيضا هي دلالة على رضا الله عز وجل، وقد يكون هذا الإنسان يبتلى ببعض البلايا وبعض المحن والفتن، لكن قد يكون هذا بسبب حب الله له. وهنا الإنسان إذا وفق وهدي إلى هذا الأمر عرف أن الله عز وجل إذا أحب عبدا ابتلاه، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني ليس البلاء هو دلالة على عدم رضا الله عز وجل عن العبد أو دلالة على عدم حب الله للعبد، بالعكس، أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثال، ويبتلى الإنسان على قدر دينه.
فقد يحل البلاء وقد يعافى الإنسان، لكن قد يحل البلاء بالعبد هذا ليس دلالة على عدم رضا الله عز وجل ودلالة على أن الإنسان قد يكون في معاصي وذنوب، أبدا، قد يكون تمحيصا له، رفعة لدرجاته، وتكفيرا للسيئات والخطايا. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.
وبعض الناس قد يتسخط ويجزع ولا يرضى بما إذا اصابه مرض أو اصابه بلاء أو فتنة، ولا يرضى عن الله عز وجل، وهو لا يعلم أن قد يكون هذا بسبب حب الله له؛ لأن الله عز وجل قد يريد له منزلة أعلى من المنزلة التي يبلغها عمله فيبتليه الله عز وجل في الدنيا ليرفعه في الآخرة.
وإذا عقل الإنسان مثل هذا الأمر وعرفه وتعامل مع الله عز وجل بهذه الأحاديث التي جاءت على لسان الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه، امتلأ قلبه رضا عن الله ورضا بالله، وتحقق في هذا الأمر بأن يرضى الله عز وجل عنه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا»، يعني من رضي عن الله عز وجل في هذا البلاء فله الرضا من الله، يرضى الله عنه، «ومن سخط فله السخط»، يعني من تسخط يسخط الله عز وجل عليه عياذا بالله، ويصاب بمصيبته البلاء وسخط الله عليه. هو ليس فقط أصيب بالبلاء وإنما حل عليه سخط الله عز وجل عياذا بالله من ذلك. والمؤمن إذا رضي حل عليه رضوان الله عز في علاه بسبب صبره ورضاه عن الله عز وجل.
هذا ما يتعلق أيها الأحبة بهذه العبادة القلبية وعبادة الرضا، وهي عبادة عظيمة جليلة، أسأل الله عز وجل أن يحققها في قلوبنا، وأن يعافينا ولا يبتلينا، وإذا ابتلانا أن يرزقنا الصبر وأن يرزقنا الرضا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني