تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ما زلنا أيها الأحبة في هذه السلسلة المباركة من أعمال القلوب في أكاديمية زاد في مادة التربية الإسلامية. حديث اليوم عن عبادة قلبية عظيمة لها أثر في إيمان الإنسان، وفي تعلق القلب بربه، وأيضاً في حب العبد لربه ومولاه، وأعني بذلك عبادة التفكر.

التفكر في مخلوقات الله، التفكر في صنع الله، تفكر الإنسان في نفسه، تفكر الإنسان في الآيات العظيمة في هذا الكون. لا شك أن الإنسان إذا قلب النظر وتأمل في عظيم صنع الله عز وجل في نفس الإنسان وفيما حوله في هذه الدنيا، وفي مخلوقات الله الكبيرة والعظيمة في هذا الكون، لا شك أن هذا يعلق القلب بالخالق عز في علاه، يعلق قلب الإنسان بربه ومولاه وخالقه عز في علاه.

ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله عن أن في التفكر أكثره بركة على الإنسان: أن يتفكر الإنسان في أمر معاده وفي أمر دنياه، يتفكر في أمر المعاد وفيما يصلح أمره في معاده -يعني في الأخرى، في الآخرة- يتفكر في أمر الآخرة وما يصلح أمر آخرته، فيسعى في تحصيل ما ينفعه ويرفعه، ويتفكر أيضاً فيما يفسد عليه أمر آخرته فيجتنبه.

وكذلك يتفكر في أمر دنياه، يتفكر في أمر دنياه وينظر فيما يصلح دنياه فيسعى في طلبه وتحصيله، وينظر فيما يضره أو يفسد عليه أمر دنياه فيجتنبه. والتفكر الإنسان إذا وفق ورزقه الله عز وجل نور البصيرة في هذه الدنيا، فانه يتعلق بهذا الأمر ويكثر من هذه العبادة العظيمة التي كان بعض السلف أكثر كما جاء في تراجمهم؛ بعض السلف كان أكثر عبادة التفكر.

ولهذا يقول أبو سليمان الداراني: عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر. عودوا عيونكم البكاء، بمعنى أن الإنسان يستدر هذا الدمع الذي يخرجه من خشية الله، ولا شك أن هذا له شأناً عظيماً عند الله عز وجل على خصوصاً إذا كان الإنسان خالياً بعيداً عن أعين الناس. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». وقلوبكم؛ وعودوا قلوبكم على التفكر، أن الإنسان عندما يشغل هذا القلب بالنظر في آلاء الله عز وجل، وفي نعم الله عز وجل، وفي مخلوقات الله عز في علاه، عرف عظمة هذا الخالق عز في علاه، عرف عظمة الرب الذي يعبده والذي يعظمه ويجله ويوحده، هذا القلب إذا تغلب هذا التفكر لا شك أن له أثراً عظيماً جداً في إيمان العبد.

ومن أعظم ما تفكر به العبد وهو أقرب شيء إليه، هو التفكر في نفسه، يتفكر في نفسه. وهذا يعني من أيسر أنواع التفكر، أن ينظر الإنسان في نفسه في خلقه، ينظر في أعضائه، ينظر في تركيب جسده، لا شك أن هذا يعني يجعل الإنسان يعرف نعمة الله عز وجل عليه، ولهذا الله عز وجل في سورة الذاريات ذكر يعني هذا الامر نصا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21].

لأن بصر الإنسان بنفسه يعرف أو يجعل الإنسان يعرف نعمة الله عليه وفضل الله عليه، عندما يتفكر في نعمة البصر، في نعمة السمع، في نعمة المشي، نعماً كثيراً يتطلبها منها ما يراها ومنها ما لا يرى -يعني هو لا يرى القلب كيف يعمل ولا يرى هذه الأعضاء التي في الداخل كيف تعمل- وإنما هي تسير بأمر الله، صنع الله الذي أتقن كل شيء. ولهذا الله عز وجل ذكر هذا المعنى في آيات كثيرة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَبَكَ﴾ [الإنفطار: 6-8].

هنا الله عز وجل يقول: يا أيها الإنسان، ما غَرّك بربك الكريم. وهذا ليس فقط مجرد نداء، وكما قال ابن كثير رحمه الله يقول: يعني أنه نداء يتضمن التهديد والوعيد، الإنسان ما غرك بربك الكريم. ولهذا جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه يقول: غره جهله بربه. والذي ذكر الإنسان وجعله ينسى -يعني ما الذي يجعل الإنسان يطغى وتكبر وتجبر وهو يعرف أنه مخلوق من نطفة، وانه ضعيف لا حول له ولا قوة إلا بالله، ولو نابه شيء بسيط من امور الدنيا ما استطاع ان يفعل لنفسه شيئا الا بامر الله عز في علاه.

ولهذا يقول قتاده رضي الله عنه ورحمه يقول: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق لعباده ربه، إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة. الإنسان يكفي أن يتفكر في نفسه يعني هذه المفاصل وهذه الأعضاء التي بينها الله عز وجل، ولو يبست لما استطاع الإنسان أن يتنعم ولا يتمتع في حياته، لكن لين الله عز وجل هذه المفاصل لنستخدمها ولنتعبد الله عز وجل بها، ولا شك أن هذا يعني له اثر عظيم جدا في ان الإنسان يعرف نعمة الله عز وجل ويقدر هذه النعمة قدرها.

فإذا تفكر الإنسان في نفسه هذا دعاه أن يتفكر فيما هو أعظم من مخلوقات الله عز في علاه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57]. يعني الإنسان إذا غفل عن التفكر في نفسه والبصر في خلقه، فانه ولا شك سيكون يعني أكثر بعداً عن التفكر في مخلوقات الله العظيمة. لكن إذا وفق العبد وتبصر في خلق نفسه وفي هذه الأعضاء التي أعطاه الله عز وجل إياها ليعبد ربه، لين الله عز وجل له هذه الاعضاء يتصرف فيها ويحقق فيها عبادة الله عز وجل من السجود والركوع وغيرها من العبادات العظيمة التي يفعلها الإنسان تقرباً إلى ربه ومولاه.

فهذا تحقيقاً أو هذا يعني ما ذكره قتادة رضي الله عنه عندما قال: إنما خلق ولينت مفاصله لعبادة ربه. أيضاً الإنسان يتفكر حتى في الأشياء التي يفعلها دوماً وهي جزء من حياته، النوم مثلاً؛ النوم هذا له الشأن العظيم ويتفكر فيه الإنسان وذكره الله عز وجل في كتابه الكريم، ونذكره إن شاء الله نذكر الآية تتعلق به بعد الفاصل.

إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا، فإن هذا لون من الحاق الأذى بالمسلم لأنه يعود عليه بالحزن والخوف وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غما وحزنا، لذا حرم الاسلام التناجي، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].

ومن صور التناجي المحرمة: أن يتكلم اثنين بلغه مختلفه لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للاخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله وفي معناه -أي معنى التناجي- ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه لأن العلة موجودة.

فاذا كان الحديث دائرا بين اثنين بداية ثم أتى ثالث واراد ان يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا باذنهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما». واعلم انه إن دعت الضرورة إلى التناجي فانه يكون مباحا بشرطين؛ الأول: أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي. الثاني: أن يكون ذلك باذن الشخص الثالث ورضاه وإلا حرم. فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه.

فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه فانه سبحانه كفيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند نوع من أنواع التفكر وهو ما يفعله الإنسان في حياته اليومية، جزء من حياته، وهو النوم. وهذا نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم وهو عبرة وعظة وآية للانسان يدل على ضعفه ومسكنته وفقره إلى الله عز وجل. الله عز وجل ذكر النوم وربطه بالوفاة، ربطه بالوفاة فقال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42].

هنا الربط بين الجزء الثاني من الآية مع أولها: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أي أن الله عز وجل يتوفى الأنفس حين موتها حين دون أجلها، والتي لم تمت في منامها أيضاً يتوفاها الله عز وجل والنوم هو الموتة الصغرى. ثم قال الله عز وجل: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ التي كتب الله عز وجل عليها الموت يمسك النفس ولا تعود إلى ولا تعود هذه الروح إلى الجسد، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يرسل الأخرى التي توفاها الله عز وجل بالموت الصغرى وهو النوم، فيمسك ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 42].

التفكر هذا النوع الذي هو الموت الصغرى؛ الإنسان يغيب عن وعيه ولا يدرك ما حوله، يعرف أنه بهذه الموتة الصغرى أنه سيموت الموتة الكبرى، والإنسان إذا نام لا يدري هل ترد إليه روحه، ولهذا جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان ينام على طهارة وعلى ذكر الله عز في علاه، هناك أذكار النوم التي جاءت عن نبينا صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان لا يدري هل تعود هذه الروح إلى الجسد مرة أخرى أم يمسكها الله عز وجل ولا يعيدها وإنما يكتب عليها الموتة الكبرى.

هذا نوع من أنواع التفكر للإنسان في حياته أو في جسده وفي نفسه، أن يتفكر في مثل هذه الأمور التي يعيشها كل يوم، وهذا مما يحيي القلب ويجعل الإنسان يرتبط بربه ومولاه، وهو مرتبط أيضاً بالتفكر في آيات الله عز وجل. والقران مليء بهذه العبر والعظات والايات التي تتحدث عن هذه الأمور التي تربط الإنسان بالله وتجعل هذا القلب يخضع ويدل لربه ومولاه.

الله عز وجل يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ -اي هذا القران- ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. يكفي الإنسان والله أن يتفكر في هذا القرآن وأن يتدبر القرآن ليربط هذا القلب بالله، لا يمكن لإنسان تدبر القرآن وعاش مع القرآن أن يكون بعيداً عن الله عز وجل أو يجتري على محارم الله، وإنما الذي يعيش مع القرآن هو الذي يكون في قلبه النور والهدايه والتوفيق والرشاد والسعادة في هذه الدنيا. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] يهدي للتي هي أقوم من خيري الدنيا والآخرة إذا تفكر الإنسان، فإن في القرآن من الخيرات والبركات والآيات والعظات والعبر التي تجعل القلب يخضع ويدل لله، والعقل أيضاً يحار فيها لا يستطيع أن يحيط بهذا الأمر، والعقل قاصر في مثل هذه الأمور.

ولهذا يقول الله عز وجل أيضاً: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]. وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون. يعني هذه الأمثال التي ضربها الله عز وجل في القرآن في مثل هذا المثل؛ الله عز وجل هنا يقول: لو أنزلنا هذا القرآن العظيم على جبل عظيم، هذا الجبل الكبير القوي، لو أنزل الله عز وجل عليه القرآن لرايته خاشعاً متصدعاً من خشية الله. لكن هذه القلوب التي قست واصبحت أشد قسوة من الجبال لا تتاثر بالقران، هذا الله عز وجل يعني على هؤلاء يصنعون عليهم الذين لا يعيشون مع القرآن ولا يتدبرون القرآن ولا يتفكرون في آيات الله عز وجل التي أنزلها في كتابه الكريم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالَ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].

الإنسان إذا عاش مع أمثال القرآن وعرف أن كل لفظة كل ما أورده الله عز وجل في كتابه له عبرة وعظة وآية لحكمة أيضاً، فالإنسان عندما يتبصر بهذه الأمور لا شك أنه يرزق الخير والنور والهداية في حياته، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، فيبقى كلام الله عز وجل وتبقى هذه الآيات والعبر والعظات التي جاءت في كتاب ربنا عز في علا خصوصاً الأمثال، ولهذا الله عز وجل نص عليها: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالَ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].

الله عز وجل ضرب في القرآن أمثالاً كثيرة، مثلاً كثيرة، وهذه الأمثال الله عز وجل أيضاً ذكر في كتابه الكريم أنه قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالَ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]. العالم البصير الذي يدرك ويفهم ويتدبر هو الذي يعقل ويعرف ويفهم معنى هذا المثل ليؤثر في قلبه. الله عز وجل ذكر أمثالاً كثيرة في التوحيد والعقيدة وفي إفراد الله عز وجل بالعبادة، وفي أيضاً الرواية وفي الشرك والنفاق في القرآن في آيات كثيرة جداً ضرب المثل للناس ليكون هذا المثل يقرب لهم المعنى في هذه الأمثال التي أراد الله عز وجل منها أن يهتدي العباد بها، أن يهتدي العباد بهذه الأمثال لتكون خيراً لهم وبركة في حياتهم.

أيضاً من أنواع التفكر العظيمة، وهذا كله موجود في القرآن، لكن أيضاً القرآن يدل على تفكر يعني من نوع آخر، وهو التفكر في هذا الكون العظيم، وفي هذا الخلق العظيم الذي خلقه الله عز في علاه. هذا الكون العظيم الذي الإنسان هو عبارة عن نقطة صغيرة في هذا الكون، لا يشكل شيئاً؛ لا يشكل شيئاً إذا كان ما بين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام. ينظر الإنسان في هذه العظمة التي نراها الآن من السماء الدنيا، ونحن لا نرى السماء، وإنما نرى هذه الزينة التي جعلها الله عز وجل من هذه النجوم والكواكب التي جعلها في السماء، وإلا لا نرى السماء بعيدة جداً.

هذه الشمس التي أعظم جرماً من الأرض، والتي نراها بهذا بهذا الحجم الصغير، التي تشرق صباحاً وتغرب مساءً؛ هذا كله عبر وعظات الله عز وجل جعلها لنا في هذه في هذه الحياة، ويرتبط الانسان بربه. وليد الله عز وجل يعني ذكر لنا في آيات كثيرة ذكرنا: ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: 32-33]. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، يسيران كل يوم وكل ليلة؛ يبدأ اليوم بشروق الشمس وينتهي بغروب الشمس، والقمر يخرج ليلاً ويبدأ من أول الشهر ثم هلالاً ثم يكون بدراً ثم يرجع هلالاً مرة أخرى؛ هذا كله يكون عبرة وعظة للناس.

وسخر لكم الليل والنهار واتاكم من كل ما سألتموه ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. يعني بعد أن عدد الله عز وجل هذه النعم العظيمة الجليلة، قال الله عز وجل ليبين حال الإنسان الذي غفل عن هذه الآيات العظيمة، قال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]. إن الإنسان لظلوم لنفسه في عدم تفكره في آيات الله، كفار يعني أنه قليل الشكر لله عز في علاه. إن الكفر يذكر في القرآن؛ الكفر الذي يقابل الإسلام، وهناك الكفر الذي يقابل الشكر كفر النعمة، كما قال الله عز وجل: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. المقصود به هنا كفر كفر النعمة. الله عز وجل أعطانا هذه الآيات نتفكر ونتدبر وننظر في مخلوقات الله العظيمة ليزداد الإيمان في قلب العبد.

نقف في فاصل قصير ثم نعود إليكم بإذن الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه اجمعين. توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند النظر والتفكر في آيات الله عز وجل في هذا الكون، في هذا الكون العظيم. أيضاً الله عز وجل ذكر في آيات كثيرة ما يدل على العناية بهذه العباده القلبية العظيمة. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]. وكأي من آية في السماوات والأرض دالة على عظمة هذا الكون، على عظمة هذا الخلق، على هذه الآيات العظيمة التي جعلها الله عز وجل لنا أن نتفكر ونتدبر ونقلب النظر في هذه الآيات العظيمة لنعرف عظمة الله عز وجل، لنعرف عظمة الله عز وجل وعظمة خلق الله عز وجل. ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88]. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. وهذه الآية عجيبة؛ يعني ختم هذه الآية بهذه الجمله الجليلة التي فيها تخويف للعباد.

يقول الله عز وجل: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]. يعني هم يعرضون عن هذه الآيات؛ يمر عليها، نحن الآن ونحن في طريقنا إلى أي مكان كم من آية نراها؛ الشمس إذا كان في النهار، القمر إذا كان في الليل، النجوم، الكواكب؛ نمر على آيات عظيمة، آيات عظيمة نراها من خلق الله عز وجل ومن عظيم صنع الله عز وجل في هذا في هذا الكون. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. وهذا عجيب؛ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. كيف يؤمنون وهم مشركون؟ المقصود بالإيمان هنا الإيمان بربوبية الله؛ الإيمان بربوبية الله أن الله هو الخالق والرازق والمعطي والمانع والقابض والباسط، هذا الإيمان بالربوبية. لكن هل هذا ينفع الإنسان؟ لا، لابد من الإيمان بتوحيد الألوهية والربوبية يستلزم توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية ولا يكفي، وإلا كفار مكة كانوا يعني يؤمنون بأن الله عز وجل هو الخالق ﴿وَلَئِن سَألتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]، لكن هذا لم ينفعهم لما قال الله أن النبي صلى عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله رفضوا، هذا هو توحيد الألوهية أن لا يعبد إلا إلا الله عز وجل. ولهذا قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106] بألوهيته وإفراده وتوحيده بالعباده، فهم يؤمنون بتوحيد الربوبية ويشركون بتوحيد الألوهية. وهذا لا ينفعهم ولا ينجيهم عند الله عز وجل، فاذا لم يوحد الإنسان الله في عبادته فانه لا وزن له ولا قيمه له عند الله عز وجل، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم على الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. حتى توحيد الربوبية يجعله الله عز وجل بالنسبة للكفار هباءً منثوراً، فلا ينفعهم عند ربهم ومولاهم في علاه.

أيضاً مما يحيي القلب في عبادة التفكر أن يتفكر الإنسان في نعم الله عز وجل على يتفكر في نعم الله عز في علاه النعم العظيمة التي متقلب فيها. والانسان لو ننظر يعني فيما ينعم الله عز وجل عليه في حتى في نفسه؛ نعمه الاكل، نعمه الشرب، ما سخر الله عز وجل لنا من هذه النباتات، هذه الفواكه، هذه الاطعمه، هذه الحيوانات التي سخرها الله عز وجل لنا كل منها وجعل منها يعني ما هو حلال يؤكل؛ هذه كلها من نعم الله علينا، من نعم الله عز وجل علينا. فيتفكر الانسان في هذه النعم العظيمه والمخلوقات الجليله التي هي عبره وعظه للعباد، لان المقصود الاعظم المقصود الاعظم هو ان نعبد الله عز وجل. يعني هذه الحيوانات وهذه البهائم اكرمكم الله ليست مكلفه، وانما هي مسخره لنا، كما قال الله عز وجل في سوره الجاثية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. الله عز وجل سخر هذه المخلوقات للعباد نعمه وفضل وكرم وجود ومنه وعطاء من الله عز وجل على لكن هذا يحتاج منا الى ان نعرف نعمه الله نعرف نعمه الله عز وجل علينا ان نتفكر فيها وان نشكره بالتالي على هذه النعمه.

وعباده الشكر عباده عظيمه جليله كبيره لا يصل اليها الا من تفكر في هذه الانعام وهذه الفضائل وقلب النظر بعين البصيره قبل البصر، قلب هذا العقل وهذا القلب في هذه الانعام الكبيره جدا والفضائل التي لا تعد ولا تحصى من كرم الله وجوده وجوده علينا. فالله عز وجل اعطانا يعني سواء في البر او في البحر هذه كلها انعام عظيمه سخرها الله عز وجل لنا من اطعمه البر ومن اطعمه البحر كلها تسخير للعباد. بل سخر الله عز وجل لنا حتى بعض المخلوقات التي هي في خلقها عظيمه مثل الابل وغيرها، الله عز وجل ذكر في القران قال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]. يعني الانسان يتفكر حتى في هذا المخلوق العجيب العظيم الذي سخر الله عز وجل لنا لبنه ولحمه واكل منه، وايضا سوف ناخذ من من كان يحتاجونهم في الباديه. وايضا من عجيب صنع الله عز وجل في هذا المخلوق العظيم انه يقوده طفل صغير يستطيع ان يقود هذا هذا المخلوق العظيم، وهذا مما يعني نص الله عز وجل عليه في القران: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] لأنها من المخلوقات التي كانت متوفره عند العرب وينظرون هذه النعمه العظيمه في عظيم خلق خلق عز وجل العظيم صنع الله عز وجل في هذا المخلوق، وغير ذلك من الانعام الكثيره الجليله الكبيره في حياه الناس.

أيضاً مما يحيي القلب في عباده التفكر أن يتفكر الإنسان في عاقبته في هذه الدنيا وفي نهاية هذه الدنيا وأخرته. يتفكر الإنسان في أن الدنيا فانية، وأنه لن يبقى وأنه سيموت؛ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. لو جلس الانسان مع نفسه عندما يتجرا على المعاصي او توسل له نفسه او تدله وتزين له الشر، فان الانسان يعرف انه سيموت حتما ولا شك، وقد تكون نهايته عند فعل هذه المعصيه وعند وقوعه فيها، وهذا مما يجعل هذا القلب يعني يتعلق بالله ويخاف من الله عز وجل ويبتعد عن المعاصي وعن الذنوب، لان الانسان لا يعرف متى نهايته لا يدري متى نهايته الله عز وجل جعل هذا من علم الغيب من علم الغيب. ففي اي لحظه قد ياتي الموت بالانسان، في اي لحظه قد يكون هو في مسرور عند اهله وبين اولاده فيقبض الله عز وجل روحه وفي تلك الساعه. فهذه يعني من الاشياء التي تجعل الانسان عندما يتفكر ويتدبر فيها لا شك انها تحيي هذا القلب.

عندما ينظر الإنسان في الأمم الثالثة السابقة التي هلكت بصفتها ومتجبريها ومستكبريها على في الأرض وطغى وبغى وتجبر ومن قال: أنا ربكم الأعلى وغير ذلك، من الذي قال: أنا أحيي وأميت؟ يعني من هؤلاء الذين عاثوا في الأرض فساداً ووصلوا في الظلم والطغيان إلى أعلى درجة، أين هم الآن؟ أين هم الآن؟ هم تحت الأرض، تداس هذه الأرض التي هم المقبورون فيها. فالإنسان إذا تفكر مهما وصل به الطغيان سواء الطغيان في الحكم كفرعون والنمرود وغيره، أو الطغيان في المال كقارون أو الطغيان في المنصب كهامان وغيره، فإن الإنسان يعرف أن النهاية هي الموت المحتم. ولهذا لما ينظر الإنسان ويتدبر في قول فرعون عندما طلب من الله عز وجل أنه يؤمن كما آمن بنو إسرائيل، لكن هذا لم ينفعه، وإنما ختم الله عز وجل بتلك الخاتمه السيئه ومات كافرا ويعذب في قبره ويعذب في الاخره كما نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم. هذه يعني ما يتعلق في هذه العباده عباده التفكر، ولا شك ان هناك ايضا يعني امور اخرى تتعلق بهذه العباده نرجئها الى الحلقه القادمه باذن الله، والحمد لله والصلاة والسلام.